مقالات رأى

عالم تحت الإكراه..نهاية النظام القائم على القواعد!

طباعة

"النظام القديم لن يعود"، لم تكن هذه العبارة الحاسمة، التي أطلقها رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في منتدى دافوس الاقتصادي العالمي، يوم الثلاثاء 20 يناير2026، مجرد توصيف بلاغي للحظة عابرة، بل كانت إعلاناً سياسيًا واعياً بلحظة قطيعة تاريخية. لم يتحدث كارني عن تحول تدريجي أو إعادة توازن بطيئة، بل عن تمزق بنيوي في النظام الدولي الذي قادته الولايات المتحدة لعقود، وعن عالم يتشكل على إيقاع الخوف والقلق وانعدام اليقين. 

في خطابه الذي وُصف بالصريح والواضح-وبالنسبة لآخرين استفزازي-، شدد كارني على أن العالم لا يعيش مرحلة انتقال، بل انهيارًا لمنطق كان يمنح حتىبحده الأدنى—إحساسًا زائفًا بالاستقرار. فالنظام القائم على القواعد، رغم تناقضاته، كان يفرض كوابح شكلية على القوة العارية. أما اليوم، فقد تراجعت تلك الكوابح، وباتت القواعد نفسها خاضعة لمنطق المصلحة، والتطبيق الانتقائي، والابتزاز الاقتصادي.

كارني أوضح -دون أن يسمي دونالد ترامب- أن "القوى الكبرى" باتت تستخدم الاندماج والتكامل الاقتصادي كسلاح. هذه الجملة، في سياقها، تمثل أخطر تشخيص للمرحلة الراهنة. فالاندماج، الذي بُنيت عليه العولمة بوصفه طريقًا للمنفعة المتبادلة، تحوّل إلى أداة إخضاع. فالأسواق لم تعد مساحات تعاون أو حتى تنافس، بل ساحات اختبار للقوة، بل وتهديد صريح باللجوء إليها. حتى سلاسل التوريد لم تعد ضمانة للاستقرار، بل نقاط ضغط تُستغل في لحظات الخلاف أو الصراع.

وحين قال كارني إن "الافتراض المريح بأن الجغرافيا والتحالفات تكفل الأمن والازدهار لم يعد صالحًا"، لم يكن يتحدث عن كندا وحدها، بل عن وهمٍ رافق معظم الدول المتوسطة، وبالطبع الدول الصغيرة أيضًا—تلك التي لا يتذكرها الكبار ولا حتى «المتوسطيون» إلا في سياق الموارد والمنافع. فقد ساد اعتقاد بأن الانخراط في النظام الدولي والامتثال لقواعده يضمن مكانًا آمنًا على الهامش. غير أن ما يتكشف اليوم بوضوح هو أن الامتثال دون قوة لا يوفر حماية، بل يكرّس التبعية؛ وهو اكتشاف تعرفه الدول الصغيرة والشعوب المستضعفة جيدًا، لا بوصفه صدمة طارئة، بل كواقعٍ تعايشت معه وتكيّفت ضمنه لعقود طويلة.

هذا التشخيص الكندي جاء متزامنًا مع إعلان سياسي أوسع في دافوس عن نهاية فعلية للنظام الأمريكي-المركزي. ففي اليوم نفسه، رسم قادة أوروبيون خطًا أحمر واضحًا، معتبرين أن أزمة جرينلاند وما رافقها من تهديدات جمركية شكّلت نقطة اللاعودة. هنا لم يعد الخلاف تجارياً أو دبلوماسياً، بل مسألة كرامة وسيادة. رئيس الوزراء البلجيكي بارت دي ويفر لخص هذا التحول حين قال: “أن تكون تابعاً سعيداً شيء، وأن تكون عبداً تعيساً شيء آخر" .هذه بالطبع ليست لغة دبلوماسية مألوفة، بل لغة قطيعة.

