من المجلة - ملف العدد

مستقبل العلاقات المصرية مع أمريكا اللاتينية فى ضوء اتجاهات التفاعل فى القضايا الرئيسية

طباعة

تشهد منطقة أمريكا اللاتينية فى السنوات الأخيرة تغيرات هيكلية متعددة الأبعاد، سياسية واقتصادية واجتماعية وبيئية. وتعيد هذه التحولات تشكيل موقعها فى النظام الدولى، وتمنحها فرصة لإعادة تعيين علاقاتها مع الشرق الأوسط وإفريقيا، بما فى ذلك دولة مصر. من هذا المنطلق، فإن تحليل اتجاهات أمريكا اللاتينية ليس مجرد رصد لتغير خارجى، بل هو مساحة لفهم كيف يمكن لدولة لديها موقع جغرافى جسر-إقليمى، مثل مصر، أن تهيئ شراكات استراتيجية تحقق فيها المصالح المتبادلة وتساعد فى التنوع الاقتصادى.

فى هذا التقرير، سأتناول ثلاثة أبعاد رئيسية، أولا: البيئة الداخلية لأمريكا اللاتينية: وما المزايا والتحديات. ثانيا: الإطار الخارجى والتكتلات الاقتصادية والسياسات الدولية والتوجهات المتغيرة. ثالثا وأخيرا: فرص الشراكة من منظور مصرى: القطاعات والمقترحات، مع مسارات عملية لتعزيز التعاون العربى-اللاتينى فى مرحلة دولية متغيرة.

أولا- البيئة الداخلية.. مزايا وتحديات:

من خلال تحليل الأدبيات، يمكن تلمس مزايا ثابتة فى أمريكا اللاتينية، لكنها تأتى فى سياق تحديات بنيوية تجعل الاستفادة منها أقل من إمكاناتها.

١- مزايا نسبية:

أبرز ما يميز المنطقة هو ثرواتها الطبيعية الكبيرة وسوقها الداخلية المتوسعة. فأمريكا اللاتينية تعد أحد أكبر مصدرى الحبوب واللحوم والزيوت، وتمتلك احتياطيات مهمة من المعادن الحرجة، مثل الليثيوم والنحاس. هذا الموقع يجعلها لاعبا محوريا فى سلاسل التوريد العالمية المتعلقة بالزراعة والموارد الطاقية والتحولات التكنولوجية.

كما أن دولا كثيرة فى المنطقة تشهد توسعا فى الطبقة الوسطى، وزيادة الطلب على الغذاء، والطاقة، والخدمات، ما أوجد فرصا لصادرات دخل ثابتة، وشراكات تجارية. من هذا المنطلق، يمكن القول إن الميزة التنافسية لأمريكا اللاتينية تتجذر فى موقعها كمورد ومستهلك فى وقت واحد.

٢- تحديات بنيوية:

تشير الدراسات إلى أن النمو فى المنطقة يعانى بطأً مستمرا مقارنة بفترات ما قبل انتهاء «الطفرة السلعية». ويشير تحليل حديث إلى أن «عقدة» النمو فى أمريكا اللاتينية تعود فى الغالب إلى عوامل داخلية أكثر منها إلى الصدمات الخارجية. على سبيل المثال، يبقى مستوى الادخار فى المنطقة منخفضا (لا يتجاوز نحو 24 % من الناتج المحلى الإجمالى فى بعض الحالات)، ما يجعلها تعتمد بصورة كبيرة على التمويل الخارجى.

فضلا عن ذلك، هناك تفاوت ملحوظ فى معدلات الابتكار والكفاءة الإنتاجية. تشير خبرة التحرير الاقتصادى إلى أن الإنتاجية الإجمالية فى بعض الدول تتراجع، ما يجعل النمو مستهدفا. يعنى هذا أن الشراكة مع دول خارجية لا تضمن تلقائيا عوائد مرتفعة، ما لم ترافقها إصلاحات هيكلية أو آليات تعزز القيمة المضافة.

ثانيا- الإطار الخارجى والتكتلات.. إعادة تشكيل العلاقات:

يتطلب تحليل العلاقات الخارجية لأمريكا اللاتينية النظر إلى الانعطافات الجيوسياسية، والتكتلات الإقليمية التى بدأت تشكل المشهد.

١- التحولات السياسية: ديناميكيات الداخل وخارجه:

أ- تحولات الداخل:

من الناحية السياسية، تشهد المنطقة تحولات متشعبة: كصعود تيارات يسارية معتدلة، وتجديد البنى الديمقراطية، وأيضا عودة للتيارات الانتهازية أو الشعبوية فى بعض الحالات. وتؤثر هذه المتغيرات فى البيئة الاستثمارية. فمثلا، يمكن أن تعطل الانقلابات أو التغييرات السريعة فى التشريعات الاتفاقات الطويلة الأجل. تضاف إلى ذلك الاعتبارات الأمنية، مثل التهريب والجريمة المنظمة، وتستمر كعائق ضمنى فى بعض الدول. إن فهم هذه الأدبيات والتحولات أمر حاسم للدخول المدروس إلى القارة.

 ب- الديناميكيات من الخارج:

كذلك، تشهد دول أمريكا اللاتينية فى المرحلة الراهنة تحولات جيوسياسية لافتة، تتقاطع فيها مصالح قوى دولية كبرى. فالولايات المتحدة وروسيا تخوضان تنافسا متصاعدا على النفوذ، فيما توسع الصين حضورها الاقتصادى عبر الاستثمار فى البنية التحتية والموانئ والممرات التجارية، خصوصا فى قناة بنما التى أصبحت محورا رئيسيا لإعادة تشكيل الحركة التجارية العالمية(1). تزامن ذلك مع سعى قوى إقليمية، مثل إسرائيل وتركيا(2) إلى توسيع دوائر وجودها السياسى والاقتصادى فى بعض دول القارة، ما يجعل أمريكا اللاتينية ساحة مفتوحة لتداخل المصالح الدولية والإقليمية فى وقت واحد(3). هذه البيئة المركبة لها انعكاسات على توجهات دول المنطقة، التى قد تلعب عنصرا محوريا فى تشكيل مواقف دولية أوسع تجاه قضايا شتى فى مجالات التنمية والسلم والأمن.

ج-دور مصر فى تعزيز الاستقرار والتعاون داخل المشهد اللاتينى المتحول:

فى هذا السياق المتشابك من تنافس القوى الدولية والإقليمية على النفوذ فى أمريكا اللاتينية، يمكن لمصر بما تمتلكه من سياسة خارجية متوازنة وعلاقات ممتدة مع مختلف أطراف المجتمع الدولى، أن تمثل عامل توازن وتيسير، فى منطقة تتداخل فيها المصالح وتتباين فيها الرؤى الاستراتيجية. فالحضور المصرى، بحكم طبيعته المرتكزة على التعاون التنموى والثقافى والاقتصادى، يتيح إمكانية تقديم مقاربات، تعزز الحوار بين عواصم المنطقة، وتفتح مسارات جديدة للتعاون بعيدا عن الاستقطابات المرتبطة بالمنافسة بين القوى الكبرى.

من هذا المنطلق، تتعامل القاهرة مع دول أمريكا اللاتينية باعتبارها شريكا مهما ضمن دوائر تعاون أوسع بين دول الجنوب، يقوم على بناء الثقة وتطوير المصالح المشتركة، وليس على حسابات ظرفية أو تكتيكية. ومع اتساع مساحة الالتقاء فى أولويات التنمية المستدامة، والتعاون الاقتصادى، والحوار الثقافى، اكتسبت العلاقات الثنائية بعدا إضافيا فى الإطار المتعدد الأطراف، حيث يعكس دعم العديد من دول القارة مواقف مصر فى منظمات دولية، ومنها الاستحقاقات الثقافية، مثل منظمة اليونسكو بعد انسحاب المكسيك، وطبيعة العلاقات القائمة على الاحترام والتقدير المتبادل. من هذا المنطلق، ترى القاهرة فى توثيق شراكاتها مع عواصم أمريكا اللاتينية فرصة لتعزيز الحضور الدولى للطرفين، وتنويع دوائر الانفتاح السياسى والاقتصادى فى عالم يشهد إعادة رسم للموازين والتحالفات.

٢- التكتلات الاقتصادية.. ميركوسور كحالة نموذجية:

أ- دور اتفاقية ميركوسور فى توطيد الشراكة الاقتصادية بين مصر والقارة اللاتينية:

تعد ميركوسور أحد التكتلات الرئيسية التى تضم البرازيل، والأرجنتين، وباراجواى، وأوروجواى، مع دول مرشحة للانضمام. تشير دراسات حديثة إلى أن التكتل يواجه تحديات فى مستوى التكامل الداخلى، لكنه يحتفظ بإمكانات كبيرة لخلق سوق واسعة على مستوى أمريكا الجنوبية. من المنظور التحليلى، يمكن النظر إلى ميركوسور كمنصة يستطيع من خلالها شريك خارجى مثل مصر الدخول إلى سوق أمريكية لاتينية موحدة نسبيا بخلاف التعامل مع دول فردية. لكن هذا الدخول يتطلب احترام قواعد العضوية، والحواجز غير الجمركية، والبنى اللوجيستية.

