مقالات رأى

أفكار على مسار التنمية (3): تشوهات هيكل التخلف المتوازن

طباعة

في مجال النشاط الاقتصادي لا يُمكنك أن تسير وحيداً، فإذا كنت فرداً فلابد أن يكون نشاطك مواكباً لمُستجدات السوق الذي توجد فيه، وكذلك الدول يجب أن تواكب تطورات السوق العالمي، وتحالفاته، وتنظيماته حتى تكون جزء، من سوق كبير يضمن لها أكبر قدر من التبادل العادل بين ما تمتلكه زيادة عن حاجتها، وما تحتاجه من الخارج لتلبية حاجات مواطنيها. وقد ارتبط تتطور تنظيم هيكل الاقتصاد المصري الحديث بتطور الاقتصاد العالمي الذي واكبه  خلال القرن التاسع عشر  مُتجهاً نحو الاقتصاد الحر الكامل، مع تراجع كبير لدور الدولة التي اكتفت بتدخلها عند الأزمات الكبرى.

وفي مرحلة أخرى تأثر هيكل الاقتصاد المصري بأزمة الكساد الكبير في نهاية العشرينيات من القرن الماضي ليتم التراجع عن مبادئ الحرية الاقتصادية المُطلقة بصورة مواكبة لتراجعها عالمياً مع الحفاظ على الجوهرة الرأسمالي الذي سيطر بموجبة أثرياء الريف والطبقة الرأسمالية على الثروة، في وجود طبقة متوسطة محدودة، وسواد أعظم من فقراء الفلاحين والعمال.

ومع قيام ثورة يوليو، لم تكن هناك رغبة في تغيير هيكل نظام الاقتصاد الحر، وكان الهدف مقتصر على إضافة نوع من العدالة الاجتماعية، وقد أكد قادة الثورة تمسكهم بخيار الاقتصاد الحر، وقد صرح صلاح سالم وزير الإرشاد القومي بقوله، نحن لسنا اشتراكيين، ولا أعتقد أن اقتصادنا سيزدهر إلا عن طريق المشروعات الحرة. كما صرح الدكتور عبدالمنعم القيسوني (أحد راسمي السياسة الاقتصادية في ذلك الوقت) مؤكداً على تشجيع مصر  ودعمها للمشروعات الحرة، وعلى هذا النهج قدمت حكومات الثورة الكثير من حوافز  وضمانات الاستثمار للقطاع الخاص إلا أن ذلك لم يُقابل إلا بتخارج سريع لرءوس الأموال الأجنبية، وتشكك فى الرأسمالية الوطنية وعدم تعاطيها مع الحوافز المُقدمة لها، في الوقت الذي كان التعاون مع مؤسسات التمويل الدولية يتطلب القيام بإجراءات تضر بشعبية النظام الوليد. وفي ظل هذه الضغوط، كانت الدول الاشتراكية تُحقق نتائج اقتصادية هائلة وتُشكل تكتلات كبرى، وسوق واسع الأمر الذي جعل من التحول الاشتراكي أمرا حتمياً فرضته الظروف الداخلية والخارجية بصورة تدريجية بداية من عام 1956، حتى صار  واقعاً خلال عقد الستينيات، وقد حقق الاقتصاد المصري نتائج باهرة خلال تلك الفترة لحصوله على الفن الإنتاجي السوفيتي وإنشاء صناعة تُلبي احتياجات السوق المحلية، في ظل نظام حماية يمنع دخول المُنتجات الغربية، مع ضمان التصدير للكتلة الشرقية في علاقات تجارية مُتبادلة بصورة عادلة.

إلا أن الاقتصاد لا يقف عند مرحلة، فمع دخول فترة السبعينيات كان الغرب قد طور فنه الإنتاجي بصورة كبيرة، وأصبحت وسائل الرفاهية الغربية بمثابة طموح كبير للشعوب الاشتراكية، ومنها مصر،  وأصبح الحاضر والمُستقبل لهياكل الاقتصاد الحر، الأمر الذي دفع الرئيس السادات لاتخاذ إجراءات نحو التحول مرة أخرى لنظام الاقتصاد الحر على الطريقة الغربية، وقد بدأ من قطاعات الصناعات الاستهلاكية، والتجارة كخطوة أولى، ورغم نجاح السادات في الحرب والسلام، إلا أنه خسر معركة التحول الاقتصادي وانتصر عليه أصحاب المصالح والمُكتسبات في يناير 1977، ليقف مشروع السادات الاقتصادي في مُنتصف الطريق ليبدأ خروج الاقتصاد المصري من ركب التطور، وتتحول الحكومات المُتتالية بعد ذلك إلى سياسات المُسكنات، التي وإن نجحت لسنوات إلا أنه لم يستمر نجاحها أمام سيادة آليات العولمة التي تجاوزت الحدود ووصلت للشعب في المنازل تُخبره عن تأخره في تصنيفات التعليم والصحة والشفافية والرفاهية وغيرها من التصنيفات التي استأثر الغرب بوضع معاييرها، الأمر الذي سبب تذمر وعدم رضا كان من نتاجه وأسباب أخرى قيام ثورة يناير  وما استتبعها من فترة عدم استقرار سياسي تراجع فيها الإنتاج وتنوعت طرق إرضاء الشعب من رصيد الاحتياطي والمُساعدات والمال السياسي. ومع استقرار الأوضاع، لم يكن هناك بديلاً سوى إطلاق برنامج إصلاح شامل بدأ سريعاً وخشناً بإجراءات إصلاح مالي، ونقدي، مع بطء في إصلاح هياكل القطاعات الأكثر تعقيداً، ليكون التحدي القادمة هو القدرة على تنفيذ عملية إصلاح هيكلي شامل كل القطاعات رغم مساس ذلك بمكتسبات قطاعات من المُجتمع والكثير من أصحاب التأثير الذين يرغبوا في إصلاح هيكلي لا يمس مُكتسباتهم، بينما يظل الحل الوحيد مُتمثلا في إصلاح هيكلي شامل عادل مُتوازن.

تشوهات الهيكل الاقتصادي المصري:

وعن ملامح تشوهات الهيكل الاقتصادي المصري، نجد أنه مع تعثر التحول الرأسمالي المصري في مُنتصف السبعينيات من القرن الماضي دخل الاقتصاد في حلقة مُفرغة من التوازن المُتخلف تأثراً بتخلف الهيكل الاشتراكي الذي كان يحكمه، وعدم اكتمال مُحاولات الإصلاح، لا تتمثل المُشكلة في الاختيار بين أنواع الهياكل الاقتصادية، ولكن جوهر المُشكلة هي تشوه هيكل الاقتصاد بين ما هو رأسمالي وما هو اشتراكي بصورة تخلق قوى من أصحاب المُكتسبات الرافضين لكل ما يمس مُكتسباتهم مُصرين على أن تكون عملية الإصلاح انتقائية بمبررات صورية، مثل الحفاظ على السلام الاجتماعي، والخوف على مُستقبل الفقراء، والحفاظ على توازنات سياسية ونقابية، لينتج عن ذلك هيكلا اقتصاديا غير صالح للتنمية. ويُمكن رصد الكثير من دوائر التخلف في هياكل الاقتصاد المصري، منها أن التحول للاقتصاد الحر ألغى الدورة الزراعية وترك الحرية للفلاح يزرع ما يشاء إلا أنه لم يُنظم تلك الحرية ليُترك صغار المُزارعين فريسة لكبار المُحتكرين من تُجار البذور، والمبيدات، ومُشتري المحصول المُتأثر بمُتبقيات المُبيدات التي تجعله غير صالح للتصدير، ليتم تداوله محلياً ويتسبب في الكثير من الأمراض، وعند ذهاب المرضى للعلاج تجد تشوه كبير في القطاع الصحي، حيث تجد أطباء استفادوا من التعليم المجاني بينما يشعروا بالظلم لكونهم لا يحصلون على رواتب تُناسب السوق الحر الذي يحكم السلع والخدمات ويفضلون السفر للخارج، أو مُمارسة الطب في عيادات ومُستشفيات خاصة تُوفر لهم دخول تُناسب السوق الحر، وفي تلك العيادات والمُستشفيات تجد المرضى من فئات المُجتمع التي تئن من تكلفة العلاج رغم أن منهم المُعلمين الذين يشعروا بالظلم من تدني الرواتب بينما الكثير منهم لا ينتظم في الوجود بالمدارس ويُمارس تقديم التعليم بأجر وفقاً للسوق الحرة في الدروس الخصوصية، وتنحصر أفكارهم عن تطوير التعليم في زيادة الرواتب مُقارنة بأوضاع المُعلمين في الدول الرأسمالية رغم أن المُعلم في تلك الدول يعمل بعقد مؤقت وليس دائم وإذا تراجع أدائه يتم إنهاء العقد، ومع ذلك يحتاج المُعلمين وأعوانهم من الإداريين في قطاع التعليم لأجر مُناسب حتى يواكب الأسعار الحرة في السوق، والتي ترتفع بفعل سيطرة المُحتكرين الذين توحشوا بعد أن ألغت الدولة التسعيرة الجبرية، ولم تخلق نظاما مُتطورا لمنع الاحتكار وحماية المُستهلك، وعند مُحاولة التُجار الشباب لكسر ذلك الاحتكار تجدهم مُطالبين بنفقات إيجار لمُنشأتهم بأسعار السوق بينما كبار المُحتكرين القدامى يتمتعوا بإيجار قديم رمزي يُقلل نفقاتهم ويجعلهم أكثر قُدرة على مُحاربة القادمين الجدد من التُجار بخفض الأسعار لحين خروج مُنافسيهم من السوق، ثم يعودوا لجشعهم. وهنا، يخرج قطاع كبير من النشاط إلى قطاع الاقتصاد غير الرسمي ليُحاول التجارة في الشارع والإنتاج تحت بير السلم حتى يهرب من نفقات التراخيص الحكومية لتدعمه في المُنافسة ليصل القطاع غير الرسمي إلى نحو 50% من الاقتصاد وتتعثر كل المُحاولات لضم تلك الأنشطة الرسمية في ظل جهاز إداري عتيق مُعرقل مُصاب بمرض البطالة المُقنعة، ولكن العاملون به لم يعودوا قادرين على التعامل مع مُستجدات الأنشطة وضم الاقتصاد غير الرسمي بصورة يدوية، وهم في حاجة لبنية إلكترونية حديثة، ربما لن يستطيع بعضهم التعامل معها، ومع ذلك هم جميعاً في حاجة لرواتب تُمكنهم من الحصول على السلع والخدمات بأسعار السوق مما يدفع بعضهم للفساد، أو البحث عن عمل إضافي، أو استثمار آخر مثل الاستثمار العقاري الذي شكل السبب الأساسي لبناء الثروة في العقود الأخيرة وكان في الغالب يتم بشراء أراض زراعية في أوقات مُعينة ثم تصدر قرارات بتحوليها لأراضي بناء، أو شراء أراضي بالتخصيص قبل أن يتم إلغاء التخصيص وتطبيق نظام المزادات التي ترفع الأسعار ليتم خلق هؤلاء الأغنياء الذين ينتقلوا للاستثمار في الخدمات مثل المدارس الخاصة والمُستشفيات الخاصة التي تمتص دخول الطبقات السالفة. ومع الاكتفاء بذلك إلا أن كل منا يُمكنه تكوين دوائر مُفرغة عديدة للتخلف لا يُمكن كسرها للوصول إلى التنمية سوى ببرنامج إصلاح هيكلي شامل، وعادل، وشجاع، لما تواجهه عملية الإصلاح الهيكلي من مساس بالجميع. إن الأمر ليس قاتماُ جداً فهناك دائما أمل وهناك تجارب وحلول وأفكار يُمكن الاسترشاد بها وهو موضوع مقالنا القادم.

طباعة

    تعريف الكاتب

    د.وليد عبد الرحيم جاب الله

    د.وليد عبد الرحيم جاب الله

    خبير الاقتصاد والمالية العامة، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد والإحصاء والتشريع