تحليلات

انعكاسات المأسسة الأمنية لجمهورية "حراس الثورة" وشرعية الدم

طباعة

لم تكن المواجهة العسكرية بين إيران والتحالف الأمريكيالإسرائيلي مجرد جولة تقليدية، بل كانت الزلزال الذي دفع الهيكلية الاجتماعية للنظام نحو مرحلة الاختبار الأقصى. فبعد أن أثبتت عمليات الحرس الثوري تفوقها الميداني، راهنت الإدارة الأمريكية على فراغ القيادة المتوقع، مرتقبة ارتباكافي اختيار الزعيم الجديد؛ إلا أن طهران باغتت الجميع باختيار نجل خامنئي كولي بالدم، في خطوة لا تكرس التوريث كما يشاع، بقدر ما تشرعن وعد الانتقام وتحول منصب القيادة إلى غرفة عمليات ميدانية

المأسسة الأمنية للقيادة الإيرانية:

أعلن مجلس خبراء القيادة تعيين آية الله السيد مجتبى خامنئي قائدًا ثالثًا للنظام -استنادًا للمادة 108 من الدستور- لتدخل إيران رسميًا عصر القيادة الميدانية المباشرة. هذا الاختيار، الذي جاء نكايةً في الرهانات الإسرائيلية والأمريكية وتجاوزًا لكافة التهديداتالأمريكية برفض مجتبى زعيمًا جديدًا، لا يكتفي بتحويل منصب الزعامة إلى رمزية جامعة، بل ينقل مقاليد الإدارة الفعلية وقرارات الحرب والسلم إلى قبضة الحرس الثوري بشكل كامل، واضعًاالجمهورية الإسلامية برمتها في مرحلةالاختبار الأقصى.

وبرغم هذا، لقيّ قرار تعيين مجتبى خامنئي نقدًا لاذعًا في الأوساط الإقليمية، استنادًا إلى أن الثورة الإسلامية قامت في جوهرها على رفض التوريث، والمذهب الشيعي يستحضر دائمُا رمزية معاوية وابنه يزيد اللذان نالا الخلافة قسرا بالتوريث متجاوزين مشروعية الإمام علي وابنه الحسين. وهذا المنطق قد يبدو صحيحًا في ظاهره، ولكن للحق؛ من يطالع تاريخ التشيع السياسي في إيران يدرك أن النقطة هنا لا تنحصر في كونه خيار الحرس الثوري للنكاية بالتدخلات الأمريكية فحسب، بل في استدعاء مشروعية الدم كقوة دافعة للقرار.

ففي العقل الجمعي الإيراني، تحول مجتبى من مجرد وريث إلى منتقم لاغتيال والده، وهي المشروعية التي استغلها الحرس الثوري للضغط على مجلس خبراء القيادة، لاختيار مجتبى، مستفيدا من التهديدات الأمريكية العلنية، ما حول تعيينه إلى فعل مقاومة سيادية لا مجرد انتقال روتيني للسلطة.في المقابل يعتبر مجتبى صيد ثمين للأجهزة الأمنية، لأن كونه من السادة الأشراف، فهذا يمنحه حصانة دينية ورمزية يصعب الطعن فيها داخل أروقة الحوزة.علاوة على أن إرث مجتبى الحقيقي ليس في جينيالوجيا النسب لأبيه، بل في كونه تلميذا نبيها لمدرسة محمد مصباح يزدي (الأب الروحي للحوزات الإيرانية تحديدا الجناح المتشدد)، فهو يتنفس الفكر الثوري المتشدد الذي يمثل لب عقيدة الحرس الثوري.غير أن بقاؤه لسنوات بعيدًا عن صراعات السياسة والفساد الإداري، يجعله الحليف الذهبي والموالي الأمثل لرؤى الحرس؛ محولًا بذلك منصب الزعامة إلى مظلة شرعية لمشاريع أمنية وميدانية لا سقف لها.

بناء على ما سبق، إلى أي مدى يمكن لشرعية ولي الدم أن تحسم التباينات داخل أجنحة النظام الإيراني، وهل يمتلك مجتبى خامنئي الأدوات الكافية لاحتواء مراكز القوى التقليدية (الحوزة والبيروقراطية) بعيدًا عن غطاء الحرس الثوري؟في الواقع، ومن خلال القراءة الميدانية، وبالنظر لتوقيت المرحلة الحرج، فالإجابة هي (لا)؛ ولعل الحرس الثوري استغل بذكاء عدة مفارقات لضمان هذا التماسك:

أولًا: منذ إعلان اغتيال علي خامنئي، صدرت عدة فتاوى من الحوزات العلمية في قم وحتى النجف بوجوب الانتقام للقائد المغدور، وهنا تمنح شرعية الدم الأولوية لمجتبى، حتى يقود المرحلة وينفذ الفتوى كولي للدم، وهذا يجعل المعارضة له في الداخل تبدو كأنها تعطيل لواجب شرعي وقومي.

ثانيًا: تعيش المعارضة الإيرانية (داخليا وخارجيا) حالة انقسام حاد، خاصة بعدما انكشف التحالف الفج لنجل الشاه مع أمريكا وإسرائيل، لدرجة أنه بات يُوصف شعبيا بسگ امريكا (كلب أمريكا). هذه المفارقة جعلت المواطن الإيراني، حتى المعارض منه يفضل راديكالية النظام التي تحفظ السيادة، على تبعية المعارضة التي ترهن البلاد للخارج.

