مقالات رأى

وطن بلا يقين.. إعادة تشكيل الخوف والأمل في العالم العربي

طباعة

منذ انطلاق موجات الاحتجاج العربية في مطلع العقد الثاني من الألفية الجديدة، ارتفعت شعارات الحرية، والكرامة، والعدالة بوصفها وعدًا تاريخيًا بالخلاص من الاستبداد، والتهميش، والفساد. بدا المشهد آنذاك وكأنه بداية عصر جديد، تستعيد فيه الشعوب حقها في تقرير مصيرها وبناء دول حديثة. غير أن المسار الذي تلا تلك اللحظة كشف أن التغيير، حين يُدار بلا رؤية مؤسسية، قد يتحول من أداة للتحرر إلى مدخل لتفكيك الدولة.

بعد أكثر من عقد على تلك التحولات، تقف عدة دول عربية أمام واقع بالغ القسوة: دول منهكة، مجتمعات ممزقة، واقتصادات شبه منهارة وفي هذا السياق يصبح من الضروري طرح سؤال نقدي صريح: كيف تحولت أحلام التغيير إلى مسارات تدمير؟ ولماذا دفعت الأوطان الثمن الأكبر؟

في ليبيا، أدى إسقاط نظام معمر القذافي عام ٢٠١١ إلى انهيار الدولة المركزية بالكامل. تفككت المؤسسات الأمنية والقضائية، وبرزت عشرات الميليشيات المتنافسة، وتحولت البلاد إلى ساحة صراع على النفوذ والموارد. تراجع إنتاج النفط، وتعطلت الخدمات الأساسية، وانتشرت شبكات التهريب والهجرة غير النظامية.

مشهد جنازة سيف الإسلام القذافي، وما رافقه من حضور جماهيري لافت، لم يكن تعبيرًا عن حنين سياسي بقدر ما كان انعكاسًا لفراغ وطني عميق. فالمواطن الليبي، الذي عاش أكثر من عقد في ظل الفوضى والانقسام، بات يقارن بين استبداد منظم وفوضى بلا نهاية. ومع غياب دولة قادرة على فرض القانون، يتحول الماضي  مهما كان قاسيًا إلى ملاذ نفسي.

تشير تقديرات دولية إلى نزوح مئات الآلاف داخليًا، وتراجع الناتج المحلي بشكل حاد منذ ٢٠١١، مع اعتماد شبه كامل على عائدات النفط في ظل هشاشة إدارية واسعة. وهكذا أصبحت ليبيا نموذجًا لدولة سقطت دون أن تُبنى من جديد.

وفي سوريا، بدأت الاحتجاجات عام ٢٠١١ أيضا بمطالب سلمية تتعلق بالكرامة والعدالة، لكنها سرعان ما واجهت ردًا أمنيًا عنيفًا فتح الباب أمام عسكرة الصراع وتدويله. تحولت البلاد إلى ساحة مواجهة بين قوى إقليمية ودولية، وتفكك النسيج الاجتماعي تحت وطأة الحرب.

أسفرت الحرب عن مقتل مئات الآلاف، ونزوح أكثر من نصف السكان داخل البلاد وخارجها. انهار الاقتصاد، وتدهورت العملة، وانتشرت البطالة والفقر. ومع مرور الوقت، تراجعت الشعارات السياسية أمام أولوية البقاء.

لم تعد المسألة في سوريا تتعلق بتغيير نظام بقدر ما أصبحت معركة يومية من أجل الغذاء والدواء والمأوى، وفي ظل غياب مشروع وطني جامع وجد كثيرون أنفسهم مضطرين للتعايش مع الأمر الواقع، مهما كانت كلفته.

في اليمن، بدأت الثورة بمطالب إصلاحية بسيطة، لكن هشاشة الدولة وتداخل الصراعات المحلية والإقليمية أدت إلى انزلاق البلاد نحو حرب شاملة. انهارت مؤسسات الدولة، وتفكك الجيش، وتحوّل المجتمع إلى ساحة صراع متعدد المستويات.

واليوم يعيش ملايين اليمنيين تحت خط الفقر، ويعاني عدد كبير منهم من انعدام الأمن الغذائي الحاد. تشير تقارير دولية إلى أن اليمن يواجه إحدى أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، مع تفشي المجاعة والأوبئة، وتراجع الخدمات الصحية والتعليمية.

