مقدمة تحليلية: السياق الاستراتيجي والتحولات المعاصرة في بيئة الصراع
شهدت بيئة الصراع الدولي والإقليمي خلال العقدين الماضيين تحولات هيكلية عميقة، نقلت مركز الثقل الاستراتيجي من ساحات القتال التقليدية المعتمدة على القوة الخشنة والاشتباك المادي، إلى ميادين أكثر تعقيداً وغموضاً وتداخلاً، حيث برز مفهوم "الحرب الإدراكية" (Cognitive Warfare) كأداة رئيسية وحاسمة في إدارة الصراعات المعاصرة وتوجيهها. لم تعد الحروب تقتصر على محاولات تحييد القدرات العسكرية للخصم في المجالات البرية والبحرية والجوية والفضائية والسيبرانية فحسب، بل امتدت لتشمل البعد الإدراكي الذي يستهدف العقل البشري بشكل مباشر، سعياً لتعديل السلوكيات، وتشويه إدراك الواقع، والتأثير العميق على عمليات صنع القرار لدى القيادات السياسية والجماهير على حد سواء.
في هذا السياق المعقد، لا يمكن النظر إلى الدولةالوطنيةككيان مادي فقط يتكون من جغرافيا ونظام ومؤسسات، بل هي في جوهرها بناء اجتماعي ونفسي يستند إلى "التماسك المجتمعي" والثقة المتبادلة بين المواطن ومؤسساته. ومن هنا، أدركت بعض القوى الإقليمية والدولية أن إضعاف هذا التماسك يمثل أقصر الطرق وأقلها تكلفة لإسقاط الدول من الداخل، وهو ما يُعرف استراتيجياً باستراتيجية الإنهاك الداخلي والشلل المؤسسي.
وتُعد دراسة المنطلقات والممارسات الإسرائيلية تجاه محيطها الإقليمي والعربي، وتحديداً تجاه الدولة المصرية باعتبارها حجر الزاوية فيهما يعد ضرورة حتمية للأمن القومي العربي. تعتمد المؤسسة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية بشكل متزايد ومكثف على هذا النمط من الحروب كبديل، أو على الأقل كمكمل أساسي، لاستراتيجيات الردع التقليدية التي أثبتت قصورها في محطات مفصلية عديدة، لا سيما في مواجهة الفواعل من دون الدول والحروب غير المتماثلة.
وتتبنى هذه الدراسة التحليلية مقاربة نقدية متزنة تنطلق من محددات الأمن القومي المصري والعربي. وترتكز هذه المقاربة على مبدأ فحص الممارسات الإسرائيلية بعين التدقيق والتمحيص، متجنبة في ذلك فخ المبالغة في تقدير قدرات العدو الإسرائيلي، وفي الوقت ذاته، تبتعد عن الاستخفاف بما يمتلكه من أدوات تكنولوجية واستخباراتية متطورة.
إن الهدف هو محاولة تفكيك البنية التحتية للحرب الإدراكية الإسرائيلية، وفهم آليات استهدافها للوعي العربي، ومن ثم الوقوف على إخفاقاتها الهيكلية، وصولاً إلى اقتراح صياغة مسارات استراتيجية لتعزيز "المناعة المعرفية" التي تمثل درع الدول الوطنية في عصر التدفق المعرفي والمعلوماتي والذكاء الاصطناعي.
التأصيل المفاهيمي لحروب الإدراك وتفكيك التماسك المجتمعي
لتأسيس فهم دقيق لطبيعة التهديد، يجب أولاً تحرير المفاهيم الأساسية. تُعرّف الحرب الإدراكية، وفقاً لأحدث الأدبيات العسكرية والاستراتيجية، بأنها مجموعة من العمليات المنسقة والمستدامة التي تستخدم الأدوات التكنولوجية والمعلوماتية، وخاصة الفضاء السيبراني والذكاء الاصطناعي، لتغيير إدراك الأهداف البشرية، وغالباً ما تتم هذه العمليات دون وعي كامل من الأفراد أو المجتمعات المستهدفة. وهي تمثل تطوراً نوعياً وامتداداً للحرب النفسية الكلاسيكية وعمليات المعلومات، لكنها تختلف عنها جذرياً في النطاق والسرعة والقدرة على التخصيص الدقيق للرسائل.
بينما كانت الدعاية التقليدية تهدف إلى التأثير على الآراء من خلال بث معلومات منتقاة، فإن الحرب الإدراكية تسعى للسيطرة على كيفية التفكير بحد ذاته. إنها تستفيد من الطفرات غير المسبوقة في التكنولوجيا، وعلوم الأعصاب، وعلم النفس السيبراني، لتحقيق ما يُعرف بـ "التفوق الإدراكي". يتمثل الهدف الاستراتيجي الأسمى لهذا النمط من الحروب في كسر إرادة العدو وتدميره من الداخل دون الحاجة إلى إطلاق رصاصة واحدة، وذلك عبر تغذية الانقسامات المجتمعية، وتقويض الثقة الكامنة في كل مجتمع، وتوليد حالة من الشلل الاستراتيجي والسياسي الذي يمنع الدولة المستهدفة من اتخاذ قرارات تخدم مصالحها الوطنية.
إن القوة التدميرية الكامنة في الحرب الإدراكية لا تكمن فقط في نشر المعلومات المضللة التي تُصنع عمداً لخداع الجمهور، أو المعلومات الخاطئة التي تُتداول بحسن نية ولكنها تفتقر إلى الدقة، بل في استغلال "التحيزات المعرفية البشرية". يُقصد بذلك اللعب على الأوتار النفسية والاجتماعية التي تربط الفرد بمجتمعه ودولته، واستغلال مخاوفه وقلقه الاقتصادي والأمني لتوجيه سلوكه في اتجاهات تخدم مصلحة المهاجم. وتتجه هذه الممارسات بشكل مركّز إلى إضعاف "التماسك المجتمعي"، وهو النسيج الذي يربط فئات المجتمع المختلفة ويجعلها قادرة على التعايش والعمل المشترك لمواجهة الأزمات. وفي غياب هذا التماسك، يتحول التنوع الاجتماعي والثقافي والسياسي، الذي يُفترض أن يكون مصدر قوة وإثراء، إلى ثغرة حرجة يتم اختراقها لإثارة الاستقطاب الحاد والفوضى الداخلية.
