رغم الأجواء البروتوكولية التي رافقت انطلاق محادثات مسقط (الجمعة 6 فبراير 2026)، إلا أن تصريحات وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، عقب الجولة الأولى (7 فبراير) جاءت لترسم حدودًا صارمة للمناورة الإيرانية، حيث أكد أن جدول الأعمال مقتصر حصرًا على "الملف النووي"، مستبعدًا أي نقاش حول الترسانة الصاروخية أو النفوذ الإقليمي. وهو ما يعزز رؤيتي التي طرحتها سابقًا في تحليل بعنوان (مستقبل الصراع الأمريكي-الإيراني بين الضغط الأقصى وإدارة الأعصاب، مجلة السياسة الدولية، 2 فبراير 2026).
مفاوضات أم إنذار نهائي:
إن حضور قادة عسكريين أمريكيين رفيعي المستوى في مسقط، وعلى رأسهم الأدميرال براد كوبر (قائد سنتكوم)، يعكس محاولة واشنطن رفع وزنها التفاوضي عبر استعراض القوة، على الرغم من أن ترامب يسعى إلى استخدام إيران كفزاعة دائمة لتثبيت أمن إسرائيل محورًا لخطابه السياسي، وصرف الأنظار عن أزمات الداخل الأمريكي، من ملف إبستين إلى التحديات الاقتصادية. والأهم من ذلك تحويل المفاوضات إلى عملية استنزاف طويلة الأمد تمتد لما بعد الانتخابات التشريعية الأمريكية لتحقيق مكاسب سياسية.
في المقابل يمكن قراءة مطالب واشنطن الخمسة -والتي تشمل تسليم 400 كيلوجرام من اليورانيوم المخصب، وتفكيك المنشآت النووية الإيرانية والقدرات الصاروخية الباليستية، والإنهاء الكامل لبرنامج الصواريخ، ووقف الدعم الإيراني للحلفاء في اليمن، والعراق، وسوريا، ولبنان- كنقاط إنذار نهائية تصدر تحت ظل التهديد البحري القريب.
غير أن المشهد الراهن لا يعكس رغبة حقيقية في إنهاء الصراع بقدر ما يجسد محاولة مدروسة لتجميد الوضع الراهن. إذا نحن أمام مواجهة طويلة الأمد قائمة على إدارة الأعصاب، يسعى فيها كل طرف إلى انتزاع صورة نصر دون تحمل كلفة الانفجار الشامل. ورغم ذلك كشفت تقارير غربية أن طهران حاولت جس نبض إدارة ترامب من خلال مشروع أولي يتضمن تنازلات تقنية، مثل خفض التخصيب إلى 3.67% ونقل فائض المخزون إلى روسيا، مقابل رفع شامل للعقوبات والوصول إلى 100 مليار دولار مجمدة.
ومع ذلك نستبعد أن تذهب طهران فعليًا إلى خطوة نقل اليورانيوم لأي وسيط، ليس فقط لأن المجلس الأعلى للأمن القومي نفى هذا الطرح، بل لأن الكشف عن مستوى المعرفة النووية سيجرد إيران من عنصر المباغتة الردعي، وهو ثمن تراه القيادة الإيرانية أثقل من أي عقوبات اقتصادية.
هندسة أيباك لمسار الدبلوماسية بمسقط:
لا يمكن فصل مسار مفاوضات مسقط عن الضغوط البنيوية التي تمارسها جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في واشنطن، وعلى رأسها منظمة أيباك (AIPAC)، التي تضطلع بدور المهندس وراء ما يُعرف باستراتيجية المعيار الذهبي (TheGold Standard) الرامية إلى تفكيك البنية التحتية للبرنامج النووي الإيراني بالكامل. ورغم أن المنظمة ليست طرفًا مباشرًا على طاولة التفاوض، إلا أنها تحدد عمليًا السقف السياسي الذي تتحرك ضمنه الإدارة الأمريكية، لتبرز كفاعل يمتلك مفاتيح التأثير على فرص نجاح أو فشل أي مسار تفاوضي مع طهران.
واستنادًا إلى أدبيات باحثين بارزين، مثل الدكتور باتريك كلاوسون ومايكل سينج في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى(WINEP)، تنظر أيباك إلى أي تفاهم نووي، حتى لو كان مقيدًا أو مؤقتًا، بوصفه تهديدًا استراتيجيًا بعيد المدى، إذ يكرس ضمنيًا بقاء إيران "دولة عتبة نووية "معترف بها. ومن هذا المنطلق تعمل المنظمة كحائط صد ومحرك لقانون مراجعة الاتفاق النووي (INARA)، الذي يمنح الكونجرس سلطة التعطيل، ويحول دون تمرير أي اتفاق جزئي لا يشمل تفكيكًا شاملًا للبرنامجين النووي والصاروخي، أو تعديلًا جوهريًا في السلوك الإقليمي لإيران.
