تحليلات

أبعاد الحرب الأمريكية-الإيرانية من المنظور الجيوبوليتيكي

طباعة

استدعت ديناميكيات الحرب الدائرة ما بين طهران وواشنطن وفى المنتصف الكيان -انطلقت فبراير 2026، عدة من التساؤلات تدار الآن بالأروقة البحثية، يتعلق معظمها بتوقيت وطبيعة التحولات ما بين المستهدفات الاستراتيجية والتكتيكية للأطراف المتصارعة؟ الكيفية والتي يسهل معها فهم التفسيرات أو صياغة المبررات تجاه التناقض الواضح ما بين الخطابات السياسية للقادة من جانب، وبين اتجاهات التعاطى مع المشهد من جانب آخر؟ وهل بإمكان الفواعل الأصليين في الصراع الدائر التوقف، دون إحراز مستهدفات تُذكر؟ والأهم ما معايير قياس المستهدفات حال إنجازها؟ عن العامل الإسرائيلي، هل سيمثل حجر عثرة أمام أية مفاوضات يتم التوصل لها؟ و ما المتوقع أيضا حال استنفاد طهران لأوراقها الضاغطة؟ وأخيرا هل اقترب تشكيل النظام الإقليمي، أم لا يزال طور التمخض؟ غير أن مسرح العمليات المعقد والذى ما يزال يشهد المزيد من التطورات ناحية التصعيد العسكرى والعملياتى بين الأطراف كافة، يصعب معها صياغة السيناريوهات والمتعلقة باحتمالات مسارات الحرب أو حتى توقيت نهايتها، وفى ضوء أصول التحليل الاستراتيجي وما تقتضيه من الاستعانة بالمعطيات والمؤشرات من أجل الدفع بجملة من السيناريوهات والاحتمالات، حول مستقبل هذا الصراع وتداعياته، ومع الوضع فى الاعتبار تغيرات اللعبة السياسية وأصولها.

وللمساهمة فى الإجابة عن التساؤلات المطروحة بالمقدمة، وجب الاستعانة بالنظرية الجيوبوليتيكية، لفهم أعمق حول انخراط الكبار، وإمكانات طهران، خاصة ما يتعلق بسياسات النفس الطويل، لا تزال الاجتهادات تتواتر من أجل فهم الأوضاع المحيطة ومستجداتها على الصعيدين الإقليمي والدولى، ولعل حقل العلاقات الدولية ونظرياته وما يذخر به من إسهامات وتحليلات والأهم مدارس شكلتها هذه النظريات وتحليلاتها، عٌد الوجهة الأقوى للنخب من الأكاديميين والمتخصصين فى العلوم السياسية بفرعيها إن كان العلاقات دولية أو النظم السياسية، وفى هذا التوقيت الحرج تحديدا من تاريخ الأوطان.

مضمون النظرية الجيوبوليتيكية وافتراضاتها:

تعددت التعريفات لفهم النظرية الجيوبوليتيكية وافتراضاتها، سيما مع تعدد الصراعات المعاصرة وتغير طبيعتها التقليدية، ربما اختلافها شكلا ومضمونها عن الحروب القديمة، مما دفع بنظريات العلاقات الدولية واتجاهاتها الحديثة من أجل صياغة التفسيرات والمبررات، وفى هذا الإطار تعددت روئ وقناعات العلماء والفلاسفة تجاه صياغة تعريف جامع شامل للنظرية الأهم من بين نظريات العلاقات الدولية، فبينما عرف كارل هاوسهوفر الجيوبولتيك على أنه العلم القومي الجديد للدولة وهي عقيدة تقوم على حتمية المجال الحيوي بالنسبة لكل العمليات السياسية، من خلالها ربطت ماري كلاوس بين قيادة القوة على المستوى العالمي والإطار الجغرافي الذي تقاس فيه، فيما يرى لاكوست، بارتس شابمن أن الجيوبولتيك هي دراسة لمختلف أشكال صراع السلطة على الأرض، والقدرة تقاس بالموارد التي يحتويها الإقليم وبالقدرة على التخطيط خارج الإقليم(1).