التحول في العقيدة الأمنية والاستراتيجية الإسرائيلية: من "الهاسبارا" إلى محاولة إعادة هندسة الوعي
أدركت المؤسسة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية، عبر سلسلة من المراجعات الاستراتيجية والإخفاقات المتتالية، أن محاولة السعي للتفوق العسكري التكتيكي المباشر لم يعد كافياً لضمان الأمن القومي لهم بمفهومه الشامل أو لتحقيق الأهداف السياسية الكبرى. وقد انعكس هذا الإدراك في تحول تدريجي وعميق في بنية العقيدة الأمنية الإسرائيلية، حيث تم الانتقال من مفهوم "الهاسبارا" التقليدي، والذي يُترجم بالدبلوماسية العامة وتفسير السياسات وتبريرها للعالم، إلى مفهوم "حرب اللاوعي" أو "العمليات الإدراكية" التي تستهدف محاولة إعادة هندسة الواقع في عقول الخصوم والحلفاء على حد سواء.
تاريخياً، ومنذ التأسيس، ركزت دولة الاحتلال على بناء تفوق تقني وعسكري ساحق، واعتمدت على مفهوم الردع، والإنذار المبكر، والحسم السريع الميداني ونقل المعركة إلى أرض العدو، كركائز أساسية لعقيدتها الأمنية التي صاغها دافيد بن غوريون. ومع ذلك، فإن الطبيعة غير المتماثلة للصراعات الحديثة في الشرق الأوسط، والمواجهات الممتدة مع الفواعل المسلحة من دون الدول، بالإضافة إلى التآكل المتسارع في شرعية العمليات العسكرية الإسرائيلية على الساحة الدولية، دفع دوائر صنع القرار ومراكز الفكر الإسرائيلية المؤثرة، مثل معهد دراسات الأمن القومي (INSS) ومركز القدس للاستراتيجية والأمن (JISS)، إلى التنظير لتأسيس أطر تنظيمية وعقائدية جديدة قادرة على خوض معارك الوعي بفعالية واستدامة.
ومن بين الطروحات الاستراتيجية البارزة في هذا الصدد مقترح بناء "جيش إدراكي" متكامل ومتعدد التخصصات. يُفترض أن يعمل هذا الكيان المقترح على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع، وتوكل إليه مهمة دحض السرديات المعادية بشكل فوري، وتنسيق الجهود الإعلامية والدبلوماسية في اتجاهات متعددة الأبعاد، والأهم من ذلك، شن حملات هجومية إدراكية مبادرة ضد المؤسسات، والدول، والبيئات المجتمعية المناهضة لإسرائيل، بهدف كيّ الوعي وكسر إرادة المقاومة أو الممانعة السياسية.
وتجادل بعض الكتابات العسكرية الإسرائيلية بأن إسرائيل، التي تفتقر إلى "العمق الاستراتيجي" الجغرافي التقليدي، تحاول تعويض ذلك من خلال خلق "عمق إدراكي"، يعتمد على التأثير النفسي والمعلوماتي لشل حركة الخصم قبل أن تصل تهديداته إلى الجبهة الداخلية.
يتضح من هذا التحول الجوهري أن إسرائيل باتت تعتبر الفضاء المعلوماتي والمجال الإدراكي ساحة قتال مركزية وموازية لا تقل أهمية، بل قد تفوق في بعض الأحيان، أهمية الميدان العسكري التقليدي. وتستهدف العمليات الإدراكية الإسرائيلية مسارين متوازيين ومتقاطعين: الأول يتمثل في إضفاء الشرعية على أعمالها العسكرية وتأمين مساحة المناورة السياسية والقانونية دولياً للحيلولة دون فرض عقوبات أو عزلة دولية، والثاني، وهو الأخطر، يتركز في اختراق المجتمعات العربية المستهدفة، وتشويه صورة حركات المقاومة، وإضعاف الروح المعنوية، وتعزيز حالة من "العجز المكتسب" لدى الشعوب. هذه الحالة النفسية تدفع الجماهير لليأس والاعتقاد بأن أي محاولة للتغيير أو المقاومة هي محاولة عبثية وستجلب الدمار، مما يقلل بشكل جذري من قدرتهم على إدراك مصالحهم الوطنية والتحرك الفاعل والموحد لحمايتها.
|
أبعاد التحول الاستراتيجي
|
المفهوم التقليدي
(الهاسبارا/ الدبلوماسية العامة)
|
المفهوم الحديث
(الحرب الإدراكية وعمليات التأثير)
|
|
الهدف الاستراتيجي الأساسي
|
محاولة تحسين الصورة الدولية، وشرح وتبرير السياسات والعمليات
|
هندسة وعي الخصم، تغيير القناعات الراسخة، والتأثير على السلوك المجتمعي
|
|
الهدف الاستراتيجي الأساسي
|
دفاعية بالأساس، تعتمد على رد الفعل، وتستخدم البيانات الرسمية
|
هجومية مبادرة، استباقية، متزامنة بشكل وثيق مع العمليات العسكرية الميدانية
|
|
الأدوات والوسائط المستخدمة
|
المتحدث العسكري التقليدي، القنوات الدبلوماسية، وسائل الإعلام الجماهيري
|
الذكاء الاصطناعي التوليدي، الحسابات الوهمية (Sockpuppets)، التلاعب بخوارزميات المنصات
|
|
الجمهور والنطاق المستهدف
|
الحكومات الغربية، النخب السياسية، دوائر صنع القرار الدولية
|
الجماهير العربية، الرأي العام الداخلي للخصم، والمجتمعات المدنية العالمية
|
جدول 1: التحول في العقيدة الأمنية والاستراتيجية الإسرائيلية من الدبلوماسية العامة إلى الحرب الإدراكية
البنية التحتية التكنولوجية والاستخباراتية للحرب الإدراكية الإسرائيلية
لا يمكن فهم حجم وطبيعة الممارسة الإسرائيلية في مجال الحرب الإدراكية واستهداف التماسك المجتمعي في محيطها الإقليمي دون تفكيك وتحليل البنية التحتية التكنولوجية والاستخباراتية المركبة التي تقف خلفها وتدير عملياتها. تعتمد إسرائيل في هجومها الإدراكي على نموذج هجين يقوم على تزاوج وثيق وتعاون عضوي بين المؤسسات العسكرية والاستخباراتية الرسمية من جهة، وبين قطاع تكنولوجي خاص فائق النشاط والابتكار من جهة أخرى. يعمل هذا القطاع الخاص كواجهة مرنة لتنفيذ مهام تأثير وتضليل بالوكالة، مما يوفر للحكومة الإسرائيلية مساحة واسعة من "الإنكار المعقول" للتهرب من التبعات القانونية والسياسية الدولية.
