تحليلات

معادلة احتواء البازار وحدود إعادة إنتاج الشرعية فى إيران

طباعة

كشفت تطورات احتجاجات البازار في إيران عن تحول نوعي في طبيعة الحراك الاجتماعي، إذ بات يجمع بين المطالب المعيشية ورفض الفوضى وأعمال الشغب. هذا التحول منح نظام الجمهورية الإسلامية هامش أمان سياسي مؤقت، مستندًا إلى الدور التاريخي للبازار كأحد أعمدة الشرعية الاقتصادية والسياسية منذ عام 1979. غير أن تزامن هذا الحراك مع اعتراف رئاسي غير مسبوق بالمسئولية، وتحركات برلمانية عاجلة على مستوى الموازنة، يعكس إدراكًا رسميًا متزايدًا بأن الأزمة الاقتصادية تحولت إلى تهديد مركزي لاستقرار النظام، لا مجرد أزمة إدارية عابرة.

حدود احتواء احتجاجات البازار:

لم تعد احتجاجات البازار مجرد ردود فعل آنية على تدهور الأوضاع المعيشية، بل اتخذت طابعًا يمزج بين تحسين الظروف الاقتصادية، ورفض الانزلاق نحو الفوضى والاضطرابات الأمنية.هذه الصيغة تعكس سلوكًا تاريخيًا للبازار بوصفه فاعلًا محافظًا، يسعى إلى الضغط من داخل النظام لا إلى تقويضه. وعندما يحتج البازار بهذه اللغة، فهو لا يهدد شرعية الجمهورية الإسلامية بشكل مباشر، لكنه يبعث برسالة إنذار واضحة إلى مركز القرار، مفادها أن الأزمة بلغت مستوى لم يعد قابلًا للتجاهل أو التسويف.

ولهذا جاء تصريح الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (7 يناير 2026) بتحمله المسئولية الكاملة عن الأوضاع الجارية، مؤكدًا أن الشعب، والموظفين، والطلاب ليسوا سبب الأزمة، بل الحكومة ورئيسها.يمثل هذا التصريح سابقة خطابية في تاريخ الجمهورية الإسلامية، ليس فقط بسبب مضمونه، بل لأنه قيل علنًا وبصراحة مباشرة. ويبدو أن بزشكيان يسعى من خلاله إلى إعادة بناء جسر ثقة نفسي ورمزي مع الشارع، وتثبيت فكرة إمكانية التغيير عبر المسار الانتخابي.

إلا أن هذا الرهان يبقى محفوفًا بالمخاطر، إذ إن فشل الحكومة في احتواء الأزمة الاقتصادية لن يُفسر كإخفاق شخصي للرئيس فحسب، بل كدليل إضافي على محدودية فاعلية صندوق الاقتراع في تحسين الواقع المعيشي، وهو ما يشكل تهديدًا بنيويًا لشرعية النظام في هذه المرحلة.

في هذا السياق اتخذ البرلمان الإيراني خلال جلسته المنعقدة في 5 يناير 2026، وأثناء مناقشة موازنة عام 2026 (1405هـ.ش)، جملة من الإجراءات اللافتة، أبرزها الزيادة المقترحة في ضريبة القيمة المضافة، ورفع نسبة نمو الأجور تدريجيًا إلى 43٪، وتعديل آلية الزيادة التدريجية لرواتب الموظفين، وتخصيص 8.8 مليار دولار من العملة التفضيلية لاستيراد السلع الأساسية، مع حصرها في القمح والدواء، إلى جانب تخصيص 290 ألف مليار تومان لشراء القمح ضمن نظام الشراء المضمون، والأهم تعزيز الشفافية المتعلقة بمصادر العملة الأجنبية المتأتية من صادرات النفط.

وتعكس هذه الإجراءات محاولة واضحة لتخفيف الضغوط المعيشية وضبط الاختلالات الاجتماعية، مع الإبقاء على السيطرة الاقتصادية والسياسية بيد مؤسسات الحكم، وهي معادلة تقليدية في إدارة الأزمات داخل النظام الإيراني، إلا أن قدرتها على إنتاج استقرار مستدام باتت موضع اختبار متزايد.

خطاب الزعيم الإيراني بين الرمزية والتهديد:

كما جرت العادة في خُطب الزعيم الإيراني علي خامنئي، على منبر الجمعة، فإن صعوده للمنبر لا يتم إلا في سياق الأحداث الجلل، باعتباره فعلًا سياسيًا محسوبًا لا مجرد ممارسة دينية دورية. وعليه فإن تخصيص خطبة جمعة طهران المؤقتة للحديث عن احتجاجات تُوصف بأنها مدعومة أمريكيا وإسرائيليا كان سيُقرأ بوصفه اعترافًا صريحًا بتحقيق الخصوم غايتهم في إحداث اختلال أمني داخل إيران، وهو ما لا يريد النظام منحه، حتى ولو كان نصرًا رمزيًا.

لذلك يُفسر قرار إلقاء بيان رسمي في الذكرى التاريخية 19 دي 1356 ه.ش– 9 يناير 1978 -شرارة ما قبل قيام الثورة الإسلامية 1979-، قبل خطبة الجمعة 9 يناير 2026 أمام جموع أهالي مدينة قم، مركز النخبة الدينية الشيعية في الجمهورية الإسلامية، رغم تفاقم الاحتجاجات وتداعيات أعمال الشغب، بوصفه قرارًا محملاً بدلالات سياسية واضحة، أبرزها:

1- تثبيت موقف الدولة في التصدي لما تصفه بالمخربين وحلفائهم.

2- توجيه رسالة مباشرة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تؤكد الاستعداد لخوض الصدام وتحمل تبعاته.

ما يعني أن القيادة الإيرانية قد اختارت نهج المواجهة المباشرة، في ظل التهديدات الأمريكية المتكررة بالتدخل العسكري، مقابل تجاهل الخطاب الغربي لأعمال العنف والتخريب التي أخرجت الاحتجاجات عن إطارها السلمي.

كما لا يمكن قراءة هذا المشهد بعيدًا عن أدوات المناورة الأمريكية والإسرائيلية في صراعها المرتقب مع إيران، خاصة مع نجاح طهران في تعزيز منظوماتها الدفاعية الجوية والصاروخية وفرض مستوى عالٍ من السرية على برنامجها النووي، مما جعل النظام الإيراني مصدر إزعاج استراتيجي حقيقي لخصومه.

ولهذا عندما طرحت المساعي الأمريكية لبلقنة إيران – تقسيمها إلى عدة دويلات – لأول مرة بعد إعلان اتفاق ترامب بشأن ممر زنغزور، في مقال بعنوان "تداعيات ممر زنغزور كأداة لسياسة الاحتواء وعزل إيران" المنشور بتاريخ 11 أغسطس 2026، على موقع مجلة السياسة الدولية، لم يكن ذلك اندفاعًا غير مدروس، وإنما نابعًا من مؤشرات ميدانية واضحة على الأرض.

على صعيد آخر ساهم سيل كثيف من الأخبار المنحازة للمعارضة الإيرانية في دفع العديد من القنوات والمنصات التي كانت تُصنف بـ "الحيادية" إلى التخلي عنها، ليبدو المشهد الإعلامي وكأن الإيرانيين يجهضون شرعية النظام بالكامل، كما تروج له قنوات، مثل "منو وتو" و"إيران إنترناشيونال".

وأمام هذا الخطاب برز دور القنوات الإيرانية الناشطة على تطبيق تليجرام في نقل صورة مغايرة لواقع الشارع الإيراني، وكشف حجم الانقسام الحقيقي داخل صفوف المحتجين، بين:

·  فئة تحتج على تدهور الأوضاع الاقتصادية وتنتقد مثيري الشغب.

· وأخرى غير منخرطة فعليًا في احتجاجات البازار، بل تجاوزت التخريب إلى الاعتداء على المواطنين وحرقهم أحياء، كما حدث في مدينة مرودشت جنوب إيران عصر الجمعة 9 يناير 2026.

البعد الأمني والرقمي لأزمة البازار:

تؤكد حوادث الشغب والعنف في إيران وجهة نظر القيادة بشأن وجود اندساس خارجي يهدف إلى إنهاك الداخل الإيراني، وتوسيع الفجوة بين المجتمع والدولة، علاوة على استنزاف الشرعية الرمزية للنظام لا قدراته العسكرية، كأحد أدوات زعزعة الجمهورية الإسلامية.

وفي هذا السياق يمكن إدراج مقاربة تعتبر الفضاء السيبراني امتدادًا مباشرًا للأمن القومي، حيث يُنظر إلى المنصات الرقمية ووسائل التواصل كأدوات استراتيجية لا تقل أهمية عن القدرات العسكرية، لما لها من تأثير مباشر على التعبئة الداخلية وتوجيه الرأي العام.

وهكذا يعيد انقطاع خدمات الإنترنت في إيران لليوم الرابع على التوالي إلى الأذهان تجربة الانقطاع الكامل خلال حرب الإثني عشر يومًا، حين نشرت وزارة الاستخبارات الإيرانية والأمن القومي تقارير تفيد بتورط منصات، مثل فيسبوك، وإنستجرام، وإكس في أنشطة تجسسية. واليوم، وفي ظل احتجاجات مشتعلة، ترى طهران أن هذه المنصات تُستغل في تأجيج الشباب، وتحويل مطالبهم الاقتصادية المشروعة نحو مسارات تخريبية، بلا أفق سياسي أو اجتماعي واضح، بما يجعل الفضاء السيبراني امتدادًا مباشرًا للأمن القومي الذي يستلزم مراقبته وإدارته كجزء من استراتيجية الحفاظ على الاستقرار الداخلي.

استنادًا إلى ذلك يُنظر إلى إعلان وزارة الداخلية الإيرانية مساء الجمعة 9 يناير 2026، والذي أكد الاستجابة لمطالب الشعب من خلال التعامل الحازم مع المخربين المسلحين ومخلّي الأمن والاستقرار، بالتزامن مع قطع الإنترنت والتشويش على خدمات ستارلينك، على أنه توجه مؤسسي للتعامل مع الأزمة باعتبارها تهديدًا سياديًا يستدعي إجراءات وقائية.

والهدف من هذه الإجراءات منع تحويل الاحتجاجات وعمليات الاعتقال إلى أداة حرب هجينة يمكن استغلالها لاحقًا لتبرير التدخل الأمريكي أو فرض عقوبات أوسع، مع الحفاظ على السيطرة الأمنية دون انكشاف إعلامي واسع.وهذه الخطوة ليست سابقة جديدة، بل امتدادا لخبرة متراكمة في إدارة الاحتجاجات عبر مركزية القرار الأمني، والسيطرة على الفضاء المعلوماتي، وتوظيف خطاب القيادة الرافض للتدخل الخارجي، وهي الأدوات ذاتها التي أثبتت فعاليتها في احتجاجات 2009، و2019، و2022.

ومن حيث النتيجة الأمنية البحتة، تبدو هذه المقاربة مرشحة للنجاح مجددًا، في ظل غياب قيادة موحدة للاحتجاجات، وعدم تحولها إلى عصيان مدني شامل حتى الآن.غير أن احتواء الاحتجاجات لا يعني بالضرورة احتواء الأزمة، إذ يظل تفادي تفاقمها أو تكرارها مرهونًا بقدرة القيادة الإيرانية على تنفيذ إصلاحات اقتصادية حقيقية تمس شبكات المصالح، لا الاكتفاء بالمسكنات والخطابات.

خاتمة:

أثبتت التجربة الإيرانية أن الحل الأمني، مهما بلغ نجاحه، لا ينجح في معالجة الأزمة الاقتصادية ولا في إعادة بناء الثقة المستدامة بين الدولة والمجتمع. ومع ذلك فإن تشديد الزعيم الإيراني، علي خامنئي، على مكانة شريحة التجار كأحد أكثر الفئات وفاءً للثورة الإسلامية، وتنويهه بمسئولية رئيس الجمهورية وكبار المسئولين في معالجة الأزمة، يشير بوضوح إلى أن الاقتصاد لم يعد ملفًا هامشيًا، بل أصبح قضية مركزية ترتبط مباشرة باستقرار النظام، بما يعكس دلالات واضحة على خطوات المرحلة الجارية، ومحاولات ضبط المسار قبل تفاقم الأزمة.

وبالتالي إذا تمكنت القيادة الإيرانية من تنفيذ إصلاحات اقتصادية حقيقية تمس شبكات المصالح، وليس الاكتفاء بالمسكنات والخطابات، فإن النظام سيحظى بفرصة لإعادة إنتاج شرعيته الوطنية بالكامل. أما إذا فشلت، فسيكون الثمن تآكلًا بطيئًا لكنه عميق للثقة بين الشارع والسلطة، مما يضع الاستقرار الداخلي على المحك.

طباعة

    تعريف الكاتب

    د. شيماء المرسي

    د. شيماء المرسي

    الخبيرة فى الدراسات البينية الإيرانية