بينما تتجه الأنظار إلى جولة المفاوضات المقبلة في جنيف، تبدو إيران واقعة تحت ضغط مزدوج؛ يتمثل في تآكل مؤشرات الأداء التجاري الداخلي من جهة، وفي القيود السياسية والأيديولوجية التي تحدد هامش الحركة الاستراتيجية للنظام من جهة أخرى، رغم أن تأثير تلك الضغوط لا يحدد مسار السلوك الإيراني بصورة قطعية.
انعكاسات العجز التراكمي على الاقتصاد الإيراني:
تشير أحدث بيانات البنك المركزي ومصلحة الجمارك في إيران، إلى تراجع نسبي في مؤشرات التجارة الخارجية مقارنة بأهداف خطة التنمية السابعة، حيث انكمش الميزان التجاري الإجمالي بنحو 11.36% مقارنة بالفترة المماثلة من العام السابق. ويُعد مؤشر صاوا (نسبة الصادرات إلى الواردات) أكثر المؤشرات دلالة على هذا الضغط، إذ انخفض إلى 0.91، مما يعني أن قيمة الصادرات تقارب 91 سنتًا مقابل كل دولار من الواردات، بانخفاض يقارب 5.3% مقارنة بعام 1403 الشمسي (2024/2025) حين كان المؤشر عند مستوى 0.96.
ورغم محاولات المؤسسات الاقتصادية الإيرانية عرض تقليص العجز التجاري من نطاق 10 مليارات دولار إلى نحو 4 مليارات دولار بوصفه نجاحًا تكتيكيًا في ظروف الحرب الاقتصادية وما يرتبط بها من تأثيرات آلية السناب باك، فإن التجارة الخارجية في جوهرها تمثل مسارًا تراكميًا يتطلب فائضًا إيجابيًا مستدامًا لمعالجة التآكل الحاصل في الاحتياطيات، خاصة مع استمرار العجز المتراكم الذي بلغ قرابة 16 مليار دولار في عام 1402 (2023/2024)، و12 مليار دولار في عام 1403 (2024/2025)، وهو ما لا يمكن معالجته عبر إجراءات إدارية قصيرة المدى.
وفي سياق إدارة النقد الأجنبي، قد يحمل قرار وزارة صمت رفع نسبة تسليم العملة الصعبة للحكومة إلى نحو 90% خلال النصف الأول من العام الشمسي 1405 (2026/2027) مخاطر اقتصادية محتملة، إذ إن الضغط المفرط على المستثمرين والتجار قد يدفع جزءًا من النشاط التجاري نحو القنوات غير الرسمية أو التهريب، مما قد يغير تركيب العلاقة بين الدولة وطبقة التجار داخل البازار. ومع ذلك لا يمكن الجزم بأن هذا المسار سيؤدي حتمًا إلى انهيار اقتصادي أو إلى قبول سياسي مباشر لأي اتفاق، لأن سلوك الفاعلين الاقتصاديين داخل السوق الإيرانية يتسم بدرجة من المرونة والتكيف مع سياسات الدولة.
علاوة على أن الحكومة الإيرانية تحاول أحيانًا، ضمن نموذج الاقتصاد المقاوم، توزيع الريع السنوي بطرق غير رسمية لاحتواء الاحتقان التجاري، إلا أن هذا النوع من الإدارة قد يزيد من حالة الضبابية الاستثمارية ويعقّد عملية جذب رءوس الأموال الخارجية.من هذه الزاوية يبدو أن الرهان الأمريكي يتمثل في استثمار الضغط المالي، على أساس أن تراجع السيولة، قد يحد من قدرة طهران على الحفاظ على مستويات معينة من دبلوماسيتها المتشددة، دون أن يعني ذلك بالضرورة أن العجز الاقتصادي وحده قادر على فرض تغيير استراتيجي مباشر على قرارات الدولة الإيرانية.
