تحليلات

ليبيا.. تفكيك خطاب «الدولة الفاشلة» ومشروع الدولة المعلّق

طباعة

ليبيا اليوم ليست مجرد حالة من الانقسام السياسي، بل تجربة معقدة في إعادة تشكيل الدولة نفسها. انهيار السلطة المركزية بعد عام 2011 لم يقم فقط بتفكيك المؤسسات الرسمية، بل أعاد إنتاج أنماط حكم بديلة، حيث تتداخل السلطات الرسمية مع قوى غير نظامية تمتلك أدوات القوة والنفوذ. الفوضى لم تعد حالة استثنائية، بل صارت نمطًا قائمًا بذاته يعكس اختلال العلاقة بين الشرعية والموارد وأدوات التنفيذ، ما يجعل الأزمة الليبية ليست ظرفية بل بنيوية، وتكشف هشاشة الدولة في جوهر وظائفها الأساسية وقدرتها على فرض سلطتها أو احتكار أدوات العنف الشرعي.

وفي مواجهة هذا الواقع، شهدت ليبيا محاولات متكررة لإعادة توحيد الدولة ومؤسساتها عبر مسارات سياسية واقتصادية وأمنية متعددة، إلا أن هذه الجهود اصطدمت بالانقسامات المؤسسية المستمرة وتداخل المصالح المحلية والإقليمية، ما جعل مسار إعادة بناء الدولة معقدًا ومتقلبًا بين التفكك ومحاولات الاستكمال. هذه التجربة تؤكد أن الأزمة الليبية تتجاوز مفهوم «الدولة الفاشلة» البسيط، لتكون نموذجًا لدولة غير مكتملة أو «معلقة»، حيث تستمر بعض المؤسسات السيادية في العمل بينما يتصارع مختلف الأطراف على الشرعية والسيطرة على الموارد.

انطلاقًا من هذا الإطار، يتناول المقال ثلاثة محاور رئيسية: المحور الأول يركز على تفكيك خطاب «الدولة الفاشلة» وإعادة توصيف الحالة الليبية بعد 2011، مع إبراز هشاشة المؤسسات الرسمية واستمرار بعض المؤسسات السيادية. المحور الثاني يناقش أزمة الشرعية واحتكار القوة في دولة منقسمة، مع استعراض الانقسامات المؤسسية والصراع على السيطرة بين الأطراف المسلحة والسياسية. أما المحور الثالث، فيبحث ليبيا كمشروع دولة معلّقة، مركزًا على جهود الاستكمال التدريجي لمؤسسات الدولة من خلال المبادرات الاقتصاديةوالسياسية، وإمكانات إعادة توحيد المؤسسات في ظل التحديات الداخلية والخارجية.

أولا-تفكيك خطاب «الدولة الفاشلة» وإعادة توصيف الحالة الليبية بعد 2011:

منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، أصبحت ليبيا تُوصَففي كثير من الأدبيات السياسية والإعلامية الغربية باعتبارها «دولة فاشلة». غير أن هذا الوصف، على الرغم من شيوعه، ينطوي على قدر من التبسيط التحليلي، إذ يختزل أزمة سياسية مركّبة في إطار مفاهيمي واحد. فمصطلح «الدولة الفاشلة» في حقل العلوم السياسية يُستخدم عادة للإشارة إلى الكيانات التي تفقد قدرتها على أداء وظائف الدولة الأساسية، مثل احتكار العنف الشرعي، وتوفير الأمن العام، وإدارة المؤسسات الحكومية، والحفاظ على وحدة الإقليم. وعند إسقاط هذا المفهوم بصورة مباشرة على الحالة الليبية، فإن ذلك يغفل طبيعة التحول السياسي الذي شهدته البلاد بعد عام 2011، والذي لم يكن مجرد انهيار شامل للدولة، بقدر ما كان تفككًا لبنية السلطة التي كانت تتمحور حول النظام السابق.

في هذا الإطار، يتضح أن ليبيا لم تكن دولة مؤسسية قوية قبل عام 2011، بل كانت دولة ذات مؤسسات هشة تعتمد بدرجة كبيرة على شخصنة السلطة وشبكات الولاء. فقد عمل نظام القذافي على تفكيك الأطر المؤسسية التقليدية للدولة لصالح نموذج حكم قائم على اللجان الشعبية والأجهزة الأمنية المتداخلة، وهو ما أدى إلى غياب بيروقراطية مستقلة أو جيش وطني متماسك. ومع سقوط النظام، لم يكن هناك إطار مؤسسي قادر على إدارة المرحلة الانتقالية أو استيعاب الجماعات المسلحة التي نشأت خلال الثورة. وبالتالي فإن الأزمة الليبية لم تبدأ بانهيار دولة مكتملة البناء، بل بكشف حدود وهشاشة الدولة التي كانت قائمة بالفعل.