ترتكز أهم افتراضات النظرية الجيوبوليتيكية على مدرستين أساسيتين:

أولا- المدرسة الألمانية:

من أهم المدارس الكفيلة بصياغة جملة من التفسيرات تجاه معظم الصراعات الدائرة، ويعد راتزل، كارل هاوسهوفر من أهم روادها، وربما مرتكزاتها متعلقة بالدولة، كونها مجالا حيويا بحاجة للتمدد والاتساع، هذه الدولة نفسها تملك عددا من المقومات سيما ما يتعلق بطبيعتها الديمغرافية، والأهم واقعها الجغرافى وطبيعته، إلى جانب عاصمتها رمز القوة والتى وجب أن تكون بقلبها الآمن(2)، وتعترف المدرسة الألمانية بأن رغبات الدول فى التوسع هى من تدعوها إلى الهيمنة والسيطرة ومن ثم الصدام.

ثانيا- المدرسة الأمريكية:

تنطلق المدرسة الأمريكية من قناعة مفادها أن السيطرة البحرية كفيلة بخلق السيطرة العالمية، فالقدرات البحرية للولايات المتحدة وأساطيلها قد تمكنها من السيادة الجغرافية، وأبرز روادها نيكولاس سبيكمان، وماهان والذى ارتأى فى قدرات الدول البحرية والكفيلة بالهيمنة على الأقاليم والتى تجمعها عبر البحار، وبناء عليه برُرت تدخلات الولايات التحدة وعقب مبدأ مونرو فى شئون أوروبا، وهو المبدأ نفسه الذي يحظر التدخلات الأمريكية فى أوروبا والعكس، وقد ركز ماهان على أهمية الاستثمارات المنتظمة للطرق البحرية كونها عدت بمثابة قوة يمكن الانطلاق منها(3).

البعد الجيوبوليتيكي للصراع الأمريكى-الإيرانى بين التطورات التكتيكية والاستراتيجية:

تتحكم فى الصراع الدائر ما بين طهران وواشنطن مجموعة من العوامل الجيوبوليتيكية الدافعة تجاه التطورات على المستويين الاستراتيجي والتكتيكي، ولتناولها بشكل جاد يتحتم الاستعانة بخطاب ترامب الأول والأهم منذ اندلاع الحرب والذى ألقاه بالبيت الأبيض، و كشف عن عدم تبلور الرؤية الأمريكية حتى عقب مرور ما يقارب الشهر على صراعها مع إيران، و هو ما لا يبرهن بالضرورة على ضعف التخطيط أو عدم القدرة على التعاطى مع المشهد -وإن شكلت هذه العوامل ولو نسبة ضئيلة- لكن يمكن فهمه فى إطار الطبيعة الدراماتيكية للحروب وتداعياتها، ولعل أحدث المقاربات على ذلك هو الحرب الدائرة ما بين إسرائيل وحماس بالقطاع، فمع التفاوت الواضح فى القدرات والإمكانات لصالح إسرائيل، حتى صنفت بالحرب الأكثر كارثية على المستوى الإنسانى منذ الحرب العالمية، ومع ذلك عدلت إسرائيل فى استراتيجيتها مرارا، واعتمدت التخطيط حتى مع الطرف الأضعف، بالتالى يُدرك جدا التعاطى الأمريكى المتقلب وربما المتناقض مع إيران، ومنه فإن الخطاب نفسه اتسم بجملة من النقاط:

أولا- غياب المعايير وبروز حيز الغموض:

اتسم خطاب ترامب بحيز يذكر من الغموض تحديدا تجاه مستقبل الصراع الدائر، حجم المنجزات أو طبيعة المستهدفات والتى تم إحرازها، كما برز فى عبارات "الأهداف الاستراتيجية قد اكتملت"، "نراقب أهدافا سياسية" ومع ذلك لم يذكر أيا منها، استخدم أيضا عبارات مطاطة" لقد تم تدمير إيران فعليا" دون توضيح لمعايير أو مقاييس يمكن القياس عليها أو من خلالها يتم الجزم فعليا بتدمير إيران، حتى عبارات "دمرنا سلاح الجو" ليست منطقية، بينما تستمر المسيرات الإيرانية فى هجماتها على الخليج، أيضا "انتهت البحرية الإيرانية" ليست صحيحة بينما إيران أحدثت سيطرة شبه تامة على مضيق هرمز.