المفارقة هنا، أن الحرس الثوري اطمأن تماما أن الداخل لن يراهن في هذه اللحظة على هوية القائد، بل على قدرة النظام في العبور بالبلاد لبر الأمان وكسر الغطرسة الأمريكية، وبذلك تحول مجتبى من خيار خلافة إلى ملاذ أمني لحماية الدولة من التفكك.

البعد الاقتصادي للتصعيد العسكري الإيراني:

كشفت وكالة أنباء مهر الإيرانية أن طهران سمحت فقط للصين حصرًا بعبور مضيق هرمز، مؤكدة وقوف بكين إلى جانبها في هذه الحرب، وهو استثناء تقاطع مع إحصاءات مؤسسةS&P Global التي كشفت أن حركة الملاحة يوم الخميس (5 مارس) لم تتوقف كليًا، بل شهدت انخفاضًا حادًا من 60 ناقلة يوميًا إلى 5 ناقلات فقط، وكانت جميعها ترفع العلم الإيراني أو الصيني.

هذا التحول الجوهري يعني أن القوات المسلحة الإيرانية تخلت عن التصور الكلاسيكي القائم على الإغلاق المطلق للمضيق، وانتقلت إلى تنفيذ خطة أكثر تعقيدا تعتمد على العبور الانتقائي، إذ يجري تحويل المضيق من ممر دولي إلى أداة للفرز الاستراتيجي ونظام مرور مشروط بالاصطفاف الجيوسياسي، ولعل هذا يفسر المفاوضات الصينية الحالية للسماح بمرور الغاز القطري وفقا لوكالة بلومبيرغ الأمريكية، وبذلك تصبح بكين المستفيد المحمي الوحيد في المنطقة.

في المقابل، تعزز تلك التطورات الميدانية صحة تقارير موقع واللا العبري (يناير ٢٠٢٦) حول تزويد الصين لإيران بمنظومات دفاعية متطورة مثلHQ-19 وصواريخ دونغ فانغ الباليستية.إذا، هذا المنح المشروط يُعد أخطر استراتيجيًا من المنع المطلق على مستقبل الملاحة الدولية، لأنه ينقل الأزمة من منطق المواجهة العسكرية المباشرة إلى منطقة غياب اليقين الاقتصادي، خصوصًا وأن الأسواق لا تتفاعل مع حجم المعروض فحسب، بل مع مدى قابلية التنبؤ.

وعندما تصبح الإمدادات خاضعة لقرار إيراني ظرفي لا لقواعد الملاحة الدولية، فإن شركات التأمين العالمية وخاصة لويدز لندن، ستسعر المخاطر بناء على هذه الانتقائية، وبالتالي رفع تكاليف الشحن بنسبة 300% علاوة على دفع مؤسسات التأمين لإعلان المنطقة كمنطقة حرب محظورة، في مشهد يعيد للأذهان حرب الناقلات (1980-1988) ولكن بنطاق تدميري أوسع.

وعليه، يبدو أن مراهنة طهران ليست على الإحراج العسكري للدفاعات الإسرائيلية والأمريكية فحسب، بل على فرض منطقة حظر اقتصادي غير معلنة، وهو السيناريو الجيوسياسي الذي يدفع بخام برنت قسرا نحو حاجز الـ 200 دولار بعدما تخطى سقف 104.62دولار، بينما يتأهب الذهب لتخطي عتبة 5,106.59دولار للأونصة قبل نهاية إغلاق هذا الأسبوع.هذا التحول يتزامن مع استمرار موجة الانهيار الحاد في بورصات المنطقة بنسب تتراوح بين 10-15%، إثر النزوح الجماعي للأموال الساخنة نحو الملاذات الآمنة (الذهب والدولار)، حيث اكتست شاشات تداول السعودية وأبوظبي باللون الأحمر بفقدان 12% من قيمتها السوقية حتى اللحظة.

الخاتمة:

بناءً على هذه المعطيات، لم تكن مناقشات الإدارة الأمريكية حول التنسيق مع فصائل كردية لتنفيذ عمليات إنزال أو اجتياح بري لجزيرة خرك– التي تمثل عصب الصناعة النفطية الإيرانية بنسبة 90% – مفاجئًا؛ إذ يتجدد الرهان الأمريكي على الحركات الكردية الانفصالية لزعزعة استقرار الداخل الإيراني. ومع ذلك، فإن هذا الرهان يتجاهل بوضوح تعقيدات الجغرافيا الجبلية وجاهزية الحرس الثوري العالية لإجهاض أي تهديد حدودي.

ومن هنا، يمكن فهم نبرة الثقة التي طغت على رد وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، في حواره مع الصحفي توم ياماس عبر برنامج(NBC Nightly  News) يوم الخميس 5 مارس؛ حين صرح بوضوح بأن بلاده لا تخشى غزوًا بريًا أمريكيًا، بل إنها في حالة تأهب لانتظاره. علاوة على أن سرعة حسم ملف القيادة باختيار زعيم متشدد، يعكس تبني طهران لاستراتيجية الاستدراج والتوريط، بهدف إحراج الإدارة الأمريكية دوليًا، وتكريس قناعة مفادها فشل الخيارات العسكرية والسياسية لواشنطن على حد سواء.

طباعة

    تعريف الكاتب

    د. شيماء المرسي

    د. شيماء المرسي

    الخبيرة فى الدراسات البينية الإيرانية