تعد الأزمة الفنزويلية نموذجا كاشفا للتوتر القائم بين منطق القوة ومنطق القانون في العلاقات الدولية، نظرًا لتداخل أبعادها الداخلية مع اعتبارات إقليمية ودولية وتحوّلها من نزاع سياسي اقتصادي إلى مسألة ذات آثار مباشرة على النظام القانوني الدولي.
الأمر الذي يستدعي دراسة وتقييم مدى مشروعية التدخلات الدولية في فنزويلا، وقياسها على القواعد المستقرة في القانون الدولي العام.
فنزويلا تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مثبتة في العالم والولايات المتحدة خلال إدارة الرئيس ترامب ترى في فنزويلا قوة اقتصادية محتملة يمكن أن تُسهم في أمن الطاقة الأمريكي وكجزء من عقيدة ترامب الجديدة، يمكن استخدام الجيش الأمريكي للوصول إلى موارد الطاقة والمعادن في المنطقة بينما بحسب استطلاعات الرأي، يعارض المواطنون الأمريكيون استخدام الجيش الأمريكي في فنزويلا، ومن المرجح أن تؤدي أي ضربات داخل فنزويلا الآن إلى تصويت في الكونجرس بموجب قانون صلاحيات الحرب.
وقد لعبت الولايات المتحدة دورًا محوريًا في تدويل الأزمة، سواء من خلال الاعتراف بحكومات بديلة، أو عبر فرض تدابير قسرية لم تصدر عن مجلس الأمن الدولي، وهو ما أعاد إلى الواجهة إشكاليات قانونية تقليدية تتعلق بمبدأ سيادة الدول، وعدم التدخل في الشئون الداخلية، وحدود مشروعية العقوبات الاقتصادية في غياب تفويض دولي.
جاءت الضربة واختطاف الرئيس مادورو بعد أشهر من تصعيد إدارة ترامب، حيث لوح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب علنًا بإمكانية تغيير النظام في فنزويلا، و وجّه في أواخر نوفمبر إنذارًا نهائيًا إلى الرئيس مادورو للتخلي عن السلطة، عارضًا عليه خروجا آمنًا، غير أن مادورو رفض هذا العرض، مؤكدًا أمام أنصاره داخل فنزويلا رفضه لما وصفه بـ«سلام العبيد»، متهمًا الولايات المتحدة بالسعي إلى بسط سيطرتها على الاحتياطيات النفطية الفنزويلية.
ومع تصاعد الضغوط التي مارستها إدارة ترامب، بدت حكومة كاراكاس في بعض المراحل أمام حالة من الارتباك السياسي والاستراتيجي، واعتبرت ما تتعرض له شكلًا من أشكال التدخل غير المشروع في شئونها الداخلية في وقت حرص فيه الرئيس مادورو على التأكيد المتكرر بأن فنزويلا لا تسعى إلى الدخول في مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة، مع التشديد على تمسكها بحقها في السيادة والاستقلال وفقًا لقواعد القانون الدولي.
إلا أن الأمر انتهي بالضربة الأمريكية التي استهدفت فنزويلا وما تلاه من اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو، مما يعد تصعيدًا نوعيًا وخطيرًا في مسار الحملة الأمريكية ضد الدولة الفنزويلية، لما ينطوي عليه من انتقال واضح من أدوات الضغط السياسي والاقتصادي إلى استخدام القوة المسلحة بشكل مباشر.
وقد أسفر هذا التطور عن تعميق حالة الغموض التي تكتنف مستقبل النظام الحاكم في فنزويلا، في ظل غياب مؤشرات واضحة على مآلات الأزمة سياسيًا أو قانونيًا.
فدخول قوات دون أدني دفاع أو اعتراض من الدولة يؤكد دوما أن السقوط يأتي من الداخل أولا ثم يليه تدخل خارجي متمثل في استخدام متفاوت للقوة، وعلى الصعيد الدولي انعكست الأزمة الفنزويلية على توازنات النظام الدولي، وطرحت تساؤلات جوهرية حول ازدواجية المعايير في تطبيق قواعد القانون الدولي، ولا سيما فيما يتعلق باستخدام أدوات الضغط الاقتصادي والسياسي لتحقيق أهداف تتجاوز الإطار الجماعي الذي رسمه ميثاق الأمم المتحدة.
وعكست ردود الفعل الدولية رؤية كل دولة لما حدث من منظورها، حيث أكّدت كوبا، التي تخضع لحصار اقتصادي أمريكي منذ الحرب الباردة، أن الولايات المتحدة تتحمل مسئولية إرهاب الدولة ضد الشعب الفنزويلي، كما عبّرت روسيا وإيران عن رفضهما، بينما صرحت الخارجية الروسية بأن الممارسات الأخيرة تشكل «انتهاكًا غير مقبول لسيادة دولة مستقلة»، في حين اعتبرت حكومة غيانا الوضع أنه مصدر قلق للمنطقة الأوسع، وعلى الصعيد الأوروبي أعلنت إسبانيا استعدادها للوساطة بين الأطراف، مؤكدةً على أهمية خفض التصعيد والالتزام بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة، فيما شددت ألمانيا وإيطاليا على متابعة التطورات عن كثب وحماية مصالح مواطنيهما المقيمين في فنزويلا، كما دعت نائبة رئيس المفوضية الأوروبية إلى ضبط النفس واحترام القانون الدولي، يُبرز هذا التباين أن التعاطي الدولي مع الأزمة لا يخضع لمعايير قانونية محايدة فحسب، بل يتأثر أيضًا بـالاعتبارات السياسية والاقتصادية، والجيواستراتيجية لكل دولة، مما يطرح إشكاليتين:
- هل تمثل الممارسات الأمريكية تجاه فنزويلا تحولًا في دور الولايات المتحدة من دولة فاعلة في النظام الدولي إلى شرطي دولي، بما يشكل افتئاتًا على الاختصاص الأصيل لمجلس الأمن الدولي في حفظ السلم والأمن الدوليين وهل تطغي توازنات القوة على النظام العالمي متعدد الأطراف؟
- هل يمكن تكرار الأسلوب نفسه المستخدم في فنزويلا مع أي دولة أخرى تري الولايات المتحدة أنها تتعارض مع مصالحها؟
فالضربة التي استهدفت فنزويلا واختطاف رئيسها لم تقتصر على كونها عملا عدائيا وإنما تعد اعتداء صارخا على سيادة دولة عضو بالأمم المتحدة وما يخالف ذلك ميثاق الأمم المتحدة
لأنها تفتح الباب لتقويض مبدأ عدم التدخل في الشئون الداخلية للدول، واحترام سلامة إقليم وحدود الدولة.
فمن المبادئ الجوهرية التي نصّ عليها ميثاق الأمم المتحدة (المادة 2/4)، والتي تحظر استخدام القوة أو التهديد بها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة، وكذلكالمادة (2/7) المتضمنة عدم التدخل في الشئون الداخلية للدول، ويعد أحد الأعمدة الأساسية التي يقوم عليها النظام القانوني الدولي المعاصر، ولا يقتصر هذا المبدأ على كونه قاعدة تنظيمية للعلاقات الدولية، بل يرتقي إلى مصاف القواعد الآمرة في القانون الدولي لما يتمتع به من طابع عام وشامل، وما يفرضه من التزام مطلق بعدم الإخلال به أو الاتفاق على مخالفته.
حيث ترتبط السيادة ارتباطًا وثيقًا بمبدأ عدم التدخل إذ لا يمكن تصور سيادة الدولة بمعزل عن ضمان عدم تدخل الدول الأخرى في شئونها الداخلية أو الخارجية.
لذلك يُعد مبدأ عدم التدخل مكمّلا لمبدأ السيادة ومظهرًا من مظاهر احترامها، مما يجعل أي تدخل أجنبي انتهاكًا مباشرًا لسيادة الدولة وتقويضًا لاستقلالها، و تهديدًا للسلم والأمن الدوليين.
ومن ثم فإن أي ممارسة دولية تنطوي على تدخل أحادي في الشئون الداخلية لدولة ذات سيادة، خارج إطار التفويض الصريح من مجلس الأمن، تمثل انتهاكًا مباشرًا لقاعدة آمرة من قواعد القانون الدولي، وتقويضًا لبنية الأمن الجماعي التي أرساها ميثاق الأمم المتحدة.ولا يغيّر من هذا التكييف القانوني تعدد المبررات، إذ يظل مبدأ عدم التدخل حاجزًا قانونيًا صلبًا في مواجهة محاولات إعادة إنتاج منطق القوة تحت غطاء الشرعية الدولية، فما تفعله الولايات المتحدة الآن ليس سوى إعادة إخراج لمقولة فلسفية قديمة وهي القوة تنشئ الحق وتحميه ((La force crée le droit et le protège، فمن يملك القوة يملك حق فرض القواعد وتحديد ما هو مشروع وما هو غير مشروع طبقا لرؤيته وتجسيدا لمصطلح الشرطي الدولي، وهو اختصاص أصيل لمجلس الأمن لحفظ السلم والأمن الدولي بشرعية دولية، فلا يعرف القانون الدولي مفهوم الشرطي الدولي بوصفه مركزًا قانونيًا معترفًا به لدولة بعينها، وإنما هو توصيف سياسي نشأ في إطار الممارسة الدولية، ولا سيما في ظل الهيمنة الأحادية لبعض القوى الكبرى، لكن يظل هذا المفهوم فاقدًا لأي سند شرعي ما لم يستند إلى تفويض صريح من مجلس الأمن.
فالاستهداف الأمريكي لفنزويلا خارج إطار مجلس الأمن وبدون مبرر دفاع شرعي حقيقي يُعد انتهاكًا صارخًا للقرار 3314، ويقع ضمن نطاق جريمة العدوان بموجب القانون الدولي، حيث تضمن قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3314 لسنة 1974، تعريف جريمة العدوان أنها استعمال القوة المسلحة بواسطة دولة ضد سيادة أو وحدة الأراضي أو الاستقلال السياسي لدولة أخرى أو بأي طريقة لا تتفق مع ميثاق الأمم المتحدة مما يعد جريمة عدوان، وهي ليست المرة الأولى التي تقوم بها الولايات المتحدة بذلك فهناك سوابق تاريخية حيث مثلت عملية القبض على الرئيس نيكولاس مادورو تكرارا لأول تدخل أمريكي مباشر لإزاحة زعيم من أمريكا اللاتينية بالغزو الأمريكي لبنما الذي أدى إلى استسلام زعيمها المتهم بتهريب المخدرات مانويل أنطونيو واعتقاله عام 1990.
وقد رسخت محكمة العدل الدولية هذا المبدأ عند نظرها لقضية نيكاراجوا([1]) ضد الولايات المتحدة الأمريكية 1986، حيث قررت المحكمة أن الولايات المتحدة انتهكت الالتزامات التي يفرضها القانون الدولي العرفي بعدم التدخل في شئون دولة أخرى، وعدم استخدام القوة ضدها، وعدم انتهاك سيادة دولة أخرى، وأقرت أن الولايات المتحدة ملزمة بالتوقف فورًا عن جميع الأعمال التي تشكل انتهاكات لالتزاماتها القانونية والامتناع عنها، وأنه يجب عليها تقديم تعويضات عن جميع الأضرار التي لحقت بنيكاراجوا بسبب انتهاكات الالتزامات بموجب القانون الدولي كذلك جاءت تصريحات المدعية العامة الأمريكية أن الرئيس الفنزويلي وزوجته سيواجهان اتهامات بعد توجيه لائحة اتهام إليهما في نيويورك، وسيواجهان قريبا أقصى درجات العدالة الأمريكية على الأراضي الأمريكية وفي المحاكم الأمريكية.
وهو ما ينتهك مفهوم العدلة الجنائية الدولية حيث إن المساءلة الجنائية للرؤساء الحاليين تندرج ضمن المحكمة الجنائية الدولية أو المحاكم الدولية المماثلة، وليس المحاكم الوطنية لدولة أخرى.
وأمام فنزويلا عدة سيناريوهات على الصعيد الدولي:
الأول: التحرك قانونيًا عبر الإدانة السياسية والدبلوماسية، واللجوء إلى محكمة العدل الدولية باعتبار أن الاعتداء يمثل انتهاكًا جسيمًا لقواعد القانون الدولي ولمبدأ السيادة الذي تكفله المادة (2/4) من ميثاق الأمم المتحدة، وإثارة المسئولية الدولية للولايات المتحدة الأمريكية أمام محكمة العدل الدولية.
الثاني: التوجه إلى مجلس الأمن لطلب إدانة العدوان الأمريكي على سيادة الدولة، فالنزاع الأمريكي في فنزويلا في الأصل هو نزاع سياسي مما يضع الولايات المتحدة تحديدًا أمام معضلة سياسية وأخلاقية، لتصريحاتها المعلنة بشأن احترام سيادة الدول وعدم استخدام القوة، وهو ما يؤكد استحالة صدور قرار من مجلس الأمن يدين العدوان الأمريكي على فنزويلا كون الولايات المتحدة عضوًا دائمًا بمجلس الأمن وصاحبة لحق الفيتو بما يقوض منظومة الأمن الجماعي.
ومما سبق يمكننا القول ما لم يرتبط النظام الدولي بمبدأ المساواة في تطبيق القانون، فإن هذا النهج الانتقائي يقوّض مشروعية النظام القانوني الدولي، ويُعيد إنتاج ممارسات العدالة الانتقائية، ويضرب بمبدأ المساواة في السيادة عرض الحائط، مما يفقد القواعد الدولية شرعيتها ويضعف الثقة فيها ويعزز فكرة أن القانون لا يطبق حسب العدالة وإنما يطبق حسب القوة والنفوذ الدولي، فهذه الضربات لا تعكس سوى منطق القوة لا قوة القانون حين تصبح القواعد الدولية تطبق بالمزاج وليس العدل.
هامش: