من المجلة - المقــــــــــــالات

أي حوار وطني تحتاج إليه مصر؟ .. مقاربة لأولويات المجتمع والدولة فى المرحلة المقبلة

طباعة

فيما يعكس إدراكا من قبل القيادة السياسية فى مصر لأهمية تعزيز التوافق الوطني فى المرحلة المقبلة، دعا الرئيس عبدالفتاح السيسي خلال حفل إفطار الأسرة المصرية، يوم 26 أبريل الماضي، لإدارة «حوار سياسي» مع كل القوى بدون استثناء ولا تمييز. وفيما أكد الرئيس المصري خلال تصريحاته فى هذه المناسبة أن «خطوات (النظام السياسي) كانت ثابتة وراسخة وعزيمتنا لا تلين من أجل تحقيق البقاء والبناء لمصرنا العزيزة».
يبدو أن هذه الدعوة تستهدف:
1- محاولة تعزيز الوفاق الوطني لأقصى مدى ممكن فى مواجهة ما يبدو أنه تصاعد خطير فى التحديات النابعة من البيئتين العالمية والإقليمية، خلال المرحلة المقبلة.
2- قطع الطريق أمام أي محاولات للمزايدة السياسية من قبل بعض الأطراف التي تجاوزها المشهد السياسي ودينامياته فى السنوات القليلة المقبلة، ومحاولاتها لاستعادة بعض وهج الحضور من خلال إثارة الجماهير ضد أعباء عملية الإصلاح الاقتصادي.
3- توقع حدوث موجة جديدة من محاولات الاختراق الخارجية للصف المصري، أو الضغط على الإرادة المصرية من قبل أطراف إقليمية ودولية، فى ضوء الصراع المتنامي بين القوى الكبرى، الذي يتوقع أن تكون منطقة الشرق الأوسط ومصر فى القلب منها أحد محاوره الرئيسية فى المرحلة المقبلة.
لكن تحليلا دقيقا لتطور السياسة المصرية منذ بداية سبعينيات القرن العشرين، والتي شهدت محاولة تخلٍ واضحة عن النهج التنموي والسياسي الذي ساد قبلها، يكشف أن بعض القوى والنخب السياسية، التي كانت سببا فى تخبط مصر تنمويا وسياسيا طوال عقود متوالية، كثيرا ما سعت لاستغلال أي دعوات للحوار السياسي لإعادة إنتاج حضورها السياسي بغض النظر عن مدى كفاءة أدائها لدورها النخبوي أو تعبيرها حقيقة عن الإرادة العامة للجماهير فى مصر بتنوعاتها ومشاربها المختلفة. أفضى سعي هذه النخب التي تحلقت حول نظامي الرئيسين السابقين أنور السادات وحسني مبارك، سواء فى مواقع الموالاة أو المعارضة، لإعادة إنتاج حضورها بشكل دائم من خلال خلق شبكات مصالح معقدة واحتكارية، أو من خلال المزايدة السياسية والاستقواء بقوى خارجية، لحالة الفوضى التي بدأت تشهدها البلاد فى السنوات الأخيرة من حكم الرئيس مبارك وحتى ثورة 30 يونيو 2013، وهي الفترة التي شهدت تحديات لاستقرار الدولة والمجتمع فى مصر.
سيحاول هذا المقال بيان بعض المخاطر التي قد تطرحها محاولة استغلال هذه الدعوة من قبل البعض لتحقيق مصالح فئوية محدودة على حسابات المقاصد الوطنية العامة التي تتوخاها دعوة الرئيس السيسي، وسيطرح المقال تصورا لمتطلبات إدارة حوار وطني فاعل يضمن تعزيز الوفاق الوطني المصري والاستجابة للتحديات الحقيقية التي تواجهها الدولة المصرية بما يضمن إصلاحا حقيقيا للبنية السياسية والتنموية فيها.
أولا- محاولات الاستيلاء على الحوار الوطني:
اتسم أداء جزء كبير من النخب المدنية الحاضرة على الساحة المصرية حاليا، والتي حاولت تصدر الفضاء المجتمعي فى مصر، فى مجالاته المختلفة السياسية والاقتصادية بل وحتى الثقافية، منذ ثمانينيات القرن الماضي، بعدد من السمات الأساسية:
1- الفشل فى إدارك طبيعة التحولات الجوهرية التي بدأت تشهدها مصر منذ سبعينيات القرن العشرين ومتطلبات إدارتها بشكل فاعل وكفؤ، وذلك نتيجة إما عدم القدرة على تحديد طبيعة التحديات التي يواجهها المجتمع المصري وعواملها الجوهرية، أو تعريف القدرات الحقيقة للمجتمع وأنسب أدوات توظيفها، أو فهم السياقات الإقليمية والدولية التي عجزت حركة المجتمع والدولة فى مصر عن مواكبتها.
2- النفعية السياسية، حيث يفتقر جزء كبير من تلك النخب إلى الالتزام الوطني أو المبدئي، حيث لجأ الكثير من أفرادها لخدمة مصالح أطراف أجنبية، ولو على حساب المصلحة الوطنية المصرية، أو ممالأة السلطة السياسية حتى على حساب المبادئ والتصورات الفكرية التي كثيرا ما روجت لها هذه النخب. برز ذلك بوجه خاص عقب انتقال مصر من النموذج الاشتراكي الذي طبق فى ستينيات القرن العشرين إلى نموذج شبه رأسمالي منذ سيعينيات هذا القرن، وبرز بشكل أخطر مع ممالأة جزء غير كبير من النخب المصرية المحسوبة تقليديا على اليمين الرأسمالي أو حتى التيارين الليبرالي واليسار الاشتراكي للرهان الأمريكي المتزايد على الإسلام السياسي، خاصة تنظيم الإخوان الإرهاربى، منذ العقد الأول من القرن الحالي، وهو ما برز فى تأييد عناصر مهمة وبارزة من تلك النخب لمشروع تمكين تنظيم الإخوان  عقب الاضطرابات السياسية التي شهدتها مصر عام 2011، وهو المشروع الذي كان يتعارض فى جوهره مع هوية المجتمع المصري والمقوم الوطني للدولة المصرية.
3- أدت السمتان السابقتان (الفشل والنفعية السياسية) إلى السمة الثالثة للأداء النخبوي المصري، وهي الانفصال بين النخبة والجماهير وافتقار المجتمع المصري لوجود قادة رأي حقيقيين قادرين على التأثير بشكل جوهري فى الرأي العام وتحريكه. ونتيحة لهذا الانفصال، أصبح الخطاب الثيوقراطي الذي يعتمد على تسييس الدين وتديين السياسة والقوى التي تتبناه وتتصدر مشهده هي الأوسع تأثيرا فى المجتمع، ما أشاع حالة من التبعية اللاعقلانية لتلك القوى، وكرس ثقافة أصولية وتمييزية بين قطاعات واسعة من الجماهير.
رغم الإقرار بأنه من المجحف تعميم هذه السمات على كل أفراد النخبة المصرية، فإن أداء النخب المصرية فى عمومها وعجزها عن إيجاد حلول ناجعة للكثير من التحديات التي واجهت مصر منذ ذلك التاريخ يؤكد غلبة هذه السمات الثلاث على أداء النخبة المصرية فى عمومها، وتجسيدا مثاليا لما سماه المؤرخ الشهير أرنولد توينبي فى اقترابه المهم «التحدي والاستجابة»، بـ «ضعف القوة الخلاقة» للنخبة، الذي ينذر حال استمراره بتفكك بنيان المجتمعات ومن ثم بانهيارها. تكرست التحديات التي تواجه المجتمع المصري حتى باتت عبئا ثقيلا يعيق تطور الدولة والمجتمع فى مصر واستمرار وتيرة تحديثها بمعدلات تتواءم مع احتياجات المجتمع المصري من جهة، أو مع تسارع التحديث والتطور فى الكثير من مناطق العالم ودوله من جهة أخرى. ويمكن ملاحظة تجليات هذا الجمود، الذي أفضى إلى تدهور نسبي فى مكانة مصر الإقليمية والدولية خلال العقود التي امتدت منذ سبعينيات القرن العشرين وحتى ما قبل ثورة 30 يونيو 2013، فى عدد من المؤشرات، أبرزها:
1- الضعف النسبي فى نمو الناتج المحلي الإجمالي المصري (مقدرًا بالأسعار الجارية واستنادًا لبيانات البنك الدولي)، حيث تضاعف نحو 11.2 مرة ليرتفع من نحو 23.52 مليار دولار عام 1980 إلى نحو 288 ملياراً عام 2013، مقابل نمو الناتج المحلي الإجمالي المجمع لبعض الاقتصادات الناشئة والنامية بمعدلات أكبر من ذلك خلال الفترة نفسها، حيث ارتفع الناتج المحلي للبرازيل على سبيل المثال بنحو 16 مرة ليرتفع من نحو 145.8 مليار دولار عام 1980 إلى نحو 2470 ملياراً عام 2013، كما تضاعف الناتج المحلي الإجمالي لكوريا الجنوبية نحو 15.15 ليرتفع من نحو 65.3 مليار دولار إلى نحو 1050 ملياراً عام 2013، فيما تضاعف الناتج المحلي لسنغافورة بنحو 24 مرة ليرتفع من نحو 12 مليار دولار عام 1980 إلى نحو 307.5 مليار دولار عام 2013، لكن الأكثر لفتا للانتباه هو تضاعف الناتج المحلي للصين بنحو 908 ليرتفع من نحو 303 ملياراً عام 1980 إلى نحو 2750 ملياراً عام 2013.
تكشف هذه المقارنة السريعة أن معدل نمو الناتج المحلي المصري كان أقل من معدلات نمو اقتصادات ناشئة ونامية كانت أوضاعها الاقتصادية مشابهة لأوضاع مصر الاقتصادية مطلع ثمانينيات القرن العشرين، بل وحتى أدنى من وضع الاقتصاد المصري عند تلك النقطة التاريخية. وستبدو الفجوة أكثر وضوحا إذا ما قورنت الأرقام المطلقة للناتج المحلي الإجمالي، بحسب ما يتضح فى (الجدول رقم 1).
جدول رقم 1

جدول رقم (1)

فيما تكشف أرقام الجدول السابق التراجع النسبي المتواصل فى مكانة الاقتصاد المصري، مقيسًا بحجم ناتجه المحلي الإجمالي، فإن دلالات هذا التراجع وآثاره لم تقتصر على الشق الاقتصادي، ولكن برز عدد من الدلالات والآثار الجسيمة لهذا التراجع، يمكن تحديد أبرزها فيما يلي:
أ- المسار الذي انتهجته مصر خلال فترة المقارنة وما أفضى إليه من مردود كان أبعد ما يكون عن مسار النهوض الذي انتهجته دول باتت من الاقتصادات الرائدة على مستوى العالم، مثل الصين والهند.
ب- أفضى هذا التقدم الاقتصادي المحدود نسبيا إلى تدهور فعلي فى مستوى حياة المواطن المصري مقارنة بالعديد من مواطني الاقتصادات الناشئة والنامية، والتي كان معدل نصيب الفرد فى بعضها من الناتج المحلي الإجمالي أقل من نصيب الفرد فى مصر حتى مطلع سبعينيات القرن العشرين (انظر الجدول رقم 2). انعكس أثر هذا التراجع النسبي فى مستوى الحياة فى مصر، مقارنة بما شهده العالم من تطورات خلال العقود الماضية، على العديد من الظواهر الاجتماعية والسياسية والثقافية السلبية، من أبرزها تصاعد معدلات الهجرة –سواء المنظمة أو غير المنظمة- إلى خارج مصر، خاصة من قبل العناصر الشابة أو ذات الكفاءة المهنية والعلمية المتميزة، وتراجع درجة الحصانة الثقافية للمجتمع المصري وقدرته على التفاعل الإيجابي والمتوازن مع الأنماط الثقافية الواردة من الخارج عبر قنوات مختلفة، وتزايد درجة عدم الرضا السياسي وعدم الثقة فى قيم العلم والعمل والمثابرة، وأخيرا، ازدياد مؤشرات العنف المجتمعي المختلفة.
جدول رقم 2

جدول رقم (2)

ج- لا يمكن فصل هذه الإدارة الضعيفة للملف الاقتصادي فى مصر، والانعكاسات الاجتماعية والسياسية والثقافية لها عن أداء ودور النخب السياسية والاقتصادية، سواء القريبة من السلطة أو حتى المعارضة لها، إذ بينما عجزت الأولى عن تقديم رؤى عملية فاعلة وكفؤ تنهض بالاقتصاد المصري وتحسن إدارة تحولاته، ومن ثم تعزز قدرته على الوفاء باحتياجات الدولة والمجتمع، بل ومواكبة ما أنجزته دول أخرى ناشئة ونامية خلال هذه العقود، فإن النخب المعارضة انتهجت نهج المزايدة السياسية من خلال إعادة طرح تصورات أيديولوجية، سواء يسارية أو إسلامية هدفت لمجرد دغدغة عواطف الجماهير ورفع سقف تطلعاتها دون أن يكون لها أدنى نصيب من الفاعلية، أو الكفاءة، أو حتى الواقعية.
2- ضعف تعميق الصناعة فى مصر، حيث تكشف المقارنة أنه بينما بلغ حجم الناتج الصناعي فى مصر (بالأسعار الجارية) نحو 47.9 مليار دولار عام 2013، فإن هذا الرقم بلغ فى حالة الهند، فى العام ذاته، نحو 283.21 مليار دولار، وفى حالة كوريا الجنوبية نحو 380.89 مليار دولار، وفى حالة البرازيل نحو 263.19 مليار دولار، أما بالنسبة للصين، فقد بلغ ناتجها الصناعي عام 2013 نحو 2.94 تريليون دولار. وتبدو المفارقة فى أن هذا الفارق فى الناتج الصناعي بين مصر وكل تلك الاقتصادات الناشئة والنامية، باستثناء الصين، كان يتراوح بين بضعة مليارات و25 مليار دولار فى أقصى مدى لهذا الفارق، مطلع سبعينيات القرن العشرين، مقارنة ببضعة مئات من المليارات فى عام 2013. أما فى حالة الصين، فإن هذا الفارق كان يبلغ عام 1974 نحو 300 مليار دولار، قبل أن يتسع ليبلغ نحو عشرة أضعاف هذا الرقم عام 2013. لا يقتصر أثر هذا الضعف النسبي فى ترسيخ الصناعة وتعميقها خلال العقود الأربعة التي امتدت منذ حرب أكتوبر 1973 إلى عام 2013، على تقليص فرص تحقيق طفرات ضخمة فى الناتج المحلي الإجمالي مثلما حققت العديد من التجارب التنموية التي شهدتها اقتصادات ناشئة ونامية فى آسيا وأمريكا اللاتينية، ولكن امتدت الآثار إلى ما يلي:
أ- إضعاف معدلات التحديث التي كان يشهدها المجتمع المصري فى مختلف مناحي الحياة خلال الفترة التي شهدت محاولات إنجاز تحول صناعي كبير فى مصر منذ مطلع ثلاثينيات القرن العشرين وحتى نهاية ستينيات هذا القرن. ومن أخطر تداعيات تراجع نزعة التحديث فى مصر تراجع مكانة العلم وعدم إمكانية تأسيس مجتمع معرفى قادر على مواكبة الثورات المعرفية والتقنية التي شهدها العالم منذ سبعينيات القرن العشرين.
ب- إبقاء مصر أسيرة اقتصاد زراعي تقليدي لا يمكنه مجابهة متطلبات النمو السكاني المتسارع ما أسهم فى خلق ظواهر سلبية، مثل ارتفاع معدلات النزوح الداخلي الواسعة النطاق وغير المنظمة باتجاه القاهرة، تزايد معدلات ترييف المدن وتجريف الأراضي الزراعية وارتفاع معدلات البطالة.
ج- إهدار كفاءة استخدام الموارد فى مصر، خاصة المائية والبشرية، فى ظل ضعف القيمة المضافة للاقتصاد الزراعي التقليدي.
3- التراجع النسبي فى مكانة مصر الثقافية والفنية والإعلامية فى المحيطين العربي والإفريقي. وقد برزت مؤشرات هذا التراجع فى حجم الإنتاج من جهة، وفى مدى تأثيره فى هذين الفضاءين من جهة أخرى، لكن الأكثر خطورة أن العقل المصري ذاته أصبح عرضة لتأثيرات ثقافية أو إعلامية سلبية قادمة من الخارج.
ثانيا- تعظيم جدوى الحوار الوطني:
تراهن العديد من عناصر النخب التي برزت على سطح المشهد السياسي فى مصر خلال العقود الممتدة منذ سبعينيات القرن العشرين وحتى عام 2013 على طرح مطالب ذات طبيعة سياسية تسمح لها إما بالعودة لدائرة الضوء السياسي والإعلامي أو الحصول على مكاسب سياسية أو اقتصادية، وهو ما يكشفه خطاب المطالبة بحصص سياسية الذي واكب دعوة الحوار الوطني وبدأ يردده عدد من عناصر هذه النخب التي تجاوزها وعي الجماهير وحركتها، ما ينذر ليس فقط بمحاولة جديدة لاستغلال هذا الحوار الوطني بهدف إعادة إنتاج الحضور السياسي لبعض عناصر هذه النخب، ولكن الأخطر هو إبعاد الجماهير الواسعة وتغييب همومها الحقيقية عن هذا الحوار، ورفع تكلفته السياسية دون مردود حقيقي يسهم فى تعزيز الوفاق الوطني وخلق حالة تواصل أفضل مع الجماهير، وإيجاد استجابات أكثر فاعلية وكفاءة للتحديات التي تواجهها مصر حاليا والمتوقع تفاقمها فى المستقبل المنظور. وفى الواقع، فإن استقراء خبرة الفشل النخبوي والتنموي الذي سبقت الإشارة لبعض ملامحه، يجعل من القضايا الملحة والأهداف ذات الأولوية التي ينبغي أن يعني بها أي حوار وطني ما يلي:
1- إتاحة فرصة لبناء نخبوي جديد فى مصر يتجاوز الملمحين الأخطر الذين أفضيا لكثير من مظاهر التدهور المختلفة التي شهدتها مصر منذ سبعينيات القرن العشرين، وهما استمرار حالة الفصام بين الجماهير والنخب السياسية والاقتصادية والثقافية، والنفعية السياسية التي تحيد بمن يتصدرون المشهد النخبوي فى مصر عن القضايا الحقيقية والملحة للمجتمع وللدولة. وتبدو تلك المسألة ملحة فى ضوء عاملين:
أ- القدر الكبير من الارتجالية وانعدام الوعي فى حركة الجماهير الذي قاد لإشاعة فوضى واسعة فى البلاد خلال الفترة التي أعقبت أحداث يناير-فبراير 2011، وحتى الاستعادة العسيرة والعالية التضحيات لحضور الدولة الفاعل عقب ثورة 30 يونيو.
ب- عدم ترك المجال واسعا لعمليات بناء الوعي المشوه التي تننشر عبر وسائط التواصل الاجتماعي المختلفة حاليا، أو الاستغراق فى انتماءات طائفية وإثنية أولية كبديل عن غياب النخب الوطنية الحداثية المندمجة عضويا مع الجماهير.
2- البحث عن نهج تنموي جديد وفاعل وتشاركي يقود حركة الدولة والمجتمع فى مصر خلال العقود المقبلة. وفى الواقع، فإن هذه المسألة ترتبط ارتباطا عضويا بالهدف السابق، حيث لا يمكن إنجاز بناء نخبوي جديد من دون تمكين طبقي وسياسي للجماهير الواسعة التي ظلت مغيبة وعازفة طوال عقود طويلة عن المشاركة السياسية الفاعلة والحقيقية، لا يمكن إنجاز هذا التمكين الطبقي دون تمكين تنموي يوسع قاعدة المشاركة فى بناء التصور التنموي لمصر، والمشاركة فى ديناميته، وفى اقتسام عوائده الأصيلة، وليست المتساقطة، مثلما اصطلح على تسمية نمط توزيع عوائد النمو المرتفع نسبيا الذي حققته مصر بين عامي 2003 و2007. وتزداد أهمية هذا العنصر فى ضوء:
أ- استنفاد نموذج الاقتصاد الزراعي/النهري التقليدي لقدرته التنموية، وهو ما بدأت تبرز مؤشراته بشكل جلي منذ ثلاثينيات القرن العشرين قبل أن تتأكد خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين.
ب- عدم التوازن التنموي الواضح بين أقاليم البلاد المختلفة، وهو ما انعكس فى موجات النزوح العشوائية باتجاه العاصمة، وازدياد فرص انتشار الاتجاهات الفكرية والحركية المتطرفة فى المناطق الأقل تنمية، وبين الفئات الأكثر تهميشًا.
من خلال اعتناء الحوار الوطني بهاتين المسألتين يمكن المراهنة، ليس فقط على استعادة الجماهير لمشاركة سياسية فاعلة ومستدامة وغير ظرفية تعزز الاستقرار السياسي والوفاق الوطني وتخلق قادة رأي حقيقيين يعبرون بصدق عن قطاعات مجتمعية واعية ومنظمة ومتجانسة، وإنما أيضا على تحقيق هدفين آخرين:
1- تعزيز وعي الجماهير بمغزى جهود الدولة التي تسارعت منذ بدء ولاية الرئيس عبدالفتاح السياسي لتوسيع النطاق التنموي والعمراني لمصر من خلال مشاريع تعزيز البنية الأساسية ومد شبكة الطرق والمواصلات إلى مناطق ظلت غير مأهولة فى مصر لمئات، إن لم يكن آلاف، السنين. ويسهم ذلك فى رفع طاقة تحمُّل أعباء الإصلاح الاقتصادى واللوجيستي المتسارع والذى يتم إنجازه فى سباق مع الزمن، فى ظل تسارع مشاريع التطوير الاقتصادي واللوجيستي المنافسة لمكانة مصر الجيواقتصادية واللوجيستية، والتي تمتد شرقا حتى وسط آسيا، وشمالا حتى نطاق المحيط المتجمد الشمالي.
2- تعزيز إدراك الدولة لقدرات الجماهير، وأفضل السبل لتوظيف طاقاتها، ومن ثم ترشيد المشروعات التي تتبناها الدولة لتصبح أكثر توازنا بين متطلبات تعزيز البنية الأساسية واللوجيستية، من جانب، وضرورة تعزيز الطاقة الإنتاجية للجماهير وللاقتصاد فى مجمله من جانب آخر، ورفع كفاءة آليات وقنوات توزيع عوائد التنمية لتشمل أكبر قطاع من الجماهير فى كل أنحاء مصر.
ثالثًا- تصور مقترح لماهية الحوار الوطني المطلوب:
فى ضوء ما سبق، فإن حوارا على قاعدة وطنية حقيقية، وليس مجرد قاعدة سياسية تنحاز لهذ الطرف أو ذاك، يتعين أن يراعي الأمور التالية فى تحديد مبناه وآلياته ودينامياته، وفى صياغة أهدافه وغاياته:
1- أهمية أن يكون الحوار واسع النطاق قدر الإمكان، وألا ينحصر فى إطار نخبوي ضيق، يعيد تكريس الفشل النخبوي الذي عانته مصر لعقود طويلة، ويمكن تحقيق هذا الهدف من خلال:
أ- تأسيس الحوار الوطني ليصبح شاملا لمختلف مناطق الجمهورية ولكل الفئات المجتمعية، وبناء نظام هيراركي يتضمن آليات تمثيلية تتيح نقل الرؤى والمطالب التي يتم طرحها فى المستويات المحلية والإقليمية لمستويات أعلى، وصولا للمستوى الوطني العام.
ب- المزج بين عناصر الخبرة البيروقراطية والتكنوقراطية التي تتولى صنع السياسات من جهة، والمواطنين العاديين وأصحاب المصالح فى كل منطقة وصولا لبناء وعي مشترك بين الحكومة والجماهير.
2- التركيز على بناء قاعدة لـ «شراكة تنموية واسعة ومتوازنة»، من خلال:
أ- اعتماد الحوار المناطقي والإقليمي كإحدى الآليات الرئيسية لرسم خريطة تنموية شاملة مصر، لا تقتصر على تحديد الموارد المتاحة فى كل منطقة، بل أيضا بنية سكان المنطقة ومشكلاتهم واحتياجاتهم ورؤاهم لسبل تعزيز استفادتهم من موارد مناطقهم وأقاليمهم، وأخيرًا ترشيد هذه الرؤى من خلال الحوار بين الخبراء والجماهير من جهة أخرى.
ب- بحث بين ممثلي الحكومة والخبراء والجماهير عن أفضل السبل لتعبئة الموارد المالية المحلية التي تتيح استغلال موارد كل منطقة، خاصة فى ظل ضعف تدفق الاستثمار الخارجي المباشر فى المرحلة الراهنة. فى هذا الإطار، يتعين بحث سبل منح أهالي كل منطقة مزايا نسبية فى الوصول للفرص الاستثمارية والتنموية فى مناطقهم، ما يعزز فرص الاستقرار المحلي للسكان، ويقلل ضغوط النزوح نحو مناطق حضرية مكتظة بالسكان.
ج- تحديد أفضل السبل لرفع كفاءة العناصر البشرية فى كل إقليم ومنطقة، من خلال برامج التدريب وإعادة التأهيل المتاحة محليا.
د- مناقشة مقدار التكلفة التي يتعين على المجتمع وكل قطاع من قطاعاته تحملها فى كل مرحلة من مراحل الإصلاح وإعادة البناء، وحزم الدعم التي يمكن تقديمها بشكل عام أو قطاعي لتقليل الآثار السلبية لهذه التكلفة.
3- دراسة كيفية إدراج مخرجات الثورات المعرفية والاقتصادية والتقنية المختلفة فى النشاط الاقتصادي فى كل منطقة من مناطق مصر، ضمانا لرفع القيمة المضافة للمشاريع التي يتم تنفيذها وخفض هدر الموارد من جهة، وتعزيز القدرة التنافسية للإنتاج المصري فى الأسواق الدولية من جهة أخرى، خاصة أنه فى ظل الانخفاض المتواصل للعملة المصرية بات يتعين على الدولة والمجتمع الاستفادة من الميزة النسبية لهذا التدهور وهي تبني اقتصاد موجه فى جزء أساسي من بنيته للتصدير.
4- تجنب أن يكون الحوار السياسي مجالا للمزايدة السياسية بما يتيح تحقيق هدف بعض القوى والنخب السياسية التقليدية، التي لم يعد لها أرضية ووجود حقيقيين لدى الجماهير، حصصا سياسية مجانية على حساب الاستيعاب الحقيقي لمطالب الجماهير الواسعة. ونتصور أنه يتعين أن يركز أي حوار سياسي على بحث سبل فتح الفضاء السياسي لضخ دماء جديدة من العناصر الأكثر حيوية وتأثيرا فعليا فى مناطقها ومحلياتها.
5- تخصيص جزء من الحوار الوطني للقضايا الثقافية، خاصة:
أ- مناقشة سبل تمثيل الفئات المختلفة ثقافيا وحضاريا وتفاعلها على قاعدة وطنية جامعة، ضمانا لعدم انغلاق أي منها على ذاتها، أو استجابتها لأي دعوات تحريضية تأتي من قبل أطراف خارجية.
ب- تأكيد رفض الاتجاهات الدينية المتطرفة التي تسعى لتديين السياسة، وخلق حالة طائفية فى المجتمع، ومحاولة بعض الجماعات ادعاء قداسة لتصوراتها أو تنظيماتها تتيح لها احتكار الفضاءين الديني والسياسي.
6- إدارة حوار حول طبيعة السياقات الاقتصادية والسياسية والمعرفية والثقافية على الأصعدة المحلية والإقليمية والدولية التي تتم فى إطارها عملية الإصلاح الاقتصادي والسياسي وما تتيحه هذه السياقات من فرص أو تفرضه من تحديات، وصولا لبناء توافق عام حول سبل إدارة العلاقة مع الخارج بما يعزز قدرة المجتمع على التوحد فى مواجهة الأزمات المحتمل أن تواجهها الدولة المصرية، وبما يضمن تحصين المجتمع أمام محاولات هندسة وعيه من قبل أدوات الدعاية والإعلام الموجهة من قبل أطراف خارجية معادية أو منافسة.
7- مناقشة سبل تفعيل الحياة الحزبية بشكل حقيقي يضمن تأسيس نخبة جديدة وحقيقية ويتيح استدامة الحوار مع قادة رأي حقيقيين ومعبرين عن الجماهير بشكل فعلي.

طباعة

    تعريف الكاتب

    مالك عوني

    مالك عوني

    مدير تحرير مجلة السياسة الدولية، كاتب وباحث مصري في العلاقات الدولية، مؤسسة الأهرام