لا يُمثل سوق العاصمة طهران مجرد فضاء تجاري تقليدي، بل يُعد أحد المؤشرات الحساسة على الاستقرارين الاقتصادي والسياسي في إيران، إذ إن أي اضطراب داخله سرعان ما يتجاوز طابعه المعيشي ليتحول إلى رسالة سياسية ذات صدى واسع. من هذا المنطلق اكتسبت الإغلاقات والاحتجاجات التي شهدتها مناطق متفرقة من السوق من "چهارسو"، و"باساج"، و"علاء الدين" إلى أجزاء من سوق طهران الكبير، و"شوش"، و"لالهزار"، و"سعدي"، دلالات تتجاوز الاحتجاج على الأسعار، لتعبر عن أزمة ثقة متنامية في بنية الاقتصاد وقدرة الدولة على ضبطه.
وقد تزامنت هذه التحركات مع تسجيل الريال الإيراني مستوى قياسيًا غير مسبوق في السوق غير الرسمية يوم الأحد 28 ديسمبر 2025، متجاوزًا حاجز 1.4 مليون ريال للدولار، مقارنة بنحو 820 ألف ريال قبل عام واحد فقط، في مؤشر صارخ على عمق الاختلال النقدي وتداعياته المباشرة على التجار وبيئة الأعمال، التي باتت تعيش حالة من الشلل والترقب والسخط المتراكم.
انعكاسات احتجاجات البازار في إيران:
لا يمكن قراءة التدهور الحاد في قيمة العملة الوطنية الإيرانية بمعزل عن السياق السياسي الأمني الأوسع، ولا سيما تداعيات حرب "الاثني عشر يومًا" وما أفرزته من تصاعد في منسوب المخاطر السياسية، إلى جانب دخول قرار مجلس الأمن رقم 2231 حيز التنفيذ مجددًا، بما أعاد الاقتصاد الإيراني إلى دائرة الضغوط القصوى. وقد أدت هذه العوامل مجتمعة إلى زيادة الطلب على العملات الأجنبية، وتسارع وتيرة فقدان الثقة بالريال، وتراجع مبيعات عدد من السلع المستوردة، الأمر الذي أفقد السوق الإيرانية أحد أهم مقوماتها التقليدية، القدرة على التكيّف والاستقرار.
وبحسب وكالة "إيسنا" شبه الرسمية، اتسمت الاحتجاجات داخل السوق بطابع محدود النطاق، إلا أنها ترافقت مع تراجع غير مسبوق في النشاط التجاري داخل بعض الممرات، حيث فضل عدد كبير من أصحاب المحال تعليق معاملاتهم مؤقتًا تفاديًا لخسائر محتملة، في مؤشر على عمق القلق السائد داخل البازار، بوصفه بيئة شديدة الحساسية تجاه تقلبات سعر الصرف وعدم اليقين الاقتصادي.
ورغم اعتراف الحكومة الإيرانية منذ الأيام الأولى بجدّية هذه الاحتجاجات، ومنحها التجار شرعية الاعتراض على تدهور الأوضاع المعيشية، فإن هذا الاعتراف لم يُترجم حتى الآن إلى إجراءات إصلاحية ملموسة لاحتواء الأزمة. واقتصر التعاطي الرسمي عمليًا على تغيير في الواجهة النقدية، المتمثلة في تعيين وزير الاقتصاد الأسبق في الحكومة الرابعة عشرة، عبد الناصر همتي، محافظًا للبنك المركزي الإيراني خلفًا لمحمد رضا فرزين، من دون تقديم رؤية واضحة لمعالجة اختلالات السياسة النقدية أو استعادة الثقة بالريال.
ومع دخول الاحتجاجات يومها التاسع، اتسعت دائرة التفاعلات السياسية والميدانية، في ظل مواقف رسمية رافضة لما تصفه طهران بالتدخلات الأمريكية والإسرائيلية في الشأن الداخلي الإيراني. تزامن ذلك مع تحول جزئي في شعارات المحتجين من المطالب المعيشية إلى شعارات ذات طابع سياسي، إلى جانب تصاعد أعمال الشغب وتخريب بعض المنشآت العامة، وارتفاع عدد القتلى في صفوف المتظاهرين وقوات التعبئة التابعة للحرس الثوري، مما أضفى على المشهد بُعدًا أمنيًا أكثر تعقيدًا.
في هذا السياق يمكن القول إن لجوء حكومة بزشكيان إلى سيناريو توسيع الاعتماد على أنماط المقايضة، على مستوى الأفراد أو الأسواق المحلية، على غرار تجارب لبنان، وروسيا، وفنزويلا خلال الفترة 2022–2024، قد يوفّر للنظام قدرة محدودة على الصمود المؤقت، من خلال تخفيف الضغط الداخلي وتأمين السلع الأساسية ومنحه هامشًا زمنيًا لإدارة الأزمة. غير أن هذا المسار، رغم قدرته على امتصاص الاختناق الآني، لا يمس الجذور البنيوية للغضب الشعبي، ولا يوقف مسار التآكل المستمر في قيمة العملة الوطنية.
وعليه فإن المقايضة تمثل خيارًا للبقاء لا للتعافي، وإذا ما جرى تكريسها كبديل دائم، فإنها تعني عمليًا اعترافًا ضمنيًا بالخروج التدريجي من منظومة الاقتصاد العالمي، بما يحمله ذلك من كلفة سياسية واجتماعية مرتفعة على المديين المتوسط والطويل، وقدرة محدودة على احتواء تداعياتها داخليًا.
غير أن اتساع دائرة التفاعلات السياسية والميدانية داخل البازار، وما رافقه من تحول جزئي في شعارات المحتجين من مطالب معيشية إلى شعارات ذات طابع سياسي، إلى جانب تصاعد أعمال الشغب وتخريب بعض مؤسسات الدولة، أضفى على المشهد بُعدًا أمنيًا بالغ الحساسية. إذ إن تسييس البازار يمثل تهديدًا مباشرًا للتحالف التاريخي بين نظام الجمهورية الإسلامية والطبقة التجارية، وهو ما يُعدّ خطًا أحمر في العقل الأمني الإيراني.
وفي هذا السياق قررت القيادة الإيرانية اعتماد مقاربة أكثر احتوائية في التعاطي مع تجار البازار، ومقرةً بوجود تقصير في إدارة الأزمة. وفي خطوة محسوبة، أدخل البرلمان الإيراني، خلال جلسته المنعقدة يوم الأحد 5 يناير 2025، وأثناء مناقشة مشروع موازنة عام 2025م – 1405هـ.ش، جملة من التعديلات المهمة، من أبرزها:
1- إلغاء الزيادة المقترحة في ضريبة القيمة المضافة، ورفع نسبة نمو الأجور من 20٪، التي اقترحتها الحكومة، إلى 43٪ بشكل تدريجي.
2- تعديل آلية الزيادة التدريجية لرواتب الموظفين، وتخصيص 8.8 مليار دولار من العملة التفضيلية لاستيراد السلع الأساسية، مع إلزام الحكومة بتقديمها للمواطنين على شكل قسائم سلعية.
3- حصر العملة التفضيلية في القمح والدواء، مع تخصيص 290 ألف مليار تومان لشراء القمح ضمن نظام الشراء المضمون.
4- تعزيز الشفافية فيما يتعلق بمصادر العملة الأجنبية المتأتية من صادرات النفط.
5- تخصيص 170 ألف مليار تومان لمواءمة وتحسين رواتب المتقاعدين.
وقد أُقرت هذه التعديلات بعد التنسيق مع الحكومة داخل اللجنة المعنية بضبط القرار المالي، وتقليل احتمالات رفض القوانين من قبل مجلس صيانة الدستور أو إحالتها إلى مجلس تشخيص مصلحة النظام.
في المجمل تشير هذه الإجراءات بوضوح إلى محاولة الدولة الإيرانية تخفيف الضغوط المعيشية وضبط الاختلالات الاجتماعية، مع الإبقاء على السيطرة السياسية والاقتصادية في يد مؤسسات الحكم، وهي معادلة تقليدية لطالما حكمت بنية صنع القرار المالي في إيران، وإن كانت قدرتها على إنتاج الاستقرار باتت موضع اختبار متزايد.
إضراب أم إغلاق أم تجمع احتجاجي؟
تبنت عدة وسائل إعلام فارسية ناطقة من الخارج، من بينها "بي بي سي فارسي"، و"إيران إنترنشنال"، و"إيران واير"، و"من وتو"، و"يورونيوز"، و"إندبندنت فارسي"، توصيف "الإضراب" عند تغطية تحركات بعض تجار السوق خلال الأيام الماضية. ويكتسب هذا الاختيار دلالة سياسية واضحة، إذ يفترض وجود فعل منظم ومقصود ذي طبيعة جماعية، وهو توصيف يختلف جوهريًا عن مصطلحات أكثر حيادًا، مثل "تجمع" أو "إغلاق مؤقت".
في الإعلام النفسي لا يُعد اختيار المصطلحات فعلًا لغويًا بريئًا، بل يمثل إحدى أدوات تشكيل الوعي وتوجيه الإدراك الجمعي. فالكلمات لا تنقل الحدث فحسب، بل تُحمله مسبقًا بإطار تفسيري محدد. واستخدام مفردات، مثل "إضراب" أو "تظاهر" بدلًا من "تجمع" يزرع لدى المتلقي إحساسًا بالتصعيد السياسي والتنظيم المسبق، حتى قبل التحقق من طبيعة الحدث على الأرض أو مدى اتساعه واستمراريته.
في هذا السياق تبرز قناة "إيران إنترنشنال" بوصفها الأكثر إصرارًا على استخدام مصطلح "الإضراب" عند تغطية مقاطع الفيديو الخاصة بتجمعات متفرقة داخل العاصمة. فعلى سبيل المثال، ذكرت القناة في تغطية تجمع محدود يوم الأحد 28 ديسمبر 2025 أن تجار "باساج علاء الدين" وباساج "چهارسو" التجاري أغلقوا محالهم احتجاجًا على ارتفاع سعر الدولار، ودعوا باقي التجار للانضمام إلى الإضراب. وفي اليوم التالي أفادت بأن تجار شارع "لالهزار" أغلقوا محالهم بدورهم احتجاجًا على اضطراب سوق الصرف، و"انضموا إلى الإضراب".
وبينما ذهبت بعض الوسائل إلى الحديث عن "دعوات للإضراب"، التزمت وسائل إعلام فارسية أخرى بقدر أكبر من التحفظ في توصيف المشهد. فقد كتبت "بي بي سي فارسي" أن مقاطع الفيديو والتقارير الواردة من طهران تشير إلى خروج تجار وأصحاب محال في مناطق مختلفة إلى الشوارع، أو إغلاق المحال كليًا أو جزئيًا، ووصفت ذلك بأنه اليوم الثاني للاحتجاج على تسجيل أسعار الصرف مستويات قياسية، من دون الجزم بوجود إضراب شامل أو منظم.
أما "صوت أمريكا"، فقد قدمت توصيفًا مختلفًا، إذ اعتبرت هذه التحركات رد فعل نقابيا، مشيرة إلى أن الانهيار المتسارع في قيمة الريال والتقلبات الحادة في سوق الصرف سلبت التجار فعليًا القدرة على التسعير وإجراء المعاملات، مما دفعهم إلى تعليق نشاطهم الاقتصادي بوصفه إجراءً دفاعيًا أكثر منه تحركًا سياسيًا مباشرًا.
في المقابل استغلت وسائل إعلام محسوبة على المعارضة الملكية في المنفى، مثل "من وتو"، هذه التطورات لإعادة تدوير خطاب سياسي مسبق، عبر إعادة نشر رسالة سابقة لرضا بهلوي دعا فيها إلى الإضرابات والعصيان المدني بالتوازي مع الاحتجاجات في الشوارع بهدف إسقاط الجمهورية الإسلامية. ويعكس هذا التوظيف الإعلامي رغبة واضحة في نقل التحركات من مستواها المعيشي والاقتصادي إلى مسار تعبوي أوسع، بغض النظر عن طبيعتها الفعلية أو حدودها الواقعية.
بهذا المعنى لا تكمن أهمية الجدل حول "الإضراب" في التوصيف اللغوي ذاته، بل فيما يكشفه من صراع على تعريف الحدث وتوجيه دلالاته.
احتجاجات شعبية أم مؤامرة خارجية؟
تُشير وكالات الأنباء الإيرانية، وخاصة وكالة "فرارو" الإصلاحية ووكالة "تسنيم" المقربة من الحرس الثوري، إلى أن السرديات التي تصنعها وسائل الإعلام المعادية تسعى لربط الأزمة المعيشية بالسياسة الخارجية والضغوط الدولية. هذه الرواية لا تعكس الواقع الفعلي للاحتجاجات بدقة فحسب، بل قد تسهم أيضًا في تصعيد التوتر النفسي داخل المجتمع، لا سيما مع دخول عناصر مثيرة للشغب على خط الاحتجاجات في غالبية المحافظات الإيرانية. ويبدو أن بعض القوى الخارجية تحاول استنساخ نموذج تحول المشهد الاحتجاجي خارج إطاره السلمي والمطلبي، عبر إدخال العنف واستهداف مؤسسات الدولة، مما يؤدى إلى توتر شعبي واسع، بما يتيح لقوى مثل المعارضة الملكية في المنفى إعادة طرح نجل الشاه السابق كرمز بديل محتمل في حال أي تفكك للدولة.
أما تهديدات الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بشأن التدخل لحماية المتظاهرين من القمع، وإعلان جهاز الموساد الإسرائيلي -في سابقة غير مألوفة داخل منظومة الاستخبارات الإسرائيلية- عن نشاطه داخل إيران لإسقاط النظام، فتنسجم مع توجهات استراتيجية أوسع، وردت في الوثيقة الصادرة عن المعهد اليهودي للأمن القومي الأمريكي(JINSA) في أكتوبر 2025، التي دعت صراحة إلى إسقاط الجمهورية الإسلامية.
ورغم هذه الضغوط والرهانات، تكشف المؤشرات الميدانية في إيران عن نتيجة عكسية حتى الآن. ويبرز ذلك بوضوح في مشهد الذكرى السنوية السادسة لمقتل قائد فيلق القدس قاسم سليماني، في 1 يناير 2019، حيث ظهر تماسك لافت بين قطاعات من تجار البازار ومناصري النظام في مواجهة مثيري أعمال العنف. هذه المعطيات تشير إلى قدرة الدولة الإيرانية على تحويل لحظات الاضطراب إلى أدوات لإعادة إنتاج التماسك الرمزي والسياسي، بدل أن تتحول إلى مدخل لتفكك داخلي.
إيران تجدد شرعيتها عبر الاحتجاجات:
صباح يوم السبت 2 يناير 2026، أعلن القائد الإيراني الأعلى، علي خامنئي، خلال استقباله جمعا من عوائل الشهداء، بأن الحكومة منفتحة على التحاور مع المحتجين، أما العناصر المثيرة للشغب فلا جدوى من الحوار معها، ويجب إيقافها عند حدها، واصفًا إياهم بأنهم محرضون ومرتزقة تابعون للعدو، ووقفوا خلف التجار، ورددوا شعارات معادية للإسلام، ومعادية لإيران، ومعادية للجمهورية الإسلامية.
ولا يمكن اعتبار اختيار لقاء عوائل الشهداء مسرحًا لهذا الخطاب تفصيلًا بروتوكوليًا عابرًا، بل يعكس توظيفًا واعيًا للذاكرة الرمزية المؤسسة للنظام، وربطًا مباشرًا بين أي اضطراب داخلي وبين "الدم المؤسس" للجمهورية الإسلامية. وبهذا المعنى يُعاد تأطير الاحتجاج من كونه تعبيرًا اجتماعيًا أو اقتصاديًا إلى كونه تهديدًا يمس جوهر الشرعية الثورية والعقائدية للنظام.
في السياق نفسه منحت حادثة القبض على الرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو، على يد وحدة المهام الخاصة الأعلى في الجيش الأمريكي "دلتا" القيادة الإيرانية فرصة إضافية لتوطيد خطاب التهديد الخارجي، وتعزيز سرديتها حول استهداف الأنظمة المناوئة للولايات المتحدة، بما يخدم إعادة إنتاج خطابها السياسي والأمني في الداخل.
وهكذا يندرج المسار الأمريكي القائم على محاولة الضغط غير المباشر وربط الاحتجاجات بمطالب سياسية، دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة، ضمن ما تناولتهُ سابقًا في مقالتي المعنونة "الاستراتيجية الأمنية الإيرانية الجديدة: مقاربة رفع تكلفة المواجهات المحتملة"، المنشورة في 27 أكتوبر 2025 بمجلة السياسة. إذ تسعى واشنطن، وفق هذا النهج، إلى إنهاك الخصم من الداخل بدل تحمّل كلفة الصدام المباشر.
في المقابل أظهرت الخطوات الإيرانية التي أعقبت حرب "الاثني عشر يومًا" أن طهران نجحت في فرض كلفة استراتيجية مرتفعة على أي خيار عسكري محتمل، سياسيًا، وعسكريًا، واقتصاديًا، بما جعل خيار المواجهة المفتوحة أقل جاذبية للخصوم. وهو ما يفسّر، إلى حدّ بعيد، ميل التحركات الأمريكية والإسرائيلية الأخيرة إلى أدوات الضغط غير المباشر، والحرب النفسية، وتدوير السرديات، بدل الانخراط في عمليات واسعة النطاق.
خاتمة:
في المحصلة يبدو من تأجج الاحتجاجات السلمية في إيران، إلى أعمال شغب، أن جهاز الموساد ووكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية(CIA) لديهما خطط للاحتجاجات في إيران، ويعملان على تسليح المتمردين كإحدى طرائق الضغط على النظام وإضعافه.
ومع ذلك أثبتت التجارب التاريخية لنظام الجمهورية الإسلامية مثلما حدث في احتجاجات 2019، بعد رفع أسعار المحروقات، ومظاهرات مهسا أميني 2022، أن الدولة الإيرانية لديها قدرة على تحويل لحظات الاضطراب إلى أدوات لإعادة إنتاج التماسك الرمزي والسياسي، بدل أن تتحول إلى مدخل لتفكك داخلي.
وهو درس بالغ الدلالة لكل من يراهن على تفكيك الداخل الإيراني عبر الضغط الخارجي، دون إدراك طبيعة النظام العقائدية وخبرته التاريخية في استثمار الأزمات بدل الانهيار تحت وطأتها.