"الوحدة 8200" وتوظيف الذكاء الاصطناعي لمحاولة اختراق الوعي العربي:
تُمثل الوحدة 8200، التابعة لشعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (أمان)، رأس الحربة الفعلي في جمع استخبارات الإشارات (SIGINT) وإدارة العمليات السيبرانية والإدراكية المعقدة. لا تقتصر مهام هذه الوحدة المركزية على التنصت وفك التشفير التقليدي، بل تمتد لتشمل مهام المراقبة الجماعية المتقدمة والتلاعب المنهجي بالبيانات وتوجيه الرأي العام.
وتشير دراسات وتقارير موثقة إلى أن هذه الوحدة، مدعومة بشركات التكنولوجيا المتعاقدة معها، تستخدم الأراضي الفلسطينية (الضفة الغربية وقطاع غزة) كـ "مختبر للمراقبة والتجارب"، حيث يتم اختبار وتطوير أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي وأدوات المراقبة البيومترية وتحليل السلوك على السكان الفلسطينيين قبل تصدير هذه التقنيات أو استخدامها إقليمياً.
وعلى الصعيد الإدراكي البحت، عكفت المؤسسات الاستخباراتية الإسرائيلية في السنوات الأخيرة على مشروع ضخم لبناء نماذج لغوية حاسوبية مدعومة بالذكاء الاصطناعي التوليدي، تعتمد على معالجة اللغات الطبيعية (NLP). لتحقيق ذلك، قامت الوحدة بجمع ما يقرب من 100 مليار كلمة من المحادثات والنصوص باللهجات العربية المحكية المختلفة لتطوير أنظمة قادرة ليس فقط على التنصت الدقيق، بل على تحليل المشاعر العميقة للمتحدثين، وتوليد نصوص عربية تبدو طبيعية ومقنعة ومحاكية لأسلوب المواطن العربي البسيط. هذا التطور التقني يمنح الآلة الإسرائيلية قدرة على ضخ كميات ضخمة من الرسائل المضللة والشائعات عبر منصات التواصل الاجتماعي، مصممة خوارزمياً لتلائم السياقات الثقافية والاجتماعية الفريدة للجمهور العربي والمصري، ولتحفيز الاستقطاب بأنواعه بدقة جراحية.
الحملات المنسقة والتضليل المدعوم تقنياً (شبكات STOICنموذجاً):
إلى جانب العمليات العسكرية الرسمية المباشرة، تلجأ الأجهزة الإسرائيلية، مثل وزارة شؤون الشتات وجهات استخباراتية أخرى، إلى تفويض مهام التأثير لشركات تسويق سياسي وتكنولوجيا مدنية، والتي غالباً ما يؤسسها ويديرها ضباط استخبارات سابقون خريجو الوحدة 8200 وغيرها. من أبرز الأمثلة التي تم الكشف عنها وتوثيقها مؤخراً، شبكة تابعة لشركة إسرائيلية تُدعى (STOIC)، وهي مؤسسة تلقت ملايين الدولارات لتنفيذ حملات تأثير إدراكية واسعة النطاق. استخدمت الشركة أحدث أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي لإنشاء هويات وهمية متكاملة لحسابات على منصات مثل فيسبوك وإكس وإنستجرام، وانتحلت هذه الحسابات صفات مواطنين محليين في دول متعددة للترويج لسرديات محددة.
ورغم أن تقارير شركتي "ميتا" و"أوبن إيه آي" أشارت إلى تركيز جزء كبير من هذه الحملات على أمريكا الشمالية بهدف تقويض الدعم الشعبي المتصاعد للقضية الفلسطينية، وإثارة مشاعر الإسلاموفوبيا، وبث الخلافات بين المجتمعات المسلمة وحركات الحقوق المدنية الغربية، إلا أن تحقيقات أخرى أثبتت وجود عمليات مشابهة استهدفت منطقة الشرق الأوسط بشكل مباشر.
شملت هذه العمليات محاولات لتأجيج الاضطرابات الداخلية في دول مثل إيران، باستخدام صور وفيديوهات مولدة بالذكاء الاصطناعي بهدف شق الصف الداخلي، وإرباك الرأي العام، وإثارة حالة من عدم اليقين والريبة بين صفوف المواطنين تجاه قياداتهم. بالإضافة إلى ذلك، جرى الكشف عن تطوير تطبيقات مثل "كلمات من حديد" لتعمل بمثابة "قبة حديدية رقمية".
يقوم هذا التطبيق بتوجيه جيش من المتطوعين والبرمجيات للتدخل خوارزمياً لتعزيز الرواية الإسرائيلية وقمع أو إخفاء المحتوى المناهض لها على الإنترنت. هذا النمط من العمليات يُدار بنهج لا مركزي يخلق ساحة غير متكافئة تقنياً، حيث تمتلك دولة الاحتلال ما يمكن تسميته بـ "دبلوماسية المنصات"، والتي تتيح لها الضغط المباشر على شركات التكنولوجيا الكبرى لحذف المحتوى المناهض لسرديتها بحجة مكافحة الإرهاب، مما يحرم الخصوم من القدرة على التعبير ويمحو الحقائق من الفضاء الرقمي.
آليات وتكتيكات الاستهداف الإسرائيلي للتماسك المجتمعي في الإقليم والمنطقة العربية
لقد أحدثت إسرائيل تحولاً جذرياً في عقيدتها الأمنية، منتقلة من "الحرب النفسية" التقليدية إلى ما تطلق عليه مراكز الأبحاث الإسرائيلية "المعركة الشاملة على الوعي". ويتجلى هذا بوضوح في العمليات العسكرية الكبرى لعام 2026، مثل العمليتين المسماتين "زئير الأسد" و"الغضب الملحمي"، حيث تم دمج العمليات التكتيكية (الحركية) مع استراتيجيات إدراكية تهدف إلى إحداث "شلل استراتيجي". فلم تعد الرسائل الإدراكية تهدف فقط إلى محاولةالترهيب، بل تسعى إلى محاولة "إعادة تعريف الواقع الموضوعي" للجمهور المستهدف عبر تقنيات "الاستهداف العصبي" التي تستخدم علوم الأعصاب لتحليل فجوات الانتباه لدى الشعوب وتصميم رسائل تخترق المستويات البيولوجية والنفسية والاجتماعية لكسر إرادة المقاومة.
