أكثر من معظم مناطق العالم، وجدت دول جنوب شرق آسيا نفسها فى خضم التنافس الأمريكى-الصينى المتصاعد. حيث حسمت معظم الدول الكبرى فى أجزاء أخرى من آسيا موقفها بالفعل: أستراليا، واليابان، وكوريا الجنوبية، وتايوان كلها فى المعسكر الأمريكى بقوة، ويبدو أن الهند تتحالف مع الولايات المتحدة، وباكستان مع الصين، ودول آسيا الوسطى تقيم علاقات أوثق مع بكين. لكن معظم دول جنوب شرق آسيا، وهى منطقة يبلغ عدد سكانها ما يقرب من 700 مليون نسمة، لا تزال محل تنافس. فالقوة العظمى التى تنجح فى إقناع دول جنوب شرق آسيا الرئيسية -مثل إندونيسيا، وماليزيا، والفلبين، وسنغافورة، وتايلاند، وفيتنام- بالالتزام الوثيق بخطها لديها فرصة أفضل لتحقيق أهدافها فى أسيا. ومع ذلك، لعقود من الزمن، رفض قادة جنوب شرق آسيا فكرة أنهم مضطرون للاختيار. حتى مع جعل بكين وواشنطن من تنافسهما الحقيقة السائدة فى الجغرافيا السياسية العالمية، ويكرر المسئولون فى المنطقة شعار أنهم يمكن أن يكونوا أصدقاء للجميع. وبالطبع، فهم ليسوا غافلين عن الواقع الجيوسياسى المتغير. وكما قال رئيس الوزراء السنغافورى لى هسين لونج عام ٢٠١٨: "أعتقد أنه من المستحسن جدًا ألا نضطر إلى الانحياز إلى أى طرف، ولكن قد تأتى ظروف تُجبر رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) للاختيار بين أحدهما. آمل ألا يحدث ذلك قريبًا".
تعكس رؤية لى هسين لهذا المأزق آراء معظم دول جنوب شرق آسيا، بل آراء معظم دول العالم أيضًا. وهو يمثل قلقا عميقًا بشأن ضرورات المنافسة بين القوى العظمى. ففى نهاية المطاف، ازدهرت دولة مثل سنغافورة فى عصر العولمة، حيث قدمت نفسها كمركز تجارى مفتوح أمام العالم. أما فيتنام، وهى دولة ديكتاتورية شيوعية ظاهريًا، فقد جعلت من نفسها مركزًا مهمًا للتصنيع العالمى، مُتصلًا بسلاسل التوريد الصينية والغربية. وإندونيسيا والفلبين اللتان كانتا تعانيان من صراعات داخلية، شهدتا نموا ملحوظا فى ناتجهما المحلى الإجمالى منذ عام 2000. وعندما يرفض مسئولو جنوب شرق آسيا فكرة ضرورة اختيارهم لأحد الجانبين، فإنهم فى الواقع يعبرون عن تفضيلهم للنظام العالمى الذى ساد بعد نهاية الحرب الباردة، وهو النظام الذى اتسم بتعميق الروابط الاقتصادية وتراجع التنافس الجيوسياسى.
وفى أعقاب الأزمة المالية 2008-2009، بدأ هذا النظام فى التلاشى. وأصبحت دول جنوب شرق آسيا الآن فى خضم منافسة القوى العظمى. ومع تزايد حدة الخلاف بين الصين والولايات المتحدة فى آسيا، لم تعد دول جنوب شرق آسيا، سواء شاءت أم أبت، بمنأى عن الضغوط المصاحبة لمنافسة القوى العظمى. ومن خلال تحليل مواقف عشر دول فى جنوب شرق آسيا بشأن قضايا متعددة تخص الصين والولايات المتحدة، يتضح أمر واحد: على مدار الثلاثين عامًا الماضية، تحولت العديد من هذه الدول تدريجيًا وبشكل ملحوظ من الولايات المتحدة نحو الصين. بعض هذه التحولات كان أكثر وضوحا وأهمية من غيرها. لقد تمكنت بعض الدول بالفعل من "الموازنة" وتجاوز الخلاف بين القوتين العظميين. ومع ذلك، فإن الاتجاه العام واضح، حيث قد تصر دول جنوب شرق آسيا على الابتعاد عن الانخراط فى النزاع، لكن سياساتها تكشف عكس ذلك. فالمنطقة تنجرف نحو الصين، وهى حقيقة تنذر بالسوء بالنسبة للطموحات الأمريكية فى آسيا.
