كتب - كتب عربية

ضربات متلاحقة: |كيف يرى "الببلاوي" مستقبل الرأسمالية في القرن الـ 21؟

طباعة

أعطى انهيار المعسكر الاشتراكي انطباعا بأن النظام الرأسمالي قد حقق انتصارا محققا لا يجوز التشكيك فيه أو حتي التساؤل بشأنه. ولكن مع ارتفاع سقف التحديات والضربات المتلاحقة التي تعرض لها هذا النظام من أزمات اقتصادية ومالية، فقد أصبح من الضروري التساؤل حول مدى ملاءمة النظام الرأسمالي للأوضاع الحالية، كما أصبح من الملح استقراء مستقبل هذا النظام في ظل تلك التحديات.

يبدأ الاقتصادي المصري البارز د.حازم الببلاوي كتابه " النظام الرأسمالي ومستقبله" الذي صدر عن دار الشروق 2011 بتقديم تعريف مبسط للرأسمالية، يتمثل في كونها ظاهرة ذات أبعاد اجتماعية واقتصادية وتكنولوجية، تجمعت عناصرها في لحظة تاريخية معينة، لاسيما منذ منتصف القرن الثامن عشر حتى ازدهرت في منتصف القرن العشرين، حين سطع نجم الهيمنة الأمريكية على كافة المقدرات الدولية.

ويؤكد الكاتب أن الرأسمالية ليست وليدة نظرية علمية، ولا يوجد كتاب مقدس يحمل مضامينها وملامحها. وبالتالي، فإن مصطلح الرأسمالية يغلب عليه الالتباس بين مختلف أنصار الاتجاه الرأسمالي، على عكس " الاشتراكية"، أو ما يطلق عليها " الاشتراكية العلمية، أو الشيوعية "التي أرسي قواعدها كارل ماركس.

الدولة الحديثة وظهور الرأسمالية:

في إطار معرفة مراحل ظهور وتطور ظاهرة الرأسمالية، توقف الكاتب عند ثلاثة محاور رئيسية، هي:

المحور الأول: الذي يتمثل في مفهوم السوق من خلال ظاهرة المبادلة، حيث أكد الكاتب أنه على الرغم من ظهور ظاهرة المبادلة بين الأفراد في المجتمعات الإنسانية كافة، فإنه لا يمكن القول إن نظام السوق قد ظهر في المجتمعات الإنسانية كافة.

وفي هذا السياق، أكد الكاتب أناقتصاد السوق هو ذلك النظام الاقتصادي الذي تصبح فيه المبادلات هي جوهر النشاط الاقتصادي، بحيث يتم الإنتاج والاستهلاك من خلال السوق.

المحور الثاني: التطور التكنولوجي، خاصة بعد الثورة الصناعية. وهنا، يشير الكاتب إلي حدوث تطورين رئيسيين في تاريخ البشرية أسهما في تطور النظام الاقتصادي نحو الرأسمالية، هما الثورة الزراعية والثورة الصناعية، حيث أسهمت الثورة الزراعية في تكوين الجماعات وبداية نشأة المدن.

أما الثورة الصناعية، فقد أسهمت في تحول الرأسمالية التجارية إلي الرأسمالية الصناعية ثم الرأسمالية المالية.

المحور الثالث: الدولة الرأسمالية ودورها في النشاط الاقتصادي. وهنا، يري الكاتب أن ظهور مفهوم الدولة السياسية الحديثة التي تتمتع بالسيادة الوطنية في أوروبا في القرن الثامن عشر، على أنقاض النظام الإقطاعي، قد أسهم بشكل كبير في توفير مقومات اقتصاد السوق، والتيتتمثل في توافر السوق الوطنية الكبيرة، والبنية المؤسسية والمادية التي لا يمكن توافرها إلا عن طريق الدولة.

ويشير الكاتب إلى وجود حالة من الاتفاق العام حول ما يمكن أن نطلق عليه "الدولة الحارسة"، أو "دولة القانون" في اقتصاد السوق، والتي تقوم بدورها في حماية الأمن الخارجي والداخلي، فضلا عن دورها في ضمان تطبيق العدالة من خلال سيادة القانون.

قضايا الرأسمالية:

ولمزيد من فهم كيفية عمل الرأسمالية، تطرق الكاتب للحديث عن عدد من القضايا التي أثارت جدلا واهتماما كبيرين حول الرأسمالية، يأتي في مقدمتها محاولة التوفيق بين البواعث الشخصية والهدف النهائي من السوق.

وفي هذا السياق، أشار الكاتب إلى أن الحل يكمن في طرح "آدم سميث" الذي يتمثل في "اليد الخفية"، والتي تعني -وفقا لـ"سميث"- أن الفرد في سعيه لتحقيق مصالحه الخاصة، فهو غالبا ما يحقق مصالح الجماعة بشكل أكثر فاعلية مما يمكن تحقيقه عندما يعمل باسم المصلحة العامة.

ولهذا، فيري "سميث" أن تحقيق المصلحة العامة هو نوع من النتائج غير المقصودة للنشاط الخاص للأفراد. وقد فسر ذلك بأن المنافسة بين الأفراد لتحقيق مصالحهم سوف تسفر بطبيعة الحال عن تقديم أفضل خدمة، وهو ما يصب في إطار تحقيق المصلحة العامة.

وتحدث الكتاب عن ضرورة التفرقة بين الاقتصاد الحقيقي أو العيني والاقتصاد المالي. فعلى الرغم من أن المالي ما هو إلا انعكاس للحقيقي، فإن مسألة عدم التفرقة تثير حالة من الخلط الشديد.

وبالتالي، فإن الاقتصاد الحقيقي هو كل ما يشبع الحاجات بصورة مباشرة كالسلع الاستهلاكية أو غير مباشرة كالسلع الاستثمارية، بحيث يعد هذا النوع من الاقتصاد هو جوهر النشاط الاقتصادي والهدف الرئيسي منه. أما الاقتصاد المالي، فهو مجرد رموز للتعبير عن الاقتصاد الحقيقي، مثل ظهور مفهوم الملكية والمديونية.

وعن مستقبل الرأسمالية، يري الكاتب أن النظام الرأسمالي يواجه عدة تحديات تهدد وتقلص كل منها فرص بقائه واستمراريته، يجملها الكتاب في ثلاثة تحديات، هي:-

1- التغيرات الديموجرافية، والتي تتمثل في أمرين، الأول في الزيادة السكانية الكبري في بلدان العالم الثالث الفقيرة. أما الأمر الثاني، فهو ارتفاع معدل الأعمار، وهما الأمران اللذان سوف يؤثران في المسيرة الرأسمالية.

2- القيود البيئية، فالبيئة ومواردها محددوة، وتتناقص بمرور الزمن، وهذا ينفي الفكرة التي كانت سائدة بأن البيئة المحيطة هي مصدر لانهائي لتوفير المواد الأولية. والحقيقة أن أول من طرح فكرة حدود الطبيعة والبيئة كان الاقتصادي الإنجليزي "توماس مالتس"، وهو ما سوف يؤثر بشكل كبير في مستقبل الرأسمالية.

3-الاستقرار المالي، حيث أصبحت مسألة الاستقرار المالي هي الأخري في خطر، وهذا ما كشفت عنه الأزمات الاقتصادية الأخيرة، حيث قامت المؤسسات المالية بالإسراف في إصدار أصول مالية زائفة وغير مستندة إلى اقتصاد حقيقي. وبالتالي، فإذا استمرت تلك المؤسسات في إصدار تلك الأصول بلا حساب، فسوف تكون الأزمات المالية وشيكة وغير مأمونة العواقب

طباعة

    تعريف الكاتب

    أحمد زكريا الباسوسي

    أحمد زكريا الباسوسي

    باحث في العلوم السياسية