لم يوضح كيفية تأمين الحلفاء -تحديدا بالخليج- وربما أسهم فى مزيد من التوريط بقوله: " عليهم تأمين هرمز"، والأهم افتقر الخطاب للتسوية الأهم من يملك إعادة بوصلة الاقتصاد العالمى إلى مساراتها؟ عقب مخاوف من اختلالات واضحة، حتى وقتنا هذا لم تتبلور على خلفية جانب التحوط الجيوسياسي والذى ينتهجه الكبار فى المقدمة الصين واليابان، وبديهى معظم الدول الأوروبية، حيث أفرجت اليابان، فقط، عن أكثر من 400 مليون برميل ضمن أهم مخزوناتها النفطية، وهو ما يعد مؤشرا إيجابيا حول احتمالات مرونة هذه الاقتصادات وصمودها شريطة التوقف عن الصراع الدائر، وتجنب مد فترته أو إطالة أمده.

ثانيا- خديعة لا تناقض:

هو المتوقع من مناهج السياسات الخارجية للكبار وخلفيات تعاطيهم مع الإشكاليات المعقدة أو بالأكثر الحروب، يظل هنالك جانب غير معلن ولا يتم الكشف عنه، وربما يقتضى معه كل الاحتمالات، فالسيناريوهات كافة مفتوحة، ما برز فى الحديث عن النصر واحتمالات إنهاء الحرب، ثم معاودة التأكيد على مواصلة الحرب إذا ما اقتضت المعطيات، وهنا يصعب الجزم بأن ثمة تناقضا فى الخطاب الأمريكي، بل محاولات إتاحة الظروف بما يجعلها تخدم على المصالح الأمريكية.

ثالثا- استحضار المقاربات التاريخية:

تعمد ترامب الاستعانة بالمقاربات التاريخية والمتعلقة بالهجمات الإيرانية على البحرية الأمريكية، تفجير ثكنة للمارينز وتفجير المدمرات، فى تبرير لموقفه حول دوافع شن الحرب، أيضا وصف إيران " بالإرهاب" نحارب "إرهابيين"، وهنا اتجه الرئيس الأمريكى ناحية مخاطبة الرأى العام الأمريكى مستخدما مصطلحات بعينها "أسلحة نووية"، "جرائم وحشية"، "عنف"، "قمع"، وجميعها قادرة على استحضار نموذج تفجيرات الحادى عشر من سبتمبر وما فعلته بالمواطن الأمريكي، ومن ثم كفيلة بإذابة حملات الرفض لهذه الحرب، سيما عقب اندلاع الاحتجاجات الأمريكية المناهضة للصراع، بالمقابل سعى إلى تعزيز سردية الانتصار، وتكرار اللفظ والمصطلح "انتصرنا، انتصار، النظام الإيرانى انتهى"، وهنا تعمد تشكيل قناعات تؤمن بانتصار أمريكا وأحقية ترامب فى خوض هذه الحرب، وليس مجرد توجهات تقبل بالحرب وتدعمها، على خلفية داعمى بوش فى الحرب على العراق ووقتها جاءت مراكز الأبحاث ThinkTank، مؤكدة أن نسبة مؤيدى الحرب على العراق 2003 تجاوزت 73%، فى حين بغت نسبة داعمى ترامب أقل من 59%.

رابعا- المزايدة على سابقيه:

عدت ضمن أبرز وأهم التفسيرات والتى طالما دفعنا به فى فهم المشهد، أن ترامب تحرك فى هذه الحرب للمزايدة على سابقيه من رؤساء أمريكا، ليصرح علانية فى هذا الخطاب " فعلت ما لم يفعله رئيس غيري، أصحح أخطاءهم".

خامسا- مجال للتفاوض:

كما ذكرنا أعلاه أن السيناريوهات جميعها لا تزال متاحة، سواء التصعيد أو التهدئة، إلا أن ترامب فى خطابه ترك مساحة محترمة لعودة المفاوضات، فى قوله " النظام الحالى أقل تشددا وأكثر عقلانية" وكأنه يمهد الطريق عبر إزالة الحواجز، وإن بقيت فجوات غياب الثقة بين الأطراف على خلفية متلازمة الهجمات والمفاوضات، والتى رسختها أمريكا تجاه إيران، بالمقابل فإن القرار الأيديولوجى فى هذا التوقيت بيد الحرس الثورى، مع انخراط محسوب من قبل الإصلاحيين.

ومن ثم فإن الخطاب فى مجمله سواء مردوداته أو رسائله، من الممكن أن يسهم مع النظرية الجيوبوليتيكية، والتى تمت الاستعانة بها، من أجل قراءة استراتيجية أعمق لتحولات الأطراف، ومستهدفاتها، والأهم الطبيعة الديناميكية التى تتطور بها الأحداث ومجرياتها استراتيجيا وتكتيكيا.

التحولات استراتيجيا وتكتيكيا:

استراتيجيا، فإن ترامب والذى اتهمناه كونه غير قارئ للتاريخ، وربما القريب، إلا أن الرئيس الجمهورى أثبت وعيه التام بالمراحل المفصلية والتى مرت على الولايات المتحدة، الدولة الإمبريالية والتى تنظر إلى النفط كونه ليس فقط رافعة نهضتها الصناعية والعسكرية، لكن بالأكثر أداة التحكم الجيواستراتيجية لديها فى الاقتصاد العالمى وتقلباته، وربما على غرار الدولار والذهب، ما يكشف عن مرحلة منتصف السبعينيات، ليس حينما اتجه نيكسون إلى السعى ناحية تحقيق الاكتفاء الذاتى، وعقب حظر تصدير البترول من الخليج إلى الولايات المتحدة على خلفية دعم الأخيرة للكيان، لكن أيضا حينما تلاعب شاه إيران آنذاك بأسعار البراميل المُصدرة إلى الولايات المتحدة، فى تحكم واضح لم ينتهج خلاله سياسات الخليج تجاه تقييد واشنطن، إنما استغل الرئيس الإيرانى آنذاك رضا بهلوى التطورات ما بين الخليج وواشنطن لتعظيم عائدات طهران السنوية من النفط لتقفز من 5 مليارات دولار، متجاوزة 19 مليار دولار، فى التوقيت نفسه سعت فنزويلا لتأميم نفطها تجاه احتكار الشركات الأمريكية، ما تسبب فى تقييد الخناق على الدولة الإمبريالية، وهو ما اتفق مع تصريحات ترامب عقب تغيير النظام الفنزويلي بدايات العام، ومن ثم إعطاء التعليمات التنفيذية بمحاصرة نفط فنزويلا وتحصيل عائداته، بقوله "نعيد ما نهبته كاركاس"، ما يكشف عن مستهدف أمريكى استراتيجي تعلق بالسيطرة على النفط أُعلن عنه مؤخرا، حتى وإن لم يكن مستبعدا لكن برُز تقويض البرنامجين الباليستى والنووى وتغيير النظام أكثر استراتيجية منه، بالمقابل فإن الصراع الإسرائيلي-الإيرانى والذي عُد ضمن عوامل حفظ توازنات المنطقة، برزت خلاله واشنطن كداعم لحليفتها والأهم مصالحها بالشرق، بالتالي فإن إحكام واشنطن التحولات ما بين المستهدفات سواء استراتيجية أو تكتيكية جاء في إطار أساس مفاده هو دعم الحليف ثم تحول في خطاب آخر إلي تغيير الجمهورية الإسلامية لينتهي به المطاف إلي السيطرة علي النفط الإيراني، ومن ثم يواصل ترامب إحكام اللعب والتبديل ما بين المستهدفات تكتيكيا واستراتيجيا بحسب الديناميكيات ما فُهم في إطار التناقضات، لكنها أبعد ما يكون عن ذلك، ولعل أحدث تصريحات ترامب والتى كشف فيها عن النفط كمستهدف برز استراتيجيا جعل من مستهدف تغيير النظام الإيرانى من استراتيجي تحول وأصبح تكتيكيا، وهكذا يستمر فى التلاعب، حتى الخطاب الأخير والذى تحدث فيه عن إمكانية ترسيخ واقع عسكرى يتحرك فيه ناحية العودة إلى ضرب إيران حيثما اقتضى الموقف، ومن ثم تحول المستهدف التكتيكى بضربة عملياتية سريعة إلى واقع عسكرى استراتيجي، وبالنسبة لإيران فإن آلياتها الاستراتيجية فلا تزال عرضة لخطر الاستنفاد والتحول إلي الأطر التكتيكية علي خلفية احتمالات توقف الفعالية، ومع استخراج كافة الأوراق للعب بها حتي ما تم التحفظ عليها وفي المقدمة الحوثي كلاعب محوري يملك السيطرة علي حالة اللايقين المركزية في الملاحة البحرية، بالتالي فإن استراتيجيتها فيما يخص التخديم والنفس الطويل في الصراع الدائر كونه أبرز أسلحتها الاستراتيجية لا تزال بعيدة عن البلورة، وفي ضوء تعدد مراكز القرار الأيديولوجية وإشكاليات الداخل تحديدا الاقتصادية والمجتمعية والمتزايدة بتزايد الانخراط في الصراع الدائر، وربما قد يتحول الهدف الاستراتيجي إلي تكتيك ينهار أو يتحلل معه النظام، والحقيقة ورغم جيوبوليتيك النفط لم تكن واشنطن المنخرطة فى الصراع لتعتبر إيران ضمن مهدداتها الأساسية -علي الأقل في هذا التوقيت- على غرار خصومها الأساسيين روسيا والصين، ورغم ما أوضحناه من مستهدفات، يظل بالتوازى معها أيضا تماس الصراع نفسه والمرحلة المفصلية والتى نعاصرها على المستويين الإقليمي والدولى، وما يميزها من قناعات جيوبوليتكية ينتهجها الكبار وحلفاؤهم، حيث تبزغ مفاهيم القوة الأمريكية الخشنة وربما الغاشمة لتحكم السياسات الخارجية والتى تستعين بموارد هذه القوة وقدراتها أيضا فى إحكام السيطرة وإخضاع الخصوم، إلى جانب الرغبات التقليدية والمتعلقة بالأطماع التوسعية، والتى طالما صرح عنها ترامب علانية فى خطاباته، وعلى غرار السيطرة التامة على فنزويلا والنجاح فى تغيير نظامها السياسي، بخلاف العقيدة الإسرائيلية بالمنطقة -منذ 1948- والتى رسخها بن جورجيون أن حدود إسرائيل سيحددها أبناؤها، فى إشارة إلى التنويعات المحتملة وإقامة المشروع الإسرائيلي أى إسرائيل واحدة، جميعها قناعات خدم عليها المنظور الجيوبوليتيكى.

 ثمة جملة من العوامل تؤطر لاستمرار الحرب الدائرة، كونها جولة من جولات الصراع التاريخى بين الجانبين، أهمها رغبة واشنطن فى إرساء واقع عسكرى كما برز فى خطاب ترامب الأخير، أيضا عدم قدرة أي من الطرفين على تحقيق مستهدفاته سواء طهران من جانب أو إسرائيل وأمريكا من جانب آخر، على خلفية بديهية تعلقت بتغير النمط المعاصر من الصراعات أو الحرب، والتى أصبحت تعرف بحرب الاستنزاف حيث يصعب معها تحديد المهزوم أو المنتصر، وبينما حددت واشنطن مجموعة من الأهداف تحولت ما بين الاستراتيجية والتكتيكية كما استفضنا أعلاه، تسعى لتحقيقها جراء الصراع الدائر ومعها إسرائيل أيضا، انتهجت طهران مقاربتها التقليدية والمتعلقة بالصمود تجاه القوة العسكرية الأقوى وحليفتها أو ما يعرف بابتلاع الصدمة، أى لا يزال الجانب الأمريكى غير قادر على تحقيق هذه المستهدفات والمتمثلة فى تغيير النظام الإيرانى وتقويض البرنامجين الباليستى والنووى أو ما كُشف عنه مؤخرا السيطرة النفطية، ذلك فى ضوء غياب المعايير والتى يمكن القياس عليها وتحديد إلى أى مدى تمكنت واشنطن وحليفتها من تدمير البرامج الإيرانية، حيث إن معظم التصريحات الأمريكية بخلاف أنها جاءت متضاربة ما بين الأجهزة والمؤسسات الأمريكية فيما يتعلق بحجم ما تم تدميره من القدرات الإيرانية سواء فى يونيو 2025 أو حتى فى هذه الحرب الدائرة، فإن قدرات إيران الصاروخية وحجم المسيرات التى تم استخدامها تكشف عدم حقيقة الادعاء الأمريكي، صحيح أن هنالك حجما يذكر من التدمير، لكن يصعب معه التسليم بالتقويض التام، وعليه لا تزال واشنطن بعيدة عن مستهدفاتها، بينما بقاء النظام الإيرانى وعدم تحلله رغم التطويق من أمريكا وإسرائيل عٌد مكسبا إيرانيا، وبالرغم من أن ترامب كان يدرك جيدا أن كلفة العودة والتراجع عن هذه الحرب الدائرة تفوق الاستمرار فيها، علي خلفية التخوفات من تصدير مشهد تبرز فيه واشنطن تراجعت أمام طهران، إلا أن إعلانه حيزا من التهدئة يكشف عن رغبة رأسمالية فى إحكام التسويات الاقتصادية وقبيل العسكرية جراء الإجادة الإيرانية للمناورة عبر التوظيف الممنهج للأذرع والتى تركت دواخل أوطانها واندمجت فى المعادلة الإيرانية، والأهم ورقة هرمز الاستراتيجية وأيضا إحكام الضغط، إلى جانب ثغرات مراكز الأبحاث الأمريكية وعجزها عن تقدير الموقف حال اشتعال الصراع مع طهران، المراكز نفسها التى عولنا على قدراتها فيما يخص الدراسة المنهجية لطهران وقدراتها أيضا مقومات وعوامل بقاء نظامها السياسي، وهو ما يمكن تفهمه فى ضوء الطبيعة الديناميكية للحروب تحديدا المتجددة بين الأطراف نفسها، تقتضي عددا من التغييرات يصعب معها سيادة خطة بعينها، بل تحتاج إلى التخطيط المستمر، فالرئيس الأمريكى نفسه كان يتوقع أنه بصدد عملية ديناميكية وانتصار سريع من الممكن أن يحرزه وفى ضوء مجموعة من العوامل المساعدة أهمها إنهاك الأذرع الإيرانية مع توترات الداخل والدافعة بالانقلاب على النظام، ومن منظور جيوبوليتيكى فإن قدرات ترامب العسكرية والاقتصادية خولت لدى مثل هذه النوعية من التحركات، على غرار ما ذكرناه أعلاه، أيضا الصراع الروسي-الأوكرانى وتفاوت القدرات ما بين المتصارعين عد مقاربة قوية على هذه النوعية من النظريات، بالمقابل أيضا فإن الواقع الجيوسياسي لإيران وطبيعة موقعها الجغرافى والذى تحيطه الجبال والتضاريس من كل ناحية مٌشكلة حصنا طبيعيا، مع تضاريس الجبال والسهول والتى تتقاطع مع صحراء لوط فى الجنوب، مع الورقة الجيواستراتيجية الأهم مضيق هرمز والذى تبدأ عنده أشهر الجبال والمعروفة بجبال زاجروس، وجميعها اتسقت وأهم مفاهيم المنظور الجيوبوليتيكي وأكثرها تقليدية، ما يتعلق بقوة الجغرافيا وتأثيرها على قوة الموقف السياسي، وربما العسكرى وتحديدا العملياتى، ما عزز الدفع بفرضية صمود طهران وابتلاعها للصدمة، وإن كان مسرح العمليات لا يزال يحمل عدة من المفاجآت التكتيكية.