لعبة القوة:
وفقًا لمؤشر قوة آسيا الصادر عن "معهد لوى"، والذى يقيس القوة النسبية للدول من حيث عدد من المتغيرات، بما فى ذلك القدرة الاقتصادية، والعسكرية، والنفوذ الدبلوماسى والثقافى، وصلت القوة الشاملة للصين إلى نحو 90% من قوة الولايات المتحدة بحلول أواخر العقد الأول من القرن الحادى والعشرين. ويرجع ذلك إلى النمو المذهل الذى شهدته الصين منذ ثمانينيات القرن الماضى، والطريقة التى حوّلت بها بكين إنجازاتها الاقتصادية إلى قوة دبلوماسية وعسكرية، بل وحتى ثقافية. ودفع هذا الصعود الصينى الباحثين الأمريكيين فى التسعينيات إلى التساؤل ما إذا كان ينبغى على الولايات المتحدة احتواء العملاق الآسيوى الصاعد، أو الانخراط معه، وقد فاز دعاة الانخراط بشكل ساحق. ورغم أن إدارتى كلينتون وجورج دبليو بوش شهدتا بعض اللحظات المتوترة مع الصين، إلا أنهما لم تنظرا إليها كعدو. كما أن انشغال واشنطن بحروب الشرق الأوسط بعد أحداث الحادى عشر من سبتمبر أخر إدراكها لخطورة الصين، ولم تدرك الولايات المتحدة التحدى المحتمل الذى تشكله الصين للهيمنة الأمريكية على القارة إلا بعد "التوجه نحو آسيا" الذى اتخذته إدارة أوباما. ومع ذلك، لم يعتبر أوباما الصين منافسًا ندًا أو تهديدًا للأمن القومى، ويعود ذلك فى جزء كبير منه إلى افتراضهم، كما فعل أسلافهم، أن اندماج الصين فى النظام الاقتصادى الذى تقوده الولايات المتحدة سيجعلها أكثر انفتاحا سياسيًا مع مرور الوقت.
تغير هذا الوضع مع انتخاب دونالد ترامب. فقد تخلت إدارة ترامب الأولى عن أى فكرة مفادها أن الصين ستنضم بهدوء إلى النظام الدولى الليبرالى أو أنها ستتبنى إصلاحات سياسية ليبرالية. وقد أدى هذا الموقف، الذى عززه إصرار ترامب على أنه لن يسمح للصين بأن تكون "أكبر" من الولايات المتحدة، إلى تغيير جذرى حيث تعتقد واشنطن الآن أن الصين، التى تزداد قوةً واستبدادًا، تُشكل تهديدًا استراتيجيًا للولايات المتحدة. وقد عبرت وثائق، مثل استراتيجية الأمن القومى لعام "2017"، واستراتيجية الدفاع الوطنى لعام "2018"، وخطابات كبار المسئولين عن رؤية تعتبر الصين أخطر منافس جيوسياسى للولايات المتحدة -بما فى ذلك خطابات نائب الرئيس مايك بنس فى معهد هدسون فى عام 2018، ووزير الخارجية مايك بومبيو فى مكتبة ومتحف ريتشارد نيكسون الرئاسى فى عام 2020- جميعها تصور الصين على أنها أقوى وأخطر منافس جيوسياسى للولايات المتحدة. هذه النظرة استمرت حتى بعد قدوم الرئيس جو بايدن إلى البيت الأبيض. حيث استخدمت إدارة بايدن لغة أكثر هدوءًا، لكن جوهر سياستها ظل كما هو: أعلنت استراتيجية الأمن القومى لبايدن لعام 2022 أن الصين هى "التحدى الجيوسياسى الأكثر أهمية" للولايات المتحدة، و"المنافس الوحيد الذى لديه النية لإعادة تشكيل النظام الدولى، ويمتلك بشكل متزايد، القوة الاقتصادية، والدبلوماسية، والعسكرية والتكنولوجية للقيام بذلك". لكن إدارة بايدن تفوقت على إدارة ترامب من خلال حشد حلفاء الولايات المتحدة بمهارة للمساعدة فى تقييد الصين، كجزء من "المنافسة الشديدة" عبر جميع أبعاد القوة ذات الصلة.
