مقالات رأى

منطق الاستهداف السياسي فى الساحة الدولية

طباعة

مع كل حادثة تهز بنية النظام الدولي، يتضح لمترصدي تحرّكات الفواعل الدولية والقواعد الحاكمة لسلوكياتها، أن النظريات المعيارية لا قيمة لها إلا بوصفها غطاءً وأحيانا مدخلا تبريريا، ويعلو زخم الفكر الواقعي ومنظوره لدوافع وأهداف السلوك الدولي لا سيما فكر الواقعية الهجومية، فالبديهي الذي لا يناقش اليوم، يتمثل بضعف القانون الدولي وتمظهراته ومؤسساته أمام منطق القوة والمصلحة، إذ يبدو أننا في طور ما بعد الهجومية، الأمر المحكوم بعوامل ضاغطة أبرزها الدخول جزئيا بحقبة السيطرة المنفلتة على قيادة وضبط المجتمع الدولي بأسلوب الهيمنة في ظل استمرار سياسات " كسر القطبية الأحادية" من قبل روسيا، والصين، وإيران، وكوريا الشمالية بشكل رئيسي، وجرّاء متغيرات الواقع الدولي، وعلو نبرة القوة وتطوير سلاسل وسبل تحصيلها، وتجاوز الحد الزمني في استباق تطوير أجيال أدوات القوة، وتعدّد أنماط توظيفها، الحال المتواكب مع تطوير مستمر لاستراتيجيات التعامل مع المستجد الطارئ والعقد المصلحية، وفق عقلية الأجدى نفعا والأقل تكلفة، وهنا استراتيجية "صدام ولا صِدام" الأمريكية لمبتكرها الرئيس دونالد ترامب ومراكز صنع قراره، قواما نزع رأس النظام والإبقاء على هيكليته وشاغليه، تنبا للتكاليف الباهظة والفوضى في منطقة تركيز استراتيجي حساسة، حيث الخطر بأيديولوجيا وعقلية وسياسات القائد، ومسرح الحدث الدول المعرقلة لمصالح الأمريكي في مناطق نفوذها وما يدخل في هذا النطاق، تماما كما حصل في حالة اقتلاع رأس فنزويلا الاشتراكي والمنحاز للصين وروسيا، والنتيجة تم إزالته بأسلوب الاختطاف والاعتقال، ومعيب التحدث حول انتهاك القانون الدولي على يد واضعيه وفق أهوائهم ومصالحهم، ولكن الحري بالتركيز الأسلوب والنمط المتبع، والذي يختلف عن أساليب تحييد نظراء مادورو من الشخصيات المحورية التي وقفت قبة أمام مشروعات التوسع والنفوذ وفرض الهيمنة، كحالة السيد حسن نصر الله الذي "اغتالته" إسرائيل بثمانين طن من المتفجرات، وكذلك السيد قاسم سليماني، وأبو مهدي المهندس، وقائد فيلق القدس في لبنان وحلب السورية وقيادات حماس في غزة الفلسطينية، حيث كان هؤلاء الأشخاص كفواعل فردية ثانوية، بالمجمل تحديات للعمل الأمني، والعسكري، والاستخباراتي كأدوات عملياتية شكّلت مرتكزات السعي لتحقيق المشروعات الجيوسياسية الأمريكية عبر البوابة الإسرائيلية، لذا تم وضع خطط إزالتهم، وتبعا لمعطيات الدوافع والتوصيفات، والتكاليف.

واستنادا لما سبق ووفقا لما تشهده الساحة الدولية. كيف تفكر أجهزة الاستخبارات والسياسة الحيوية تجاه الأفراد المؤثرين؟

استراتيجيا في السياسة الدولية تتموفق منطق حسابات القوة والكلفة والنتائج، لذا فإن صانعي القرارات في المؤسسات السياسية والاستخباراتية لا يُسألون هل يمكن قتل زعيم؟ بالتأكيد يملكون قدرة الفعل. وبدلا من ذلك، فهم يطرحون التساؤل الآتي: هل سيؤدّي قتل الرئيس أو الزعيم الفلاني إلى نظام أفضل يخدم مصالحنا وبكلفة يمكن ضبطها؟ السؤال يكشف المنطق المعمول به، وتبعا لذلك يمكن فهم لماذا لم تُقدِم الولايات المتحدة وإسرائيل على قتل بشار الأسد على سبيل المثال، فخلال فترة الأربعة عشر عام كان معارضو الأسد لا سيما الإسلاميين بقمة مراحل الزخم الأيديولوجي، التسليح والعتاد والمقدرة على التحشيد، والنظرة المتعاطفة مع مجريات أحداث غزة ومسلميها، مقابل اتسامها بالديماجوجية الفكرية وعدم امتلاك مشروع سياسي واضح المعالم على غرار مشروعهم العسكري، لذا كان البديل انتشار الفوضى، ومحمل باحتمالات تعرض أمن إسرائيل للخطر. وفيما يخص ممارسات الأسد، فقد كان يكتفي بالتذرع بالانتماء لمحور المقاومة، ولم يقتحم حدود إسرائيل يوما، ولا قصف بترسانته العسكرية المرعبة أراضيها، ولا تجاوز خطوطهم الحمر المحددة قبل عام 2010 عبر الوسيط التركي، وحتى خلال سنوات الحرب، وحتى عملية تذخير حزب الله كانت تتم وفق حدود مضبوطة ومقيدة، والصناعات العسكرية السورية ودعم مراكز البحوث العسكرية المختصة بالمشروع الكيميائي وتعديل الصواريخ والدبابات والأسلحة الخفيفة الدقيقة، لم تكن تحظى بالدعم الكافي الذي يجعل منها قوة مرعبة ومتطوّرة، بل كانت سياسة الحكومة السورية تصب باتجاه تقييدها، والأهم أن الجيش بكافة ألويته، وأفواجه، وفرقه، ومدارسه، وكلياته العسكرية، والأجهزة التابعة أمنيا واستخباراتيا، كانت تعاني من قلة الرواتب والمدخرات من مأكل ومشرب وسوء المسكن وعدم توفره لقطاع كبير منهم، مما ساهم بإنهاكه بعد حرب طويلة وخلق بيئة مناسبة للتمرد والانقلاب في الساعات الأخيرة بعد انطلاق معركة ردع العدوان، كما أن شاكلة توجيه الجيش خدمت أمن إسرائيل لا سيما في الجنوب السوري، ونحن أمام واقعين: إما تنسيق غير معلن أو عمالة ضد شعبه الذي أفقره بسياساته وشعاراته القومية الطوباوية.

دوافع وأهداف يكشفها السؤال "لماذا":

حول أسباب استهداف غير الأسد وعدم استهدافه بالذات، فإن رئيس النظام السوري السابق، رغم عدائه المعلن للغرب، بقي لاعبا عقلانيا قابلا للضبط، ولم يكسر "الخطوط الحمراء الوجودية" لإسرائيل حيث لم يفتح جبهة الجولان، ولم يدخل حربا مباشرة مع إسرائيل، وكان خصما يمكن احتواؤه، لا خصما فوضويا بمعنى لاعب ثانوي عنيف يلعب بالمنطقة الرمادية، وفي التخطيط الاستراتيجي سواء سياسي أو استخباراتي، هناك منطق سائد يقول: "العدو المعروف أفضل من المجهول غير القابل للسيطرة".

دوليا كان الأسد جزءا من توازن دولي محمي منذ 2015، وبتلك الخطوة وضع نفسه تحت الوصاية الروسية وتحول من زعيم دولة ضعيفة إلى قوية لها سند دولي، وبما منحه من امتيازات لحلفائه وبما وفره ضعف دولته أو النقاط الرخوة من منافذ تسلل لقوى إقليمية أخرى، فقد تحول إلى مظلة تقاطع مصالح وفق الشاكلة الآتية: روسيا (قواعد – نفوذ – عودة قوة)، ثم إيران (محور إقليمي)، ثم تركيا (حدود – أكراد)، وإسرائيل (استقرار الجبهة الشمالية)، ثم أمريكا (منع الفوضى الشاملة)، وحسب معادلة تقاطع المصالح فإن قتله كان سيؤدي إلى صدام مباشر مع روسيا وانفجار إقليمي غير قابل للضبط، إذ جعل من نفسه عبر سياسة التشابكات وشبك مصالحه بمصالح قوى دولية وأقليمية عقدة توازن، وهنا أمريكا وإسرائيل لا تقتل من تحوّل إلى عقدة توازن بين قوى كبرى.

خرجت دراسات الأجهزة الاستخباراتية ومراكز البحوث السياسية بعد التجربة العراقية والليبية بخلاصات حساسة قامت بالتأسيس عليها في بناء الكثير من استراتيجياتها في التعامل مع مصادر الخطر على مستوى الأشخاص، وبالعودة لأوضاع سوريا خلال الفترة بين عامي 2011–2024، سنجد أن المعارضة لم تكن موحدة، ولم يتوفر نخبة جاهزة للحكم، ولم يكن هنالك ضمانات لمنع صعود فوضى جهادية جديدة تطال أمن إسرائيل، إذ إن التوافق العقائدي العام كان غائبا بين الفصائل المقاتلة ومنها ما احترب بين بعضه بعضا، لغاية الوصول إلى نسق عقائدي وسياسي موحد، لذا كان اغتيال بشار الأسد بتلك الفترة يعني انهيار الدولة السورية لا تغيير النظام، في ظل عدم توفر البديل آنذاك، لذلك أخذت حسابات قتل الأسد بعين الاعتبار عوامل، مثل تفكك الدولة السورية نهائيا، وتمدد جماعات غير قابلة للسيطرة، وتهديد مباشر لإسرائيل وليس العكس، لذلك كان بقاء الأسد أقل الشرور الاستراتيجية.

وبينما كان الأسد محكوما بقواعد دولية كان نظراؤه ممن استشهدوا على يد "إسرائيل" غير مقيدين بقانون دولة، إضافة لكونهم قادة لفصائل وأحزاب مقاومة للمشروعات الصهيونية الأمريكية متنقلة وعابرة للحدود، في حين هو رئيس دولة، وشكّل استشهاد الشخصيات الأخرى وغيابهم عن المشهد الميداني سياسيا وعسكريا استنزافا لجماعاتهم، في حين كان بديل اغتيال الأسد فوضى شاملة، وبالنسبة للكلفة كانت تكلفة قتله تكلفة دولية مقابل تكاليف تكتيكية، هذا ما أثبت أن إسرائيل تستهدف الأشخاص النافذين إذا كانوا يرفعون منسوب التهديد المباشر لا من يضبطه توازن الردع.

يخطى من يقول لغاية اليوم إن روسيا كانت حليفا للأسد، روسيا تدخلت في هيكلية المؤسسات المدنية وبالشئون الخاصة بالأفرع الاستخباراتية والأمنية في مرحلة ما قبل السقوط، حتى مؤسسة القصر الجمهوري وقامت بتصفية شخصيات سياسية عارضت مصالحهم، وضيقت على إيران وأخرجتها من مرفأ طرطوس، وأمنت وجودها في حميمم، في يوم السقوط قامت الطائرات الروسية بقصف أرتال الجيش السوري على الحدود بين حمص ودمشق – وحمص وحماه، وقصف الرتل المتوجه نحو الساحل طريق بيت ياشوط، ولم يصدق السوريون حتى المنتصرون أين اختفى ملايين الجنود؟! لأن روسيا قضت عليهم، ففي المعتقد والعرف الروسي هذا التصرف قمة البراجماتية، وبنظر جيش الأسد خيانة، ولقد أطلق بشار الأسد يدهم في الجغرافية والمؤسسات دون حسيب أو رقيب، ونفذ توجيهاتهم، فلعب بذلك دورا مكملا لهم، لذا هناك اليوم تيار واسع من الشعب السوري يتهم الأسد بالعمالة لصالح روسيا التي استغلته كأداة ضد أعدائها الدوليين والإقليميين، على حساب مصلحة سوريا والسوريين، ثم تخلت عنه تحت وقع تبريرات ضغوطات الناتو من جهة أوكرانيا.

مادورو حالة مختلفة ولكن لماذا؟

بعيدا عن الإسهاب والشرح، مادورو حالة مختلفة عن الأسد لأنه بدون مظلة نووية أو عسكرية كبرى، ولا يؤثر إقليميا على إسرائيل، إنه اشتراكي ابن شعارات فضفاضة، أكل الدهر عليها وشرب، فقدت قوتها مقارنة من أحداث ومتغيرات الواقع، كما أنه يحيا ببلد لا يشهد تعقيدا طائفيا–جغرافيا كسوريا، وحول أثار اعتقاله أو إزاحته فإنها لا ولن تفجر الشرق الأوسط ولا في أمريكا اللاتينية، لذا أمريكا تجرّب حيث يمكنها التراجع، وسوريا ليست ساحة تجارب بل ساحة ألغام، والرسالة لدول العالم أجمع من قبل الأمريكي تكمن في الدلالة الاستراتيجية بعد "حادثة مادورو" ليست إسقاط كافة الخصوم، بل إعادة هندسة السلوك لا الأنظمة إذا كان إسقاطها مكلفا، وهنا في حالة بشار الأسد فقد تم تحييده سياسيا، وتحجيم قوة سوريا عسكريا واحتوائها اقتصاديا، دون تحويله إلى شهيد أو رمز مقاومة، بل شيطنته باستخدام التقنيات الإعلامية بحشوات سياسية مستقاة من أفعاله وسياساته، بعضها فعلي وأخرى للضرورة الاستراتيجية بأبعادها كافة.

بالنتيجة ومن منطلق فكر استراتيجي عملي بعيد كل البعد عن الإغراق بالتنظير: إن بشار الأسد لم يُقتل لأنه لم يكن خطرا استراتيجيا، إذ كان جزءا من معادلة ضبط الفوضى، هنا دستور السياسة الدولية يقضي بأنّ: (من يهدد المعادلة يُقتل.. ويُبقى من يحفظها.. ولو كان خصما).


 

 

طباعة

    تعريف الكاتب

    د. ساعود جمال ساعود

    د. ساعود جمال ساعود

    باحث فى العلوم السياسية، جامعة دمشق