من المجلة - ملف العدد

التدخلات الخارجية فى نظم الحكم.. قراءة فى سياق أمريكا اللاتينية

طباعة

تعد إشكالية التدخلات الخارجية فى النظم السياسية من أكثر المعضلات تعقيدا فى حقل العلوم السياسية، لما تطرحه من أسئلة تتعلق بالسيادة، وشرعية السلطة، وتوازنات القوة، وحدود الدور الخارجى فى إعادة تشكيل التوازنات السياسية داخل الدول. فبينما تطرح الاتجاهات التقليدية التدخل كأداة تستخدمها القوى الكبرى لتحقيق مصالحها القومية أو حماية الأمن الدولى، تكشف الخبرة المعاصرة عن تحولات نوعية فى أنماط التدخل، تتراوح بين الضغوط الاقتصادية، والدبلوماسية العامة، والدعم السياسى للمعارضة، واستخدام أدوات القانون الدولى، وصولا إلى التهديد العسكرى المباشر. وفى هذا السياق، لا تزال أمريكا اللاتينية تمثل المجال الحيوى الأكثر ارتباطا بمفهوم النفوذ الأمريكى، إذ ارتبطت تاريخيا بوصفها «الحديقة الخلفية» للولايات المتحدة، بما يحمله ذلك من دلالات الهيمنة، وتحديد مسار التحولات السياسية داخل دول الإقليم.

وقد أعادت الأزمة الفنزويلية منذ عام 2015 -وتحديدا مع تصاعد التوتر السياسى، وازدواج الشرعية بين الحكومة والمعارضة، والانهيار الاقتصادى الواسع- طرح إشكالية التدخل الخارجى على نحو أكثر تعقيدا. وبرزت الولايات المتحدة كطرف رئيسى يسعى إلى إعادة تشكيل التوازنات الداخلية فى فنزويلا. ومع وصول الرئيس ترامب إلى السلطة، تجددت أنماط التدخل الأمريكية التقليدية لكن فى صيغة أكثر حدة، مزجت بين القواعد القديمة لمبدأ مونرو، وأدوات جديدة تشمل العقوبات القصوى، وتوظيف الأدوات القانونية، والاستخباراتية، وصرامة الخطاب الأمنى.

أولا- التدخل الخارجى فى العلاقات الدولية بين النظرية والخبرة التاريخية:

1- النظريات التفسيرية الكبرى:

تقدم كل نظرية من النظريات الأساسية مدخلا مختلفا لفهم التدخلات الخارجية فى النظم السياسية، بحيث تقاطعت السياسات الأمريكية فى نصف الكرة الغربى مع المنظورات التفسيرية الكبرى، على النحو التالى(1):

ففى حين ركزت المدرسة الواقعية على الصراع حول القوة والمصلحة القومية، وتفسير السياسات الأمنية، والتوازنات العسكرية، والتحالفات المؤقتة، وانطلقت من أن الدولة تسعى من خلال تحركاتها وسياستها إلى تعظيم قوتها، وحماية مصالحها، وتحقيق الاستغلال الأمثل للموارد ضمن البنية التنافسية للنظام الدولى، تأتى التحركات الأمريكية فى إطار الحفاظ على توازن القوى فى نصف الكرة الغربى ومنع قوى منافسة دولية من التأثير والوجود فى الإقليم، بما يستدعيه ذلك من أدوات القوة الصلبة مثل التحركات العسكرية، وتبنى عقوبات اقتصادية، والمحاولات المباشرة لتغيير القيادة السياسية، وتعزيز التحالفات الإقليمية كأدوات لإعادة تثبيت النفوذ الأمريكى ومنع تشكل «نفوذ مناوىء» على مقربة جيوسياسية تقليدية للولايات المتحدة الأمريكية، وهو المنهج الأقرب لسياسة الرئيس الأمريكى ترامب تجاه فنزويلا فى ولايته الأولى والذى يستكمله فى ولايته الثانية.