قد لا تدرك حكومات دول جنوب شرق آسيا أنها فى الواقع تنحاز إلى أحد الطرفين:
من المرجح أن تصبح المنافسة الأمريكية-الصينية أكثر حدة وتعقيدًا وخطورة من التنافس الأمريكى-السوفيتى خلال الحرب الباردة. فعلى عكس الاتحاد السوفيتى، الذى كان متأخرًا اقتصاديًا مقارنةً بالولايات المتحدة فى تلك الفترة، تُعدّ الصين منافسًا أكثر قوة. وهناك العديد من نقاط التوتر المحتملة فى آسيا، بما فى ذلك شبه الجزيرة الكورية، ومضيق تايوان، وبحر الصين الجنوبى. ومع ازدياد حدة هذا التنافس، ستسعى كل قوة عظمى إلى ضم أكبر عدد ممكن من الدول إلى صفها، وتعد منطقة جنوب شرق آسيا التى تحظى باهتمام متقلب من العواصم الغربية على الرغم من تعدادها السكانى الضخم ونفوذها الاقتصادى المتنامى، ساحة رئيسية فى هذا التنافس. وبالنسبة لبعض دول المنطقة -وخاصة تلك التى تربطها معاهدات تحالف أو علاقات أمنية قوية مع الولايات المتحدة، مثل الفلبين- فإن خطوط الانقسام واضحة. فهى ترغب فى الحفاظ على علاقات وثيقة مع واشنطن، اعتقادا منها بأن وجود القوة العسكرية الأمريكية فى المنطقة يُسهم فى تحقيق السلام والاستقرار. أما دول جنوب شرق آسيا التى انحازت إلى الولايات المتحدة خلال الحرب الباردة، بما فى ذلك إندونيسيا، وماليزيا، وسنغافورة، وتايلاند، فقد ازدهرت بفضل سهولة الوصول إلى الاستثمارات والأسواق، أما الدول التى انحازت إلى الاتحاد السوفيتى أو الصين -فيتنام على سبيل المثال- فقد شهدت نموًا أبطأ بكثير. وخلال الحرب الباردة، كان من الواضح أن الاتحاد السوفيتى لا يمكنه منافسة الغرب اقتصاديًا. أما اليوم، فيعتقد العديد من سكان جنوب شرق آسيا أن الصين قادرة على منافسة الولايات المتحدة بكل قوة. وليس من المستغرب أن العديد من الدول التى لم تحسم اختيارها بعد بين بكين وواشنطن تفضل عدم الاختيار على الإطلاق، فهى تريد أن تحصل على كل شيء. إن النظرة التقليدية (وإن كانت مبسطة) هى أن دول جنوب شرق آسيا تعتمد على الولايات المتحدة فى الأمن، وعلى الصين فى التجارة، والاستثمار، والنمو الاقتصادى. لكن كلًا من الصين والولايات المتحدة تشعران بالإحباط من هذا النهج المتوازن. فبكين تريد ممارسة نفوذ يتجاوز الجانب الاقتصادى فى المنطقة. بينما تسعى واشنطن فى ظل إدارة ترامب الثانية إلى تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية مع جنوب شرق آسيا، ويعود ذلك جزئيًا إلى تعويضها عن المظلة الأمنية التى بنتها فى آسيا.
لم تُحدد بعد بعض أهم التحالفات الدبلوماسية فى جنوب شرق آسيا. رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، وهى اتحاد يضم عشر دول فى المنطقة، ليس لها موقف موحد تجاه القوتين العظميين، نظرًا لتباين المصالح الوطنية بين أعضائها. وفى الواقع، شكّلت الخلافات حول العلاقات مع الصين والولايات المتحدة اختبارًا لمدى تضامن رابطة دول جنوب شرق آسيا فى الماضى، وستُكرر ذلك فى المستقبل. وللحصول على فهم أفضل للوجهة التى تسير نحوها المنطقة، من الأفضل النظر فى مواقف الدول الأعضاء بشكل فردى استنادا إلى خياراتها السياسية.
