لم تعد إسرائيل ذلك الكيان المنعزل داخل حدود برية متنازع عليها؛ ففي العقد الأخير شنت إسرائيل هجومًا استراتيجيًا صامتًا نحو الغرب، عن طريق البحر المتوسط، ما بدأ كمشروع للبحث عن مصادر طاقة بديلة تحول إلى استراتيجية جيوسياسية معقدة تعيد تعريف دور إسرائيل كلاعب إقليمي مؤثر.
تشهد المنطقة واحدة من أبرز التحولات الجيوسياسية في العقد الأخير، فمنذ أن أعلنت إسرائيل عن اكتشاف حقل "ليفيتان" الذي تم اكتشافه عام 2010، وبدأ الإنتاج عام 2019، وحقل "تمار" الذي تم اكتشافه 2009، وبدأ الإنتاج عام 2013، بالإضافة إلى حقل "كاريش" والذي تم اكتشافه عام 2012، وبدأ الإنتاج عام 2022، وهي حقول هزت المشهد الطاقي الإقليمي، من خلال هذه الاكتشافات باتت تل أبيب لاعبا طاقويا صاعدا وعززت من مكانتها فى مجال الطاقة في المنطقة، حيث انتقلت من دولة كانت تعتمد على استيراد الطاقة إلى مصدر للغاز، لكن هذه الثروة لم تأتِ من دون ثمن، فقد أحاطت بها تحالفات معقدة، ونزاعات حدودية حادة، ومباحثات دبلوماسية لا تهدأ، تعيد رسم خريطة القوى في منطقة شرق المتوسط.
وجدت إسرائيل نفسها باحتياطياتها التي تفوق 900 مليار متر مكعب في قلب شبكة من المصالح المتشابكة. فمن ناحية هناك الاتفاقيات الناشئة مع مصر، فمن خلال اتفاقيات التصدير يتدفق الغاز الإسرائيلي إلى مصر، حيث تتم إسالته وإعادة تصديره إلى الأسواق الأوروبية، مما يعزز من دور القاهرة ويحولها إلى محور إقليمي للطاقة.
ومن ناحية أخرى يبرز التحالف الثلاثي بين إسرائيل، واليونان، وقبرص، الذي تجاوز التعاون في مجال الطاقة إلى تعاون أوسع في المجالات العسكرية، والأمنية، والسياسية. هذا التحالف تجسد أيضا في منتدى غاز شرق المتوسط بمشاركة إسرائيل، وقبرص، واليونان، ومصر، وانضم إليه لاحقًا الأردن، والفلسطينيون، وإيطاليا، وفرنسا، الذي أصبح إطارا مؤسسيا لتنسيق السياسات الطاقية بين دول المنطقة،لكن هذا التحالف يقابله توتر واضح مع تركيا، التي ترى في هذه التحركات محاولة لإقصائها من المعادلة الطاقية الإقليمية، والتي تسعى بدورها لتعزيز وجودها ونفوذها في المتوسط، مما يضيف بُعدا جيوسياسي معقدا لملف الغاز.
يمكن تحليل هذه التحولات من خلال إطار نظرية "الاعتماد المتبادل" حيث يفترض منظرو هذه النظرية أن الاعتماد الاقتصادي المتبادل بين الدول يمكن أن يقلل من احتمالية نشوب صراع ويفتح آفاقا جديدة للتعاون، وفي حالة شرق المتوسط نلاحظ أن الاعتماد الطاقى المتبادل بين دول المنطقة يشكل نواة لتحالفات واتفاقيات إقليمية جديدة تتجاوز الخلافات السياسية التقليدية. ولكن ذلك أيضا يبقى محكومًا بعدد من الاعتبارات المهمة النحو التالى:
فعلى الجبهة اللبنانية تحولت المياه الإقليمية إلى ساحة نزاع حدودي ممتد، كاد أن يشتعل أكثر من مرة، فلبنان التي تطالب بحصتها من الثروة الغازية في شرق المتوسط، وجدت نفسها في مواجهة مباشرة مع إسرائيل حول ترسيم الحدود البحرية بينهما، وبعد سنوات من المفاوضات، تم التوصل إلى اتفاق ترسيم بوساطة أمريكية عام 2022م، مما سمح لكلا البلدين بالمضي قدما في عمليات الاستكشاف، لكن هذا الاتفاق الهش لم يقلل من حدة التنافس، ولا التهديدات الأمنية المتبادلة، خاصة مع اتهام لبنان لإسرائيل بالتعدي على 860 كيلومترًا مربعًا من المنطقة الاقتصادية البحرية الخالصة للبنان، فضلا عن وجود حزب الله الذي يعلن صراحة بشكل متكرر استهدافه لمنشآت الغاز الإسرائيلية في حال نشوب صراع.