بينما تؤكد المدرسة الليبرالية على محورية دور المؤسسات الدولية، والديمقراطية، والتعاون الاقتصادى فى تحقيق المصالح، وتنطلق من دور القيم والمؤسسات الدولية فى تشكيل السلوك الخارجى للدول، ووفق هذا المنظور جاء نهج السياسة الخارجية للرئيس الأمريكى الديمقراطى السابق بايدن على إنه تدخل «ديمقراطى» يستهدف حقوق الإنسان وإعادة الشرعية الدستورية لفنزويلا مع كل دورة انتخابية، كما يفسر الاعتراف الأمريكى بالمرشح المنافس للرئيس مادوروكرئيس منتخب للبلاد، والضغط داخل منظمة الدول الأمريكية لتشكيل تحالف مضاد لتحالف فنزويلا والدول الداعمة، وانخراط واشنطن فى بناء تحالفات إقليمية وشراكات تطوق وتحاصر النظام الفنزويلى، كخطوات تهدف إلى حماية قواعد النظام الليبرالى بما يخدم المصالح الاستراتيجية الأمريكية فى المنطقة.

فى المقابل، تسلط المدرسة البنائية الضوء على دور الأفكار، والثقافة، والهوية فى تشكيل السياسات ومحورية الخطابات السياسية فى صياغة التفاعلات الدولية، ومن هذا المنظور يتجاوز التدخل الأمريكى البعد المادى ليعكس صراعا على تعريف الشرعية، والسيادة الوطنية، والحوكمة فى الإقليم، بحيث يفسر هذا المنظور خطاب واشنطن الذى يصور فنزويلا كنظام استبدادى غير شرعى فى مقابل خطاب كاراكاس، الذى يصور الولايات المتحدة كقوة هيمنة تاريخية، وتعطى الأدوات المستحدثة فى الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعى دفعة قوية لتطبيقات هذا المنظور التفسيرى خاصة فى ظل الولاية الثانية للرئيس ترامب.

2- الخبرة التاريخية:

تتأرجح السياسة الخارجية الأمريكية منذ نشأتها بين نزعتين: الانعزالية التى ترفض التورط فى الخارج، والإمبريالية التى تسعى لفرض النفوذ والهيمنة. بحيث تحولت الولايات المتحدة من دولة تركز على شئونها الداخلية إلى قوة عالمية تقود النظام الدولى وتوجه مساراته بما يخدم مصالحها. وفى هذا السياق، برزت أمريكا اللاتينية بوصفها المجال الحيوى الأقرب للولايات المتحدة، وهو ما تجسد فى مبدأ مونرو عام 1823، الذى أعلن رفض أى تدخل أوروبى فى شئون الأمريكتين مقابل امتناع واشنطن عن التدخل فى أوروبا.

رغم الطابع «الدفاعى» للمبدأ التاريخى، فقد استخدمته واشنطن لاحقا كغطاء لبسط نفوذها السياسى والعسكرى فى القارة الجنوبية. فقد أعاد الرئيس تيودور روزفلت تفسيره لصالح سياسة «العصا الغليظة»، التى أعطت الولايات المتحدة حق التدخل المباشر لحماية الأمن والنفوذ الأمريكى فى حديقتها الخلفية، وهو ما برر التدخل العسكرى فى الدومينيكان ونيكاراجوا،  وهايتى خلال العقود الأولى من القرن العشرين، ثم استكماله من قبل الرئيس وودرو ويلسون الذى تبنى نهجا أقل عدائية لكنه لم يتخل عن التدخل عند الضرورة(2).

بعد الحرب العالمية الأولى سعت واشنطن لتهدئة التوترات عبر سياسة «حسن الجوار»، وسحبت قواتها من بعض الدول، إلا أنها لم توقف التدخل الاستخباراتى، والسياسى، والعسكرى، الذى تجلى لاحقا فى دعم الانقلابات خلال الحرب الباردة، مثل انقلاب تشيلى 1973، والانقلاب فى البرازيل عام 1964، والحرب فى الأرجنتين (1976-1983)، إضافة إلى غزو جرينادا (1983) وبنما (1989).

مع تراجع اليمين التقليدى وصعود الموجة اليسارية فى أمريكا اللاتينية فى مطلع الألفية، واجهت واشنطن تحديا جديدا، خاصة بعد انتخاب قادة ذوى توجهات اشتراكية، مثل شافيز فى فنزويلا، وموراليس فى بوليفيا، وكوريا فى الإكوادور، ودا سيلفا وروسيف فى البرازيل. هذا المد اليسارى عزز سياسات الاستقلال النسبى عن الولايات المتحدة، وتوسع العلاقات مع قوى صاعدة، مثل الصين وروسيا، ودعم تجمعات إقليمية جديدة، مثل «الألبا» و«اليوناسور»، مما شكل بادرة تهديد الهيمنة التقليدية للولايات المتحدة فى القارة الجنوبية.