في هذا السياق لم يعد الحديث عن الديمقراطية أو التحول السياسي أولوية، بل باتت النجاة اليومية هي الهدف الأول.

في السودان، أطاحت ثورة ٢٠١٩ بنظام عمر البشير، وفتحت الباب أمام مرحلة انتقالية واعدة. غير أن الصراع العسكرى، وتضارب المصالح الداخلية والخارجية، أدى إلى انهيار هذا المسار.

بعد أن اندلعت الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع، وتعطلت مؤسسات الدولة، وتفاقمت الأزمة الإنسانية. نزح الملايين، وتدهورت الأوضاع المعيشية، وفقدت البلاد فرصة تاريخية لبناء نظام مدني مستقر.

وقد أثبتت التجربة السودانية أن إسقاط النظام لا يكفي، إذا لم يُستكمل ببناء توافق وطني ومؤسسات قوية تحمي المسار الانتقالي.

في العراق، ورثت الاحتجاجات الشعبية دولة منهكة أصلًا بالصراعات الطائفية والتدخلات الخارجية. رغم التغيرات السياسية المتكررة، بقيت المؤسسات ضعيفة، واستمر نفوذ الجماعات المسلحة في التأثير على القرار الوطني.

تراجع مستوى الخدمات، وانتشرت البطالة، وتآكلت الثقة بين المواطن والدولة. وبدل أن تصبح الانتخابات أداة للتغيير، تحولت في كثير من الأحيان إلى إعادة إنتاج للنخب نفسها.

في هذا المناخ، يبحث المواطن العراقي عن الأمان في الهويات الفرعية، لا في الدولة، ما يعمق أزمة الشرعية والاستقرار.

جذور الأزمة.. أخطاء بنيوية مشتركة:

رغم اختلاف السياقات، تكشف هذه التجارب عن سمات مشتركة:

أولًا- غياب الرؤية المؤسسية. فقد جرى التركيز على إسقاط الأنظمة دون بناء بدائل جاهزة لإدارة الدولة.

ثانيًا- ضعف النخب المدنية. فالقوى السياسية الجديدة افتقرت إلى الخبرة والتنظيم والقدرة على تقديم برامج واقعية.

ثالثًا- التدخلات الخارجية. حيث تحولت الدول المنهارة إلى ساحات لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.

رابعًا- أولوية البقاء. إذ أدت الأزمات الاقتصادية والإنسانية إلى تراجع القيم السياسية أمام متطلبات الحياة اليومية.

الخلاصة الآن أن العشوائية كارثة وتمثل الخطأ الجوهري في إدارة ما بعد الثورة بلا تخطيط ولا مؤسسات ولا توافق وطني، نعم أسقطت الاحتجاجات أنظمة، لكنها لم تُنشئ دولة القانون، ولم تُنتج نخبًا قادرة على إدارة الأزمات.

هنا نرى التجربة العربية خلال العقد الماضي تؤكد حقيقة جوهرية: الأوطان لا تُبنى بالهتافات، بل بالمؤسسات. ولا تُحمى بالشعارات، بل بالقانون والعدالة والكفاءة، والتغيير الحقيقي لا يعني هدم القديم فقط، بل بناء الجديد على أسس صلبة. دولة تحمي مواطنيها، وتوفر لهم الأمن والعمل والخدمات، وتضمن تداول السلطة، وتحاسب الفاسدين.

إن أخطر ما واجهته هذه الدول لم يكن الثورة ذاتها، بل غياب مشروع وطني جامع بعدها. فحين يغيب هذا المشروع، تتحول الحرية إلى فوضى، والطموح إلى مأساة.

وحده الوعي بهذه الدروس يمكن أن يمنع تكرار الكارثة، وحده الانتقال من منطق الهدم إلى منطق البناء يمنح الشعوب فرصة استعادة أوطانها، لا باسم التغيير، بل باسم الدولة العادلة القادرة على الحياة.

 

طباعة

    تعريف الكاتب

    أمانى القصاص

    أمانى القصاص

    مساعد رئيس تحرير الأهرام