وعلى الصعيد الدولي فالاتحاد الأوروبي بدون شك يبحث عن بدائل للغاز الروسي بعد الحرب الروسية-الأوكرانية، وهنا يأتي البديل الاستراتيجي وهو غاز شرق المتوسط، هذا الاهتمام الأوروبي يمنح إسرائيل بصفتها فاعلا إقليميا طاقويا وزنا دبلوماسيا إضافيا، ويعجل بطرح مشروعات البنى التحتية لنقل الغاز للاتحاد الأوروبي حتى على الرغم من التحديات الفنية والتمويلية الهائلة التي تواجهها.
تفتح ثروة الغاز أمام إسرائيل أبوابًا استراتيجية واسعة، فبالإضافة إلى تعزيز أمنها الطاقي وتحقيق فائض للتصدير، استطاعت تل أبيب استخدام هذه الورقة لتعزيز نفوذها الإقليمي، وإقامة تحالفات جديدة مع دول كانت علاقاتها معها باردة، كما أن عائدات الغاز يمكن أن تمول تحولا تكنولوجيا أوسع، وتعزز من مكانتها كمركز إقليمي للابتكار في مجال الطاقة، ومن هنا يأتي السؤال الذي يطرح نفسه: ما تأثير تعزيز الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية على توازن القوى في الشرق الأوسط؟
يمكن الإجابة عن هذا التساؤل من خلال عدة نقاط على النحو الآتي؛ حيث يعيش لبنان على وقع خسارة مزدوجة، فمن ناحية خسارة جزء من ثرواته في الحقول الغازية ضمن المنطقة الحدودية المتنازع عليها، ومن ناحية أخرى خسارة القدرة على استغلال ما تبقى من ثرواته بسبب الأزمات السياسية والاقتصادية التي تعصف بالبلاد، حيث تحوّل ملف الغاز من قضية اقتصادية إلى قضية سيادية وأمنية، خاصة مع تهديد إسرائيل بمنع أي عمليات تنقيب لبنانية في المنطقة المتنازع عليها.
وقد واجهت الحكومة الأردنية موجة من الاحتجاجات الشعبية غير المسبوقة عند توقيع اتفاقية الغاز مع إسرائيل، لكن الواقع الاقتصادي كان أقوى، فالأردن تستورد نحو 90% من احتياجاتها الطاقية، والغاز الإسرائيلي يلبّي نصف حاجتها من الكهرباء. هذه المعادلة الصعبة تضع النظام الأردني بين مفترق طرق يحاول الموازنة لضمان إمدادات طاقة تحفظ استقرار البلاد.
بينما تبقى فلسطين الطرف الأكثر تضررًا في معادلة الغاز الإسرائيلية، فبينما تمنع إسرائيل الفلسطينيين من استغلال حقول غزة البحرية مثل حقل "غزة مارين" (الذي تم اكتشافه في أواخر عام 1999 بسعة أكثر من تريليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي، ما يعادل طاقة إنتاجية تبلغ 1.5 مليار متر مكعب سنويًا لمدة 20 عامًا)، تستمر إسرائيل في استخراج الغاز من مناطق متنازع عليها، لقد حوّلت إسرائيل سيطرتها على موارد الطاقة إلى أداة هيمنة وضغط اقتصادي إضافي على الفلسطينيين، مما يعمق من تبعيتهم الاقتصادية ويقوّض أي أمل في بناء اقتصاد مستقل وبالتبعية وجود دولة فلسطينية مستقلة.
بالنسبة لمصر فإن التعامل التجاري مع إسرائيل في مجال الغاز لم يؤثر على ثوابت دعمها للقضية الفلسطينية، حيث تتعامل الدولة المصرية مع الملفين بشكل منفصل تمامًا، فبينما تحافظ مصر على مصالحها الاقتصادية عبر اتفاقيات الغاز، تظل القضية الفلسطينية أولوية سياسية، وأمنية، وأخلاقية ثابتة، ويتجلى ذلك في الوساطة المصرية المستمرة لتهدئة الأوضاع في غزة، ودعمها الدبلوماسي المتواصل للقضية الفلسطينية في المحافل الدولية، فضلا عن إدخالها المساعدات الإنسانية لقطاع غزة واستقبالها للمصابين للعلاج في المستشفيات المصرية، هذه السياسة تعكس قدرة مصر على الموازنة بين متطلبات التنمية الاقتصادية ومسئولياتها القومية والأخلاقية، وقد أثبتت الأحداث المتكررة على مدار العقود الماضية أن العلاقة الاقتصادية مع إسرائيل لم تمنع مصر من انتقاد السياسات الإسرائيلية أو دعم الفلسطينيين، وهكذا تبقى مصر حاضرة وبقوة في الملف الفلسطيني كوسيط نزيه وشريك استراتيجي، رغم أي تعاملات تجارية جانبية.
ختاما إذا استمرت إسرائيل في توسيع إنتاجها وتصديرها، فقد تتحول إلى "قطب طاقوي" إقليمي، مما يعزّز من نفوذها الجيوسياسي ويرفع كلفة الصراع معها، ولكن يبقى السؤال الأهم: هل هذه الثروة ستكون أداة هيمنة وشرارة لصراعات بحرية في المنطقة، أم ستكون جسرا للتعايش الإقليمي؟