الانجراف القارى:
لفهم تحالفات دول رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، درسنا خمسة مجالات للتفاعل بين هذه الدول وكل من الصين والولايات المتحدة: التفاعل السياسى-الدبلوماسى، والعسكرى-الأمنى، والعلاقات الاقتصادية، والتقارب الثقافى-السياسى (أو ما يعرف بالقوة الناعمة)، والإشارات (الرسائل العلنية التى توجهها الدول). تتبعنا أربعة مؤشرات فى كل مجال، ليصل مجموعها إلى 20 مقياسًا للتحالف بشكل عام. فعلى سبيل المثال، فى الجانب السياسى-الدبلوماسى، جمعنا بيانات عن مدى التطابق فى التصويت داخل الأمم المتحدة، وقوة التعاون الثنائى، وعدد الزيارات الرسمية رفيعة المستوى، والعضوية فى التجمعات متعددة الأطراف. أما فى الجانب الاقتصادى، درسنا الواردات والصادرات، والروابط التجارية، ومستويات الدين الخارجى. حيث إن دمج المقاييس يتيح لنا الوصول إلى درجة موحدة لكل دولة. حيث تشير الدرجة صفر إلى التوافق الكامل مع الصين، وتشير الدرجة 100 إلى التوافق الكامل مع الولايات المتحدة. بناءً على هذا المقياس، نعتبر الدول التى تقع ضمن نطاق 45 إلى 55 دولة ناجحة فى استراتيجية الموازنة بين القوتين العظميين.
يُقدّم هذا المؤشر، الذى أطلقنا عليه اسم "مؤشر تشريح الاصطفاف الاختيارى"، نتيجتين رئيسيتين. أولا، عندما تُصرّح دول جنوب شرق آسيا بعدم رغبتها فى الاختيار بين الصين والولايات المتحدة، فهذا لا يعنى أن جميعها فى موقف حيادى. فبمتوسط مواقف التوافق على مدى الثلاثين عامًا الماضية، وجدنا أن أربع دول -إندونيسيا (49)، وماليزيا (47)، وسنغافورة (48)، وتايلاند (45)- يُمكن اعتبارها "موازنين ناجحين"، يبذلون جهدهم للوقوف بين المعسكرين. أما دول آسيان الأخرى فهى أكثر تقاربًا من إحدى القوتين العظميين. إذ إن الفلبين (60) متحالفة بوضوح مع الولايات المتحدة، بينما ميانمار (24)، ولاوس (29)، وكمبوديا (38)، وفيتنام (43)، وبروناى (44) جميعها متحالفة مع الصين.
ثانيًا، عند تقسيم فترة الثلاثين عامًا إلى فترتين زمنيتين مدة كل منهما 15 عامًا، تظهر صورة أكثر ديناميكية لكيفية تغير التحالفات - وهى صورة تصب فى صالح بكين. على سبيل المثال، كانت درجة التحالف فى إندونيسيا للفترة الأولى (1995-2009) (56)، ولكن فى الفترة الثانية (2010-2024) أصبحت (43)، وهو تغيير قدره 13 نقطة لصالح الصين. انتقلت البلاد من كونها قريبة قليلا من المعسكر الأمريكى إلى كونها قريبة قليلا من المعسكر الصينى. وحتى عام 2009، كانت تايلاند موازنة (49)، لكنها مالت منذ ذلك الحين إلى جانب الصين (41). كما اقتربت الفلبين، وهى حليف معاهد للولايات المتحدة، قليلا من الصين حتى مع بقائها فى معسكر الولايات المتحدة، حيث سجلت (62) فى الفترة الأولى و(58) فى الثانية. كما تقدمت ماليزيا (من 49 إلى 46) وسنغافورة (من 50 إلى 45) بشكل طفيف نحو الصين، على الرغم من أنهما لا تزالان ضمن نطاق الدول المتوازنة. وتواصل كمبوديا (من 42 إلى 34)، ولاوس (من 33 إلى 25)، وميانمار (من 24 إلى 23) انجرافها نحو جارتها الشمالية، متحالفةً بقوة مع الصين. الدولة الوحيدة التى ابتعدت قليلا عن الصين واتجهت نحو الولايات المتحدة خلال الثلاثين عامًا الماضية هى فيتنام، وإن لم يكن ذلك بفارق كبير (من 41 إلى 45). وتشير قياساتنا للفترة الأخيرة إلى أن فيتنام على وشك أن تنضم إلى مثال ماليزيا وسنغافورة فى موازنة المعسكرين العظميين.