ميراث الثورة يعزز الصمود الإيراني:
مع تصاعد التهديدات الأمريكية بشن ضربات عسكرية محدودة إذا فشلت المفاوضات، يظل تقويم احتمالات السقوط المؤسسي للنظام في إيرانمحل جدل تحليلي، إذ إن خسائر حلفائها الإقليميين وتوترات الجبهة الداخلية بعد حرب الـ 12 يومًا وتفعيل آلية السناب باك، لا تقدم بالضرورة مؤشرات حتمية على انهيار سياسي وشيك.فطهران تمتلك شبكة نفوذ إقليمي غير مباشر تعتمد بدرجة كبيرة على جماعات ذات طابع عقائدي وسياسي عابر للحدود، ما يمنحها قدرة على إعادة التموضع التكتيكي في حال تعرضت لضغوط عسكرية أو سياسية، لكن هذا لا يعني أن منظومة القرار الإيراني تتحرك بدافع أيديولوجي صرف، بل تتداخل فيها اعتبارات البقاء المؤسسي، وتوازنات القوة الإقليمية، والاعتبارات الاقتصادية الداخلية.
وقد تبدت هذه العقيدة بوضوح خلال الحرب مع إسرائيل، وهو ما يؤكد الرؤية التي طرحتُها سابقًا في مقالتي (إيران وإسرائيل بين ميراث الثورة والرهانات الاستراتيجية المؤجلة، 17 يونيو 2025)، حيث أشرتُ حينها إلى أن النظام الإيراني لا يخضع لمنطق الضغوط العسكرية التقليدية بقدر ما يخضع لمنطقه الخاص المستمد من ميراثه الثوري،الذي تشكل ضمن خطة استراتيجية طويلة الأمد وضعت بعد ثورة 1979 (تُعرف بالخطة الخمسينية)، وهو مشروع أيديولوجي يسعى إلى تصدير النموذج الثوري عبر أدوات الكفاح الثقافي وتعزيز فكرة القيادة المركزية. يزيد على ذلك، تستحضر بعض الخطابات الرمزية رواية زواج الإمام الحسين من ابنة آخر ملوك الفرس "شهربانو"،لتشكيل تصور يمكن وصفه بالتداخل بين البعد الديني والبعد التاريخي في بناء الشرعية الرمزية، وهو ما يمنح الخطاب السياسي الإيراني طابعًا يجمع بين المرجعية الدينية والسردية الحضارية في آن واحد.
بناء على ذلك فإن تصور أن القوة العسكرية الأمريكية أو الانتشار البحري قد يدفع إيران إلى التراجع السريع يمثل قراءة مبسطة لطبيعة البنية الاستراتيجية الإيرانية.ولعل هذا يفسر ما أبداه المبعوث الأمريكي للشرق الأوسط، ويتكوف، من دهشة في لقائه الأخير على قناة Fox News، حيث قال: الرئيس الأمريكي سألني هذا الصباح، لماذا لا تستسلم إيران رغم كل هذا القدر من الضغط؟والإجابة ببساطة، لأن طهران لا ترى نفسها مجرد دولة تفاوض على تنازلات، بل إمبراطورية تخوض معركة بقاء تاريخية.
حدود الضغط الأمريكي تجاه إيران:
لا يمكن قراءة قرار المحكمة العليا في الولايات المتحدة (20 فبراير 2026) بإلغاء التعريفات الجمركية التي فُرضت استنادًا إلى قانون الطوارئ الاقتصادي (IEEPA)بوصفه مجرد تعديل اقتصادي محدود، بل يمكن اعتباره إشارة إلى القيود المؤسسية التي قد تواجه التوسع في استخدام السلطة التنفيذية، خاصة في الملفات ذات الحساسية الجيوسياسية.يتزامن ذلك مع تقارير إعلامية أمريكية -كوول ستريت جورنال والجارديان- أشارت إلى منح القيادة الإيرانية مهلة تفاوضية تتراوح بين 10 و15 يومًا لإبرام اتفاق محتمل،وهو ما أراه سقطة استراتيجية لترامب؛ لأنها تضعه أمام خيارين أحلاهما مر، فإما انقضاء المهلة دون تحرك عسكري فيظهر ضعيفًا ويفقد سلاح الردع، أو يندفع نحو حرب واسعة تظهره كمتهور يخالف إدارة مؤسسات الدولة.
في المقابل تظهر بعض تسريبات أكسيوس (22 فبراير)، أن الضغط بمهلة 48 ساعة، لتقديم طهران مقترح تفاوضي قبل الجولة المرتقبة في جنيف (الخميس 26 فبراير) يعكس سباقًا زمنيًا بين الطرفين، دون أن يعني ذلك أن أحدهما يملك قدرة كاملة على فرض إيقاع الصراع.ومع ذلك يبدو الانقسام داخل الكونجرس الأمريكي بين تيار صقوري يدعو إلى نهج أكثر تشددًا مثل ليندسي جراهام وتيار أقل ميلًا للمواجهة العسكرية المباشرة، ينسجم مع نمط تحليلي معروف في دراسات الصراع الدولي يمكن مقاربته ضمن فرضية التصعيد الخارجي المحدود(Diversionary Force Hypothesis) . في هذا الإطار قد يلجأ ترامب إلى توجيه ضربة عسكرية محدودة لإعادة تشكيل السردية السياسية الداخلية والحفاظ على زخم صورته القيادية.
مع ذلك تظل الحسابات الانتخابية -انتخابات التجديد النصفي الأمريكية 3 نوفمبر 2026- أحد القيود المهمة التي تحد من احتمال الانزلاق إلى حرب واسعة، نظرًا للتكاليف الاقتصادية والسياسية المرتفعة لأي مواجهة عسكرية شاملة. لذلك يُستبعد وقوع ضربة عسكرية أثناء مرحلة المفاوضات الجارية، بينما قد يصبح احتمال الضربات المحدودة أكثر قابلية للظهور في حال انهيار مسار التفاوض. أما سيناريو الحرب الواسعة والمباشرة فيظل مرهونًا بتفاعل عوامل عدة، من بينها ضغط اللوبي الإسرائيلي أو حدوث تصعيد إيراني قد يُعده الطرف الأمريكي مبررًا للرد العسكري.
خاتمة:
في المحصلة تشير المعطيات إلى وجود مساعٍ أمريكية مكثفة لانتزاع اتفاق إطاري جزئي يركز على خفض تخصيب اليورانيوم إلى نطاق الاستخدامات السلمية 3.67%، مع إعادة تفعيل الرقابة الدولية عبر عودة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى المنشآت الإيرانية، إلى جانب توضيح مصير اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، في مقابل تأجيل الملفات الأكثر تعقيدًا، مثل الملف الصاروخي ونشاط الوكلاء الإقليميين لجولات مستقبلية. وهو ما أشرت إليه في مقالتي (مستقبل الصراع الأمريكي – الإيراني بين الضغط الأقصى وإدارة الأعصاب، مجلة السياسة الدولية، 3 فبراير 2026).
في هذا السياق، تشير بعض التقديرات، ومنها ما نُقل في صحيفة جيروزاليم بوست (22 فبراير)، إلى احتمال التوصل إلى اتفاق أمريكي-إيراني يتضمن خفض مستوى التخصيب مع فرض آلية رقابية موسعة، وهو ما قد يعني ضمنيًا تراجع الإدارة الأمريكية عن خيار تصفير التخصيب بالكامل بهدف دفع مسار التسوية. وهذا السيناريو سيمنح ترامب فرصة ذهبية للترويج لنفسه بأنه أنجز -أهم اتفاق في التاريخ- من خلال خفض نسبة التخصيب إلى ٣.٦٧ بدلا من ٦٠٪، والادعاء بأنه نجح في منع المنطقة من الانجرار لسيناريو الحرب، بينما هو في الواقع قام بترحيل الصدام الكبير وتأجيله لموعد آخر.