تحليلات

تداعيات اغتيال المرشد الإيراني على قواعد الاشتباك وأمن الخليج

طباعة

بينما كان العالم يترقب ملامح تهدئة محتملة في فيينا، اختارت إسرائيل تفجير المسار الدبلوماسي بالكامل، مُدشنةً فصلًا غير مسبوق من الصدام المباشر الذي تجاوز كافة الخطوط الحمراء. ففجر السبت (28 فبراير 2026)، لم تكن الصواريخ التي استهدفت قصر الباستور الرئاسي ووزارة الدفاع في قلب طهران مجرد ترهيب عسكري، بل كانت شرارة تعجيل لمخطط توريط المنطقة في حرب شاملة ضد إيران.

عقيدة إسرائيل الأمنية تزعزع استقرار المنطقة:

مع تسارع وتيرة التصعيد العسكري في المنطقة، تسعى إسرائيل إلى فرض واقع أمني جديد، يهدف بالأساس إلى قطع الطريق على أي اتفاق جزئي بين طهران وواشنطن قد تعتبره ثغرة في عقيدتها الأمنية. فالمؤشرات الراهنة تؤكد أن تل أبيب ترى في أي تسوية لا تشمل تحجيم البرنامج الصاروخي والنووي الإيراني، وتفكيك شبكة حلفائها الإقليميين، تهديدًا وجوديًا لا يمكن التغاضي عنه. وبناءً على ذلك، تبنت استراتيجية التصعيد العسكري كخيار استراتيجي يهدف إلى تقويض ركائز النظام الإيراني بالكامل.

يأتي هذا التحول متناغمًا مع الرؤية التي طرحها المعهد اليهودي للأمن القومي الأمريكي(JINSA)  في وثيقته الاستراتيجية (أكتوبر 2025)، والتي حملت عنوان"البناء على أساس النصر: استراتيجية الولايات المتحدة تجاه إيران". هذه الوثيقة، التي أشرف عليها رئيس المعهد، الدكتور مايكل ماكوفسكي، لم تكتفِ بتعزيز الردع، بل رسمت إطارًا هجوميًا يدعو لفرض المسارات السياسية بالقوة، مما يعكس نفوذ تيار المحافظين الجدد في صياغة القرار الأمني المشترك بين واشنطن وتل أبيب.

وفي رد فعل دراماتيكي، نفذت طهران وعيدها باستهداف القواعد العسكرية الأمريكية في منطقة الخليج العربي، حيث شملت الضربات الصاروخية قواعد (العديد، والسالم، والظفرة)، وصولًا إلى مقر الأسطول الخامس في البحرين. هذا الهجوم المباغت يعكس تبني إيران لمعادلة وحدة الساحة والتهديد، معتبرة أن استخدام الأجواء أو الأراضي الإقليمية لأي عمل عدائي ضدها يخرج تلك الدول من دائرة الحياد ويحولها إلى طرف مباشر في الصراع.

تداعيات اغتيال القيادة العليا على الاقتصادي العالمي:

أصدر آية الله نوري همداني، أحد مراجع التقليد البارزين، فتوى بوجوب الانتقام من مرتكبي جريمة اغتيال آية الله علي خامنئي، وذلك ردًا على استفسار هيئة رئاسة مجمع طلاب وفضلاء الحوزة العلمية في "قم". وبالتزامن مع هذا الغطاء الشرعي، هدد أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، علي لاريجاني، بإحراق قلوب المتواطئين في عملية الاغتيال، في إشارة إلى تحول الرد الإيراني نحو مسار انفعالي يتجاوز حدود حسابات الرد المحسوب. وقد تبلورت ملامح هذا التصعيد باستهداف الحرس الثوري لناقلات نفط في مضيق هرمز وخليج عمان، إضافة إلى قصف حاملة الطائرات الأمريكية أبراهام لينكولن بأربعة صواريخ باليستية.

ولا شك، أن هذه التطورات ستعصف باستقرار أسواق الطاقة العالمية، فوفقًا لتقديرات أولية نشرتها وكالة "بلومبرج" و"وول ستريت جورنال"، يدفع السيناريو الراهن بخام برنت نحو حاجز 200 دولار، بينما قد يتخطى الذهب عتبة 2800-3000 دولار للأونصة مع افتتاح تداولات البورصات الآسيوية والأوروبية مساء الأحد (1 مارس). وفي المقابل، يُتوقع حدوث انهيار فوري في بورصات الخليج (تداول، وأبوظبي، ودبي) بنسب تتراوح بين 10-15% في جلسة واحدة، إثر نزوح الأموال الساخنة والمستثمرين الأجانب نحو الملاذات الآمنة (الذهب والدولار).

من جهة أخرى، صعدت جماعة الحوثي من تهديداتها باستهداف ناقلات النفط الأمريكية والإسرائيلية في البحر الأحمر، وهذا قد يرفع تكاليف الشحن والتأمين البحري بنسبة 300%. إذ من المحتمل أن تعلن مؤسسات التأمين العالمية، مثل "لويدز لندن"، المنطقة بكاملها كمنطقة حرب محظورة، وهو ما يهدد بوقف حركة الملاحة تمامًا، في مشهد يعيد للأذهان حرب الناقلات (1984-1988) ولكن بنطاق تدميري أوسع.

ولهذا، سيؤدي أي تعطل في سلاسل الإمداد إلى قفزة فورية في أسعار السلع الأساسية والمحروقات عالميًا، وبالتالي وضع إدارة ترامب أمام معضلات اقتصادية وضغوط دولية حادة.

مجلس القيادة المؤقت يملأ فراغ غياب المرشد:

بعد ساعات من التضارب المعلوماتي وحرب الاستنزاف النفسي، قطع التلفزيون الإيراني الشك باليقين معلنا استشهاد المرشد الأعلى، علي خامنئي. هذا الإعلان يضع المنطقة أمام صندوق باندورا من السيناريوهات المفتوحة، فبيت الشعر الملحمي الذي نشره مكتب المرشد قبيل الإعلان: به نام نامى حيدر بگو فرعون موسى به سوى نيل می‌آيد، على با ذوالفقار خود به سوى إسرائيل می‌آيد، والذي يترجم للعربية: "بسم اسم حيدر قُل لفرعون موسى إن النيل قادم، وعليٌّ بفقاره زاحف نحو إسرائيل"، لم يكن إعلان لنفي الوفاة كما بدا، بل يُقرأ الآن كوصية سياسية أخيرة، وإشارة انطلاق لمرحلة ما بعد القائد الأعلى. ولعل الزحف الذي توعد به البيت الشعري هو الشفرة العسكرية لرد وشيك قد يسبق مراسم الجنازة نفسها.

وفي تحرك دستوري سريع، أعلن المتحدث باسم مجمع تشخيص مصلحة النظام، سيد محسن دهنوي، تطبيق المادة 111من الدستور الإيراني. وبموجبها، اختار المجمع أحد فقهاء مجلس صيانة الدستور، "آية الله علي رضا أعرافي"، ليكون العضو الثالث في مجلس القيادة المؤقت إلى جانب رئيسي الجمهورية والسلطة القضائية، وذلك لضمان استمرارية القيادة العسكرية والنظامية دون فراغ، بانتظار انتخاب مجلس خبراء القيادة للمرشد الدائم. هذه الخطوة الاستباقية قطعت الطريق على مراهنات إدارة ترمب حول حدوث فوضى داخلية لإسقاط النظام، وأكدت أن غرفة عمليات الرد قد استكملت أركانها قانونياوعسكريا.

في المقابل، يُعد علي رضا أعرافي (مواليد 1338ه.ش/ 1959م) من أبرز الوجوه المرشحة لخلافة القيادة، فهو إمام جمعة قم، وعضو مجلس صيانة الدستور، ويتمتع بعلاقة عضوية وثيقة مع الحرس الثوري. وبحكم منصبه مديرًا للحوزات العلمية، يُعتبر المسئول الأول عن تصدير الثورة فكريًا، فبينما يمثل الحرس الثوري القوة الصلبة، يمنحهم أعرافي القوة الناعمة والغطاء الشرعي للعمليات العابرة للحدود في سوريا والعراق ولبنان.

يزيد على ذلك، ترأس أعرافي جامعة المصطفى العالمية التي تصفها التقارير الغربية وتصنيفات الخزانة الأمريكية -التي فرضت عليها عقوبات- بأنها خزان تجنيد لميليشيات الحرس الثوري العابرة للحدود، مثل لواءي "الفاطميون والزينبيون". كما يبرز أعرافي كصاحب مشروع أسلمة العلوم وتثوير الحوزة/ انقلابی كردن حوزه، وهو التوجه الذي يهدف لتحويل رجال الدين إلى مقاتلين عقائديين، ورغم اعتراض التيار التقليدي في قم على هذا التوجه، إلا أنه يلقى قبولًا مطلقًا لدى الجناح المتشدد في السلطة، مما يجعل أعرافي شريكًا استراتيجيًا للحرس الثوري في مشروع تصدير الثورة. وبناءً على هذه المعطيات، إذا نجح أعرافي في قيادة إيران لعبور عاصفة الحرب الشاملة الراهنة، فقد نرى الدخان الأبيض يتصاعد قريبًا من مجلس خبراء القيادة معلنًا إياه المرشد الثالث للجمهورية الإسلامية.

خاتمة:

في المحصلة، لا تستهدف الضربات الإيرانية للعمق الخليجي والإسرائيلي، وتعطيل الملاحة البحرية في مضيق هرمز وخليج عمان، والتمهيد لشل منظومات الرادارات الأمريكية، مجرد رد عسكري تصعيدي، بل تسعى بالأساس إلى فرض منطقة حظر اقتصادي غير معلنة،تراهن من خلالها على أن ارتدادات الهزات الاقتصادية العالمية ستكون أكثر فتكًا وتأثيرًا من الضربات الجوية الإسرائيلية.

في المقابل، لم يفضِ اغتيال آية الله علي خامنئي إلى حالة الفوضى الداخلية التي ترقبتها واشنطن، بل أدى لنتائج عكسية، إذ دفع بالنظام نحو تبني عقيدة القتال الشامل. إذًا لم يعد الصراع متمحورًا حول طموحات نووية أو نفوذ إقليمي متنازع عليه، بل تحول إلى صراع وجودي يهدد بتقويض أمن الطاقة العالمي واقتلاع استقرار المنطقة من جذوره.

طباعة

    تعريف الكاتب

    د. شيماء المرسي

    د. شيماء المرسي

    الخبيرة فى الدراسات البينية الإيرانية