ومن هذا المنطلق، فإن وصف ليبيا بالدولة الفاشلة يتجاهل حقيقة أن الدولة الليبية ما تزال تحتفظ بعدد من مقوماتها البنيوية الأساسية. فعلى الرغم من الانقسام السياسي بين سلطات متنافسة في الشرق والغرب، استمرت بعض المؤسسات السيادية في أداء وظائفها بدرجات متفاوتة، مثل المؤسسة الوطنية للنفط .جانب مصرف ليبيا المركزي الذي ظل يمثل قناة رئيسية لإدارة الموارد المالية للدولة علي الرغم من مرارة بمرحلة من الانقسام والتوحيد مرة أخري ، وهما مؤسستان ظلتا تمثلان قنوات مركزية لإدارة الموارد الاقتصادية للدولة. إن استمرار عمل هذه المؤسسات يشير إلى أن الدولة لم تختفِ بالكامل، بل تمر بحالة من الانقسام المؤسسي والصراع على الشرعية السياسية، أكثر من كونها حالة انهيار شامل لبنية الدولة.

كما أن استخدام مفهوم «الدولة الفاشلة» غالبًا ما يحمل أبعادًا معيارية وسياسية تتجاوز كونه توصيفًا علميًا محايدًا. فالمصطلح يُستخدم أحيانًا بوصفه اختصارًا تحليليًا في الخطاب السياسي والإعلامي، رغم أنه قد يصبح مضللًا عند تطبيقه على حالات انتقالية معقدة مثل الحالة الليبية. فالدولة الليبية لم تفقد وجودها القانوني أو اعترافها الدولي، كما أنها ما تزال تمتلك موارد اقتصادية كبيرة، وعلى رأسها احتياطات النفط الضخمة، وهي عناصر لا تتوافر عادة في الحالات التي تُصنَّف كأمثلة لانهيار كامل للدولة.

إلى جانب ذلك، فإن توصيف ليبيا بالدولة الفاشلة يتجاهل البعد الانتقالي للصراع الذي تعيشه البلاد. فالكثير من الدول التي شهدت تحولات سياسية عنيفة بعد سقوط أنظمة مركزية تقليدية مرت بفترات طويلة من عدم الاستقرار قبل أن تتمكن من إعادة بناء مؤسساتها. وفي الحالة الليبية، أدى تداخل الانقسامات المحلية—القبلية والمناطقية والأيديولوجية—مع التدخلات الخارجية إلى تعقيد عملية إعادة بناء الدولة، ما جعل المرحلة الانتقالية تمتد لفترة أطول مما كان متوقعًا. غير أن هذا التعقيد لا يعني بالضرورة انهيار مشروع الدولة بالكامل، بل يعكس صعوبة إعادة تشكيل النظام السياسي بعد عقود من الحكم الشخصي.

وعليه، فإن إعادة توصيف الحالة الليبية تقتضي الانتقال من خطاب «الدولة الفاشلة» إلى إطار تحليلي أكثر دقة لفهم طبيعة الأزمة. فالمشكلة الأساسية في ليبيا لا تكمن في غياب الدولة بوصفها كيانًا قانونيًا، بل في الصراع حول شكل الدولة ومن يمتلك شرعية تمثيلها والسيطرة على مؤسساتها وأدواتها. ومن هذا المنظور، تبدو ليبيا أقرب إلى نموذج «الدولة غير المكتملة» أو «الدولة قيد التشكل»، حيث تستمر المؤسسات والموارد الاقتصادية في الوجود، بينما تتنافس القوى المحلية والإقليمية على إعادة صياغة النظام السياسي الذي سيحدد ملامح الدولة في المستقبل.

