مقالات رأى

متوالية الصراع.. الآثار الاقتصادية للحرب فى غزة

طباعة

لن تكون هناك تنمية مستدامة فى ظل أطماع سياسية متطرفة، ومخططات استئثار بالمكاسب، وإفقار للآخر. والمحاولات العنصرية لاقتناص  الثمار والاحتماء خلف الأسوار، تخلق القهر وتدفع نحو الانتقام الذى يؤجج الصراع، ويأكل الأخضر واليابس.

وفقا لتقرير خبراء صندوق النقد الدولى بعد زيارتهم للضفة الغربية وغزة فى أغسطس 2022 فإن الاقتصاد الفلسطينى قد شهد تعافيا قويا خلال عام 2021، وإن استمرت معاناته من الارتفاع المزمن فى معدلات البطالة والفقر لا سيما فى قطاع غزة الذى يتأثر سلبا بمستوى التقدم البطىء فى جهود إعادة الإعمار التى أعقبت القصف الإسرائيلى فى مايو 2021، فضلا عن معاناة القطاع من القيود الإسرائيلية المفروضة على حركة الأشخاص والسلع. وفى أغسطس 2023 رصد خبراء الصندوق استمرار الآفاق القاتمة للاقتصاد الفلسطينى وسط اضطراب الأوضاع السياسية والأمنية ما عمق من الارتفاع المزمن فى معدلات الفقر والبطالة، وعزز توقعاتانخفاض نصيب الفرد من الدخل تدريجيا على المدى المتوسط، واستمرار اتساع الفجوة الكبيرة فى مستويات المعيشة بين الضفة الغربية وغزة، وتم ربط إمكانية التحسن بتخفيف القيود الإسرائيلية على الحركة والدخول والاستثمار، وتسريع وتيرة تنفيذ مشروعات إعادة الإعمار،وتنفيذ إصلاحات مالية. وجميعها أمور يصعب تنفيذها على أرض الواقع بالصورة التى تحقق تحسنا حقيقيا فى حياة المواطنين فى قطاع غزة الذى يعانى انسدادا فى جميع الآفاق السياسية والاقتصادية.

بينما فى إسرائيل نجد أنه وفقا لتقرير صندوق النقد الدولى الصادر عقب مشاورات المادة الرابعة مع إسرائيل فى يونيو 2023 فإنه تُوقع أن يتباطأ النشاط الاقتصادى الإسرائيلى لعام 2023 مع تراجع القوة الشرائية للأسر وكبح الشركات للاستثمار، وارتفاع الدين العام إلى نحو 294,7 مليار دولار بنهاية عام 2022، بعد أن سجل نحو 335,7 مليار دولار بنهاية عام 2021، وعلى خلفية اتفاقات إبراهام للسلام اتجهت إسرائيل للتصدى لتحدياتها الاقتصادية منفردة بحيث تحصل على الثمار وحدها دون أن تتحسن أوضاع المواطن الفلسطينى، ويتجلى ذلك فى مخططات التنمية كمشروعات الطاقة المتجددة، والممر الاقتصادى المقترح لربط الهند بأوروبا عبر الإمارات والسعودية وإسرائيل، وغيره من مشروعات المستقبل التى تركز إسرائيل على ألا تصل ثمارها للفلسطينيين لا سيما مواطنى قطاع غزة، وهذه هى المعضلة الحقيقية المتمثلة فى الرغبة والتخطيط لتحقيق رخاء انتقائى، لتكون النتيجة متمثلة فى اضطرابات تعصف بالأخضر واليابس، لتكرر إسرائيل أخطاءها ويتحول مسلكها التنموى إلى خسائر جسيمة لها وللمنطقة وللعالم أجمع؛ حيث كان من نتاج سعى إسرائيل للاستحواذ على الأرض والاقتصاد وتحويل مسار التفاوض مع الفلسطينيين إلى معادلة "السلام مقابل الطعام"، أن تعمق الشعور بالقهر لدى الأجيال الجديدة من الفلسطينيين، لترفض الأمر الواقع لتشتعل عمليات أكتوبر 2023 العسكرية، التى تشير التقديرات إلى أنها ستسبب خسائر فى الميزانية الإسرائيلية بنحو 1,5% من الناتج المحلى الإجمالى بما يعادل نحو 6,8 مليار دولار خلاف الخسائر المستقبلية حال استمرار تفاقم الأوضاع لا سيما فى قطاعى السياحة والغاز، وهما القطاعان اللذان سيتأثرن سلبا فى كل من مصر والأردن اللذين سيتضرران من تلك الحرب بصورة خاصة، وبصورة عامة مع الكثير من دول العالم التى ستتعمق معاناتها الاقتصادية مع ارتفاع أسعار النفط الذى سجل ارتفاعا بنحو 4%، وارتفاع أسعار الغاز الطبيعى بنحو 5% خلال الأسبوع الأول من الحرب، ما سيترتب عليه مزيد من ارتفاع فى أسعار عناصر الإنتاج ليزداد التضخم العالمى المرتفع من الأساس، وتزداد سرعة وقوع الاقتصاد العالمى فى مصيدة الركود.

بينما سنجد مستفيدين من تلك الحرب وهى الدول المصدرة للنفط والغار التى ستحقق مزيدا من الوفورات التى ستدفعهم الأحداث إلى توجيه جانب كبير منها لمشروعات إعادة الإعمار بعد هدوء الحرب. ولكن إن لم يتم الوصول إلى حل سياسى يتضمن مقاربة تضمن السلام الدائم والشامل وتفتح الأفق لتحسين حياة كل الأطراف فسنجد أنفسنا أمام استمرار لمتوالية الصراع الدائرية بين الحرب وإعادة الإعمار، التى أصبحت تؤثر بالسلب فى البسطاء فى كل أنحاء العالم الذين يدفعون ثمن الصراع الجيوسياسى لحربى غزة وأوكرانيا، وغيرهما من نزاعات العالم.

لم ينجح البحر المتوسط فى حماية أوروبا من غزوات الهجرة غير الشرعية التى يقوم بها الباحثون عن حياة لا تتوافر لهم فى أوطانهم، ولن تنجح الأسوار، أو المناطق العازلة فى حماية إسرائيل ما دامت مصممة على ضمان حياة الرفاهية داخل أسوارها فقط، ويجب عليها أن ترصد حقيقة أن نجاح التنمية الأمريكية فى أنها لم تفرق بين الولايات أو المواطنين، ونجاح التنمية الصينية تمثل فى نموذجها العادل بين كل مناطق الصين لأكثر من خمسين عاما، وامتدادها بحثا عن التعاون العادل مع العالم الخارجى. ويجب على الجميع أن يعلم أنه فى ظل عالم متشابك الأبعاد لن ينجو فريق دون الآخر، والبداية تكون بالتسوية والمقاربة السياسية العادلة، والتعاون المحلى والإقليمى الذى يضمن الحياة والتنمية للجميع.

 

 

طباعة

    تعريف الكاتب

    د.وليد عبد الرحيم جاب الله

    د.وليد عبد الرحيم جاب الله

    خبير الاقتصاد والمالية العامة، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد والإحصاء والتشريع