شد وجذب:
لا يعود انجراف جنوب شرق آسيا نحو الصين إلى عامل وحيد، بل إلى مزيج من العوامل، تشمل الاحتياجات السياسية الداخلية لحكومات جنوب شرق آسيا، وتصورات الفرص الاقتصادية، وقوة الولايات المتحدة، والجغرافيا. ويمكن للسياسة الداخلية أن تلعب دورًا حاسمًا. وتُقدم كمبوديا مثالًا توضيحيًا. فقد أدى انقلاب عام 1997، الذى أوصل زعيم البلاد، هون سين للسلطة إلى تدهور خطير فى العلاقات الأمريكية-الكمبودية، وتحسن فى العلاقات الصينية-الكمبودية. علّقت الولايات المتحدة المساعدات وفرضت حظرًا على الأسلحة على كمبوديا بعد الانقلاب، الذى أدانته لتقويضه الديمقراطية. وفى العقد الثانى من القرن الحادى والعشرين، نددت الولايات المتحدة أيضًا بسجل كمبوديا السيئ فى مجال حقوق الإنسان والفساد. وبسبب هذا التشهير، أصبح نظام هون سين يرى فى واشنطن تهديدًا لأمنه. وليس من المستغرب أن تختار كمبوديا التحالف بشكل أقوى مع الصين، التى تستمد منها دعمًا لا حصر له، ولم تتلقَّ سوى القليل من الانتقادات. تُقدّم بكين لبنوم بنه، استثمارات أجنبية كبيرة ودعمًا سياسيًا ومساعدات عسكرية، كما أنها لا تسعى إلى تقويض شرعية النظام.
تستمدّ العديد من حكومات المنطقة شرعيتها من قدرتها على تحقيق أداء اقتصادى قوى. وقد ساعد هذا أيضًا الصين، التى أصبحت أكبر شريك تجارى لآسيان. تعتقد الأنظمة غير الديمقراطية فى آسيان أن الصين هى الأقدر على دعم احتياجاتها الاقتصادية ورغبتها فى ضمان شرعيتها السياسية. وفيما يتعلق بالاستثمار الأجنبى المباشر، تتخلف الصين عن الولايات المتحدة فى المنطقة، لكنها تلحق بها بسرعة فى العديد من الدول من خلال مبادرة الحزام والطريق، التى موّلت مشاريع بنية تحتية كبرى فى جميع أنحاء العالم.
أجبر هذا الاستثمار العديد من الدول على مراجعة طرقها التقليدية فى رؤية العالم. على سبيل المثال، كان الجيش الإندونيسى متشككًا فى الصين ومتعاطفًا مع الولايات المتحدة خلال الحرب الباردة، وهى ديناميكية تجلّت بشكل مأساوى فى عمليات القتل الجماعى التى طالت الصينيين العرقيين والمتعاطفين المزعومين مع الشيوعية فى ستينيات القرن الماضى. لكن فى العقود الأخيرة، نجحت النخب السياسية الجديدة ومجموعات الأعمال فى دفع أجندة داعمة للنمو. فهم يرون فى الصين مصدرًا للفرص الاقتصادية، لا مصدرًا للتهديد الأيديولوجى. وقد قادوا إندونيسيا نحو الصين من خلال الترحيب بالاستثمارات الصينية، وإجراء زيارات رفيعة المستوى -فى عام 2024، كانت أول زيارة خارجية للرئيس المنتخب حديثًا برابوو سوبيانتو إلى الصين، وفى مايو 2025، قام رئيس مجلس الدولة الصينى لى تشيانج بزيارة متبادلة إلى إندونيسيا- والمشاركة فى مناورات عسكرية مع الصين، وتجنب الممارسة الشائعة المتمثلة فى استهداف الإندونيسيين من أصل صينى ككبش فداء للمشكلات الاقتصادية التى تعانى منها إندونيسيا. لقد أثارت عودة ترامب إلى البيت الأبيض المزيد من القلق بشأن الالتزامات العسكرية والاقتصادية الأمريكية تجاه جنوب شرق آسيا. ويبدو أن إدارة ترامب الثانية عازمة على تحويل مسئولية أمن أوروبا إلى الحكومات الأوروبية. ولا تزال استراتيجية الإدارة فيما يتعلق بالصين وآسيا على نطاق أوسع غير واضحة. وعلى الصعيد الأمنى، تشير زيارة وزير الدفاع بيت هيجسيث فى مارس الماضى إلى الفلبين واليابان إلى أن الولايات المتحدة لا تزال حريصة على تعزيز تحالفاتها الآسيوية، بدءًا من اثنين من أكثر حلفائها ثباتًا فى المنطقة. وبينما تتصارع الفلبين مع الصين بشأن المناطق البحرية المتنازع عليها، ادعى هيجسيث أن التزام الولايات المتحدة تجاه الفلبين "ثابت". لكن تايلاند، وهى حليف رسمى آخر للولايات المتحدة بموجب معاهدة أمنية، لم تكن على جدول أعمال هيجسيث. وكان من شأن اتباع نهج أكثر حكمة، قائم على فهم انحراف تايلاند فى اتجاه الصين، ومصلحة الولايات المتحدة فى وقف هذا الانزلاق، أن يأخذ هيجسيث أيضًا إلى بانكوك.كما سيراقب شركاء استراتيجيون آخرون للولايات المتحدة عن كثب الوجود العسكرى الأمريكى فى جنوب شرق آسيا، سيتعين عليهم إعادة معايرة اعتمادهم الأمنى على الولايات المتحدة وتعاونهم معها إذا خلصوا إلى أن واشنطن من المرجح أن تنسحب من المنطقة. فى عام 2017، أعرب وزير الدفاع الماليزى هشام الدين حسين عن مخاوفه بشأن تلميحات من إدارة ترامب الأولى بأنها قد تقلل من الالتزامات الخارجية للولايات المتحدة. وأعرب عن أمله فى أن تعيد الولايات المتحدة النظر فى تقليص مشاركتها فى منطقة آسيا والمحيط الهادئ. وتابع أنه إذا لم يحدث ذلك، فيجب على رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) أن تكون مستعدة لمسئوليات أمنية أثقل. وفى الآونة الأخيرة، فى أبريل 2025، جادل رئيس الوزراء السنغافورى لورانس وونج بأن "الوضع الطبيعى الجديد" سيكون هو الذى "تتراجع فيه أمريكا عن دورها التقليدى كضامن للنظام الدولى وشرطى العالم". ومع ذلك، لا توجد دولة أخرى مستعدة لسد الفجوة. "ونتيجة لذلك أصبح العالم أكثر تجزئة وفوضى". وقد أثار اعتقاد ترامب بأن عرض القوة العسكرية الأمريكية يخدم المحميين أكثر مما يخدم الولايات المتحدة قلق البعض فى جنوب شرق آسيا. فى فبراير الماضى، أشار نج إنج هين، وزير الدفاع السنغافورى آنذاك، إلى أن صورة واشنطن فى المنطقة قد تغيرت من "مُحرِّرة إلى مُخرِّبة كبرى إلى مُلاكٍ يسعون وراء الربح". وكما قال دبلوماسى كبيرٌ من جنوب شرق آسيا مقيمٌ فى واشنطن، مازحًا لأحدنا بعد كارثة زيارة الرئيس الأوكرانى فولوديمير زيلينسكى إلى البيت الأبيض فى فبراير الماضى: "أوكرانيا لديها معادن حيوية تُقدِّمها. فماذا لدينا؟"على الصعيد الاقتصادى، فرض ترامب تعريفاتٍ جمركيةً "متبادلة" مرتفعةً على دول جنوب شرق آسيا فى أوائل أبريل الماضى. ورغم تعليق هذه التعريفات وغموض مستقبلها، إلا أن هذا التهديد يُخيِّم الآن على اقتصادات المنطقة. لا تخشى دول جنوب شرق آسيا الخسارةَ الجسيمةَ لفرص الوصول إلى الاستثمارات الأمريكية والسوق الأمريكية فحسب، بل تخشى أيضًا تنازل الولايات المتحدة عن قيادتها الاقتصادية -أى تنازلها عن دورها التاريخى فى تشكيل البنية الاقتصادية للمنطقة لصالح دول أخرى. إذا اتضح أن الولايات المتحدة تنسحب اقتصاديًا وعسكريًا من المنطقة، فسيتعين على دولها العشر الاعتماد بشكل متزايد على بعضها بعضا والتعامل مع أستراليا، واليابان، وكوريا الجنوبية بجدية أكبر. لكن هذه الضرورة ستُوازَن، وربما تُطغى، على إغراء الانجذاب نحو الصين.على مستوى أساسى، تُشكل الجيبوتيك القرارات التى يتعين على العديد من هذه الدول اتخاذها. ستشعر الدول التى تشترك فى حدود مع الصين، مثل لاوس، وميانمار، وفيتنام، بالجاذبية الطبيعية لبكين. ومن المؤكد أن ذلك قد يُخفف من وطأة الشكوك أو العداوة التاريخية، كما فى حالة فيتنام، التى صدت غزوًا صينيًا عام ١٩٧٩. لكن القرب الجغرافى قد يقود إلى تقديم تنازلات. ففى ميانمار، أصبح المجلس العسكرى الذى تولى السلطة بعد انقلاب عام ٢٠٢١ يعتمد على الصين فى الدعم الدبلوماسى والتجارى، على الرغم من إدراكه لدعم بكين للجماعات العرقية المسلحة المتمردة التى تعمل فى المناطق الحدودية. أصبحت لاوس تعتمد بشكل شبه كامل على الأموال الصينية لبناء السدود الكهرومائية على طول نهر ميكونج داخل حدودها، وتمثل قروض البنية التحتية من الصين الآن نصف الديون الخارجية التى تكبدتها الدولة غير الساحلية. تساعد الجغرافيا أيضًا فى تفسير سبب اقتراب فيتنام من الولايات المتحدة بحذر فقط. وعلى الرغم من اهتمام واشنطن المعلن برفع العلاقات مع هانوى إلى مستوى "الشراكة الاستراتيجية الشاملة"، إلا أن فيتنام قاومت حتى عام 2023، أى بعد 15 عامًا من إقامتها مثل هذه العلاقة مع الصين. ولا تزال الولايات المتحدة بعيدة، بغض النظر عن شبكتها الواسعة من القواعد العسكرية. وقد يقلل إزالتها من احتمالية التزامها بالموارد والأفراد لضمان السلام والاستقرار فى بحر الصين الجنوبى، إحدى نقاط التوتر الإقليمية الرئيسية، إذا ما وصلت الأمور إلى حدها الأقصى.
التخلى عن الهيمنة:
على الرغم من أن منطقة جنوب شرق آسيا تميل بوضوح نحو الصين، إلا أن أنماط التوافق ليست ثابتة. فالدول قادرة على تغيير توجهاتها بسرعة. على سبيل المثال، فى عهد الرئيسة جلوريا ماكاباجال أرويو من عام 2001 إلى عام 2010، مالَت الفلبين نحو الصين. ثم أعادها خليفتها، بينينو أكينو الثالث، الذى حكم من عام 2010 إلى عام 2016، إلى الولايات المتحدة. أما رودريجو دوتيرتى، الذى خلف أكينو، فقد مال نحو الصين، أما خليفته، فرديناند ماركوس الابن، فقد مال نحو الولايات المتحدة.فى دول جنوب شرق آسيا ذات الأغلبية المسلمة، بما فى ذلك إندونيسيا وماليزيا، دفع الغضب من دعم واشنطن لحرب إسرائيل على غزة الحكومات إلى النأى بنفسها عن الولايات المتحدة، والتشكيك فى استحضار أمريكا لما يُسمى بالنظام الدولى القائم على القواعد. وجد استطلاع رأى أجراه معهد ISEASومعهد يوسف إسحاق فى عام 2024 أن نصف الخبراء البالغ عددهم 2000 خبير تقريبًا الذين استطلعت آراؤهم فى عشر دول فى جنوب شرق آسيا -من الأوساط الأكاديمية، ومراكز الفكر، والقطاع الخاص، والمجتمع المدنى، ووسائل الإعلام، والحكومات، والمنظمات الإقليمية والدولية- اتفقوا على أن رابطة دول جنوب شرق آسيا يجب أن تختار الصين على الولايات المتحدة، قبل عام واحد فقط، كان 61٪ من الذين شملهم الاستطلاع يفضلون الولايات المتحدة على الصين.
إندونيسيا قد تكون فى طريقها إلى التحالف مع الصين:
قد لا تدرك العديد من حكومات جنوب شرق آسيا أنها فى الواقع تنحاز إلى أى طرف. ولأنها تحافظ على علاقاتها مع كلتا القوتين العظميين، فإنها تفترض أن سياستها الخارجية مُحكمة ومتوازنة. تختار ما يناسبها من العروض الأمريكية والصينية. بإمكانها الانضمام إلى مبادرة الحزام والطريق الصينية، وبنك آسيا للاستثمار فى البنية التحتية، واتفاقية التجارة الحرة المعروفة باسم الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة، ومبادرة بكين للتنمية العالمية ومبادرة الأمن العالمى. فى الوقت نفسه، كان بإمكانها المشاركة فى الشراكة عبر المحيط الهادئ التى تقودها الولايات المتحدة (والتى تم التخلى عنها الآن) أو الانضمام إلى الإطار الاقتصادى الهندى-الهادئ من أجل الرخاء الأحدث، وغيره من الخطط الأمريكية المصممة لمواجهة مبادرة الحزام والطريق. كما أنها ترحب باستثمارات القطاع الخاص الأمريكى بصدر رحب. يتجاوز الاستثمار الأجنبى المباشر الأمريكى فى جنوب شرق آسيا الاستثمارات الأمريكية فى الصين، واليابان، وكوريا الجنوبية مجتمعة. ومن خلال مثل هذه الخيارات، قد تصل دولة ما إلى نقطة تحول وتنتهى إلى معسكر أكثر من الآخر دون أن تُدرك أنها تجاوزت الحدود. على سبيل المثال، قد تكون إندونيسيا فى حالة سكون نحو تحالف أوثق مع الصين -ليس نتيجة خيار استراتيجى واعٍ ومتماسك وعظيم، ولكن لأن تراكم خياراتها (مثل انضمامها إلى مختلف المبادرات الصينية متعددة الأطراف) فى قطاعات مختلفة قد يميل بها بمرور الوقت بشكل حاسم نحو بكين.حتى مع صعود الصين وتراجع الولايات المتحدة، فإن سكان جنوب شرق آسيا غير مستعدين للتخلى عن واشنطن. تُظهر استطلاعات الرأى المتتالية أن جنوب شرق آسيا تعتبر الصين القوة الاقتصادية والاستراتيجية الأكثر نفوذا فى المنطقة، متفوقة على الولايات المتحدة بفارق كبير. لكن سكان جنوب شرق آسيا لديهم أيضًا تحفظات كبيرة حول كيفية نشر الصين لهذه القوة. عند سؤالهم عمن يثقون به، صنفت النخب من مختلف قطاعات المجتمع اليابان فى المرتبة الأولى، والولايات المتحدة فى المرتبة الثانية، والاتحاد الأوروبى فى المرتبة الثالثة، والصين فى المرتبة الرابعة بفارق كبير، وفقًا لاستطلاع معهد ISEAS- YusofIshakلعام 2024. بعبارة أخرى، على الرغم من أن الصين ستظلّ منافسًا قويًا ومستمرًا للولايات المتحدة، ورغم أن جزءًا كبيرًا من جنوب شرق آسيا يبدو منجذبًا نحوها، إلا أن بكين لا تزال أمامها الكثير من العمل لتهدئة المخاوف وكسب ثقة دول المنطقة.قد تُسهّل إدارة ترامب الثانية مهمة بكين إذا لم تُخفّض بشكل كبير الرسوم الجمركية العقابية التى فرضتها فى "يوم التحرير" فى الثانى من أبريلالماضىعلى دول رئيسية فى رابطة دول جنوب شرق آسيا، مثل إندونيسيا، وماليزيا، وفيتنام، وإذا لم يحضر كبار المسئولين الأمريكيين اجتماعات رابطة دول جنوب شرق آسيا السنوية، وإذا نفّذت الولايات المتحدة تهديدها بفرض رسوم جمركية بنسبة 100% على الدول التى انضمت (إندونيسيا) أو التى تتجه للانضمام (ماليزيا، وتايلاند، وفيتنام) إلى مجموعة البريكس، وهى تحالف من القوى غير الغربية يضم الصين وروسيا. إذا لم تُغيّر إدارة ترامب نهجها، فستتنازل طواعيةً عن الثقة وحسن النية التى بناها أسلافها فى جنوب شرق آسيا على مدى نصف القرن الماضى.
المصدر: