استراتيجية عسكرية

محاور الإعداد الاستراتيجي لحرب أكتوبر

طباعة
ستظل حرب أكتوبر 73 مرجعا تاريخيا لكل من المجالين العسكري والسياسي لاستخلاص الدروس والخبرات من أحداثها. وهناك حاجة ملحة لذلك الآن كعامل مساعد علي مواجهة المشروع الاستعماري الغربي الصهيوني.
وللوقوف علي تأثير حرب أكتوبر في الفكر الاستراتيجي عموما، لابد من عرض الفكر الاستراتيجي الذي بني عليه التخطيط لحرب أكتوبر، والنتائج التي تحققت نتيجة استخدام وتنفيذ هذا الفكر، سواء في التخطيط والإعداد للحرب، أو في أثناء القتال والحرب ذاتها، ثم بعد الانتهاء من القتال، ووقف إطلاق النيران، وتوقف القتال نهائيا.
أولا- التحرك المصري بعد 67:
بعد رفض الشعب تنحي القيادة السياسية، والإصرار علي استكمال الحرب لاستعادة وتحرير الأرض تحت القيادة نفسها، وتأييدها فيما تتخذه من قرارات لاستعادة ما سلب من الأراضي المصرية، استقرت القيادة علي تحديد الأهداف الاستراتيجية لمعالجة آثار الهزيمة، والعمل علي تحرير الأرض كالآتي:
1- العمل علي تجميع الصف العربي:
نتيجة الدعم المصري للثورة اليمنية، وعدم رضا النظم الملكية في العالم العربي عن هذا التوجه للنظام الجمهوري، تفاقمت الاختلافات العربية. ومع اقتراب عام 1967، كانت مصر بقيادة عبدالناصر قد توسعت في سياستها الخارجية، فتوجهت بخلاف عالمها العربي نحو قارتي آسيا وإفريقيا دعما ومساندة لحركات التحرر من أجل الاستقلال تحت صيغة التضامن الآسيوي - الإفريقي. وكان عبدالناصر من ثلاثة زعماء أسسوا حركة عدم الانحياز بغرض إبعاد الدول النامية عن صراع الحرب الباردة بين الولايات المتحدة وروسيا، مما أثار حفيظة الغرب، خاصة بريطانيا وفرنسا. وزاد من الحنق علي مصر توجهها الاشتراكي بتأميم الشركات والمصالح الأجنبية، وكذلك المحلية، للقضاء علي احتكار رأس المال المستغل في مصر 1961، وإخضاعها بالكامل لسيادة القطاع العام الوطني، والموقف القوي المؤيد لشعب فلسطين في صراعه مع العدو الصهيوني المغتصب.
واستطاعت الولايات المتحدة في خضم الحرب الباردة تحييد روسيا عن الوجود المباشر في الصراع بالمنطقة العربية. وتحت هذا الغطاء، وجهت إسرائيل ضربة خاطفة في صباح يوم 5 يونيو 1967 لثلاث دول عربية، هي مصر، وسوريا، والأردن، وتوسعت باحتلال أراض جديدة، سميت بحرب الأيام الستة، وتدخل مجلس الأمن ليوقف القتال علي واقع جديد فرضته إسرائيل.
وضعت القيادة السياسية لمصر مبدأ عاما وهدفا رئيسيا، وهو ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة. أي أن مصر لا تعترف بالهزيمة المطلقة التي تؤدي إلي الاستسلام، كما تريد الدولة الصهيونية والدول الداعمة لها، وإملاء شروطها وهي المنتصرة، كما فعل الحلفاء مع دول المحور في نهاية الحرب العالمية الثانية. وبالتالي، فرضت مصر أمر واقعا، هو أن الصراع في المنطقة سيظل مستمرا، وتحويل مفهوم حرب يونيو إلي أنها ما هي إلا معركة من معارك الصراع العربي - الإسرائيلي، وأن الحرب بمفهومها الواسع لا تزال قائمة، وذلك لتدعيم العقيدة العسكرية المصرية، التي ستبني عليها العقائد التخصصية للقوات المسلحة بأفرعها المختلفة، وفي مجالاتها المختلفة أيضا مثل التدريب والتسليح، وما يلزم ذلك من إجراءات تنفيذية.
وعقدت الدول العربية مؤتمر قمة بالخرطوم (29 أغسطس - 1 سبتمبر 1967). وخصص المؤتمر لغرض إجراء مصالحة بين دول عربية معينة جرت بينها خلافات شديدة أدت إلي قطيعة تامة، وانقسام إلي معسكرات متباينة في رؤاها وسياساتها.
تدارس المؤتمر أبعاد العدوان الذي تعرضت له الدول العربية في الخامس من يونيو 1967، وتقرر أن إزالة آثار العدوان من الأراضي العربية هي مسئولية لجميع الدول العربية تحتم تعبئة الطاقات العربية، مع إيمانها بأن هذه الطاقات كفيلة بإزالة آثار العدوان، وبأن النكسة التي تعرضت لها الشعوب العربية يجب أن تكون حافزا قويا لوحدة الصف، دعما للعمل العربي المشترك. وحضرت كل الدول العربية المؤتمر باستثناء سوريا.
وفي 1 سبتمبر 1967، أصدرت الدول العربية قرارا في ختام القمة، شكل أساسا لسياسات الحكومات العربية تجاه إسرائيل حتي حرب أكتوبر عام .1973 حيث دعا القرار إلي استمرار حالة العداء مع إسرائيل، وإنهاء المقاطعة النفطية العربية، ووضع حد للحرب الأهلية القائمة في شمال اليمن، وتقديم الدعم الاقتصادي لمصر والأردن.
وعرف هذا القرار باسم قرار (اللاءات الثلاث) التي وردت (في الفقرة الثالثة) علي النحو التالي: "لا سلام مع إسرائيل، لا اعتراف بإسرائيل، لا مفاوضات مع إسرائيل".
2- إصدار التشريعات اللازمة:
تسبب غياب المؤسسات التشريعية لشئون الدفاع عن الدولة، وتنظيم أسلوب القيادة والسيطرة علي القوات المسلحة، في إحداق فجوة بين الاستراتيجية السياسية التي كان يتبعها رئيس الجمهورية، القائد الأعلي للقوات المسلحة، وبين الاستراتيجية العسكرية التي كان يخطط لها ويديرها وزير الحربية، الأمر الذي أخل بالتوازن بين المستويين، وهبط بالاستراتيجية العسكرية، وجعلها دون مستوي الاستراتيجية السياسية، وفشلت في مساندتها أو اللحاق بها، أو علي الأقل عرض وبيان مطالبها الضرورية للموافقة علي قرار الحرب من عدمه. لذا، حدث تحول جديد في الفكر الاستراتيجي الجديد، عندما رأت القيادة السياسية المصرية تطوير أسلوب اتخاذ القرارات الاستراتيجية باتباع النهج العلمي المؤسسي، واتباع أحدث ما وصلت إليه العلوم الاستراتيجية، وذلك بإنشاء آليات جديدة لاتخاذ قرار الحرب، وهي:
أ- قرار جمهوري بقانون رقم 68/4  بشأن القيادة والسيطرة وسلطات رئيس الجمهورية، ووزير الدفاع، ورئيس الأركان، وإنشاء مجلس الدفاع الوطني، ومجلس أعلي للقوات المسلحة. 
ب- قرار جمهوري رقم 68/86 بتحديد اختصاصات مجلس الدفاع الوطني
ج- قرار جمهوري رقم 68/128 وتعديله بقرار رقم 446/70 بتشكيل المجلس الأعلي للقوات المسلحة ساعدت تلك التشريعات المؤسسية، خاصة لمجلس الدفاع الوطني، علي وضع السياسة العسكرية لمصر، ودراسة التحديات والتهديدات، وتقييم المخاطر ودرجاتها، وأنسب أسلوب لمواجهتها (إعداد دولة وقوات مسلحة -تكاليف الحرب المنتظرة ماديا وبشريا - توقيتها ومدتها اللازمة- الوضع السياسي المناسب)، واتخاذ قرار الحرب في الوقت المناسب، وتأكيد أن قرار الحرب أصبح مؤسسيا، وليس فرديا.
3- تهيئة المسرح السياسي قبل حرب أكتوبر:
نتيجة لانتصار إسرائيل في حرب 5 يونيو سنة 1967، نجحت هي والولايات المتحدة في تحقيق أهدافهما الاستراتيجية، وهي:
- حصار مصر داخل حدودها.
- ضمان التفوق العسكري لإسرائيل.
- كون إسرائيل أداة التنفيذ والحفاظ علي المصالح الغربية في المنطقة العربية.
- إطلاق يد الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
- تحجيم حركة عدم الانحياز.
أصرت إسرائيل علي رفض الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة، مما تسبب في استمرار حالة الحرب، وظل الاعتقاد بأن القوة العسكرية هي الحاسمة لتحقيق الأهداف. وبدأت إسرائيل في توسيع استيطانها في الأراضي المحتلة، ودعم وتطوير قدراتها العسكرية، متخذة من نظرية الأمن الإسرائيلي شعارا لتحقيق أهدافها التوسعية، ووسيلة لخداع الرأي العام العالمي.
قام منهج السياسة الخارجية المصرية علي رفض الهزيمة العسكرية، وذلك من خلال الخطوات الآتية:
1- العمل السياسي لكسب الوقت دون الوصول إلي حل كغطاء، حتي تتم إعادة واستكمال القدرة العسكرية المصرية لتكون داعمة في الوصول لحل المشكلة.
2- إقناع الرأي العام العالمي بأن مصر لا تريد الحرب من أجل الحرب، وإنما من أجل استعادة أرض مغتصبة بالقوة، وتحقيق أهداف الشعب الفلسطيني.