هذا الضغط المنهجي هو ما يعوق تحويل اتفاق التجميد الجزئي للبرنامج النووي الإيراني إلى واقع مستدام، ويدفع الإدارة الأمريكية إلى التشدد في شروطها لتجنب أي صدام مباشر مع المشرعين. والجدير بالذكر أن هذا النهج لا يهدف إلى تحسين شروط الاتفاق فحسب، بل يسعى أيضًا إلى إبقائه هشًا وقابلًا للانهيار عند أول اختبار سياسي داخلي، وبالتالي تحويل المفاوضات من مسار تسوية محتملة إلى أداة لإدارة الصراع، حيث يُسمح بالتفاوض تقنيًا دون السماح بالوصول إلى اتفاق استراتيجي مستقر.
وفي سياق متصل، وبينما تسعى طهران لحصر المباحثات في الإطار النووي التقني، تنجح جماعات الضغط في فرض معادلة "وحدة الملفات"، على فرضية أن أي انفراج اقتصادي يمثل تمويلًا مباشرًا لشبكة الوكلاء الإقليميين. وهو ما يفسر حالة الانسداد التي قد تطبع السيناريو الثالث لمسار المفاوضات. وعليه فإن استشعار هذه القوى لأي تراجع في سقف المطالب الأمريكية قد يدفعها إلى تهيئة المناخ السياسي في واشنطن لقبول خيارات عسكرية محتملة، بما يحول التفاوض من أداة للحل إلى غطاء سياسي لعمل عسكري محتمل.
سيناريوهات مفترق الطرق:
يتجاوز الحراك الدبلوماسي الراهن في مسقط كونه محاولة أمريكية-إيرانية لتسوية تقنية محدودة، ليغدو اشتباكًا استراتيجيًا بين عقلين مختلفين: الأول، عقل البراجماتية الصدامية الذي تنتهجه إدارة ترامب لانتزاع التنازلات تحت ضغط الحشد واستعراض القوة، والثاني، عقل المناورة الصبورة الذي تتقنه طهران لإرباك حسابات الخصم وتجميد مكاسبه دون الانجرار إلى مواجهة شاملة.
وبناءً على المعطيات الميدانية والسياسية الراهنة، يمكن بلورة السيناريوهات المستقبلية وفق المسارات التالية:
السيناريو الأول- "المفاوضات كغطاء للرصاصة الأولى": قد تُقرأ تحركات الأرمادا البحرية الأمريكية، وتزامنها مع وجود قائد القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) في المنطقة، بوصفها تمهيدًا لسيناريو المباغتة العسكرية. في هذا السياق تتحول طاولة التفاوض إلى أداة لشراء الوقت واستكمال التحشيد، تمهيدًا لضربة تستهدف كسر العمود الفقري للنظام الإيراني، عبر استهداف القيادات، والقدرات الصاروخية، والمنشآت الحيوية.ورغم خطورة هذا المسار وتعهد طهران برد إقليمي واسع، فإنه يظل في إطار عقيدة ترامب ورقة ضغط لرفع سقف الرهانات أكثر منه قرارًا نهائيًا بالحسم العسكري.
السيناريو الثاني- "اتفاق قشرة الموزة" (الأكثر ترجيحًا): هو السيناريو الذي تفرضه اعتبارات الداخل لدى الطرفين، فترامب يحتاج إلى إنجاز إعلامي سريع يقدمه للداخل الأمريكي قبل انتخابات الكونجرس النصفية، بينما تبحث طهران عن متنفس اقتصادي يخفف الضغط عن البازار والشارع.غير أن هذا المسار لن يفضي إلى حل جذري، بل سينتج اتفاقًا هشًا، وسطحيًا، وقابلًا للانهيار عند أول اختبار، يقتصر على تجميد محدود للبرنامج النووي مقابل رفع جزئي للعقوبات، مع ترحيل ملفات الصواريخ والوكلاء إلى المجهول الاستراتيجي.
السيناريو الثالث-"التعليق المتفجر": يقصد به بقاء المفاوضات في حلقة مفرغة، مع استمرار واشنطن في خنق شبكات بيع النفط الإيراني وتشديد العزلة الاقتصادية، مقابل رد إيراني مدروس في المنطقة الرمادية.هذا السيناريو يكرّس حالة (اللا حرب واللا سلم)، مع بقاء احتمالات الصدام غير المقصود قائمة، خاصة في ظل تصاعد التحذيرات الإسرائيلية بشأن تنامي الترسانة الصاروخية الإيرانية (8 فبراير 2026).
تل أبيب على حافة الانفجار:
بالنسبة لتل أبيب لم يعد المسار الدبلوماسي بديلًا عن العمل العسكري، بل تحول إلى أداة تكتيكية تهدف إلى استنزاف المشروعية السياسية لطهران، وتهيئة الرأي العام الدولي لتقبل ضربة عسكرية محتملة. وفي هذا السياق، كشفت صحيفة معاريف عن تحول بنيوي في عقيدة الأمن القومي الإسرائيلي، إذ لم تعد إسرائيل تكتفي بالشراكة الاستراتيجية التقليدية مع واشنطن، بل بات خيار التحرك المنفرد مطروحًا كسيناريو واقعي وقابل للتنفيذ، حتى وإن ترتب عليه صدام دبلوماسي مع البيت الأبيض.
ويستند هذا التحول إلى قناعة راسخة داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية مفادها أن أي اتفاق نووي ناقص يشكل تهديدًا وجوديًا مكتمل الأركان، إذ إن معالجة الملف النووي بمعزل عن الصواريخ الباليستية والأذرع الإقليمية الإيرانية -من لبنان إلى اليمن- تعني، من وجهة نظر تل أبيب، شرعنة مصادر التهديد الأخرى ومنحها غطاءً دوليًا غير مباشر.
وفي خضم هذا المشهد المتأزم، يلفت دينيس سيترينوفيتش، كبير الباحثين في معهد آبا إيبان الإسرائيلي، الأنظار إلى ملاحظة ذات دلالة سياسية، إذ يشير إلى أن فترات إبداء ترامب مرونة تجاه المسار الدبلوماسي مع إيران غالبًا ما تتزامن مع تصاعد وتيرة التسريبات الإعلامية المرتبطة بفضيحة جيفري إبستين. ولا يمكن -وفق هذا المنطق التحليلي- التعامل مع هذا التزامن بوصفه مصادفة زمنية محضة، بل كجزء من ديناميات ضغط سياسي داخلي تهدف إلى تصوير أي انفتاح على طهران باعتباره علامة ضعف، ودق إسفين بين ترامب وقاعدته الانتخابية الصلبة، ولا سيما التيار الإنجيلي الذي يرى في إيران تهديدًا وجوديًا يستدعي الحسم لا المساومة.
وبناءً على ذلك يجد ترامب نفسه في مأزق استراتيجي مزدوج، فإذا أبرم اتفاقًا لا يفي بالمعايير الإسرائيلية الصارمة، واجه اتهامات بالضعف أو التفريط من أقرب حلفائه. وإذا انزلق إلى خيار الحرب، خاطر باستنساخ كوابيس فيتنام والعراق، بما قد يؤدي في النهاية إلى تقويض إرثه الاقتصادي الذي يمثل حجر الزاوية في خطابه ووعوده الانتخابية.
خاتمة:
في المحصلة يشير الحضور المكثف للجنرالات في أروقة مسقط إلى أن المهمة تتجاوز المشورة التقنية، لتتحول إلى رسالة ميدانية واضحة بأن أدوات القوة العسكرية موجودة وجاهزة للاستخدام، لا مجرد تهديد نظري. وهي الاستراتيجية التي يعتمدها ترامب عند حافة الأزمة، بغية انتزاع تنازلات تحت وطأة تهديد وجودي.
في المقابل تدير طهران هذا الاشتباك من خلال آلية توزيع الأدوار الاستراتيجية، حيث ينقسم المشهد بين:
1- تيار الترتيبات الدبلوماسية بقيادة لاريجاني وعراقجي، الساعي إلى امتصاص الضغوط، واختبار النوايا، وشراء الوقت الاستراتيجي.
2- تيار الرفض المبدئي بتمثيل علي شمخاني وقادة السلطات الثلاث، الذي يفسر التحركات الأمريكية كغطاء قانوني لهجوم محتمل، ويرى في طاولة المفاوضات فخًا لاستنزاف تنازلات من خصم يُفترض ضعفه.
وعليه لم يعد جوهر الصراع مرتبطًا بمن يطلق الرصاصة الأولى، بل بمن ينجح في فرض سردية التراجع على الآخر دون السقوط في فخ الانكسار العلني. فبينما يعتمد ترامب على رفع الرهانات لكسر الخصم نفسيًا قبل كشف الأوراق، تراهن إيران على تكتيك النفس الطويل، الذي يهدف إلى انتزاع مبررات الحرب دون خوضها فعليًا. خاصة وأن تحييد الضربة يكفي ليُعتبر انتصارًا.