لكن الأزمات الاقتصادية خاصة انهيار أسعار النفط وتباطؤ الاقتصاد الصينى -أدت إلى تراجع المد الوردى، وصعود حكومات يمينية جديدة، وهو ما اعتبرته واشنطن فرصة لإعادة فرض نفوذها. وقد تزامن ذلك مع استخدام أدوات جديدة للتأثير، تعتمد أكثر على القوة الناعمة: الضغوط الاقتصادية، ودعم المعارضة اليمينية، وتوظيف الإعلام، وتمويل منظمات المجتمع المدنى، بدلا من التدخلات العسكرية المباشرة.

وفى ظل أزمة فنزويلا الحديثة، تجدد الحديث عن إحياء منطق مبدأ مونرو، إذ اعتبرت واشنطن أن سقوط الحكومة الاشتراكية سيعيد التوازن الإقليمى لصالحها، خاصة بعدما باتت الصين وروسيا لاعبين مؤثرين فى القارة. وبلغ التصعيد ذروته حين هدد الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بالتدخل العسكرى فى فنزويلا، متجاوزا سياسة الإدارات السابقة التى فضلت الضغط الاقتصادى والدبلوماسى.

وتتباين درجات ممارسة الولايات المتحدة لنفوذها وهيمنتها على القارة، ففى فترات الأزمات الدولية أو عندما تتعرض الهيمنة الأمريكية لتهديد تزيد معدلات التدخل وممارسة النفوذ الأمريكى فى القارة. كما تؤكد التجربة التاريخية أن واشنطن تنظر إلى القارة باعتبارها جزءا من أمنها القومى ومجالا اقتصاديا حيويا لاستثماراتها، وأنها مستعدة لتوسيع تدخلها السياسى والاقتصادى -وربما الأمنى- كلما رأت أن مصالحها الاستراتيجية فى خطر.

ثانيا- الأزمة الفنزويلية نموذجًا:

1- الحالة الفنزويلية..مواجهة مستمرة:

تعد الأزمة الفنزويلية واحدة من أكثر أزمات أمريكا اللاتينية السياسية تعقيدا خلال العقدين الأخيرين، إذ انتقلت من أزمة اقتصادية داخلية إلى أزمة سياسية شاملة، ثم إلى حالة عدم استقرار إقليمى استدعت انخراطا دوليا واسعا، وبخاصة من الولايات المتحدة.

بدأت جذور الأزمة منذ عهد الرئيس هوجو تشافيز (1998-2013)، الذى اعتمد على الوفرة النفطية وارتفاع أسعار الخام لتوسيع برامج الدعم الاجتماعى، حيث تبنت فنزويلا سياسة اشتراكية تهدف إلى إعادة توزيع الثروة والحد من الفقر، ومع زيادة اعتماد الاقتصاد على النفط بشكل كبير، شكل انهيار أسعار الخام عام 2014 نقطة تحول حادة دفعت البلاد إلى مسار الأزمة الاقتصادية.

ومع تولى الرئيس نيكولاس مادورو الحكم بعد وفاة تشافيز، انفجرت الأزمة ونتيجة احتجاجات واسعة نجحت المعارضة فى السيطرة على الجمعية الوطنية عام 2015، وهو ما أدخل المؤسسات فى حالة ازدواج شرعية وصدام مباشر مع السلطة التنفيذية، وتعمقت الأزمة بعد انتخابات 2018، التى اتهمت بالتزوير، وأعلنت المعارضة على إثرها تعيين خوان جوايدو رئيسا مؤقتا وفق الدستور، وهو ما لاقى دعما دوليا واسعا من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى، ومنظمة الدول الأمريكية، فى مقابل دعم قوى لمادورو من روسيا، والصين، وكوبا، وتركيا. ومن هنا تحولت الأزمة من صراع داخلى إلى مواجهة دولية بالوكالة.

