تحوّل الأمن السيبراني والتحكم في الفضاء الكهرومغناطيسي من ملف تقني هامشي يُدرج في ذيل العقائد العسكرية إلى مكوّن بنيوي فاعل في هندسة العقائد العسكرية الحديثة، ولم يعد مجرد تحذير نظري يتكرر في أوراق السياسات دون أثر عملي، بل بات من الركائز البنيوية التي تُبنى عليها القوة في النظام الدولي المعاصر. نحن أمام تحوّل عميق في مفهوم التفوق ذاته؛ انتقال من امتلاك أدوات القوة إلى امتلاك القدرة على تعطيلها، ومن السيطرة على الجغرافيا إلى السيطرة على الإدراك، ومن حسم المعركة إلى منعها من التشكل منذ لحظتها الأولى. ووفق هذا السياق، لم تعد السيادة تُقاس فقط بحدود الدولة أو حجم جيشها، بل بقدرتها على حماية فضائها غير المرئي: شبكاتها، اتصالاتها، بياناتها، والبنية العصبية التي تُدير الدولة الحديثة وتضمن استمرارية عملها في لحظات الأزمات.
هذا المشهد يفرض إعادة تعريف جوهري لطبيعة الصراع. ففي النمط الجديد من الحروب، لا يكون الهدف تدمير الخصم ماديًا بقدر ما يكون تحييده وظيفيًا. تُعطَّل الاتصالات، تُعَمَّى الرادارات، تُفكك منظومات القيادة والسيطرة، ثم يُفرض الواقع السياسي والعسكري في اللحظة المناسبة. المعركة على الأرض، إن وقعت، لا تمثل سوى المرحلة الأخيرة في سلسلة طويلة بدأت في فضاء غير مرئي، حيث تُدار الحروب بعيدًا عن أعين الجمهور، ولكن بنتائج لا تقل حسمًا وتأثيرًا عن الحروب التقليدية، بل تتجاوزها أحيانًا في سرعتها وعمق آثارها.
ضمن هذا الإطار، لا يمكن قراءة العملية الأمريكية التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته بوصفها اقتحامًا عسكريًا تقليديًا، بل كنتاج مباشر لسيطرة شبه كاملة على المجال الكهرومغناطيسي للدولة في توقيت بالغ الحساسية. فالغياب اللافت لأي رد فعل فعّال من منظومات الدفاع الجوي، وعدم ظهور مؤشرات إنذار مبكر، أو تحركات مضادة ذات معنى، يكشف أن الدولة كانت -عمليًا - خارج الخدمة لفترة حاسمة، مكّنت من تمرير عملية عالية الخطورة دون مقاومة تُذكر. هنا، تتقدّم الحرب الإلكترونية من دور "الداعم" إلى موقع الفاعل الرئيسي، وتتحول من أداة مساعدة إلى شرطٍ مسبق لنجاح أي تحرك ميداني لاحق.
في قلب هذا المشهد برز الدور الحاسم لطائرات الحرب الإلكترونية الأمريكيةEA-18G Growler، وهي ليست مجرد منصة تشويش تعمل في هامش المعركة، بل تجسيد عملي لفلسفة قتالية كاملة تُعيد تعريف معنى السيطرة الجوية. فهذه الطائرات لا تُصمَّم لإسقاط الأهداف بقدر ما تُصمَّم لإسقاط “الإدراك” ذاته: إدراك الخطر، إدراك الاتجاه، وإدراك لحظة القرار. إنها تستهدف العقل قبل السلاح، والوعي قبل القدرة النارية، عبر تحويل ساحة القتال إلى بيئة مشوشة لا يمكن الوثوق بمعطياتها.
من خلال أنظمة متقدمة لرصد وتحليل الإشعاعات الرادارية والاتصالات العسكرية، تستطيع هذه الطائرات بناء ما يسمى "خريطة إدراك" للخصم في الزمن الحقيقي، ثم إغراق المجال الجوي بطبقات كثيفة من التشويش الذكي والموجّه. وبهذا، لا تُعطَّل الرادارات فحسب، بل يُعاد تشكيل واقعها الإدراكي، بحيث تفقد القدرة على التمييز بين الهدف الحقيقي والضوضاء المصطنعة، وبين التهديد الفعلي والإشارة الخادعة. في مثل هذا السياق، تتحول الرادارات من أدوات كشف وإنذار إلى مصادر معلومات مضللة، بل وخطرة، لأنها تدفع متخذي القرار إلى قراءات خاطئة في لحظات حرجة.
هنا تحديدًا، لا تُهزم المنظومات الدفاعية لأنها ضعيفة تقنيًا أو متقادمة، بل لأنها تُجرَّد من وظيفتها الأساسية: الفهم والتمييز واتخاذ القرار في الوقت المناسب. فالضربة الحاسمة لا تقع على المعدن أو الإلكترونيات، بل على العلاقة بين المعلومة والقرار. وعندما تُكسر هذه العلاقة، تصبح أكثر المنظومات تطورًا عاجزة عن أداء دورها، ليس بسبب التدمير، بل بسبب فقدان المعنى العملياتي لما ترصده وتستقبله.
غير أن الأخطر من تعطيل الرادارات هو استهداف منظومة القيادة والسيطرة نفسها، أي "العقل" الذي ينسّق بين الحواس والعضلات. فعندما تُقطع الاتصالات بين مراكز القرار والوحدات الميدانية، تصبح القوة العسكرية بلا رأس، وتتحول الوحدات المنتشرة إلى عناصر معزولة لا تعرف طبيعة التهديد ولا كيفية التعامل معه. هذا النمط من “قطع الأعصاب” هو جوهر الحرب الإلكترونية الحديثة، حيث يُستبدل القصف الكثيف بضربة صامتة تطال البنية العصبية للدولة. في تلك اللحظة، لا يكون انهيار الدفاعات مسألة استنزاف طويل، بل نتيجة شبه فورية لفقدان القدرة على التنسيق واتخاذ القرار.
تحت هذا الغطاء السيبراني، تتحرك القوات الخاصة ضمن ما يشبه مظلة سيطرة شاملة. فطائرات الحرب الإلكترونية لا تكتفي بالتشويش، بل تعمل في وضعية مزدوجة: تعطيل مستمر، واستعداد دائم للانتقال إلى التدمير المباشر إذا اقتضت الضرورة، سواء عبر صواريخ مضادة للرادارات أو عبر وسائل حماية ذاتية تمنع أي محاولة اعتراض. هذه الازدواجية تجعل من الحرب الإلكترونية أداة حسم استراتيجي قائمة بذاتها، لا مجرد مرحلة تمهيدية، إذ تحدد مسبقًا شكل المعركة وحدودها ونتيجتها المحتملة.
ما يفرضه هذا المشهد يتجاوز الحالة الفنزويلية إلى سؤال أوسع وأكثر إرباكًا: هل تستطيع أي منظومة دفاع جوي في العالم، مهما بلغت كلفتها أو تعقيدها، أن تصمد أمام هجوم سيبراني مركّز ومخطط بدقة؟ تشير الوقائع العسكرية إلى أن لا منظومة محصنة بالكامل. فالتشويش، وإن كان سلاحًا مؤقت الأثر، إلا أنه سلاح "اللحظة الأولى"، وتلك اللحظة غالبًا ما تكون كافية لقلب موازين الصراع وفرض وقائع سياسية لا يمكن التراجع عنها، حتى بعد استعادة الأنظمة لوظائفها التقنية.
من هنا، لا ينبغي قراءة ما جرى في فنزويلا كحادثة أمنية استثنائية أو عملية معزولة في سياق إقليمي ضيق، بل كنموذج مكثف لحروب السيادة في العصر السيبراني، حيث تُعاد صياغة مفاهيم القوة والردع وحدود الدولة من جديد. نحن أمام عالم تُدار فيه المعارك من خلف الشاشات، وتُحسم فيه الدول قبل أن تدرك أنها دخلت الحرب أصلًا، عبر تعطيل بنيتها العصبية وشلّ قدرتها على الإدراك واتخاذ القرار، لا عبر تدمير جيوشها أو احتلال أراضيها.
في هذا العالم، تصبح السيطرة على الفضاء الكهرومغناطيسي شرطًا مسبقًا لممارسة السيادة، لا ملحقًا تقنيًا بها، ويغدو امتلاك أدوات التعطيل والتحكم لحظة الحسم الحقيقية في أي صراع محتمل. ولم تعد نتائج الحروب تُقاس فقط بما يحدث على الأرض، بل بما يُفرض في اللحظة الأولى من الصدام غير المرئي، حين تُكسر إرادة الخصم قبل أن تتشكل معركته.
وتأسيسًا عليه، فإن البقاء في هذا النظام الدولي المتحوّل لا يكون للأقوى عسكريًا فحسب، بل لمن يمتلك مفاتيح التعطيل، ويفهم منطق التوقيت، ويُحسن استخدام القوة غير المرئية لفرض النتيجة قبل أن يبدأ الاشتباك، وقبل أن يدرك الخصم أن موازين القوة قد انقلبت بالفعل.