كان منهج ووسيلة العمل السياسي العربي، علي الصعيدين الدولي والدبلوماسي، في الفترة بين حربي 1967 و1973، أن أي مباحثات أو مفاوضات لمبادرات لحل الأزمة تتعامل من قاعدة الأساس، وهو قرار مجلس الأمن الدولي، المعروف بالرقم .242 الذي قبلته آنذاك كل من مصر والأردن، ورفضته سوريا. وعين الأمين العام للأمم المتحدة مبعوثا شخصيا له، هو السويدي جونار يارنج، ليقوم بالاتصالات مع مصر، والأردن، وإسرائيل، من أجل تنفيذ أحكام قرار مجلس الأمن. وقد استمر هذا الوسيط الدولي في اتصالاته حتي نشبت حرب أكتوبر .1973
وإلي جانب مهمة الوسيط الدولي وجهوده، نشطت وساطات ومبادرات متعددة، انتهت جميعها، ومعها جهود الوسيط الدولي، إلي الفشل بسبب تعنت إسرائيل، وتهربها من الالتزام بأحكام القرار الرقم 242، خاصة ما يتعلق بالانسحاب من الأراضي المحتلة، وهو ما دعا مصر إلي اللجوء إلي مجلس الأمن في يوليو 1973 لمناقشة  المأزق الذي وصلت إليه المساعي لحل الأزمة. وكانت تأمل في استصدار قرار من المجلس، يوضح ويعدل القرار 242، في شأن الانسحاب من الأراضي المحتلة وحقوق الشعب الفلسطيني. غير أن مشروع القرار، رغم الأكثرية اللازمة، سقط بحق الفيتو، الذي استخدمته الولايات المتحدة الأمريكية، والذي استندت إليه واستخدمته مصر كمسوغ لبدء الحرب.
كان نشاط الدبلوماسية العربية، خلال المدة بين حربي 1967 و1973، في المحافل الدولية ومجال العلاقات الثنائية، موحدا وهادفا من أجل توضيح طبيعة إسرائيل الاستعمارية والعنصرية، وتعبئة الرأي العام العالمي لدعم انسحاب القوات الإسرائيلية من جميع الأراضي التي احتلتها في حرب 1967، وإزالة آثار العدوان علي الأراضي العربية، واستعادة الشعب العربي الفلسطيني حقوقه الوطنية الثابتة، وفي مقدمها حقه في العودة، وتقرير المصير.
4- إعادة بناء وتنظيم القوات المسلحة:
ما إن توقفت الحرب في 10 يونيو عام 1967، حتي بدأت مصر في تعديل أوضاعها، ووضع الأسس والمبادئ السياسية والعسكرية السليمة لإعادة تنظيم وبناء القوات المسلحة علي أسس علمية، والتي علي أساسها ستقود مسيرتها الشاقة المقبلة. وكانت أولي الخطوات هي البدء في إعادة بناء القوات، والإعداد المعنوي والعملي للمقاتل، وكذا إعداد الجبهة الداخلية.  وأصدرت القيادة العسكرية المصرية توجيهات قبل أن ينتهي شهر يونيو 1967، كان أهمها عدم السماح بارتداد أي فرد أو أي معدة من الخطوط الدفاعية الحالية. وقد سارعت القوات المسلحة المصرية علي امتداد الجبهة بتنظيم الدفاعات بما تيسر لها من قوات وإمكانيات، إضافة إلي ما وصل من مساعدات الدول العربية والصديقة، التي سارعت بإرسال أسلحة ومعدات، إلي جانب تنفيذ الاتحاد السوفيتي لبعض عقود صفقات أسلحة قديمة، مما مكن من إنشاء وحدات فرعية، ووحدات وتشكيلات ميدانية جديدة لتصل كفاءة القوات المسلحة إلي نحو 50٪ من الكفاءة المقررة لها في نهاية عام.1967 وقامت القيادة العامة للقوات المسلحة بإعادة التنظيم كالآتي:
أ- علي مستوي الوحدات الفرعية والوحدات والتشكيلات:
تم تعديل التنظيم للوحدات الفرعية والوحدات والتشكيلات بما يتناسب مع المهام التي تحددت لها، فتم دعمها بأسلحة الدعم، إما بضمها ضمن صلب التنظيم، أو الإلحاق الدائم، مثل الوحدات الفرعية للمشاة، التي ضم عليها عناصر مضادة للدبابات، ودفاع جوي، وكذلك الوحدات المشاة أو الميكانيكية بضم وحدات فرعية من الدبابات والمدفعية، والمضادة للدبابات. وهكذا الوحدات المدرعة، تم دعمها بوحدة فرعية من المشاة الميكانيكية، والأسلحة المعاونة التخصصية، وإعادة تنظيم التشكيلات المشاة الميكانيكية لتصبح وحدتين: مشاة ميكانيكية، ووحدة مدرعات، وكذا التشكيلات المدرعة لتصبح بالتكوين نفسه، مع اختلاف التخصص، بالإضافة لوحدات المدفعية، والدفاع الجوي، والأسلحة المتخصصة.
ب- علي المستويين التعبوي والاستراتيجي:
انتهت القيادة العامة للقوات المسلحة من إعادة تنظيم عناصرها علي المستويين التعبوي والاستراتيجي كالآتي:
علي المستوي التعبوي:
للعمل علي جبهة قناة السويس، يتم إلغاء قيادة المنطقة الشرقية، وتشكيل قيادتين تعبويتين جديدتين، هما الجيش الثاني الميداني، والجيش الثالث الميداني، ولكل منهما التجميع القتالي المناسب لتنفيذ المهام المحددة لكل منهما، سواء كانت الدفاعية أو الهجومية المنتظرة، مع توفير الدعم اللازم تحت قيادة كل منهما، وفي نطاق مسئوليتيهما. كما تمت بالإضافة إلي ذلك تشكيل أربع مناطق عسكرية إقليمية، هي المنطقة المركزية، والمنطقة الشمالية، والمنطقة الغربية، والمنطقة الجنوبية.
علي المستوي الاستراتيجي:
تم تشكيل فرع رئيسي من أفرع القوات المسلحة، وهو قيادة قوات، الدفاع الجوي، وتكونت لها قيادة استراتيجية، بعد أن كانت تتبع إدارة المدفعية تنظيميا، والقوات الجوية في إدارة أعمال القتال. وأصبحت هي المسئولة عن دفاع جوي الدولة، ودفاع جوي التشكيلات البرية. كما تم تشكيل قيادة قوات الدفاع الشعبي التي تتولي الحماية المدنية للأهداف الحيوية بالمحافظات، بالتعاون مع الشرطة المدنية، بالإضافة إلي وحدات فنية، وإدارية، وطبية علي مستوي القيادة العامة لدعم أعمال الجيوش والمناطق العسكرية، في أثناء الإعداد للحرب، أو في أثناء العمليات الحربية، وكذا إنشاء وتوسيع المنشآت التعليمية والتدريبية لاستيعاب الزيادة في حجم وتخصصات المجندين الجدد، طبقا لمتطلبات الإدارات التخصصية، وميادين التدريب المركزية اللازمة.
5- تجهيز مسرح العمليات:
استطاعت القوات المصرية أن تنجز، في شهر نوفمبر 1967، حشد خمسة ألوية مشاة، ولواءين مدرعين، وخمس كتائب صاعقة، علي طول القناة، وأن توالي التعبئة والحشد، حتي أصبح النسق الدفاعي الأول بطول 170كم، وعمق 60كم. وقد انضم إلي هذا النسق قوة جزائرية رمزية، زاد حجمها فيما بعد، حتي أصبحت في حجم لواء مشاة، وإقامة الخط الدفاعي غربي القناة. وكان جهد القيادة المصرية منصبا علي إعادة بناء القوات المسلحة، وتدريبها، وتسليحها. وكانت أولي المهام التالية لدحر العدو وهزيمته، وعدم تمكينه من عبور القناة غربا باحتلال القوات للمناطق الدفاعية لها، هي العمل بالتجهيز الهندسي، ابتداء بحفر ما يسمي بالحفر البرميلية لكل فرد لتأمينه ضد نيران مدفعية وقذف طائرات العدو، وإنشاء تجهيزات إيواء وتأمين الاسلحة، وإنشاء الخنادق الدفاعية، ومرابض الاشتباك للأسلحة أولا، ثم أماكن التأمين للأفراد. وبعد توافر المواد الهندسية اللازمة لإنشاء التحصينات اللازمة وبتدفق القوات، طبقا للخطة الدفاعية، تقوم بإضافة التجهيزات الهندسية المطلوبة، وذلك لحين انتهاء المهندسين العسكريين من إنشاء وإقامة الموانع والألغام المطلوبة للخطة الدفاعية.
كما تم البدء علي المستوي الاستراتيجي في إقامة وإنشاء التجهيزات الميدانية لكتائب الصواريخ، ورادارات الإنذار لوحدات وتشكيلات قوات الدفاع الجوي للدفاع عن الدولة، والطرق والمدقات الطولية والعرضية، وكان اهم هذه الطرق طريق دمياط - بورسعيد الساحلي، وكذلك كل متطلبات القوات الجوية الخاصة بالمطارات والقواعد الجوية من تحصينات ودشم للطائرات، خاصة الجديدة، وتطوير الممرات، وكل ما يلزم للقوات الجوية.
6- استغلال إغلاق قناة السويس:
أدي إغلاق قناة السويس إلي تأثر حركة التجارة العالمية، خاصة في مجال النفط، لزيادة طول خطوط المواصلات، وتعرضها للمخاطر، وزيادة تكلفة الشحن، مما  دفع الدول الكبري الي القيام بمحاولات كثيرة لتحقيق السلام بين الأطراف المتصارعة. فقدمت الأمم المتحدة مبعوثها الخاص جونار يارنج، الذي بذل جهودا كبيرة لتقريب وجهات النظر، إلا أنه فشل بسبب التعنت الإسرائيلي، ولو في إيقاف النيران. وقدم عبدالناصر مبادرة ورفضت أيضا. وقدمت الولايات المتحدة مقترحاتها للحل، وبعثت وزير خارجيتها روجرز، وظل يعمل بين فشل ونجاح، حتي استطاع الوصول إلي وقف إطلاق النيران في أغسطس عام 70، ثم تجمد الموقف علي ذلك في حالة اللاسلم واللاحرب بسبب الوفاق بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة. وتراجعت قضية الشرق الأوسط للأولوية الثالثة من الاهتمام الدولي، ووفقت الدول الغربية أوضاعها علي تحمل آثار إغلاق قناة السويس، مما دفع إسرائيل للاستمرار في التعنت ورفض السلام.
ثانيا- الفكر الاستراتيجي في حرب أكتوبر:
اعتمدت مصر علي ذاتها والدعم العربي، ووضعت استراتيجيتها لتنفيذ مقولة ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة، فانتهجت حرب الاستنزاف منهجا وطريقا لإعادة بناء القوات المسلحة تنظيميا، وتدريبيا، ومعنويا، وبناء الدفاعات غرب القناة، مع استمرار القتال. كما استخدمت الدبلوماسية (المجال السياسي) لإثبات أنها  تسعي إلي الانسحاب الإسرائيلي وتحقيق أهداف الشعب الفلسطيني، وإقناع العالم بصفة عامة، والاتحاد السوفيتي بصفة خاصة، بأننا لا نريد الحرب من أجل الحرب، مع المحافظة علي صلابة الجبهة الداخلية، والتضامن العربي، وذلك لتهيئة المسرح السياسي الدولي والإقليمي لاسترداد الحقوق المشروعة.
جري الإعداد للحرب في عدة إتجاهات في وقت واحد، وتحت ضغط أعمال العدو اليومية. فتمت إعادة تنظيم القوات المسلحة، وتجميع القوات المتيسرة في منطقة القناة، وعلي ضفتها الغربية. كما تم تجهيز مسرح العمليات بما هو متاح من تجهيزات هندسية للمعدات، والأسلحة، والأفراد. وهذان البندان تم تنفيذهما بأسرع ما يمكن وفي الأولوية الأولي لتمكين القوات من العمل ضد - أو الرد علي - أعمال العدو العدائية.
وتمت دراسة كل المشكلات والمصاعب التي ستواجه أي خطة لتحرير الأرض. فقد ظهر عدد من المشكلات، منها:
أ- مانع قناة السويس:
تعد قناة السويس مانعا مائيا كبيرا وعريضا، ويتغير منسوب المد والجزر بدرجة كبيرة بين الشمال والجنوب، إضافة إلي سرعة التيار التي تتغير أربع مرات في اليوم الواحد ما بين 18م/الدقيقة في القطاع الشمالي، و90م/الدقيقة في القطاع الجنوبي، مما يؤثر في سرعة واتجاه قوارب ومعدات العبور، فضلا عن أن أجناب القناة لها تكسية مكونة من ستائر حديد من العمق حتي سطح المياه، ثم تعلوها تكسية خرسانية مسلحة ارتفاعها يغطي فرق المد والجزر. ثم تكسية بالدبش ارتفاعها نحو متر حتي سطح الأرض. وزاد من مشكلات العبور إقامة العدو لساتر ترابي ارتفاعه من 16م الي 20م، وبزاوية من 45-65 درجة، وأنشأ عليه خطا دفاعيا أطلق عليه خط بارليف، وهو من أكبر وأصعب الخطوط الدفاعية علي مستوي العالم وهو مكون من نقاط دفاعية حصينة، مساحة النقطة تصل إلي 400 م2 مدعمة بالمدفعية، والدبابات والصواريخ م/د. والخط مكون من 22 موقعا، يحتوي علي 31 نقطة حصينة من قطع بورفؤاد شمالا حتي الشط بالسويس جنوبا. وكانت تقديرات الخبراء الروس لخسائر العبور فقط 30٪ من القوات العابرة.
ب- الاحتياطيات المحلية:
وهي مكونة من سرايا دبابات ومشاة ميكانيكية (13 دبابة+4 عربات مدرعة) تتمركز علي كل محاور الاقتراب إلي النقاط الحصينة، وخلف الخط الحصين بمسافة من 500م إلي 3كم، ويمكنها التدخل في معركة النقاط الحصينة عند مهاجمتها خلال 20 إلي 30 دقيقة. إما باحتلال مرابض نيران علي الساتر الترابي مجهزة مسبقا بفاصل 100م بين المرابض لضرب وتدمير القوات المحتشدة لعبور القناة، أو القيام بهجوم مضاد علي القوات التي نجحت في العبور إلي الشرق لتدميرها أو صدها لحين وصول الاحتياطي التكتيكي بقوة كتيبة دبابات مدعمة خلال فترة تتراوح من ساعة إلي ساعة ونصف ساعة. وقدرت الخسائر من الخبراء الروس لهذه المعركة بـ 30٪، أي أن الخسائر المتوقعة للعبور والقضاء علي الخط الحصين ودعمه تقدر بـ 60٪، بينما المعروف عالميا في قوانين القتال أن الوحدة التي تخسر 40٪ من قوتها تخرج من المعركة لاستعادة كفاءتها.
وهناك مشكلات أخري يمكن إجمالها في أسلوب تأمين القوات ومعدات العبور من نيران المدفعية وطيران العدو المتفوق، ومشكلة التنظيم والتنفيذ والسيطرة علي تدفق القوات والعبور، طبقا لجداول العبور، ومشكلة استمرار السيطرة علي أعمال قتال شرق القناة، في ظل السيطرة الجوية، والإعاقة الإلكترونية التي يمتلكها العدو. خضعت تلك المشكلات للبحث والدراسة للخروج بالحلول المناسبة. فكانت فكرة مضخات المياه، وسلالم الحبال للتغلب علي الساتر الترابي، وفتح الثغرات فيه، وفكرة استخدام المركبات البرمائية، وإنشاء المصاطب العالية غرب القناة لمرابض النيران للدبابات. وقبل كل ذلك، اختيار توقيت العبور لتحقيق الهجوم مع القوات السورية في توقيت واحد، والتغلب علي الخصائص الطبيعية لقناة السويس من مد وجزر، وسرعة التيار.
مراحل الإعداد للحرب:
أ- مرحلة الصمود من يونيو 1967 إلي أغسطس 1968:
تلخصت أهم الأحداث المؤثرة في هذه المرحلة في الآتي:
- معركتا رأس العش (يومي 1و 2 يوليو 1967) جنوب بور فؤاد ( 8 يوليو 1967) وخسرتهما إسرائيل عند محاولة استكمال احتلال شرق بورسعيد بالاستيلاء علي بورفؤاد.
- الاشتباكات الجوية (يومي14و15 يوليو 1967)، والهجمة الجوية المصرية العنيفة علي التجمعات الإسرائيلية شرق القناة.
- إغراق المدمرة الإسرائيلية إيلات يوم 21 أكتوبر 1967، والتي اقتربت من بورسعيد، فأطلقت البحرية المصرية صواريخها. وبلغت خسائر إسرائيل نتيجة لذلك نحو 300 فرد. وقد غيرت هذه الواقعة المفاهيم البحرية، وأصبح الاعتماد علي الوحدات الصاروخية صغيرة الحجم أفضل من السفن الكبيرة، مثل البوارج والفرقاطات.
ب- مرحلة الردع (سبتمبر 1968- فبراير 1969):
بعد أن تمكنت مصر من إعادة تنظيم قواتها المسلحة، دفعت هذه الوحدات إلي خط القتال، وبدأت تستعد للقيام بأعمال تعرضية بغرض منع العدو من تقوية دفاعاته علي الضفة الشرقية، ورفع معنويات القوات المصرية، وتدريبها علي العبور الحقيقي. وكانت أهم الأحداث هذه الفترة هي:
- معركتا المدافع (يوم 8 سبتمبر 1968) و (يوم 26 أكتوبر 1968).
- الإغارة الإسرائيلية علي نجع حمادي ليلة (31 أكتوبر - 1 نوفمبر 1968)، وكوبري قنا، وتدخل الطيران الإسرائيلي بصورة فعالة بعد ما تبين لإسرائيل زيادة فاعلية المدفعية.
- اكتملت التشكيلات المدافعة عن القناة، وأصبحت الخطة "جرانيت" مكتملة (قوات تجهيز هندسي - محاور الاقتراب).
ج- مرحلة الاستنزاف (مارس 1969- يوليو 1970):
تطورت التراشقات وأعمال الدوريات، وأدي نجاح هذا النوع من العمليات إلي تشجيع القيادة المصرية علي استمرار تنفيذها بغرض إنهاك إسرائيل، وجرها إلي حرب طويلة لإرهاق اقتصادها، ومضاعفة خسائرها، بما عرف باسم حرب الاستنزاف. وقد تميزت هذه الفترة بما يأتي:
❊ بدأت حرب الاستنزاف باستشهاد الفريق عبد المنعم رياض علي خط القتال الأول.
❊ تمكنت القيادة المصرية من استغلال أسلوب التراشق بنيران المدفعية والأسلحة الصغيرة، مما أدي إلي حرمان القوات الإسرائيلية من تحصين النقاط القوية التي أنشأتها علي الضفة الشرقية للقناة.
❊ ألقت إسرائيل بكل ثقل القوات الجوية للحد من خسائرها، وقد أدي ذلك إلي زيادة الخسائر في الجانب المصري في بداية الأمر، إلا أنه أسهم في تمكين الطيارين المصريين من فهم تكتيكات القوات الجوية الإسرائيلية، والتدريب علي مواجهتها.
❊ كما أدي إلي إبراز أهمية وجود نظام متكامل للدفاع الجوي، وأسلوب إنذار محكم.
كانت حرب الاستنزاف فرصة طيبة، تمكنت معها القيادة المصرية من دفع العديد من الدوريات في عمق الدفاعات، وعلي خط المواجهة، مما حقق استعادة الثقة بالنفس، ورفع الروح المعنوية للقوات المسلحة المصرية، حيث زاد حجم قوة الإغارة والعبور من جماعة إلي كتيبة كاملة، واحتلال النقطة المستولي عليها لأكثر من 6 ساعات قتال في الشرق.
هـ- مرحلة وقف النار (أغسطس 1970- أكتوبر 1973):
وجدت الولايات المتحدة الأمريكية أن استمرار الحرب لا يحقق مصالحها أو مصالح إسرائيل، لذلك قدمت مبادرة روجرز، التي جاء في نصها الآتي: "تعلن أطراف النزاع في الشرق الأوسط، وتنفذ وقفا محدودا لإطلاق النار، مدته تسعون يوما. وفي هذه الفترة، نشط السفير جونار يارنج لينفذ قرار مجلس الأمن رقم 242، وبالتحديد فيما يتعلق بالتوصل إلي اتفاق سلام عادل ودائم، يقوم علي الاعتراف المتبادل والسيادة، ووحدة الأراضي، والاستقلال السياسي، بسحب إسرائيل قواتها من الأراضي التي احتلتها في معركة 1967".
- كانت المبادرة بهذه الصيغة المتوازنة تنبع من روح قرار مجلس الأمن 242، وقبلتها مصر لإعطاء فرصة للقوات المسلحة لاستعادة كفاءتها القتالية، بعد حرب متصلة استمرت قرابة الألف يوم. ووجدت فيها إسرائيل فرصة للخروج من أزمتها، وإيقاف نزيف الخسائر الذي تتعرض له ولاستعادة كفاءة خط بارليف. وقبلت الأطراف المبادرة، وأعلن وقف إطلاق النيران بدءا من يوم 8 أغسطس 1970. وكانت القوات الإسرائيلية قد فقدت خلال حرب الاستنزاف أربعين طيارا، و827 فردا في القوات البرية، و3141 ما بين جريح وأسير. وفي المجال الاقتصادي، زاد حجم الإنفاق العسكري بما مقداره 300٪ تحملها أفراد الشعب الإسرائيلي عام .1966
ثالثا- الفكر الاستراتيجي لحرب أكتوبر:
خططت الاستراتيجية العسكرية للحرب علي أن تكون استراتيجية هجومية، وطبقا للإمكانيات والموارد المتاحة للقوات المسلحة، وفي تنسيق تام مع سوريا.
الأهداف الاستراتيجية:
1- هزيمة التجميع الرئيسي لقوات العدو في سيناء، وهضبة الجولان السورية.
2- الاستيلاء علي خطوط ومناطق حيوية ذات أهمية استراتيجية، تهيئ أنسب الظروف لاستكمال تحرير الأراضي المحتلة.
خطة الخداع:
1- لإخفاء نية الهجوم، استمر تنفيذ خطة خداع عدة أشهر بتنفيذ تحركات عسكرية كثيرة، تحت ستار التدريب، مع التغيير المستمر في حجم القوات.
2- إنهاء خدمة 20 ألف فرد، قبل العمليات بـ 48 ساعة.
3- تحريك معدات العبور من الخلف للجبهة، تحت ستار الليل.
- وقد وضعت الخطة المصرية للهجوم بهدف:
1- القيام بعمليات قتال تهدف إلي عبور قناة السويس، والاستيلاء علي الضفة الشرقية، وتأمينها بعمق كاف يحقق العبور في قناة السويس، وفتحها للملاحة الدولية.
2- تحريك القضية من حالة اللاسلم واللاحرب سياسيا.
أهداف الخطة:
1- تدمير الجزء الأكبر من القوات الإسرائيلية.
2- إضعاف قدرات العدو الجوية، وشل فاعليتها في مسرح العمليات.
3- شل وإرباك قيادة العدو لفترة زمنية مناسبة للنجاح في العبور، والتغلب علي خط بارليف.
4- عرقلة التحركات، وحرمان العدو من القدرة علي المناورة، والعمل ضد جبهة عربية واحدة، وإجباره علي العمل ضد أكثر من جبهة في وقت واحد.
- كانت المفاجأة الكبري الهجوم المصري - السوري في وقت واحد علي الجبهتين، حيث أعلنت الحرب، كانت الهزيمة الكبري للجيش الإسرائيلي، وتحقيق تحرير أراض من الأراضي المحتلة في سيناء والجولان، مع تمكن إسرائيل بالدعم الأمريكي غير المحدود من عمل ثغرة علي الجبهة المصرية، واستعادة الجولان من سوريا. وكان حجم الخسائر الضخمة في القوات الإسرائيلية قد أحدث انزعاجا للولايات المتحدة التي قامت بالإمداد المباشر لإسرائيل، وعلي جبهات القتال، بالمعدات والأسلحة، وتعويضها عن خسائرها، بل بأكثر مما تحلم به. وسارع كيسنجر بالحضور إلي القاهرة، ودمشق، وتل أبيب، حتي يمكن احتواء الموقف، وإنقاذ إسرائيل من الهزيمة الكاملة.
خطة الخداع الاستراتيجي:
وضعت خطة الخداع الاستراتيجي بحيث تسمح بالتفوق علي التقدم التكنولوجي والتسليحي الإسرائيلي، عن طريق إخفاء أي علامات للاستعداد للحرب، حتي لا تقوم إسرائيل بضربة إجهاضية للقوات المصرية في مرحلة الإعداد للحرب. واشتملت الخطة علي ستة محاور رئيسية:
إجراءات تتعلق بالجبهة الداخلية:
أ- استيراد مخزون استراتيجي من القمح:
استطاعت مصر إحداث فضيحة إعلامية، استوردت علي أثرها الاحتياطي الاستراتيجي من القمح عن طريق تسريب معلومات بأن أمطار الشتاء أتلفت القمح في الصوامع.
ب- إخلاء المستشفيات تحسبا لحالات الطوارئ:
عن طريق تسريح ضابط طبيب من الخدمة، وتعيينه بمستشفي الدمرداش، ليعلن عن اكتشافه تلوث المستشفي بميكروب، ووجوب إخلائه من المرضي لإجراء عمليات التطهير. وفي اليوم التالي، نشرت صحيفة الأهرام الخبر، معربة عن مخاوفها من أن يكون التلوث قد وصل إلي مستشفيات أخري، فصدر قرار بإجراء تفتيش علي بعض المستشفيات، وإخلاء البعض الآخر.
ج- استيراد مصادر بديلة للإضاءة، في أثناء تقييد الإضاءة خلال الغارات:
قيام أحد المندوبين بالتنسيق مع مهرب قطع غيار سيارات لتهريب صفقة كبيرة من المصابيح مختلفة الأحجام. وبمجرد وصول الشحنة، كان رجال حرس الحدود في الانتظار، واستولوا عليها كاملة، وتم عرضها بالمجمعات الاستهلاكية.
إجراءات تتعلق بنقل المعدات للجبهة:
- نقل المعدات الثقيلة كالدبابات إلي الجبهة، حيث تم نقل ورش الصيانة إلي الجبهة، ودفع الدبابات إليها بحجة إصابتها بأعطال.
- نقل معدات العبور والقوارب المطاطية:
سربت المخابرات تقريرا يطلب فيه الخبراء استيراد كمية مضاعفة من معدات العبور، مما أثار سخرية إسرائيل. وصلت الشحنة، وظلت ملقاة بإهمال علي رصيف الميناء، في ظل إجراءات أمنية توحي بالاستهتار واللامبالاة، حتي نقلت سيارات الجيش نصف الكمية إلي منطقة صحراوية بضاحية (حلوان)، وتم تكديسها وتغطيتها علي مرمي البصر فوق مصاطب لتبدو ضعف حجمها الأصلي، فيما قامت سيارات مقاولات مدنية بنقل الكمية الباقية للجبهة مباشرة.
إجراءات خداع ميدانية:
- في يوليو 1972، صدر قرار بتسريح 30 ألفا من المجندين منذ عام 1967، وكان معظمهم خارج التشكيلات المقاتلة الفعلية.
- الإعلان عن مشروع استراتيجي تعبوي من 22 إلي 25 سبتمبر، وهو مكرر في خطة التدريب أكثر من مرة سنويا، وتتم فيه الإجراءات كاملة من تحرك وفتح القوات، وقيامها برفع درجة الاستعداد القصوي للجيش، وإعلان حالة التأهب في المطارات والقواعد الجوية، مما يضطر إسرائيل لرفع درجة استعداد قواتها، تحسبا لأي هجوم، ثم يعلن بعد ذلك أنه كان مجرد تدريب روتيني، حتي جاء يوم 6 أكتوبر، فظنت المخابرات الإسرائيلية أنه مجرد تدريب آخر.
- يؤكد ذلك ما جاء في وثائق حرب أكتوبر الإسرائيلية التي كشف عنها عام 2013 بأن تقديرات المخابرات الإسرائيلية، في اجتماع مجلس الوزراء المصغر الساعة صباح 6 أكتوبر، أن احتمالات حدوث هجوم مصري ضئيلة، وذلك نتيجة الآتي:
❊ إن مصر لم تحصل علي طائرات تهدد العمق الإسرائيلي (كان سرب طيران مصري قد وصل إلي سوريا ليكون قريبا من العمق الإسرائيلي).
❊ تسريب معلومات لمصدر مخابراتي موثوق به في إسرائيل بأن الهجوم في شهر مايو، وهو ما لم يحدث.
❊ حدث اختلاف في مجلس الوزراء المصغر حول القيام بضربة إجهاض علي الجبهة السورية الأكثر تهديدا، أو استدعاء الاحتياط أولا.
❊ تم تكليف وزير الدفاع موشي ديان بزيارة سريعة للقناة للتأكد من الموقف، وقام بالزيارة الساعة 11 صباحا ليجد المصريين في حالة استرخاء.
❊ في أكتوبر 1973، تم الإعلان عن فتح باب رحلات العمرة لضباط القوات المسلحة، والصف، والجنود، والعاملين المدنيين.
- لإخفاء نية القوات البحرية في إغلاق مضيق باب المندب، تم نشر خبر صغير، في شهر سبتمبر عام 1973، عن توجه ثلاث قطع بحرية مصرية إلي أحد الموانئ الباكستانية لإجراء العمرات، وأعمال الصيانة الدورية لها. وبالفعل، تحركت القطع الثلاث إلي ميناء عدن، وهناك أمضت أسبوعا، ثم صدر لها الأمر بالتوجه إلي أحد الموانئ الصومالية، في زيارة رسمية استغرقت أسبوعا آخر لزيارة بعض الموانئ الصومالية. ثم عادت القطع الثلاث من جديد إلي عدن، وهناك جاءتها الإشارة الكودية في مساء الخامس من أكتوبر 1973 بالتوجه إلي مواقع محددة لها عند مضيق باب المندب، في سرية تامة، عند نقاط تسمح لها بمتابعة حركة جميع السفن العابرة في البحر الأحمر راداريا، وتفتيشها، ومنع السفن الإسرائيلية من عبور مضيق باب المندب.
طباعة

    تعريف الكاتب

    لواء أ.ح / محمد الغباري

    لواء أ.ح / محمد الغباري

    مستشار أكاديمية ناصر العسكرية العليا