تمثل الشراكة بين جمهورية مصر العربية وتكتل ميركوسور نموذجا متقدما للتعاون بين بلدان الجنوب، وركيزة لتعزيز التكامل الاقتصادى والتفاهم السياسى بين منطقتين تتقاسمان الرؤى حول التنمية المستدامة، والعدالة الاقتصادية، والتعددية الدولية. فقد وقع الاتفاق الإطارى بين مصر ودول ميركوسور فى يوليو ٢٠٠٤ بوصفه أساسا لتطوير العلاقات التجارية والاستثمارية بين الجانبين، وأعقبه اتفاق التجارة الحرة الشامل الذى تم توقيعه فى ٢٠١٠ بمدينة سان خوان بالأرجنتين خلال القمة الرئاسية لميركوسور، ودخل حيز التنفيذ فى مايو ٢٠١٧ بعد استكمال التصديقات القانونية من جميع الأطراف. ويهدف هذا الاتفاق إلى إزالة الرسوم الجمركية تدريجيا على أكثر من ٩٠٪ من السلع المتبادلة، وتعزيز التعاون الصناعى فى مجالات الأغذية، والمنتجات الزراعية، ومكونات السيارات، والأجهزة الكهربائية، بما يعكس التزام الجانبين بدعم التكامل بين الأسواق الإفريقية واللاتينية على أساس المنفعة المتبادلة(4).

ب- نتائج الشراكة الاقتصادية بين مصرودول ميركوسور:

أكدت دراسات أكاديمية عديدة(5) أن الشراكة المصرية-اللاتينية تمثل أحد أبرز الأمثلة على التعاون بين بلدان الجنوب فى مجالات التجارة، والنقل، والأمن الغذائى، مع فرص واعدة للتكامل فى قطاعات الزراعة، والصناعات الغذائية، والطاقة المتجددة(6). فى هذا السياق، واصلت الحكومات من كلا الجانبين اتخاذ خطوات عملية لضمان التنفيذ الكامل للاتفاق، من أبرزها القرار المصرى رقم ٤١ لسنة ٢٠٢٣ الذى فعَّل المرحلة السابعة من تخفيض الرسوم الجمركية، فى خطوة تجسد التزام القاهرة بترجمة مضامين الاتفاق إلى نتائج ملموسة، بالتوازى مع ما تبديه دول ميركوسور من حرص على تعميق الشراكة مع العالمين العربى والإفريقى(7). أيضا، أكدت دراسة صادرة عن جمعية المصدرين المصريين، فى أغسطس ٢٠٢٥، أن الاتفاقية أدت إلى زيادة متوسط الصادرات المصرية إلى دول ميركوسور من ١٥٦ مليون دولار إلى ٦١٠ سنويا بعد دخولها حيز التنفيذ عام ٢٠١٧، وأن مصر تمتلك فرصا تصديرية غير مستغلة تقدر بنحو ٨٢٧ مليون دولار فى قطاعات الكيماويات والأسمدة(8).

ج- تعزيز الشراكة المؤسسية وتوسيع آفاق التعاون مع ميركوسور:

تستدعى المرحلة المقبلة مزيدا من العمل المشترك والمنسق لتفعيل القنوات اللوجيستية وتبادل المعلومات التجارية وتعزيز التواصل بين مجتمعات الأعمال، إلى جانب تطوير التعاون الثقافى والأكاديمى كرافعة دبلوماسية لتعميق التفاهم المتبادل. وفى سياق تعميق الشراكة الاقتصادية مع دول ميركوسور، يعد افتتاح المكتب الإقليمى للغرفة التجارية العربية-البرازيلية (CCAB)فى القاهرة خطوة مؤسسية محورية تعزز التواصل المباشر بين مجتمعى الأعمال فى البلدين. فقد جاء إنشاء المكتب وفق مذكرة تفاهم موقعة مع الهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات المصرية بهدف تسهيل حركة السلع والخدمات، وتوسيع آفاق التعاون التجارى والاستثمارى، ودعم الشركات المصرية فى النفاذ إلى الأسواق البرازيلية واللاتينية. ويسهم وجود هذا المكتب فى القاهرة فى توفير منصة عملية للتشبيك التجارى، وتنظيم البعثات التجارية، وتبادل المعلومات السوقية(9).

د- تطوير الحوار مع أمريكا اللاتينية عبر منصة منظمة الدول الأمريكية:

على صعيد آخر، عملت مصر على تعزيز تعاونها مع دول أمريكا اللاتينية منذ حصولها على صفة المراقب الدائم فى منظمة الدول الأمريكية عام ١٩٧٧(10)، الذى أتاح للقاهرة المشاركة فى الاجتماعات الرسمية والأنشطة المخصصة للمراقبين الدائمين، بما فى ذلك الاطلاع على برامج المنظمة والإسهام فى الحوارات المتعلقة بالتنمية والديمقراطية وحقوق الإنسان(11). ومن خلال إدارة العلاقات الخارجية والتعاون الدولى بالمنظمة، شاركت مصر فى عدد من اللقاءات التشاورية للمراقبين، ما أتاح لها توسيع الحوار مع حكومات أمريكا اللاتينية وتبادل وجهات النظر حول أولويات التنمية المشتركة(12).

ورغم أن القاهرة لم تنفذ بعد مشروعات تنموية مشتركة مباشرة مع الأمانة العامة للمنظمة، فإنها تستفيد من هذا الإطار المؤسسى كقناة دبلوماسية لبناء الثقة وتعزيز التواصل الفنى والسياسى مع الدول الأعضاء فى القارة، خصوصا دول أمريكا الجنوبية، فى مجالات التنمية المستدامة، والتحول الرقمى. وقد أكدت الهيئة المصرية العامة للاستعلامات فى بياناتها الرسمية أن العلاقات مع أمريكا اللاتينية تشهد تطورا متسارعا فى مجالات الاستثمار والتعليم والثقافة، مدفوعة بالدبلوماسية المصرية النشطة فى المنتديات الإقليمية والمتعددة الأطراف(13).

فى ضوء هذه التطورات، يمكن لمصر فى المرحلة المقبلة أن تعمق شراكتها مع دول أمريكا اللاتينية من خلال اقتراح مشروعات مشتركة تحت مظلة المنظمة، تشمل مجالات، مثل الحوكمة الرقمية، وتمكين المرأة، ومشروعات التحول الأخضر، ومواجهة التغير المناخى. كما يمكنها تنظيم فعاليات جانبية فى مقر المنظمة بواشنطن تجمع وزراء من ميركوسور ومسئولين أفارقة لتعزيز سلاسل الإمداد بين إفريقيا والأمريكتين عبر قناة السويس، بما يكرس دور القاهرة كجسر مؤسسى واقتصادى بين القارتين.

هـ- دور البعثات والجاليات فى دعم الشراكة المصرية-اللاتينية:

تمتلك مصر شبكة بعثات دبلوماسية نشطة فى دول أمريكا اللاتينية، منها فى الأرجنتين، والبرازيل، وتشيلى، وكولومبيا، والمكسيك، التى يجب أن تكون حلقة وصل استراتيجية، تفعِّل المشاورات السياسية إلى مبادرات عملية على أرض الواقع فى مجالات التعاون التنموى عبر برامج الشراكة فى التعليم العالى، والتبادل الأكاديمى، وبناء القدرات المؤسسية، وتمكين المرأة والشباب، فضلا عن دعم مشروعات الزراعة المستدامة والطاقة المتجددة والتحول الرقمى، بالتنسيق مع الحكومات والوكالات التنموية فى دول القارة. كما تلعب دورا محوريا فى تعزيز التعاون الثقافى والتواصل بين الشعوب، من خلال تنظيم فعاليات ثقافية مصرية فى العواصم اللاتينية، وفى تجسيد حي لدور الدبلوماسية التنموية والثقافية كركيزة أساسية للتعاون بين الجنوبيين.

تبرز أيضا الجالية المصرية فى أمريكا اللاتينية بوصفها جزءا أصيلا من الامتداد العربى الواسع فى القارة، الذى يقدر عدد أبنائه بأكثر من ١١.٦ مليون نسمة، وينحدر من خلفيات لبنانية ومصرية وسورية ومغربية وفلسطينية(14). يتميز هذا الامتداد المصرى بقيمة مضافة واضحة، سواء من خلال انخراطه فى مجالات مهنية متخصصة، أو عبر دوره الثقافى والاجتماعى داخل الجالية العربية، أو من خلال تفاعله الإيجابى مع المؤسسات الدبلوماسية المصرية. ومن ثم، يشكل المصريون فى أمريكا اللاتينية رافدا ناعما يعزز جسور التواصل، ويدعم المبادرات الاقتصادية والثقافية، ويسهم فى توطيد الروابط بين مصر ودول القارة فى إطار رؤية أوسع للتعاون بين دول الجنوب.

3- تحولات جيو-اقتصادية: «بريكس» و«جنوب-جنوب»:

أ- «بريكس» بين الفرص الاقتصادية ومخاطر الأنماط التقليدية:

أصبح تحالف «بريكس» (البرازيل، وروسيا، والهند، والصين، وجنوب إفريقيا) وأطوار توسعه محط اهتمام دول أمريكا اللاتينية. ووفق تحليل منشور، تقيم دول المنطقة هذه المنظومة بأنها «فرصة اقتصادية» أكثر منها تغييرا جذريا فى النظام الدولى. ففى حين تمثل BRICSبوابة لتمويل بديل وإمكانات شراكة، فإن العلاقة غالبا تكرر نمط تصدير الخام والموارد من أمريكا اللاتينية، ما يُبقى على صيغة من الاعتماد. من هذا المنظور، فإن الدولة المصرية التى تريد الشراكة فى هذا الفضاء، يجب أن تكون حذرة فى تبنى المنطق «الشريك المصدر» مجددا، بل يجب أن تستهدف «شراكة قيمة مضافة».

ب- توسيع الانفتاح المصرى على أمريكا اللاتينية عبر مسار «بريكس» والشراكات الثنائية:

عكست مشاركة مصر على مستوى وزراء التجارة والتعاون الدولى ورئاسة مجلس الوزراء فى فعاليات «بريكس» التى استضافتها البرازيل اهتماما واضحا بتفعيل آليات التكتل، بالتوازى مع إنشاء وحدة حكومية متخصصة للتنسيق مع دول «بريكس» داخل مجلس الوزراء عام ٢٠٢٣(15). فى هذا السياق، جاءت زيارة الرئيس البرازيلى إلى القاهرة فى فبراير ٢٠٢٤ لتعزيز مسار التعاون الثنائى، خصوصا بعد أن سجل حجم التبادل التجارى بين البلدين ٣.٤ مليار دولار عام ٢٠٢٣ وفق بيانات الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء(16)، ما يعكس قاعدة اقتصادية صلبة تم البناء عليها خلال الزيارة التى شهدت توقيع اتفاقيات فى مجالات الزراعة والعلوم والتكنولوجيا والطيران، وتعميق التعاون فى سلاسل الغذاء والتخزين واللوجيستيات(17). وقد توجت هذه الدينامية بإطلاق إطار شراكة استراتيجية بين البلدين، يشمل بحث إنشاء منطقة لوجيستية برازيلية فى المنطقة الاقتصادية لقناة السويس تخدم تجارة الحبوب وإعادة التصدير إلى إفريقيا والعالم العربى، فى تقاطع مباشر بين مسار «بريكس» ومسار توسيع الحضور المصرى فى الأسواق اللاتينية(18).

فى موازاة ذلك، تعمل مصر على تطوير علاقات واعدة مع المكسيك، خارج إطار «بريكس» ولكن ضمن رؤية أوسع للتعاون جنوب-جنوب، خاصة فى مجالات الطاقة المتجددة والتعليم والثقافة والتجارة(19)، بما يكمل الفرص التى تتيحها عضوية «بريكس» فى الانفتاح على الاقتصادات اللاتينية الصاعدة(20).

ثالثا- فرص وشراكات من منظور مصرى:

منذ أن اتجهت الدول فى جنوب العالم إلى إعادة تقييم مكانتها الاستراتيجية، ظهرت أمام مصر فرصة للتوسع فى العلاقات مع أمريكا اللاتينية. ومن منظور تحليلى، يمكن تفصيل الفرص فى عدة محاور، مع ملاحظة أن القيمة المضافة هى مفتاح التفوق.

١- الزراعة والأمن الغذائى:

يعد الأمن الغذائى فى مصر إحدى أهم الأولويات للمستقبل. إن استيراد الحبوب، والزيوت، واللحوم، والدواجن عبر اتفاقيات طويلة الأجل مع مورد مستقر، يعد خيارا تنمويا. تبرز، فى هذا السياق، دول مثل البرازيل، والأرجنتين، وكولومبيا كمصادر محتملة. من منظور مصرى، يعنى الدخول إلى سلسلة توريد أكثر استقرارا توقيع عقود تتضمن معايير صحة وبيطرة، وآليات لوجيستية تربط موانئ أمريكا الجنوبية بموانئ البحر الأحمر أو المتوسط، ما يختصر الزمن ويقلل التكلفة. هذا ليس مجرد استيراد، بل شراكة إنتاجية وإمدادية.

٢-الطاقة المتجددة والموارد:

مع التنسيق العالمى نحو الحياد الكربونى، تمتلك أمريكا اللاتينية موقعا مهما فى الانتقال الطاقى عبر الوقود الحيوى والطاقة الشمسية والرياح. ويمكن لمصر، التى بلورت رؤيتها فى الطاقة المتجددة، أن تستفيد من الشراكة التقنية أو الإنتاجية مع دول مثل البرازيل أو تشيلى. هذه الشراكة إما عبر نقل تكنولوجيا أو عبر مشروع مشترك فى إنتاج وضخ الطاقة أو الوقود الحيوى. من المنظور الاستثمارى، فإن دخول سوق فى أمريكا اللاتينية بخبرتك التنموية وقدراتك الجغرافية يعطى قيمة استراتيجية مزدوجة.

٣- المعادن الحرجة والتصنيع:

نظرا للتوجه العالمى نحو السيارات الكهربائية والبطاريات، فإن دولا، مثل تشيلى وبيرو والأرجنتين باتت أكثر اهتماما بالليثيوم والنحاس. من منظور القاهرة، ليس الهدف أن تصبح مصر منجما، بل أن تستشرف شراكة فى المعالجة أو التصنيع الوسيط، أو أن تكون حلقة وصل بين مورد خام فى أمريكا اللاتينية وسوق إفريقيا/الشرق الأوسط. يتطلب هذا الأمر بناء القدرات: اتفاقات توريد طويلة الأجل، ومصانع معالجة أو تجميع، وضمان معايير بيئية واجتماعية، وبذلك تتحول العلاقة من «مصدر خام» إلى «شريك قيمة».

٤- الخدمات اللوجيستية والتعليم والثقافة:

بين مد وجزر فى العلاقات الدولية، تمثل البنية التحتية اللوجيستية والتعليمية عنصرا حاسما. من منظور مصرى، يمكن أن تبنى الدولة جسرا خدماتيا بين أمريكا اللاتينية وإفريقيا/الشرق الأوسط عبر مراكز لوجيستية، ومناطق تجمع، وشركات نقل متعددة الجنسيات. كذلك، فإن التعاون فى التعليم (تبادل طلاب، وجامعات مترابطة، وبرامج ثقافية) يعزز الثقة ويهيئ بيئة أعمال أكثر سلاسة. هنا، تكمن القيمة ليس فقط فى التجارة، بل فى «الشبكة».

رابعا- مسارات عملية لتعزيز التعاون العربى-اللاتينى فى مرحلة دولية متغيرة:

فى ضوء التحولات الدولية الراهنة، وتزايد أهمية توسيع دوائر التعاون العربى فى أمريكا اللاتينية، تبرز مجموعة من التوصيات العملية التى يمكن أن تشكل إطارا متكاملا لتعزيز الشراكة السياسية، والاقتصادية، والثقافية بين الجانبين، منها:

١- إعادة تفعيل الحوارالعربى-اللاتينى:

تتطلب المرحلة الراهنة إعادة تفعيل إطار الحوار العربى-اللاتينى عبر صيغة محدثة تعيد انتظام الاجتماعات الوزارية وتنشئ مسارا مؤسسيا مستداما يجمع الحكومات ومراكز الفكر والجامعات، بما يسمح بصياغة رؤية مشتركة للتعاون السياسى، والاقتصادى، والثقافى بين الجانبين. يستند هذا المسار إلى تاريخ ممتد للحوار بين المنطقتين، بدأ مع انعقاد القمة العربية-الجنوب أمريكية فى برازيليا عام ٢٠٠٥، التى أرست لأول مرة منصة رسمية للتنسيق فى الملفات الدولية وتطوير الشراكات الاقتصادية والثقافية، وتبعتها اجتماعات وزارية رفيعة المستوى وجولات لموظفين حكوميين كبار فى القاهرة وريو دى جانيرو، وحققت تقدما فى مجالات التجارة والتعليم والتعاون الفنى(21). كما أعادت مبادرة حديثة أطلقتها اليونسكو عام ٢٠٢٢ فى مدينة ساو باولو، لدعم التفاعل الثقافى والاجتماعى بين العرب وأحفاد الجاليات العربية فى المنطقة، وتسليط الضوء على الخلفية الاجتماعية والثقافية الواسعة التى تدعم هذا الحوار(22). ومن ثم، فإن تحديث هذا الإطار لا يعد استعادة لمسار توقف فحسب، بل خطوة استراتيجية نحو بناء شراكة أكثر فاعلية بين منطقتين رئيسيتين فى الجنوب العالمى، تجمعهما رؤى متقاربة بشأن التنمية، وإصلاح النظام الدولى، وتوسيع آفاق التعاون المتعدد الأطراف.

٢- تطوير الهياكل المؤسسية للتجارة والاستثمار العربى-اللاتينى:

فى موازاة إحياء هذا المسار السياسى، يصبح تطوير البنية الاقتصادية للتعاون العربى-اللاتينى ضرورة عملية، من خلال الارتقاء بدور الغرف التجارية المشتركة وتوسيع نطاقها لتشمل دولا أخرى فى المنطقة، على غرار نموذج الغرفة العربية-البرازيلية فى القاهرة. ويساعد تعزيز هذه الأطر فى إيجاد شبكات مصالح واقعية تربط مجتمع الأعمال فى الجانبين، وتشجع على إقامة مكاتب تمثيل تجارى عربية فى مراكز اقتصادية رئيسية، مثل ساو باولو ومكسيكو سيتى وبوينس آيرس. كما يتيح تطوير منصات رقمية مشتركة للتجارة والاستثمار تبادل المعلومات وفرص الأعمال بصورة أكثر فاعلية، ويدعم مشاركة الشركات الصغيرة والمتوسطة فى سلاسل الإمداد، بما يسهم فى بناء شراكات اقتصادية مستدامة تستفيد من القدرات الصناعية والتكنولوجية الكبيرة فى دول أمريكا اللاتينية.

٣- ترسيخ شراكة استراتيجية عبر قمة عربية-لاتينية على مستوى القادة:

تشكل الدعوة إلى عقد قمة عربية-لاتينية على مستوى القادة خطوة محورية لتطوير هذا المسار على نحو شامل، خاصة فى ظل اشتداد التنافس الدولى فى أمريكا اللاتينية وتنامى حضور قوى إقليمية ودولية متعددة. وتوفر القمة إطارا سياسيا جامعا يمكِّن من تنسيق المواقف فى القضايا المطروحة على أجندة الأمم المتحدة من خلال التشاور المسبق وتبادل المعلومات بطريقة تضمن استقلالية القرار الوطنى وتعزز التفاهم المشترك داخل منظومة العمل المتعدد الأطراف. بالإضافة إلى بُعدها السياسى، تتيح القمة فرصة لإطلاق برامج تعاون اقتصادى واستثمارى، والاستفادة من القدرات الصناعية والتكنولوجية فى دول، مثل البرازيل والمكسيك والأرجنتين، وربط هذه الجهود بمبادرات ثقافية وأكاديمية طويلة الأجل تعكس العمق الحضارى للمنطقتين. أيضا، من شأن هذا الإطار القيادى الجديد أن يرسخ شراكة أكثر توازنا واستدامة، وأن يعزز قدرة الجانبين على التعامل مع التحولات الجيوسياسية، وفتح قنوات تعاون تعود بالمنفعة المباشرة على الدول العربية ودول أمريكا اللاتينية على حد سواء.

٤- أهمية التعامل مع الأزمات الدولية الطارئة:

كالتي تمر بها فنزويلا حاليا من خلال الأطر الثلاثة السابقة أعلاه، وبحيث تكون للمجموعة العربية سيناريوهات للتعامل مع مثل هذه التطورات علي عدة مستويات سياسية، واقتصادية، وأمنية، وبشكل جماعي بما يعزز أمنها القومي، ويحافظ علي مصالح الإقليم ويؤكّد الثوابت والأسس التي تحكم علاقاته الدولية ومع القوي العظمي ، فضلا عن إعداد دراسات استشرافية تأخذ في الاعتبار الانعكاسات الاسترتيجية العميقة المترتبة علي تراجع دور المنظومة الأممية والقانون الدولي، وما يستتبعه ذلك من ضرورة وضع سياسات عربية لا تعتمد علي مجرد رد الفعل فقط بل تحافظ علي القدرة علي المبادرة استنادا إلى القدرات والثروات العربية البشرية، والمادية، والثقافية .. الخ والتي تمكن الإقليم من الثبات وسط هذا الكم الهائل من التحديات الدولية والإقليمية.

الهوامش:

(1) R. Evan Ellis et al., How Are the United States and China Intersecting in Latin America?, 25 September 2024, https://2h.ae/yhpdf

(2) Mustafa Özşahin and Segâh Tekin, ‘Israel’s Latin America Policy: A Reappraisal’, Israel Journal of Foreign Affairs 14, no. 2 (2020): 241- 57.

(3) Paulo Botta, ‘Türkiye -Latin America Relations’, Centro Studi Di Politica Internazionale, no. 21 (May 2023): 1- 14.

(4) ‘The Mercosur’, State Information Service, Government of Egypt, 24 November 2023, https://2h.ae/isaDi

(5) Azza Kamal, ‘Potential Impacts of Mercosur-Egypt Free Trade Agreement’, Business and Economic Research 7, no. 2 (2017): 282-98.

(6) Heba Ghoneim et al., Egypt-Mercosur FTA: A Complementarity Analysis, April 2021,

      https://2h.ae/qCWnf

(7) ‘Tariff Reductions under the Seventh Stage of Egypt-Mercosur Free Trade Agreement’, Deloitte, 2 October 2023, https://2h.ae/iYLpi

(8) Analysis of the Impact of the MERCOSUR Agreement (Egyptian Exporters Association, 2025), 1-33, https://2h.ae/dFWJt

(9) ‘The Ministry of Trade and Industry and the Brazilian Arab Chamber of Trade Endorse a Memorandum of Understating to Establish a Representation Office for the Chamber in Cairo’, Ministry of Investment and Foreign Trade, 30 September 2021, https://2h.ae/nlBcy

(10) Order of Entry and Resolution (Updated March 6, 2020) (Organization of American States, 2020), https://2h.ae/BPuXH

(11) Permanent Observers, 2025, https://2h.ae/wqtgg

(12) OAS 2023 Programming: Forging Partnerships for the Peoples of the Americas (Organization of American States, 2023), https://2h.ae/QMVGT

(13) وزير الخارجية يجتمع بسفراء دول أمريكا اللاتينية والوسطى والكاريبى,

      State Information Service, 11 September 2025, https://2h.ae/kkPLc

(14) ‘Arabs, Descendants Are 6% of Brazil’s Population: Survey’, Brazil-Arab News Agency, 22 July 2020, hhttps://2h.ae/MOCoT

(15) Dyaa Helmy, Egypt’s Relations with BRICS: One Year after Joining the Group - Future Perspectives (The Egyptian Cabinet Information and decision Support Center, 2025), 1- 16, https://2h.ae/yGTOO

(16) ‘Trade Exchange between Egypt, Brazil Hit Dlrs 3.4 Billion in 2023’, The Egyptian Gazette, 16 February 2024, hhttps://2h.ae/yLhQZ

(17) ‘Brazil, Egypt Ink Deals during Lula’s Official Visit’, Brazil-Arab News Agency, 15 February 2024, https://2h.ae/VOzQf

(18) وزير الخارجية يجتمع بسفراء دول أمريكا اللاتينية والوسطى والكاريبى، مرجع سابق.

(19) ‘Mexico’, State Information Service, 11 September 2023, https://2h.ae/oetpv

(20) Amr Yehia, ‘INTERVIEW: My Priority Is Strengthening “Already Robust” Bilateral Relations with Egypt - Mexican Ambassador’, Ahram Online, 16 March 2024, https://2h.ae/VjuLd

(21) ‘South American and Arab Countries Summit’, United Nations, 2005, https://2h.ae/EmMtj

(22) ‘“Arab Latinos!” Initiative Promotes Intercultural Dialogue for Social Cohesion’, UNESCO, August 2022, https://2h.ae/yGYAV

- الموضوع ضمن ملف عدد مجلة السياسية الدولية - يناير 2026

طباعة

    تعريف الكاتب

    السفير د. سامح أبوالعينين

    السفير د. سامح أبوالعينين

    أستاذ العلاقات الدولية بكلية الدراسات الدبلوماسية- جنيف، عضو المجلس المصرى للشئون الخارجية