حيث شهدت السنوات اللاحقة تصعيدا أمريكيا تمثل فى حزمة واسعة من العقوبات، خاصة على قطاع النفط وشركات الشحن، فيما ساعدت موسكو وبكين كاراكاس فى الالتفاف على هذه العقوبات ودعم النظام فى البنية التحتية والطاقة. وعلى المستوى الإنسانى أدى الانهيار الاقتصادى إلى أكبر موجة نزوح فى تاريخ القارة، حيث غادر نحو ثمانية ملايين فنزويلى البلاد منذ 2015، مما خلق ضغوطا هائلة على دول الجوار، ورغم العقوبات ومحاولات العزل، تمكن مادورو عبر سلسلة إصلاحات اقتصادية مفاجئة احتواء جزء من التوتر الداخلى، بينما تراجعت مكانة جوايدو دوليا.

وتعد انتخابات 2024 واحدة من أبرز ترتيبات اتفاق باربادوس الذى تم بين المعارضة (المنصة الديمقراطية الموحدة) والحكومة (الحزب الاشتراكى الموحد لفنزويلا)، والذى فتح الباب أمام فرص إحداث تغيير سياسى من قبل المعارضة المدعومة من الخارج بعد سنوات من انهيار محاولات سابقة، لذا دعم المجتمع الدولى وكذلك دول أمريكا اللاتينية هذه المساعى منذ البداية.

حيث بدأ التفاهم بين الحكومة والمعارضة منذ أغسطس 2021، بمحادثات أسفرت عن المفاوضات التى قادتها الحكومة النرويجية فى أكتوبر 2023، وقعت حكومة مادورو والمعارضة على اتفاق بربادوس وتضمن الاتفاق التزامات تتعلق بتوقيت وضوابط إجراء الانتخابات، وقد قامت بالفعل الحكومة الفنزويلية بوضع التقويم الانتخابى، والذى تمثل فيما يلى: السماح لكافة المرشحين الرئاسيين بخوض السباق الانتخابى، والسماح لكافة الأحزاب السياسية بالمشاركة فى الانتخابات، وضمان أمن وسلامة وحرية كافة المرشحين، توفير مناخ يتسم بالنزاهة والسلام للسباق للعملية الانتخابية، ودعوة المراقبين الدوليين، ثم عاد النظام إلى ممارسات التلاعب ومنع المراقبين واستبعاد أبرز المرشحين المعارضين، لينتهى الأمر بإعلان فوز مادورو بولاية ثالثة، فى خطوة قوبلت برفض دولى واسع(3).

وبذلك أصبحت الأزمة الفنزويلية نموذجا معقدا لتفاعل العوامل الاقتصادية، والسياسية، والتدخلات الدولية، ومسرحا مباشرا للتنافس بين الولايات المتحدة والقوى الصاعدة، مما يجعلها محورا مركزيا لفهم طبيعة التدخلات الأمريكية فى الإقليم خلال السنوات الأخيرة(4).

2- سياسة «الضغط الأقصى» الأمريكية ومحاصرة النظام فى كاراكاس:

شهدت السنوات الأخيرة تصعيدا غير مسبوق فى أدوات التدخل الأمريكى تجاه فنزويلا، خاصة مع عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض وإحياءه سياسة الضغط القصوى. بحيث كان مدخل التصعيد اتهاما متجاوزا ديناميات الأزمة السياسية والاقتصادية الممتدة على مدار عقدين، تنظر إدارة ترامب إلى الحدود الجنوبية   من زاوية أمنية، ويعتبر دخول المهاجرين غير الشرعيين وتهريب المخدرات تهديدا مباشرا للولايات المتحدة. ومن هذا المنطلق عملت واشنطن على تضخيم تهديد العصابات واتهام مادورو بالارتباط بهذه العصابات، لتهيئة أرضية ضغوط أشد من العقوبات الاقتصادية وصولا إلى التهديد العسكرى(5).

إن استراتيجية ترامب تقوم على ركيزتين: أولا، تشديد العقوبات الاقتصادية بهدف خنق اقتصاد فنزويلا، وثانيا، استخدام الأدوات الأمنية والاستخباراتية لدعم المعارضة الداخلية وزعزعة الحكومة تدريجيا وصولا إلى توجيه ضربات عسكرية، وقد بدأت إدارة الرئيس ترامب بخطوات تصعيدية حين اتهمت واشنطن حكومة مادورو بتهريب المخدرات إلى الولايات المتحدة، وأعادت تصنيف شبكات فنزويلية، مثل كارتيل «دى لوس سوليس» وعصابة «ترين دى أراجو» كمنظمات إرهابية أجنبية، الأمر الذى وفر غطاء قانونيا لتوسيع التدخل الأمنى والعسكرى، وإعادة شبح التدخل التقليدى المباشر للولايات المتحدة فى القارة الجنوبية.