أما رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، فشبّهت اللحظة بـ"صدمة نيكسون" عام 1971، عندما أطاحت الولايات المتحدة فجأة بأسس النظام الاقتصادي لما بعد الحرب. التشبيه هنا بالغ الدلالة: فكما كُسر آنذاك العقد النقدي العالمي، يُكسر اليوم العقد السياسي والأخلاقي للتحالفات. ومن هنا جاءت دعوتها إلى استقلال أوروبي دائم، لا انتظار عودة وهمية إلى "ما بعد ترامب".

كارني ذهب أبعد من ذلك حين اعترف صراحة بأن قصة النظام الدولي القائم على القواعد كانت جزئيا وهما نافعا. قواعد تُطبق بصرامة غير متكافئة، وقانون دولي تختلف حدّته تبعا لهوية الفاعل أو الضحية. هذا الوهم كان مقبولا طالما أن الهيمنة الأمريكية توفر منافع عامة عالمية: أمن الملاحة، واستقرار النظام المالي، وضبط النزاعات الكبرى. لكن هذه الصفقة—كما قالانهارت، لأن القوى الكبرى باتت تستخدم الأدوات نفسها التي قامت عليها العولمة كوسائل إخضاع.

في هذا السياق، تصبح عبارة كارني الأخرى أكثر خطورة: “إذا لم نكن على الطاولة، فنحن على قائمة الطعام". هذه العبارة لا تحمل طابعاً بلاغياً فحسب، بل تختصر منطق المرحلة القادمة. فالقوى المتوسطة، كما قال، لا تستطيع التفاوض ثنائياً مع قوة مهيمنة من موقع ضعف دون أن تُستنزف. أما الدول الصغيرة، فغالبًا لا تُستدعى أصلًا إلى الطاولة، بل يُتخذ القرار بشأنها في غيابها.

وهنا يبدأ عالم القلق الحقيقي.عالم لا تعيش فيه الدول الصغيرة والشعوب المستضعفة قلق المستقبل فقط، بل قلق الوجود ذاته. ففي نظام يتراجع فيه القانون، وتُفرغ فيه المؤسسات، وتُستبدل فيه القواعد بالصفقات، ما الذي يحمي دولة بلا وزن اقتصادي؟ أو شعبًا بلا راعٍ جيوسياسي؟ أو إقليماً لا يمتلك لا سوقاً ولا موقعاً استراتيجياً؟

القلق هنا ليس نفسياً، بل بنيوي. فهو قلق من أن تصبح السيادة امتيازاً لا حقاً. قلق من أن تتحول الحماية إلى سلعة. قلق من أن يُعاد تعريف "الاستقرار" باعتباره قدرة الأقوى على فرض الأمر الواقع، لا قدرة النظام على منعه. وفي هذا العالم، لا يعود الضعف حالة مؤقتة، بل خطراً دائماً.

كارني أقرّ بأن "هندسة حل المشكلات الجماعية" تراجعت، وأن مؤسسات مثل منظمة التجارة العالمية والأمم المتحدة فقدت الكثير من قدرتها على التأثير أو الإنفاذ، أي القيام بعملها وتنفيذ كمهامها التي أنشأن أصلا من أجلها. هذا الاعتراف يعني ضمنيا أن الدول- خصوصاً الصغيرة- قد تُجبر على "الذهاب وحدها" في عالم لا يرحم من يسير منفرداً. فكيف لدولة صغيرة أن تحمي عملتها، أو غذاءها، أو طاقتها، إذا قررت قوة كبرى استخدام الأسواق كسلاح؟ وكيف لشعب مستضعف أن يراهن على القانون الدولي، إذا كان تطبيقه انتقائياوبأسلوب فج وحقير؟

في هذا المشهد، تتجسد شريعة الغاب بصيغتها الحديثة" لا احتلال مباشر بالضرورة، بل إخضاع اقتصادي. لا دبابات، بل تعريفات. لا حصار عسكري، بل تجفيف مالي. إنها غابة ناعمة الأدوات، لكنها أكثر فتكاً، لأنها تُمارس باسم "السيادة" و"الأمن القومي" و"حماية المصالح".