وفي المسرح اللبناني، وظفت إسرائيل استراتيجية "الحرب السوسيولوجية" عبر استغلال التعددية الطائفية الهشة لتحويل الصراع من مواجهة بين دول أو كيانات سياسية إلى تفتيت للمفهوم السيادي للدولة نفسه. وتعتمد الممارسة الإسرائيلية هنا على إعادة صياغة السرديات بحيث يُصور الخصم (مثل حزب الله) كعائق طائفي يحول دون استقرار الدولة، مما يبرر ضرب البنية التحتية بحجة "عجز الدولة" عن ممارسة سلطتها. كما برز استخدام "أوامر الإخلاء" المتكررة في عام 2026 كأداة إدراكية قوية لخلق حالة من "العجز المتعلم" لدى المدنيين، حيث يتم ضخ صور الدمار الشامل المؤتمتة لتعميق الشعور بفقدان السيطرة على المصير على غير الواقع، مما يدفع المجتمع نحو شروخ داخلية عميقة قد تصل إلى حافة الحرب الأهلية.
أما على الساحة الإيرانية، فقد استغلت إسرائيل وحلفاؤها "صدمة الانتقال" الناتجة عن ضربات "قطع الرأس" التي استهدفت القيادات العليا، لتفعيل استراتيجية "التفكيك من الداخل". وتركز الحرب الإدراكية هناك على تحفيز "الاستقلال الإدراكي" للأقليات العرقية، مثل الكرد والبلوش، عبر سرديات رقمية موجهة تضخم الفوارق وتستغل الأزمات الاقتصادية الخانقة لربط الفشل الإداري بالسياسات الإقليمية للنظام. ويتم ذلك عبر نظام "الهسبرة 2.0" والذي يستخدم الذكاء الاصطناعي لإنشاء "فقاعات ترشيح" معلوماتية تستهدف جيل الشباب بسرديات التشكيك، مما يؤدي إلى تآكل الثقة في المؤسسات الوطنية وتحويل الغضب الشعبي إلى الداخل.
محاولة التلاعب بالرأي العام واستغلال الأزمات التنموية والاقتصادية:
ترتكز استراتيجية الحرب الإدراكية الإسرائيلية، والموجهة ضد المحيط الإقليمي، على الرصد الدقيق واليومي للأزمات الداخلية والتحديات الهيكلية التي تواجهها الدولة، ثم العمل على إعادة تأطيرها وتضخيمها لتوليد حالة عامة من الإحباط واليأس.
وفي الحالة المصرية، تُستغل التحديات الاقتصادية المرتبطة بالمتغيرات والأزمات العالمية المتعاقبة والبرامج الإصلاحية الداخلية، لضخ شائعات منهجية تستهدف النيل من الروح المعنوية والثقة في المستقبل.
كما يتم استغلال ملفات جيواستراتيجية حساسة وتمس الأمن القومي المباشر، كأمن المياه وتداعيات سد النهضة الإثيوبي، في السرديات الموجهة للتأثير على الرأي العام المصري، وتشير التحليلات السياسية الموثقة إلى أن الانخراط الإسرائيلي الاستخباراتي والتقني المتزايد في دول حوض النيل وأفريقيا يُوظف كورقة ضغط استراتيجية غير مباشرة.
وبالتوازي مع ذلك، يتم بث رسائل وسرديات إلكترونية خفية وموجهة تهدف إلى محاولة تصوير المؤسسات الوطنية كجهات عاجزة عن حماية المصالح الاستراتيجية والحقوق التاريخية. هذا الضخ المعلوماتي يغذي شعوراً بـ "القومية الاستعراضية" والضغط الشعبي غير الرشيد، والذي يستهدف محاولة تقييد خيارات صانع القرار الوطني والدفع نحو مسارات تصادمية غير محسوبة بدلاً من الحلول المدروسة.
هندسة السرديات المضللة وإدارة الإدراك: صفحة "إسرائيل تتكلم بالعربية" نموذجاً:
تستخدم أجهزة الدعاية والاستخبارات الإسرائيلية منصات التواصل الاجتماعي كساحات قتال نفسية مفتوحة تستهدف بالأساس شرائح الشباب العربي والمصري الذين يقضون ساعات طويلة في الفضاء الرقمي. وقد أظهرت دراسات نقدية تحليلية أكاديمية لمضمون صفحات إسرائيلية موجهة للعرب، مثل صفحة "إسرائيل تتكلم بالعربية" على موقع فيسبوك، خلال حرب غزة، كيف تطبق الآلة الإسرائيلية آليات "الاختيار، والاستثناء، والإبراز" كجزء أساسي من تطبيق نظرية التأطير الإعلامي. تهدف هذه الصفحات إلى هندسة الإدراك العربي من خلال محاولة تقديم صورة ذهنية إيجابية لدولة الاحتلال كواحة للديمقراطية والتطور، وتكريس فكرة أن التطبيع مع إسرائيل هو الحل السحري والوحيد لأزمات المنطقة الاقتصادية والأمنية، مع العمل بشكل متوازي ومكثف على التقليل المتعمد من شأن المقاومة الفلسطينية والعربية ووصفها بالعبثية والمقامرة التي تجلب الدمار.
هذا الخطاب الموجه عبر هذه المنصات يعتمد استراتيجية خبيثة تقوم على بث رسائل تتسم بـ "البخل المعرفي"؛ أي تقديم تفسيرات مبسطة ومسطحة للأحداث المعقدة لتجاوز حاجز التفكير النقدي لدى المتابع، ومخاطبة العواطف والغرائز الأساسية بدلاً من العقول. تهدف هذه الاستراتيجية الطويلة الأمد إلى إحداث شروخ بنيوية في جدار الوعي الجمعي العربي، بحيث يصبح المواطن العربي، والشباب الجامعي تحديداً، أكثر تقبلاً أو على الأقل أكثر حياداً تجاه السردية الإسرائيلية التي تُبرر العنف المفرط والمجازر ضد الفلسطينيين بوصفه "دفاعاً مشروعاً عن النفس" أو انخراطاً في حرب عالمية ضد "الإرهاب والتطرف".
محاولة تفتيت "الجسد العربي" وإثارة النعرات الطائفية والمناطقية:
لا يقتصر الاستهداف الإدراكي الإسرائيلي على البعد القطري أو محاولة إرباك الساحة الداخلية لدولة بعينها، بل يتسع ليشمل استراتيجية التفتيت المنهجي للجسد العربي والإسلامي ككل، استناداً إلى مبدأ "فرق تسد". تكشف التقارير الأكاديمية والاستراتيجية عن مساعٍ حثيثة للاستخبارات الإسرائيلية لاختراق الساحات العربية ليس فقط لغرض جمع المعلومات الميدانية، بل لاستغلال الانقسامات الأيديولوجية والطائفية والمناطقية التاريخية والمستحدثة وتحفيزها عبر شبكات التواصل الاجتماعي.
يتم تنفيذ ذلك من خلال جيوش من الحسابات الوهمية واللجان الإلكترونية التي تنتحل صفات أطراف النزاع وتغذي الكراهية المتبادلة والخطاب الاستقطابي الحاد (مثل تأجيج التوترات الإقليمية بين الدول العربية، أو إشعال الخلافات السنية-الشيعية). إن الهدف الاستراتيجي من وراء هذه الفوضى الرقمية المصطنعة هو منع تشكل أي موقف عربي سياسي أو شعبي موحد إزاء القضايا المصيرية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، وضمان انشغال الدول والمجتمعات العربية بصراعاتها الداخلية والبينية الاستنزافية التي تستنزف الموارد والقدرات.
الدبلوماسية الرقمية السوداء وحملات التضليل في سياق حرب غزة 2023-2025:
شكلت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، التي اندلعت في أعقاب السابع من أكتوبر 2023 وامتدت تداعياتهاالإقليمية، مختبراً حياً وغير مسبوق لاستخدام تقنيات الحرب الإدراكية الحديثة، حيث تحول الفضاء المعلوماتي إلى ساحة موازية تماماً لساحة القتال العسكري المباشر. لقد اعتمدت إسرائيل، بمستوياتها الرسمية وشبه الرسمية والمدنية المرتبطة بأجهزة الأمن، على مزيج من "الدبلوماسية الرقمية السوداء" وحملات التضليل المنهجية لمحاولة السيطرة على السردية العالمية والإقليمية.
ومن أبرز تجليات هذا النهج هو التوظيف النفسي والإدراكي العميق لملف الأسرى والرهائن. فقد سعت إسرائيل لتأطير هذه القضية كرافعة أخلاقية تبرر حجم التدمير الهائل في البنية التحتية والمجازر الجماعية في غزة، في حين كانت تستخدم الصور والمقاطع المجتزأة في محاولة لضرب الروح المعنوية لحاضنة المقاومة. وفي الوقت ذاته، وتحت وطأة تدفق صور الضحايا الفلسطينيين، كثفت الآلة الإسرائيلية من عمليات التلاعب.
في بداية العدوان، وعقب استهداف المستشفى الأهلي المعمداني، سارعت وحدة المتحدث باسم جيش الاحتلال بإطلاق حملة تضليل سريعة على وسائل التواصل الاجتماعي استخدمت فيها صوراً جوية وتحليلات فنية مفتعلة لتحميل فصائل المقاومة مسؤولية الانفجار، وهي الحملة التي كشفت التحقيقات المستقلة لاحقاً عن تهافتها وتناقضها. ولم تتوقف الممارسات عند هذا الحد، بل شملت ترويج ادعاءات كاذبة على أعلى المستويات السياسية لتشوية المقاومة وشيطنتها، مثل قصة "الأطفال الأربعين مقطوعي الرؤوس" التي رددتها وسائل الإعلام الغربية بناءً على السردية الإسرائيلية، قبل أن تتراجع عنها لغياب أي دليل.
ويمثل الأخطر في هذه المرحلة ما أطلق عليه بعض الخبراء مصطلح "الإبادة المعلوماتية". فبالتزامن مع الاستهداف المادي للصحفيين ووسائل الإعلام وعرقلة عمل وكالات الإغاثة الدولية (مثل حملة شيطنة وتفكيك الأونروا)، استُخدم الذكاء الاصطناعي بشكل مفرط لتوليد نصوص وصور وفيديوهات مزيفة تدعم الرواية الإسرائيلية وتطمس الحقائق. كما مارست إسرائيل ضغوطاً سياسية وتقنية كبيرة على شركات ومنصات التواصل الاجتماعي الكبرى (مثل ميتا، جوجل، يوتيوب، تيك توك) لحذف ملايين المنشورات المؤيدة للحق الفلسطيني بحجة انتهاك معايير المجتمع، ما أدى إلى إخراس الصوت الفلسطيني والداعم له وإيجاد بيئة معلوماتية مشوهة وغير متكافئة بالكامل.
حدود القوة وأوهام التفوق: إخفاقات الحرب الإدراكية والاستخباراتية الإسرائيلية:
رغم الإنفاق المالي الهائل والبنية التكنولوجية المتقدمة التي تمتلكها دولة الاحتلال، يقتضي التحليل المنهجي المتزن، الذي لا يُبالغ في قدرات العدو الاستراتيجية ولا يقلل من خطورتها، التوقف بشكل نقدي وصارم عند نقاط الضعف والفشل البنيوي في منظومة الحرب الإدراكية والاستخباراتية الإسرائيلية.
لقد تكشفت هذه الإخفاقات بوضوح بالغ، بل وصادم لصناع القرار في تل أبيب، منذ أحداث السابع من أكتوبر 2023 وما تلاها من تطورات ميدانية وسياسية في غزة ولبنان والمنطقة.
عمى التحيز المعرفي:
شكلت عملية السابع من أكتوبر 2023 زلزالاً أمنياً وعسكرياً كشف عن "عمى إدراكي" عميق وخلل بنيوي في التفكير الاستراتيجي لدى القيادة الإسرائيلية. لقد اعتمدت الأجهزة الأمنية، ممثلة في الاستخبارات العسكرية (أمان) وجهاز الأمن العام (الشاباك)، بشكل شبه كلي ومفرط على التفوق التكنولوجي الخالص واستخبارات الإشارات والتقنيات (التي تقودها الوحدة 8200).
لقد تولّد عن هذا الاعتماد التكنولوجي المفرط "تحيز معرفي" ومؤسسيعميق، تمثل في تبني "تصور" ثابت وجامد يفترض أن فصائل المقاومة قد تم ردعها تماماً بعد الجولات السابقة، وأن قياداتها تميل للتهدئة والبراغماتية، وتركز طموحاتها على إدارة الأمور المدنية والتنمية الاقتصادية وتحسين مستوى المعيشة في غزة، متجاهلين الأيديولوجيا والعقيدة القتالية المترسخة.
هذا الفشل المروع لم يكن مجرد فشل أو نقص في جمع المعلومات الأولية—إذ كانت هناك إشارات تحذيرية—بل كان فشلاً إدراكياً مؤسسياً في قراءة نوايا الخصم، حيث كيّفت المؤسسة الأمنية المعلومات المتاحة قسراً لتلائم القناعات المسبقة والعمياء لصناع القرار. وقد أدى هذا السقوط في الوعي الظرفي وتجاهل القدرات الفعلية للخصم إلى انهيار وهم المناعة المطلقة.
العجز في التأثير على الشارع العربي والسقوط المدوي للسردية:
أثبتت الممارسات الميدانية المروعة وحرب الإبادة في غزة الفشل الذريع لاستراتيجية التأثير الإدراكية الإسرائيلية في اختراق العالم العربي وتطويع وعيه. فعلى الرغم من سنوات طويلة من الإنفاق على برامج "الدبلوماسية الرقمية"، والجهود المحمومة للترويج لعمليات التطبيع الرسمي تحت مسميات "السلام الإبراهيمي"، ومحاولات عزل القضية الفلسطينية عن وجدان الشارع العربي، إلا أن الإدراك الجمعي العربي أظهر مقاومة صلبة، وحيوية مدهشة، ومناعة معرفية وأخلاقية عميقة تجاه السردية الصهيونية.
وتُشير استطلاعات الرأي الإقليمية والدولية التي أُجريت في أعقاب الحرب، ومن بينها مؤشر المؤشر العربي (2024)، إلى نتائج تشكل صفعة للحرب الإدراكية الإسرائيلية. فقد أظهرت البيانات أن الغالبية الساحقة من الرأي العام العربي—بنسب تقارب 89% وفي بعض الدول تصل إلى 95%—ترفض بشكل قاطع الاعتراف بإسرائيل، وتعتبر القضية الفلسطينية قضية عربية مركزية وقومية وليست شأناً فلسطينياً محلياً معزولاً. كما أشار ما يقرب من 59% من المستطلعة آراؤهم إلى أنهم أصبحوا على يقين تام باستحالة تحقيق أي سلام مع إسرائيل في المستقبل.
هذه الفجوة الهائلة تُرسل رسالة إقليمية واضحة بأن الآلة الدعائية الإسرائيلية، مهما بلغت تعقيداتها التكنولوجية واستثماراتها المالية، تصطدم وتتحطم على جدار الوعي التاريخي، الديني، والإنساني للشعوب العربية. وأن مسار التطبيع، الذي راهنت عليه إسرائيل كأداة لهندسة إدراك المواطن العربي وإقناعه بالتخلي عن بديهيات الصراع، قد فشل فشلاً ذريعاً في خلق قبول شعبي يتجاوز الاتفاقات الحكومية الباردة.
الفجوة بين الإنجاز التكتيكي العسكري والفشل الاستراتيجي الإدراكي:
تواجه إسرائيل اليوم مأزقاً استراتيجياً تصفه دوائرها الفكرية بـ "التناقض الصارخ" أو الفجوة الاستراتيجية؛ فبينما تدعي المؤسسة العسكرية تحقيق إنجازات تكتيكية ميدانية من خلال تدمير البنى التحتية والتنظيمية لحركات المقاومة والاغتيالات المستهدفة في ساحات متعددة، تجد نفسها تعاني من عزلة وانهيار استراتيجي وإدراكي غير مسبوق على الساحة الدولية الدبلوماسية والشعبية.
السردية الإسرائيلية، التي طالما قدمت إسرائيل للغرب كدولة ديمقراطية ليبرالية تدافع عن نفسها بقيم غربية في محيط معادٍ، قد انهارت تماماً أمام سيولة الصور، والمقاطع المصورة، والشهادات الحية التي توثق حجم الدمار الكارثي، والانتهاكات الجسيمة، واستهداف المدنيين والمنشآت الطبية بشكل ممنهج. هذه المواد البصرية تدفقت عبر المنصات الرقمية متجاوزة قدرة الآلة الرقابية الإسرائيلية أو خوارزميات المنصات المتحيزة على حجبها.
إن هذه الخسارة العميقة في "معركة الرواية" لم تعمق فقط عزلة إسرائيل وتضعف شرعيتها أمام محكمة العدل الدولية والرأي العام العالمي، بل أدت إلى تصدع الإجماع حول دعم إسرائيل حتى داخل عواصم حلفائها التقليديين في الولايات المتحدة وأوروبا. مما يثبت بشكل جلي أن أدوات الحرب الإدراكية الإسرائيلية الرسمية تتسم في كثير من الأحيان بالبطء، والمركزية الإدارية، وعدم القدرة على مواكبة الديناميكية، واللامركزية، والسرعة الفائقة التي تمتاز بها سرديات التضامن الشعبي العالمي والنشاط الإعلامي العفوي.
استراتيجيات بناء "المناعة المعرفية" والمجتمعية:
في ظل هذا المشهد الإقليمي المضطرب والمعقد، تبرز بشدة خطورة الممارسات الإسرائيلية والمحاولات الرامية لزعزعة الاستقرار الإقليمي والعربي. وتتطلب هذه المرحلة تحولاً منهجياً واستراتيجياً يتجاوز الاعتماد الحصري على المفاهيم العسكرية والأمنية التقليدية، ليمتد نحو بناء قدرات رادعة ودفاعية فعالة في الفضاء المعلوماتي والمجال المجتمعي والنفسي.
الاستراتيجية المصرية في معركة الوعي ومكافحة الشائعات:
تنبهت الدولة المصرية ومؤسساتها المعنية مبكراً لمخاطر حروب الجيل الرابع والخامس والحروب الإدراكية التي تستهدف تآكل الجبهة الداخلية من الداخل. ومن هنا، تبنت مؤسسات الدولة، بتكامل مع المراكز البحثية مثل مراكز الفكر الاستراتيجية الوطنية كالمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، ومركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، والمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، استراتيجيات مرنة ومتطورة تعتمد على الرصد العلمي، والتحليل المستمر، والاستجابة السريعة وتدقيق المعلومات.
|
السنة
|
نسبة انتشار الشائعات
(من إجمالي التوزيع النسبي للفترة 2014-2025)
|
القطاعات المجتمعية والمؤسسية الأكثر استهدافاً في مصر
|
|
2021
|
13.1%
|
الاقتصاد، الصحة، التعليم، السياسات العامة
|
|
2022
|
13.9%
|
الاقتصاد، المشاريع القومية والتنموية، التموين
|
|
2023
|
15.7%
|
الاقتصاد، الأزمات العالمية الممتدة، التموين والأسعار
|
|
2024
|
16.2%
|
الاقتصاد، الصحة، الشؤون السياسية والقرارات السيادية
|
جدول 2: نسبة الشائعات الموجهة للداخل المصري والقطاعات المستهدفة خلال الفترة من 2021 حتى 2025 من إجمالي التوزيع النسبي للفترة من (2014 حتى 2025) - بيانات مستخلصة من تقارير المركز الإعلامي لمجلس الوزراء لجهود مواجهة الشائعات السنوية.
وتشير هذه المؤشرات والبيانات (جدول 2) بوضوح وجلاء إلى أن الاستهداف الإدراكي لمصر يتركز بشكل ممنهج ومتواصل على القطاع الاقتصادي. تهدف هذه الحملات إلى استغلال اللحظات الحرجة لضرب الثقة بين المواطن والمؤسسات الاقتصادية للدولة، وإثارة الهلع الاستهلاكي، وتثبيط العزائم تجاه مسارات التنمية الوطنية.
إن الزيادة الكبيرة التي فاقت ثلاثة أضعاف في حجم انتشار الشائعات بين الفترتين (2014-2019) و(2020-2025) لا يمكن اعتبارها محض صدفة أو نتاجاً طبيعياً للتفاعلات الاجتماعية والظروف الاقتصادية، بل تدل دلالة قاطعة على وجود جهد مؤسسي منظم تقوده جهات معادية خارجية، وجماعات متطرفة مناهضة للدولة المصرية، تستثمر بكثافة في الأزمات لتوسيع الفجوات ومحاولة إحداث التآكل النفسي البطيء.
بناء المناعة المعرفية المجتمعية وتأمين الوعي:
يُعد مفهوم "المناعة المعرفية المجتمعية" بمثابة خط الدفاع الاستراتيجي الأهم والأكثر استدامة في مواجهة هذه التهديدات. ويُعرف أكاديمياً واستراتيجياً بأنه قدرة الأفراد والمجتمع ككل على كشف عمليات التضليل الموجهة، وتحييدها معرفياً ونفسياً، مع الحفاظ المتين على الروابط الاجتماعية والهوية الوطنية الجمعية التي تمنع تفكيك البنية النفسية للمجتمع تحت وطأة الحرب الإدراكية.
وتتحقق هذه المناعة الصلبة عبر عدة مسارات متكاملة تتولاها أجهزة الدولة ومؤسسات التنشئة:
1. الشفافية والاتصال الحكومي الاستراتيجي الفعال:يؤكد خبراء الأمن القومي أن الفراغ المعلوماتي وحجب الحقائق هو البيئة الأكثر خصوبة لنمو الشائعات وتمدد عمليات التلاعب الإدراكي. من هنا تنبع الأهمية القصوى لانتهاج سياسة الشفافية المؤسسية، وضخ المعلومات الدقيقة والموثقة في وقتها الحقيقي للمواطنين، لقطع الطريق وسد الثغرات التي يمكن أن يستغلها الخصم لزرع الشكوك والبلبلة.
2. التربية الإعلامية والرقمية كضرورة أمن قومي:أصبح من الملح والضروري إدماج مناهج "محو الأمية الإعلامية والمعلوماتية" والوعي الرقمي في صميم المؤسسات التعليمية والثقافية. إن تحصين الشباب—بوصفهم الفئة الأوسع ديموغرافياً، والأكثر انخراطاً وتواجداً في الفضاء الرقمي، وبالتالي الأكثر عرضة للاستهداف الممنهج—يتطلب تطوير مهارات التفكير النقدي العميق لديهم، لتمكينهم من تمييز الأخبار الزائفة، والمحتوى المولد والمُعدل بتقنيات الذكاء الاصطناعي، وفهم الأجندات الخفية وراء الحملات الرقمية.
3. تعزيز أدوار مراكز الفكر والدراسات الوطنية:في عصر تعقيد المعلومات، تبرز أهمية قصوى لتعزيز الشراكة البناءة بين دوائر صنع القرار ومراكز الأبحاث والدراسات الوطنية، حيث تلعب هذه المؤسسات دوراً حيوياً في إنتاج التقديرات الاستراتيجية التي ترصد وتتنبأ بالتحولات في تكتيكات العدو الإدراكية، وتقديم تحليلات معمقة قادرة على تفكيك السرديات المعادية بأسلوب علمي ومنهجي. يُعرف هذا الجهد في الأدبيات الحديثة بـ "جهاد التبيين" أو المواجهة المعرفية، والذي يهدف إلى كشف آليات التحليل والتوجيه الاستخباري المعادي وتوعية النخب والمجتمع بخطورتها.
4. تطوير البنية التكنولوجية والسيادة الرقمية الوطنية:تكثيف الجهود لتطوير أدوات رصد وتحليل تعتمد بدورها على الذكاء الاصطناعي المضاد. تهدف هذه الأدوات لاكتشاف الشبكات المنسقة، والحسابات الوهمية، ومصادر بث الشائعات مبكراً، للعمل على إحباط مساعيها وتحييد آثارها قبل أن تتمكن من الانتشار الجماهيري وتسميم الفضاء الرقمي الوطني.
الخلاصة والمسارات المستقبلية:
تُظهر الممارسات الإسرائيلية المعاصرة في الساحة الإقليمية والمحلية، بوضوح لا لبس فيه، أن الحرب الإدراكية وعمليات إعادة هندسة الوعي لم تعد مجرد ملحق ثانوي أو أداة داعمة للعمليات العسكرية التقليدية، بل أصبحت استراتيجية مركزية ومستقلة بحد ذاتها، تستهدف ضرب النسيج المجتمعي، والوعي الجمعي، والتماسك الداخلي للدول المركزية في الإقليم. تعتمد هذه الاستراتيجية التخريبية على بنية تحتية استخباراتية وتكنولوجية متقدمة للغاية، توظف أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات الضخمة، والتعاون مع الشركات الأمنية الخاصة، بغرض نشر التضليل، وهندسة السرديات، وخلق حالة من الإحباط وفقدان الثقة.
مع ذلك، فإن التحليل الاستراتيجي والنقدي العميق يكشف عن قصور بنيوي وتناقضات جوهرية في هذه المقاربة الإسرائيلية؛ فقد أثبتت الاعتمادية الإسرائيلية المفرطة على الآلة والتكنولوجيا عجزها التام عن قراءة النوايا الحقيقية أو قهر إرادة الشعوب الحرة، وهو ما تجلى بشكل صارخ في الإخفاق الاستخباراتي الاستراتيجي الكبير في السابع من أكتوبر، وما تلاه من انهيار كامل وشامل للسردية الإسرائيلية في الوعي العربي والإسلامي، الذي أثبت أصالة، وصلابة، ومناعة فطرية ضد كل محاولات التطبيع القسري، والاختراق النفسي، وإعادة تشكيل الوعي بقوة التكنولوجيا أو سلاح الترهيب.
لذلك تتأكد في هذه المرحلة الحرجة حقيقة راسخة مفادها أن حماية الوطن ومقدراته تتركز أيضاً بالضرورة على تأمين وعي مواطنيه. إن الاستهداف المنظم والمستمر للتماسك المجتمعي المصري من خلال سلاح الشائعات الاقتصادية والسياسية والإحباط النفسي يمثل تحدياً يتطلبالانتقال الحاسم من سياسات رد الفعل والإنكار، إلى تبني استراتيجية استباقية، دفاعية وهجومية متكاملة تستهدف تعزيز أواصر الثقة بين الدولة والمجتمع من خلال ترسيخ مفهوم "المناعة المعرفية" كأحد المكونات الأساسية والعضوية في الأمن القومي الشامل.
ويتأتى ذلك من خلال الاستثمار الحقيقي والمستدام في العقول الشابة وتزويدها بأدوات الفرز النقدي والوعي التكنولوجي، إلى جانب دعم وتطوير القدرات السيبرانية والإدراكية الوطنية لتكون قادرة على ردع أي محاولات خارجية أو داخلية للتلاعب، وتفكيك خيوط مؤامرات القوي المعادية وظلالها الرقمية التي تحاول أن تنال من استقرار الجبهة الداخلية القوية، والتي كانت وستظل دائماً الدرع الأقوى لمصر وسيفها البتار في مواجهة صراعات وحروب العصر غير المرئية، وتحصين الجبهة الداخلية وجعل "المناعة المعرفية المجتمعية" درعاً استراتيجياً غير قابل للاختراق.
المراجع:
أولاً: المراجع باللغة العربية
الخنادق. (2024). حين تصبح العقول ميدانًا: الحرب الإدراكية لمحور المقاومة. موقع الخنادق للدراسات الاستراتيجية.
المركز الإعلامي لمجلس الوزراء المصري. (2024). جهود مواجهة الشائعات على مدار عام 2024. قطاعي الاقتصاد والصحة الأكثر استهدافاً. الهيئة العامة للاستعلامات، جمهورية مصر العربية.
المركز الإعلامي لمجلس الوزراء المصري. (2025). جهود مواجهة الشائعات في 2025.. الاقتصاد والتعليم والصحة الأكثر استهدافًا. رئاسة مجلس الوزراء، جمهورية مصر العربية.
المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية. (2024). ورقة بحثية – معركة الوعي: مكافحة الشائعات من منظور الأمن القومي المصري. إصدارات المركز المصري.
حملة - المركز العربي لتطوير الإعلام الاجتماعي. (2024). تحديثات الحرب الرقمية: توظيف الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية في التلاعب الإدراكي.
مشارقة، ص. (2024). الدعاية الإسرائيلية المضلّلة التي نشرت على صفحة "إسرائيل تتكلم بالعربية" أثناء الحرب على غزة- دراسة تحليلية نقدية. مستودع أبحاث فضاء جامعة بيرزيت.
معهد الجزيرة للإعلام. (2024). الذكاء الاصطناعي كأداة للتضليل في الحرب على غزة. شبكة الجزيرة الإعلامية.
ثانياً: المراجع باللغة الإنجليزية (شاملة المصادر المترجمة عن العبرية)
Abd al-Hay, W. (2024).Israeli Intelligence Penetration in Arab States. Al-Zaytouna Centre for Studies and Consultations.
Arab Center Washington DC. (2024).Arab Public Opinion about Israel's War on Gaza. Arab Center for Research and Policy Studies.
Begin-Sadat Center for Strategic Studies. (2024).Not an End State, But a Long Game: Israel’s Strategic Goals in the Iron Swords War. Bar-Ilan University.
De Sebastián Quetglas, L. (2025). Cognitive Warfare in the Gaza Strip and West Bank Conflict. IEEE Opinion Document.
European Institute of the Mediterranean (IEMed). (2024).Gaza infocide: disinformation and new narratives wars.
Guterman, O., Siman-Tov, D., & Eran, U. (2025).The Warning[Original in Hebrew]. Institute for National Security Studies (INSS) & Institute for the Research of the Methodology of Intelligence.
Institute for National Security Studies (INSS). (2025).The State of Israel's National Security Doctrine and Policy Guidelines for 2025–2026. Tel Aviv University.
Institute for Strategic Dialogue (ISD). (2025). Conflict-amplified: Disinformation and Hate in the Israel-Hamas War.
Itzhaki, G. (2024). Cognitive Warfare in the “Swords of Iron” Era. International Institute for Counter-Terrorism (ICT).
Johnson, D. B. (2024).Israeli influence operation highlights global disinformation industry. CyberScoop.
Jones, C., & Pinfold, R. G. (2025).Intelligence Failures and Successes in Israel's Conflict with Hamas. Intelligence and National Security (Taylor & Francis).
Kuperwasser, Y., & Siman-Tov, D. (2019). The Cognitive Campaign: Strategic and Intelligence Perspectives [Original in Hebrew]. Memorandum 197, Institute for National Security Studies (INSS).
Lappin, Y. (2025). The Gap Between Israel’s Strategic-Security Improvement and Its International and Media Standing. Alma Research and Education Center.
Orpaz, I., & Siman-Tov, D. (2024).Foreign Interference and Iranian Influence on social media in Israel[Original in Hebrew]. Institute for National Security Studies (INSS).
Siboni, G. (2024). JISS Policy Papers on National Security and Military Strategy. Jerusalem Institute for Strategy and Security.
Siman-Tov, D. (Ed.). (2025).Foreign Influence and Interference as a Strategic and Intelligence Challenge(Memorandum 238) [Original in Hebrew]. Institute for National Security Studies (INSS).
The Washington Institute for Near East Policy. (2024).Hostages in the Mind: Hamas’s Strategic Use of Captivity in Cognitive Warfare. Policy Analysis.