فى أغسطس 2025، أصدر ترامب توجيها سريا يسمح للبنتاجون باستخدام القوة ضد بعض الكارتيلات فى أمريكا اللاتينية، ثم ضاعف المكافأة المرصودة للقبض على مادورو إلى خمسين مليون دولار، متهما إياه بالتورط المباشر فى عمليات التهريب.

وعلى المستوى الميدانى نشرت واشنطن أسطولا بحريا كبيرا قرب السواحل الفنزويلية، وحشدت وزارة الحرب الأمريكية (الدفاع سابقا) حشدا عسكريا شكل واسع فى البحر الكاريبى شمل أكثر من عشرة آلاف جندى أمريكى، وحاملة الطائرات جيرالد فورد، وعددا من القاذفات الثقيلة من طراز B-52وB-1قبالة السواحل الفنزويلية منذ أكتوبر 2025(6).

وسبق ذلك الإعلان فى سبتمبر 2025 عن تنفيذ ضربة بحرية ضد قارب قالت إنه تابع لعصابة «ترين دى أراجوا»، مما أسفر عن مقتل عدد من عناصرها. وقد أثارت العملية جدلا قانونيا واسعا بسبب تنفيذها بواسطة البحرية فقط من دون إشراف خفر السواحل، وبسبب غموض الأساس القانونى لاستخدام القوة خارج حالات التهديد المباشر(7).

ومع ذلك، دافعت الإدارة الأمريكية عن هذه الإجراءات باعتبارها جزءا من سياسة ردع الكارتيلات، الأمر الذى يعكس انتقال التدخل الأمريكى من الضغط الاقتصادى والدبلوماسى إلى توظيف أدوات أمنية وعسكرية أوسع، بما يعمق الطابع الدولى للأزمة الفنزويلية ويزيد من حدة المواجهة بين واشنطن وكاراكاس.

إن زيادة الضغط الأمريكى على كاراكاس واستمرار تصاعد التوتر بهذه الحدة من شأنه أن يصيب النظام السياسى بشلل سياسى، ودبلوماسى، واقتصادى يؤدى إلى مزيد من العزلة الاقتصادية والسياسية. وقد يؤدى هذا السيناريو إلى تفاقم الأزمة الإنسانية وزيادة الهجرة.

ثالثا- التحديات التى تواجهها النظم السياسية فى أمريكا اللاتينية فى ظل التدخل الأمريكى على خلفية الأزمة الفنزويلية:

تدفع الاستراتيجية الأمريكية إلى التدخل بكافة الأدوات من أجل محاصرة النظام السياسى فى كاراكاس عبر الضغوط الاقتصادية، والعزلة الدبلوماسية، وتقويض الشرعية للحكومات(8)، فقد أعاد التدخل الأمريكى فى فنزويلا طرح سجالات حول السيادة من جديد داخل دول الإقليم، فقد وجدت النظم السياسية نفسها بين خيارين إما التماهى مع خط واشنطن الضاغط على كاراكاس من أجل مكاسب اقتصادية وسياسية وباعتبارها فرصة لإعادة بناء علاقاتها مع القوى العالمية، خاصة فى ظل الأزمة الفنزويلية التى تهدد استقرار الإقليم، مقابل التمسك بمبدأ عدم التدخل الذى طالما شكل تاريخيا ركيزة فى خطاب الاستقلال اللاتيني والذى له جذور عميقة فى الفكر السياسى والوطنى اللاتينى، وينظر إليه كحاجز أمام الهيمنة الأمريكية. وكثير من الحكومات ومنظمات المجتمع المدنى فى أمريكا اللاتينية تراها دفاعا عن الاستقلال الوطنى، خاصة فى ظل محاولات تغيير النظام من الخارج.

هذا الانقسام يضع النظم السياسية فى القارة الجنوبية أمام أزمة شرعية متعددة الأبعاد:

غالبا ما تضغط القطاعات اليسارية والقومية على الحكومات التى تنحاز لواشنطن بتهمة التفريط فى سيادتها، وفى الاستقلال السياسى مقابل تنازلات اقتصادية أو وعود دعم خارجى، فى المقابل ترى النخب الليبرالية أو الموالية للولايات المتحدة أن رفض التدخل من قبل بعض الحكومات هو تقديم دعم مطلق لاستمرار النظام السياسى دون طرح احتمالات إصلاحه.