قضية جرينلاند كانت المثال الأكثر وضوحاً. فحين يُلوّح بفرض تعريفات على حلفاء لانتزاع تنازلات سيادية، يُعاد تعريف معنى التحالف ذاته. تأكيد كارني التزام كندا بالمادة الخامسة من ميثاق الناتو، ووقوفه الحازم إلى جانب الدنمارك، لم يكن دفاعاً عن إقليم بعينه، بل دفاعاً عن فكرة أن الحدود لا تُعاد رسمها بالإكراه الاقتصادي. ومع ذلك، يبقى السؤال: إذا كان الناتو نفسه يُختبر، فماذا عن الدول خارج هذه المظلة؟

الأخطر أن هذا القلق لا يقتصر على أوروبا أو أميركا الشمالية. ولكنه يمتد إلى الجنوب العالمي، حيث تشعر الدول الصغيرة أن العالم يعود إلى منطق مناطق النفوذ، وأن الحياد لم يعد خياراً آمناً. هل تنحاز لقوة كبرى وتقبل شروطها؟ أم تحاول التوازن وتُعاقَب من الجميع؟ أم تنسحب إلى الداخل وتُترك للفقر والهشاشة؟

هنا، يصبح حديث كارني عن "تحالفات مرنة قائمة على القيم والمصالح المشتركة" محاولة لفتح نافذة أمل. لكنه أمل مشروط بقدرة القوى المتوسطة على الفعل الجماعي. أما الدول الصغيرة والشعوب المستضعفة، فتبقى عالقة بين خيارين كلاهما مرّ: الخضوع أو التهميش.

الخلاصة التي خرج بها دافوس 2026 قاسية وواضحة:النظام القديم انتهى، لا لأنه كان عادلاً، بل لأنه لم يعد حتى قادراً على إخفاء ظلمه. والعالم يدخل مرحلة يُكافأ فيها الإكراه، ويُعاقَب فيها الالتزام، ويُترك فيها الضعفاء خارج الحسابات.

السؤال الحاسم اليوم لم يعد كيف نُصلح النظام السابق، بل:هل تستطيع القوى المتوسطة التي رفعت صوتها في دافوس وخارجه، كسر منطق شريعة الغاب قبل أن يترسخ؟هل يمكن بناء حد أدنى من القيود على القوة في عالم يُعلي من شأنها؟وأخيراً، من سيحمي الدول الصغيرة والشعوب المستضعفة في عالم لم يعد يرى في القواعد سوى أدوات، وفي التحالفات سوى صفقات مؤقتة، وفي الصمت علامة ضعف؟

في هذه اللحظة تحديداً، إن لم يُوضع حدّ لهذا الانزلاق، فلن نكون أمام فوضى عابرة، بل أمام عالم غابٍ مكتمل الأركان، وربما أكثر راحة في وحشيته، لأنه لا يدّعي ما لا يمارسه. عالم لا يتستر بالقانون وهو يعطّله، ولا بالأخلاق وهو يفرغها من معناها، ولا بالقواعد وهو يطبقها انتقائياً. عالم تُقال فيه الأشياء بأسمائها: القوة هي الحكم، والقدرة هي الحق، والبقاء امتياز يُنتزع ولا يُمنح.

في هذا العالم القَلِق، لم يعد الخوف استثناءً، بل الخلفية الدائمة للسياسة الدولية. والرهان الحقيقي لم يعد على استعادة نظامٍ ماضٍ، بل على منع انزلاق المستقبل إلى فوضى تُدار بالقوة وحدها، قبل أن تصبح شريعة الغاب، لا خياراً اضطرارياً، بل النظام الوحيد الممكن.

طباعة

    تعريف الكاتب

    د. محمد أبوغزله

    د. محمد أبوغزله

    باحث رئيسى - مركز تريندز للبحوث والاستشارات