ثانيًا- أزمة الشرعية واحتكار القوة في دولة منقسمة:

تكشف تطورات المشهد في ليبيا منذ عام 2014 أن الأزمة الأساسية التي تواجهها البلاد لا ترتبط بغياب الدولة بقدر ما تعكس أزمة عميقة في الشرعية السياسية وفي قدرة السلطة على احتكار أدوات القوة. فبعد سنوات قليلة من سقوط نظام معمر القذافي، دخلت ليبيا مرحلة من الانقسام المؤسسي الحاد بين سلطات سياسية وعسكرية متنافسة، وهو ما أدى إلى وجود حكومتين وبرلمانين في الوقت ذاته. وقد بدأت ملامح هذا الانقسام تتضح عقب الأزمة السياسية الليبية عام 2014، عندما انقسمت المؤسسات بين سلطات متمركزة في شرق البلاد وأخرى في غربها، الأمر الذي فتح الباب أمام صراع طويل حول الشرعية السياسية ومن يمتلك حق تمثيل الدولة الليبية.

في هذا السياق، يتمثل جوهر الأزمة الليبية في عجز القوى السياسية عن بناء إطار شرعي موحد بعد المرحلة الانتقالية الأولى. فعلى الرغم من أن الاتفاق السياسي الليبي (اتفاق الصخيرات) الذي رعته الأمم المتحدة في المغرب عام 2015 سعى إلى توحيد المؤسسات وإنشاء حكومة وفاق وطني، فإن مجموعة من العوامل حالت دون نجاحه في إنهاء حالة الانقسام السياسي. أولًا، افتقر الاتفاق إلى إجماع داخلي حقيقي، إذ لم تشارك جميع القوى الفاعلة في صياغته أو تعترف بشرعيته، وهو ما انعكس على قدرته في التمثيل والتنفيذ. ثانيًا، أدت الترتيبات المؤسسية المعقدة داخل المجلس الرئاسي والحكومة إلى إضعاف فعالية الأداء السياسي وتعطيل الإصلاحات الدستورية المطلوبة. ثالثًا، بقاء الجماعات المسلحة خارج إطار أمني موحد وعدم إدماجها في مؤسسة عسكرية موحدة للدولة، إلى جانب ضعف الدعم السياسي من البرلمان، حدّ من قدرة الحكومة على فرض سيطرتها. كما تعرضت العملية التحضيرية للاتفاق لانتقادات تتعلق بضعف بعض جوانب الوساطة الدولية، وهو ما أثّر في مستوى الثقة لدى بعض الأطراف الليبية في مسار التسوية. وقد جعلت هذه العوامل مجتمعة الاتفاق إطارًا سياسيًا هشًا لم يصل إلى تسوية نهائية للصراع، وعكست صعوبة التوصل إلى توافق شامل بين مختلف الأطراف الليبية.

وقد انعكست أزمة الشرعية هذه بشكل مباشر على مسألة احتكار القوة المسلحة، وهي إحدى الركائز الأساسية لقيام الدولة الحديثة. ففي ظل غياب سلطة مركزية قادرة على دمج التشكيلات المسلحة المختلفة، ظهرت عشرات الميليشيات والقوى العسكرية المحلية التي فرضت سيطرتها على مناطق ومدن بعينها. ومع مرور الوقت، لم تعد هذه الجماعات مجرد فاعلين عسكريين مستقلين، بل تحولت تدريجيًا إلى أطراف سياسية واقتصادية تمتلك نفوذًا داخل مؤسسات الدولة نفسها، وهو ما عمّق ظاهرة «الدولة المجزأة» بدلًا من المساهمة في بناء جيش وطني موحد.

وقد بلغت هذه الأزمة ذروتها خلال هجوم طرابلس 2019–2020، عندما حاولت القوات التابعة للقيادة العامة للجيش الليبي بقيادة المشير  خليفة حفتر السيطرة على العاصمة طرابلس في مواجهة قوات موالية لـ حكومة الوفاق الوطني. ولم يكن هذا الصراع مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل عكس في جوهره صراعًا على الشرعية السياسية وعلى من يمتلك حق تمثيل الدولة الليبية. كما أدى تدخل قوى إقليمية ودولية إلى تعقيد الصراع وتحويله إلى ساحة تنافس جيوسياسي، وهو ما أسهم في إطالة أمد الأزمة وتعقيد مسار بناء مؤسسات دولة موحدة.

ورغم أن اتفاق وقف إطلاق النار الليبي 2020 أعاد قدرًا من الاستقرار النسبي وفتح الباب أمام مسار سياسي جديد برعاية الأمم المتحدة، فإن مشكلة الشرعية لم تُحل بشكل جذري، كما لم تنجح لجنة «5+5» العسكرية في توحيد المؤسسة العسكرية أو إنهاء وجود المرتزقة الأجانب. فقد استمرت حالة الانقسام المؤسسي حتى بعد تشكيل حكومة الوحدة الوطنية عام 2021، خاصة مع تعثر إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي كان من المفترض أن تنهي المرحلة الانتقالية. ومع تعيين حكومة موازية في الشرق عام 2022 بقيادة فتحي باشاغا، عاد الانقسام الحكومي إلى الواجهة مجددًا، ما أكد أن الصراع في ليبيا ما يزال يدور حول سؤال محوري: من يمتلك الشرعية السياسية، ومن يسيطر على أدوات القوة.

وعليه، يمكن فهم الأزمة الليبية بوصفها أزمة دولة منقسمة بين مراكز سلطة متعددة، أكثر من كونها حالة انهيار كامل للدولة. فالمؤسسات الرسمية ما تزال قائمة، لكن السيطرة عليها موزعة بين أطراف متنافسة تسعى إلى تثبيت شرعيتها عبر التحكم في الموارد والمؤسسات الأمنية والعسكرية. ومن هذا المنظور، تصبح مسألة توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية وإعادة بناء احتكار الدولة للعنف الشرعي شرطًا أساسيًا لأي مسار حقيقي يهدف إلى استكمال بناء الدولة الليبية.

ثالثًا- ليبيا كمشروع دولة معلّقإشكالية الاستكمال لا الفشل:

في ضوء التطورات السياسية والاقتصادية التي شهدتها ليبيا خلال السنوات الأخيرة، يتضح أن توصيفها بـ«الدولة الفاشلة» لا يعكس بدقة طبيعة الأزمة التي تمر بها البلاد. الدولة الليبية لم تختفِ كمؤسسات أو ككيان قانوني معترف به دوليًا، لكنها تعيش حالة انتقالية ممتدة، تتداخل فيها محاولات إعادة بناء المؤسسات مع استمرار الانقسام السياسي. وبذلك تبدو ليبيا أقرب إلى نموذج «الدولة غير المكتملة» أو «الدولة المعلّقة»، حيث يستمر وجود مؤسسات الدولة ومواردها الأساسية، بينما يبقى الصراع قائمًا حول شكل السلطة ومن يمتلك شرعية إدارتها.

وتبرز هذه الفكرة بوضوح عند النظر إلى التطورات الاقتصادية والمؤسسية التي شهدتها البلاد في نهاية عام 2025 وبداية عام2026. فقد أُطلقت خلال تلك الفترة مبادرة عُرفت باسم «المشروع التنموي الموحد»، والتي هدفت إلى تنسيق جهود التنمية وإعادة الإعمار بين المؤسسات الاقتصادية في شرق وغرب البلاد، خصوصًا في قطاعات البنية التحتية والطاقة والخدمات العامة، وتم توقيعها بين مجلس النواب الليبي والمجلس الأعلى للدولة. وقد مثّل هذا المشروع خطوة مهمة لأنه قام على تعاون مؤسسات سيادية ما تزال تعمل على مستوى الدولة ككل، مثل المؤسسة الوطنية للنفط ومصرف ليبيا المركزي، ما يعكس قدرة الدولة على العمل رغم الانقسام السياسي، وأن المشروع يمثل خطوة أولية نحو توحيد المؤسسات تدريجيًا وبناء قاعدة أولية لإعادة استكمال الدولة.

كما شهدت بداية عام 2026 تحركات إضافية في هذا الاتجاه، تمثلت في تنسيق نسبي لإدارة عائدات النفط وتوجيه جزء منها إلى برامج إعادة الإعمار والخدمات العامة في مختلف المناطق الليبية. وتكتسب هذه الخطوات أهمية خاصة بالنظر إلى اعتماد الاقتصاد الليبي بدرجة كبيرة على قطاع الطاقة، إذ تُعد ليبيا من بين الدول الإفريقية الغنية بالاحتياطيات النفطية. واستمرار إنتاج النفط وتدفق عائداته عبر قنوات مؤسسية مركزية يعكس أن البنية الاقتصادية للدولة ما تزال قائمة، حتى في ظل التنافس السياسي بين الحكومات المختلفة.

ومن ناحية أخرى، استمرت الجهود الرامية إلى معالجة الانقسام المؤسسي الذي تعانيه البلاد منذ سنوات. فقد أعيد طرح ملف توحيد المؤسسات السيادية والمالية بدعم من أطراف دولية وإقليمية ، مع استمرار عمل لجان فنية مشتركة بين شرق وغرب البلاد لمعالجة قضايا مثل إدارة الميزانية العامة وتنسيق السياسات الاقتصادية. وعلى الرغم من أن هذه الجهود لم تنجح حتى الآن في إنهاء الانقسام السياسي بشكل كامل، فإنها تعكس إدراكًا متزايدًا لدى الفاعلين الليبيين بأن استمرار الانقسام يهدد قدرة الدولة على إدارة مواردها وتحقيق الاستقرار.

وتبعها اجتماع وزراء الخارجية المصري والجزائري والتونسي في 26 يناير 2026 ضمن الاجتماع الوزاري الثالث لآلية دول جوار ليبيا، حيث أكد  وزير الخارجية بدر عبد العاطي أن ليبيا تمثل امتدادًا للأمن القومي المصري، مشددًا على أن الحل ليبي–ليبي هو الخيار الوحيد لتحقيق استقرار مستدام والحفاظ على وحدة الأراضي الليبية وسيادتها، داعيًا إلى إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية على المدى القريب. كما طالب بطرد المرتزقة والجماعات المسلحة الأجنبية من الأراضي الليبية، مؤكدًا أهمية مقاربة شاملة تشمل الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والأمنية والسياسية. وأشار الوزراء الثلاثة إلى أن التشاور بين الأطراف الثلاثة يهدف إلى تقديم رؤى تخدم مصالح الشعب الليبي، مؤكدين أن العملية السياسية يجب أن تكون ملكًا خاصًا للفاعلين المحليين. هذه الخطوة الدبلوماسية الإقليمية تدعم التحول التدريجي نحو العملية السياسية الليبية وتقديم إطار عملي لإعادة بناء الدولة بشكل تدريجي.

وتشير هذه التطورات إلى أن ليبيا ما تزال تمتلك مقومات إعادة بناء الدولة، حتى في ظل استمرار التنافس السياسي بين القوى في الشرق والغرب. فوجود مؤسسات سيادية قادرة على إدارة الموارد الاقتصادية، واستمرار تدفق عائدات النفط، وظهور مبادرات تنموية مشتركة بين المؤسسات التشريعية، كلها مؤشرات على أن الدولة الليبية لم تنهَر بالكامل، وأن ما يجري هو صراع طويل حول إعادة تشكيل النظام السياسي وإعادة توزيع السلطة داخل الدولة، وهو عملية معقدة غالبًا ما ترافق المراحل الانتقالية بعد سقوط الأنظمة المركزية التقليدية.

وعليه، يمكن القول إن ليبيا تمثل اليوم حالة «دولة معلّقة» بين التفكك والاستكمال. فهي ليست دولة فاشلة بالمعنى الذي يشير إلى انهيار كامل لمؤسسات الدولة، لكنها أيضًا ليست دولة مستقرة مكتملة البناء. المبادرات الاقتصادية المشتركة ومحاولات توحيد المؤسسات خلال الفترة الأخيرة تشير إلى مسار تدريجي لإعادة بناء الدولة، حتى وإن ظل هذا المسار بطيئًا ومعرضًا للتعثر.

ختامًا، تتضح طبيعة الأزمة الليبية كحالة مركبة تجمع بين هشاشة مؤسسات الدولة السابقة، أزمة الشرعية واحتكار القوة، ومحاولات إعادة بناء الدولة ضمن إطار «الدولة المعلّقة». فليبيا ليست دولة فاشلة بالمعنى التقليدي للانهيار الكامل، لكنها لم تصل بعد إلى مرحلة الاستقرار المؤسسي والسياسي الكامل. المبادرات التنموية المشتركة، وتوحيد المؤسسات الاقتصادية، والجهود الدبلوماسية الإقليمية، كلها مؤشرات على وجود مسار تدريجي لإعادة بناء الدولة، رغم بطء وتعثّر هذا المسار. ويبقى السؤال الجوهري: هل ستتمكن ليبيا من استكمال مشروع الدولة وبناء مؤسسات قوية وموحدة، أم ستظل حالة الانقسام المؤسسي والسياسي مستمرة، تاركة الدولة في دائرة «التعليق» المستمرة بين التفكك والاستكمال؟

طباعة

    تعريف الكاتب

    عبدالله فارس القزاز

    عبدالله فارس القزاز

    باحث فى الشئون الإفريقية