الواقع العملياتى عسكريا وسياسيا:

 حيز المناورة فى سياسات ترامب لا يزال محسوبا، حتى مع التناقض فى المواقف والخطابات، ولعلها سياسة متعارف عليها لدى الكبار وفى سياساتهم الخارجية، أن ثمة جزءا يظل غير معلن يعد فى إطار المناورة، غير أن وتيرة التعاطى الأمريكى سواء عسكريا أو سياسيا مع المشهد برمته لا تزال بطيئة، وبالرغم من حجم إعداد محترم عسكرى ولوجستي والأهم أيضا مخابراتى لقواته بالمنطقة، ما يؤشر على عمق المشاروات الداخلية بين المؤسسات الأمريكية السياسية والعسكرية سواء البيت الأبيض أو البنتاجون والكونجرس، فترامب والذى تحرك عبر قرارات فردية ناحية هذه الحرب متجاوزا الكونجرس، لا يوجد أدنى شك حول قدرة التطورات على أن تُخضعه للحوار الداخلي، سيما مع حجم المظاهرات التى اندلعت مؤخرا بالداخل الأمريكي منددة بالدخول فى الحرب، ما يكشف عن واحدة من أهم التفسيرات ناحية فهم سلوكيات ترامب الخارجية، والتى دفعت بالرئيس الأمريكى ناحية إطلاق هذه العمليات العسكرية المتفرقة ما بين الشرق، أمريكا اللاتينية وحتى مربعه أمريكا الشمالية، فربما انخراط الرئيس الأمريكى فى الصراع الدائر فى غزة ومنذ مجيئه قبل نحو عام وشهرين، أغفل خلاله الداخل ومن ثم أحدث مزيدا من الانخراط تجاه السياسات الخارجية للتعتيم على عجز السياسات الداخلية، وهو ما لا يعد بمستغرب على خلفية كونها أهم استراتيجيات القادة الشعبويين فى التعتيم على الإخفاقات، أيضا رغبته فى توريط الجانب الأوروبى فى الموازنة الدفاعية للناتو والأهم الانخراط فى الصراع الدائر، بدليل أحدث تصريحاته من أراد هرمز عليه فتحه، لكن لا تزال بعض المحددات التكتيكية دافعة تجاه التحكم فى الصراع الدائر، سيما أن مقاربات أفغانستان وفيتنام لا تزال ضمن الخبرات الأمريكية تحديدا ما يخص دراسة تداعيات التوغل البرى، ورغم العتاد العسكرى المكثف من قبل الجانب الأمريكي وحجم التحركات كما ذكرناه أعلاه، إلا أن مصطلح الغزو البري أو السيطرة البرية، ينطوى تحته عددا من التحركات، قد تتبلور فى عمليات خاصة مكثفة ومحكمة تشمل تأمين يذكر لقواتها الخاصة، فلا تزال القرارات الأمريكية لم تتبلور بعد، لكن حتما سيكون هناك قرار على خلفية التخوفات جراء فقدان التهديدات الأمريكية لفاعليتها، حال عدم التنفيذ، إن كانت طهران قد نفذت كافة تهديداتها!!

ختاما:

تسهم القراءة الجيوبوليتكية للمشهد فى مجمله، وعلى الصعيدين الاستراتيجى والتكتيكي إلى حد كبير فى فهم وتفسير معاودة الكبار إلى الاحتكاك بالمنطقة، والأهم الإجابة عن جملة من التساؤلات المتعلقة بالصراعات الدائرة سواء احتكاكات ورغبات الكبار أو بقاء الأطراف الإقليمية وقدرتها على الصمود، غير أنه لا يزال من الصعب رسم صياغة حول شكل النظام الإقليمي المرتقب -بدءا- من إعادة تشكيله على خلفية جملة من التغيرات والتحولات المعاصرة، وفى ضوء استمرار ديناميكية الصراع الدائر، ما لا يستقيم معها أيضا الجزم بمدى فعالية المسارات الدبلوماسية، -وإن تصر القاهرة وتبذل الجهود ومعها إسلام أباد وأنقرة- حتى السيناريوهات التى جرى الدفع بها من أجل التنبؤ بمستقبل الصراع نفسه، لم تعد تصلح لمواكبة التطورات الدراماتيكية والمتسارعة، ومع تراجع المنظومة القيمية وأفول فعالية المؤسسات الأممية، غير أنه مما تزال مجموعة من المقومات من الممكن أن تسهم إلى حد ما فى حفظ المشهد عند نقطة من الاتزان ولو المبدئى.

 أولا- بحث كيفية صياغة منظومة أمنية عربية تتجاوز الحدود الوطنية توحد الإرادات، والأهم تناقش كيفية تجاوز المصالح المتداخلة على نحو يسمح بالاستفادة من العلاقات المتشابكة مع الغرب والتخديم بها على هذه المنظومة.

 ثانيا- حتمية الدفع بالمسارات الدبلوماسية والبناء على الرباعية والتى انطلقت من باكستان وتقودها القاهرة ومعها أنقرة والأشقاء من الخليج، سيما أن الصحافة الغربية وفى المقدمة الأمريكية لم تعد تقبل بهذه الحرب، ولعل التايمز ركزت على اتجاه مفاده أن صخرة ترامب قد تتحطم على حرب إيران.

المصادر:

1- "Geoffrey Sloan" Geopolitics, Geography and Strategic History, 2018, p.45.

2- https://cjir.iir.cz/index.php/cjir/article/view/1387

3- https://www.researchgate.net/publication/271216465-The-closing-of-the-American-mind-'American-School'-International-Relations-and-the-state-of-grand-theory

 

طباعة

    تعريف الكاتب

    د. إيرينى سعيد

    د. إيرينى سعيد

    أكاديمية وباحثة فى العلوم السياسية