ويستدعى النظام السياسى فى كاراكاس مع تصاعد الضغوط الخطاب الرافض للتدخل كعنصر تعبوى لتعبئة الشعب ضد «التهديد الإمبريالى». فالرئيس مادورو، يصف أى ضغط من واشنطن بأنه انتهاك مباشر للسيادة الوطنية، ويستخدم خطاب «المقاومة الوطنية» لاستدعاء رموز النضال اللاتينى ضد الاستعمار. 

إن استمرار التدخل الأمريكى لم يضعف فقط شرعية بعض الأنظمة، بل رفع مستوى الهشاشة البنيوية داخل هذه النظم السياسية. فالانقسام الداخلى يخلق بدوره استقطابا اجتماعيا حادا، هذا الاستقطاب يجبر الحكومات على إدارة توازن معقد بين ضغوط داخلية وخارجية، بحيث تتحول الأزمة من خلاف داخلى فنزويلى إلى ساحة تنافس جيوسياسى تمتد تأثيراته إلى دول الإقليم. هذا التنافس فى الوقت نفسه يضغط على الأنظمة، لأنها تجد نفسها مطالبة بتحديد مواقعها ضمن محاور دولية، فى حين أن مجتمعاتها منقسمة بحدة حول هذه الخيارات، فى هذا الإطار تحولت الأزمة الفنزويلية إلى عامل لترسيخ عدم الاستقرار البنيوى فى الإقليم ومحفز للهشاشة داخل دول الجوار، والتى من أبرز مؤشراتها، تراجع فاعلية المؤسسات، وضعف القدرة على اتخاذ القرار، وزيادة احتمالات الاضطراب السياسى، أو الاحتجاجات الواسعة، أو تصاعد موجات الهجرة داخل الإقليم، وتشكل فراغ سياسى قد تستغله النخب الشعبوية.

لاشك أن الأزمة الفنزويلية كانت كاشفة للاختلافات الإقليمية اللاتينية بشكل كبير وحاد، بالنظر إلى دور الدعم اللاتينى اليسارى الذى حظيت به حركة «تشافيزتا» نسبة إلى الرئيس هوجو تشافيز والتى ينتمى إليها الرئيس مادورو ومحسوب عليها فى حماية النظام السياسى الفنزويلى من الكثير من الضغوطات خلال العقدين الماضيين، إذ يعتمد اليسار اللاتينى الإقليمى على تقديم مزيج من الاستقرار الإقليمى، والمصداقية السياسية، والالتزام بالمبادئ الديمقراطية وهو ما تهدده الأزمة الفنزويلية بشكل جذرى بما تفرضه من مخاطر الهجرة، وعدم الاستقرار الاقتصادى الإقليمى، والتهديد الأمنى الجيوسياسى بما يلقى بظلاله على صورة الحركة اليسارية اللاتينية بوجه عام، وبما قد يدفعها إلى الجنوح نحو المزيد من البراجماتية التى قد تبتعد عن المسار الأيديولوجى الجامد فى المرحلة المقبلة، بشكل يعزز نفوذه فى المنطقة بالارتكاز على تمسكه بقيم العدالة والديمقراطية والتنمية وتعزيز الاستقرار الإقليمى مقابل قيم الدعم غير المشروط للأيديولوجيا ممثلة فى نظام مادورو، بمعنى آخر الميل نحو تكييف السياسات التقليدية التى اعتمدت غالبا على انقسامات أيديولوجية واضحة ما بين يمين ويسار(9).

رابعا- حدود ونتائج التدخل الخارجى:

رغم أن الولايات المتحدة ظلت الفاعل الخارجى الأكثر تأثيرا فى مسار الأزمة الفنزويلية، فإن تدخلها -على تنوع أدواته بين العقوبات الاقتصادية، والضغط الدبلوماسى، والدعم السياسى للمعارضة، والتصعيد الأمني-واجه حدودا عملية وسياسية قلصت قدرته على إعادة تشكيل التوازنات الداخلية بشكل حاسم أو النجاح فى تعبئة دعم إقليمى أو دولى لسياسات واشنطن تجاه كاراكاس.

سعت الإدارة الأمريكية لتوظيف أدوات الضغط الأقصى لإسقاط حكومة نيكولاس مادورو عبر خنق قطاع النفط، وعزل النظام دوليا، ودعم المعارضة، وصولا إلى استهدافها كأحد محاور الإرهاب والتهديد العسكرى المباشر،إلا أن هذه المقاربة اصطدمت بثلاثة محددات مؤثرة:

أولها استمرار تماسك النخبة الحاكمة داخل مؤسسات الدولة، ما حرم المعارضة من الحصول على كتلة قادرة على تغيير موازين القوة لصالحها. وثانيها استمرار الدعم الخارجى القوى من قبل روسيا والصين(10). والذى وفر للنظام بدائل اقتصادية وأمنية خففت من أثر الحصار الأمريكى. أما المحدد الثالث فهو التحولات السياسية فى الإقليم مع صعود حكومات يسارية معتدلة، خاصة فى المكسيك، وكولومبيا، والبرازيل، ما قلص قدرة واشنطن على بناء جبهة إقليمية موحدة ضد كاراكاس.

فى المقابل نتج عن التدخل الأمريكى نتائج عميقة داخل فنزويلا وعلى مستوى الإقليم. فعلى المستوى الداخلى، ساهم الضغط الأمريكى فى تسريع انكماش الاقتصاد الفنزويلى وتضييق قدرة الدولة على الوصول للأسواق، مما أدى إلى تفاقم الأزمة الإنسانية وتوسع موجات الهجرة. كما عزز مادورو خطاب «المؤامرة الخارجية»، وأعاد تعبئة قواعده الاجتماعية والسياسية، معتبرا أن المقاومة الوطنية تقتضى التشديد الأمنى وتقليص الحريات. وبهذا المعنى أدى التدخل الأمريكى إلى تقوية القاعدة الداعمة للنظام بدل تقويضها.

أما على المستوى الإقليمى، فقد أدى التدخل الأمريكى إلى انقسام واضح بين دول أمريكا اللاتينية. فبينما أيدت حكومات يمينية سابقة، مثل كولومبيا وتشيلى الاعتراف بجوايدو، تمسكت حكومات أخرى بمبدأ عدم التدخل واعتبرت السياسات الأمريكية امتدادا لإرث التدخلية التاريخية فى القارة. هذا الانقسام انعكس على منظمات إقليمية، مثل منظمة الدول الأمريكية ومجموعة ليما، التى فقدت الإجماع حول كيفية التعامل مع الأزمة. كما أن الضغط الأمريكى فتح الباب أمام تعزيز الحضور الروسى والصينى فى المنطقة، سواء عبر الدعم المالى أو التعاون الأمنى، مما مثل تحديا إضافيا للنفوذ التقليدى لواشنطن.

بشكل عام حقق التدخل الأمريكى نتائج محدودة على صعيد تغيير النظام، لكنه ساهم فى إعادة تشكيل البيئة السياسية الإقليمية، وتعميق الاستقطاب داخل فنزويلا، وتوسيع الاستقطابات الجيوسياسية فى نصف الكرة الغربى(11) بشكل واضح.

ختامـــًا:

تكشف الأزمة الفنزويلية عن تحول جوهرى فى طبيعة التدخلات الخارجية، وبخاصة التدخل الأمريكى فى أمريكا اللاتينية، حيث لم يعد التدخل مقصور على الأدوات الصلبة التقليدية كالعقوبات أو التهديد العسكرى، ولا فى الأدوات الناعمة كالدعم الدبلوماسى فحسب، بل ظهر نموذج هجين متعدد الأدوات يمتد من الاعتراف الدبلوماسى بقيادة بديلة، إلى «الحرب القانونية»، والضغوط الإقليمية المنسقة، واستخدام أدوات الإعلام والسياسة العامة، تحت شعارات الشرعية، والسيادة، والديمقراطية. وقد مثل هذا المزج بين الأدوات التقليدية وغير التقليدية محاولة أمريكية لتعظيم تراكم الضغوط على النظام السياسى فى كاراكاس، وإحداث تغيير داخلى عبر مسارات غير مباشرة، دون الوصول إلى التدخل العسكرى الشامل.

غير أن هذا النمط الهجين من التدخل أظهر حدودا بنيوية تتعلق بصلابة النخبة الحاكمة الفنزويلية، والدعم الاقتصادى الخارجى من قوى صاعدة كروسيا والصين، والانقسام الإقليمى حول شرعية التدخل نفسه. وفى الوقت ذاته، أبرزت الأزمة قدرة التدخل على إفراز نتائج عكسية، من خلال إعادة تعبئة القاعدة الاجتماعية للنظام، وتعزيز خطاب «مناهضة الإمبريالية»، وتوسيع حضور القوى المنافسة لواشنطن فى الإقليم.

وهكذا فإن التدخلات الخارجية-بالشكل الذى تجسد فى الحالة الفنزويلية-لم تعد مجرد أداة لحسم الصراعات أو إعادة التوازن فى مناطق النفوذ التقليدية، بل أصبحت عاملا بنيويا يعيد تشكيل النظم السياسية، ويعمق الهشاشة، ويفتح الباب أمام أدوار مستحدثة للفاعلين الدوليين والإقليميين. وهو ما يجعل فهم هذا النمط الهجين ضرورة لتحليل الاتجاهات المستقبلية فى أمريكا اللاتينية والنظام الدولى على السواء.

المراجع:

 

 1-للاستزادة: تيم دان وميليا كوركى وستيف سميث (محررون)، نظريات العلاقات الدولية: التخصص والتنوع، ترجمة: ديما الخضرا، المركز العربى للأبحاث ودراسة السياسات، 2019.

2- الولايات المتحدة وإعادة إحياء مبدأ مونرو فى أمريكا اللاتينية، مرصد أمريكا اللاتينية، 12 أغسطس 2017، متاح على الرابط: مرصد أمريكا اللاتينية - الولايات المتحدة الأمريكية وإعادة إحياء مبدأ مونرو فى أمريكا اللاتينية

3-رنا أبوعمرة، تداعيات أزمة الحكم فى فنزويلا بعد الانتخابات الرئاسية، مجلة الديمقراطية، أكتوبر 2024.

4-U.S. ConfrontationwithVenezuela, theCenterforPreventiveAction, CouncilofForeignAffairs, 21 October2025, availableat: U.S. ConfrontationWithVenezuela| GlobalConflictTracker

5- أزمة فنزويلا واستراتيجية التدخل للولايات المتحدة فى أمريكا اللاتينية، المجلس الاستراتيجى للعلاقات الخارجية، 31 أغسطس 2025، متاح على الرابط: أزمة فنزويلا واستراتيجية التدخل للولايات المتحدة فى أميركا اللاتينية - المجلس الاستراتيجى للعلاقات الخارجية.

6-أمل مختار، التصعيد الأمريكى ضد فنزويلا: قراءة فى الدوافع والمسارات والمخاطر، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، 9 نوفمبر 2025، متاح على الرابط: التصعيد الأمريكى تجاه فنزويلا: قراءة فى الدوافع والمسارات والمخاطر - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية.

7-المرجع السابق

8-أمريكا اللاتينية تدخل 2025 وسط تقلبات اقتصادية وصراع سياسى متصاعد، الشرق، 31 ديسمبر 2024، متاح على الرابط: أميركا اللاتينية تدخل 2025 وسط تقلبات اقتصادية وصراع سياسى، الشرق للأخبار.

9-رنا أبوعمرة، مرجع سابق ذكره.

10-محمد أبوسريع، ما آفاق السياسة الأمريكية تجاه دول أمريكا اللاتينية فى الولاية الثانية لترامب؟، القاهرة الإخبارية، 10 نوفمبر 2024، متاح على الرابط: ما آفاق السياسة الأمريكية تجاه دول أمريكا اللاتينية فى الولاية الثانية لترامب؟،  القاهرة الإخبارية.

11-أيمن سمير، تآكل نفوذ واشنطن فى أمريكا اللاتينية، مركز الدراسات العربية الأوراسية، 19 نوفمبر 2024، متاح على الرابط: تآكل نفوذ واشنطن فى أمريكا اللاتينية - مركز الدراسات العربية الأوراسية.

- الموضوع ضمن ملف عدد مجلة الديمقراطية - يناير 2026

طباعة

    تعريف الكاتب

    د. رنا أبو عمرة

    د. رنا أبو عمرة

    دكتوراه فى العلوم السياسية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة