تحليلات

”تصفير الاستقطاب“.. التحرك المصري في الخليج وإدارة الأزمة استراتيجية: التوازن المصري في الخليج العربي

طباعة

جاءت الجولة الخليجية للرئيس عبد الفتاح السيسي في مايو الحالي في لحظة تُعد من أكثر اللحظات اضطرابًا في تاريخ الوطن العربيحديثًا، حيث تتداخل الحروب المباشرة مع الانقسامات السياسية الحادة، وتتراجع قدرة النظام العربي على إنتاج مقاربات جماعية لإدارة التهديدات المتصاعدة، في ظل تمدد أدوار القوى الإقليمية والدولية داخل المجال العربي. فالمشهد لم يعد مجرد توترات تقليدية بين دول متنافسة، بل أصبح أقرب إلى إعادة تشكيل شاملة لموازين القوة والنفوذ في الشرق الأوسط، بما يفرض على الدول العربية المركزية إعادة تعريف أدوارها ووظائفها الأمنية والسياسية.

وفي هذا السياق، لا يمكن قراءة التحرك المصري باعتباره زيارة بروتوكولية أو نشاطًا دبلوماسيًا عاديًا، بل باعتباره جزءًا من مقاربة استراتيجية أوسع تحاول من خلالها القاهرة إعادة تثبيت مفهوم ”الاتزان الاستراتيجي“داخل النظام الإقليمي العربي، في مواجهة بيئة تتجه تدريجيًا نحو الاستقطاب الحاد والانفجار المفتوح. فالدولة المصرية تدرك أن المنطقة تقف أمام مرحلة فارقة قد تعيد إنتاج خرائط النفوذ والتحالفات بصورة مختلفة تمامًا عما عرفته العقود الماضية، وأن ترك المجال العربي نهبًا للفوضى أو للصراعات الممتدة سوف ينعكس بصورة مباشرة على الأمن القومي المصري ذاته.

ومن هنا، تتحرك القاهرة وفق رؤية مزدوجة تجمع بين هدفين متوازيين: الأول هو منع انهيار البيئة الأمنية العربية، باعتبار أن تفكك أي دولة عربية محورية، أو سقوط التوازنات الإقليمية التقليدية، سوف يؤدي إلى انتقال موجات عدم الاستقرار إلى مجمل المجال العربي، والثاني هو تجنب الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة تستنزف الجميع، وتفتح المجال أمام تدخلات خارجية أوسع وأكثر عمقًا. ولهذا اكتسبت الجولة أهميتها، ليس فقط بسبب توقيتها الحساس، وإنما أيضًا بسبب الرسائل السياسية والاستراتيجية التي حملتها، والتي تعكس محاولة مصرية للجمع بين التضامن العربي، والحفاظ على قنوات الاتصال السياسية، ومنع الوصول إلى لحظة الانهيار الكامل للنظام الإقليمي.

ترتكز الرؤية المصرية الحالية على مفهوم الأمن القومي العربي باعتباره منظومة مترابطة لا يمكن تجزئتها، تقوم على أن أمن الدول العربية ليس شأنًا محليًا منفصلًا، بل يعد جزءًا من معادلة جماعية تتأثر فيها كل دولة بما يحدث في محيطها الإقليمي. ووفق هذا التصور، فإن أي اختراق استراتيجي في دولة عربية محورية يتحول تدريجيًا إلى تهديد مباشر لبقية الدول العربية، سواء عبر التأثيرات الأمنية أو الاقتصادية أو السياسية.

بناءً على ذلك، فإن التحرك المصري الراهن لا ينطلق فقط من اعتبارات التضامن السياسي أو الالتزامات العربية التقليدية، بل من إدراك استراتيجي أعمق يرى أن انهيار التوازن في الخليج أو اتساع نطاق الصراع الإقليمي سوف ينعكس مباشرة على الداخل المصري، سواء من خلال التأثير على الاقتصاد والطاقة والملاحة، أو عبر فتح المجال لموجات جديدة من الفوضى وعدم الاستقرار الإقليمي.

1.الاتزان الاستراتيجي المصري بهدف "تصفير الاستقطاب"

تتحرك القاهرة وفق مفهوم ”الاتزان الاستراتيجي“، وهو مفهوم يقوم على إدارة العلاقات والتوازنات الإقليمية بصورة تمنع الانخراط الكامل في أي محور يؤدي إلى تقييد حرية الحركة المصرية أو استنزاف الدولة في صراعات مفتوحة. فالمقاربة المصرية الحالية لا تقوم على سياسة الاصطفاف الحاد، وإنما على محاولة الحفاظ على شبكة علاقات متوازنة تسمح للقاهرة بالتحرك كقوة توازن إقليمي لا كطرف في حالة استقطاب دائم.

ويستند هذا المفهوم إلى مجموعة من المرتكزات الأساسية، في مقدمتها الحفاظ على التحالفات العربية التقليدية، وتجنب القطيعة الكاملة مع القوى الإقليمية المتنافسة، ودعم استقرار الدولة الوطنية العربية باعتبارها خط الدفاع الأول ضد الفوضى، إلى جانب منع انتقال الأزمات إلى المجال الحيوي المصري، مع الاعتماد بصورة أكبر على أدوات السياسة والدبلوماسية وإدارة التوازنات، بدلاً من الانخراط المباشر في الصراعات العسكرية الممتدة.

ومن هذا المنطلق، يمكن فهم الجولة الخليجية باعتبارها محاولة مصرية للحفاظ على هذا الاتزان الدقيق؛ فهي من ناحية تعكس إظهارًا واضحًا للتضامن السياسي العربي في ظل التهديدات المتصاعدة، لكنها من ناحية أخرى تؤكد تمسك القاهرة بمسارات التهدئة والحلول السياسية، ورفضها الانجرار نحو منطق الحرب الشاملة أو الاستقطاب المطلق. فالقاهرة تدرك أن الحفاظ على التوازن الإقليمي لم يعد خياراً سياسياً فقط، بل أصبح ضرورة استراتيجية لحماية الدولة الوطنية العربية ومنع انهيار المجال العربي بأكمله

المحور الأول: البُعد السياسي للجولة ورسائل إعادة التموضع العربي

تكشف الجولة الخليجية للرئيس عبد الفتاح السيسي عن تحرك مصري يتجاوز حدود التضامن السياسي التقليدي، ليعكس محاولة أوسع لإعادة تثبيت موقع القاهرة داخل معادلة الأمن العربي وإعادة تعريف دورها الإقليمي في مرحلة تشهد تحولات غير مسبوقة في بنية الشرق الأوسط. فالمنطقة تمر اليوم بحالة سيولة استراتيجية شديدة التعقيد، لم تعد فيها موازين القوى ثابتة كما كانت في العقود السابقة، بل أصبحت خاضعة لتغيرات متسارعة فرضتها الحروب الممتدة، وتراجع فعالية الدولة الوطنية في بعض الساحات، وصعود قوى إقليمية غير عربية تسعى إلى إعادة تشكيل المجال العربي وفق مصالحها ونفوذها الخاص.

وفي ظل هذا المشهد، تبدو القاهرة مدركة أن الفراغات السياسية والأمنية لا تبقى فارغة طويلاً، وأن تراجع الدور العربي الجماعي خلال السنوات الماضية فتح المجال أمام تدخلات إقليمية ودولية واسعة أعادت رسم خرائط النفوذ والتحالفات في المنطقة. فمنذ ما بعد أحداث ما سُمي بالربيع العربي، دخل النظام الإقليمي العربي في حالة إنهاك ممتدة، حيث تراجعت قدرة المؤسسات العربية التقليدية على إدارة الأزمات، بينما تحولت بعض الدول العربية إلى ساحات صراع مفتوح تتداخل فيها الحسابات الدولية والإقليمية بصورة غير مسبوقة.

وفي هذا السياق، جاءت الجولة المصرية لتعكس إدراكاً بأن المنطقة لم تعد تواجه مجرد أزمات منفصلة، بل أزمة بنيوية تتعلق بمستقبل النظام العربي نفسه. فالتصعيد العسكري المتزايد، واهتزاز منظومات الردع التقليدية، واتساع نطاق الحروب غير المباشرة، كلها عوامل دفعت القاهرة إلى التحرك بهدف منع تحول الشرق الأوسط إلى ساحة مفتوحة لإعادة إنتاج الفوضى الإقليمية بصورة أكثر خطورة.

فالاستقطاب العسكري الحالي لم يعد يقتصر على التنافس التقليدي بين الدول، وإنما أصبح يتخذ أشكالاً أكثر تعقيداً، تشمل الحروب بالوكالة، واستخدام الفاعلين من دون الدول، وتصاعد أدوار الميليشيات الإجرامية والتنظيمات المسلحة، فضلًا عن توظيف أدوات الاقتصاد والطاقة والممرات البحرية في الصراع السياسي والعسكري. ومع اهتزاز بنية الردع التقليدية، أصبحت المنطقة أقرب إلى حالة ”اللايقين الاستراتيجي“، حيث تتزايد احتمالات الانفجار الواسع نتيجة غياب قواعد اشتباك مستقرة أو توازنات واضحة يمكن البناء عليها.

وفي الوقت نفسه، برزت أدوار متزايدة لقوى غير عربية تسعى إلى توسيع نفوذها داخل المجال العربي، مستفيدة من الانقسامات العربية ومن ضعف القدرة الجماعية على إدارة التهديدات. وهو ما خلق بيئة إقليمية شديدة الحساسية والسيولة، تدرك القاهرة أن استمرارها لفترة طويلة قد يؤدي إلى تآكل مفهوم الأمن العربي ذاته، وتحويل المنطقة إلى مجموعة من الساحات المتنازعة التي تُدار وفق مصالح القوى الخارجية لا وفق أولويات الدول العربية.

ومن هنا يمكن فهم الرسالة السياسية الأعمق للجولة، إذ تسعى مصر إلى إعادة تقديم نفسها باعتبارها ”دولة ارتكاز عربي“قادرة على لعب دور الضابط النسبي للتوازنات داخل الإقليم. فالقاهرة لا تتحرك فقط بوصفها دولة تبحث عن حماية مصالحها المباشرة، وإنما باعتبارها دولة ترى أن الحفاظ على الحد الأدنى من التوازن داخل النظام العربي يمثل ضرورة لحماية استقرار المنطقة بأكملها.

كما تحاول مصر التأكيد على أنها ما تزال تمتلك قدرة على التواصل مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية، دون الانغلاق داخل محور واحد أو الدخول في حالة استقطاب كامل. وهذه النقطة بالذات تمثل أحد أهم عناصر التحرك المصري الحالي؛ فالقاهرة تدرك أن البيئة الإقليمية الحالية لا تسمح بسياسات الصدام المطلق أو التحالفات الجامدة، بل تتطلب قدرة عالية على إدارة التناقضات والحفاظ على مساحات الحركة السياسية والدبلوماسية.

فالقاهرة تدرك أن غياب التوازن لا يعني فقط تصاعد الحروب، بل يعني أيضًا انهيار قدرة الدول الوطنية على البقاء، وفتح المجال أمام موجات ممتدة من الفوضى العابرة للحدود، بما يشمل الإرهاب والهجرة غير الشرعية والانهيارات الاقتصادية والأمنية.ولذلك، فإن الرسالة الأساسية التي تحملها الجولة تتمثل في رفض القاهرة لإعادة تشكيل المجال العربي عبر منطق القوة العسكرية المنفردة أو الهيمنة الإقليمية الأحادية. فمصر ترى أن أي محاولة لفرض ترتيبات إقليمية بالقوة سوف تؤدي في النهاية إلى مزيد من التفكك والصراع، وليس إلى بناء استقرار دائم. ولهذا تتحرك القاهرة باتجاه صياغة توازنات سياسية جديدة، تقوم على فكرة احتواء الصراعات لا توسيعها، والحفاظ على الدولة الوطنية العربية لا تفكيكها، ومنع انهيار الإقليم في لحظة تبدو فيها المنطقة أقرب من أي وقت مضى إلى إعادة رسم شاملة لخرائط النفوذ والقوة

المحور الثاني: البُعد الدبلوماسي ومسار التهدئة الإقليمية

يُعد البُعد الدبلوماسي أحد أكثر الأبعاد وضوحًا في الجولة الخليجية للرئيس عبد الفتاح السيسي، إذ كشفت التحركات المصرية عن تمسك واضح بفكرة إدارة الصراعات عبر الأدوات السياسية والدبلوماسية، لا عبر الانزلاق إلى مواجهات إقليمية مفتوحة يصعب التحكم في تداعياتها. فالقاهرة تتحرك انطلاقًا من إدراك استراتيجي يعتبر أن المنطقة وصلت بالفعل إلى مستوى مرتفع من الهشاشة الأمنية والسياسية، وأن أي توسع إضافي للصراع الحالي قد يدفع الشرق الأوسط إلى مرحلة طويلة من عدم الاستقرار تتجاوز حدود الأطراف المنخرطة مباشرة في الأزمة.

وفي هذا السياق، تبدو الرؤية المصرية امتدادًا لعقيدة سياسية ترسخت عبر عقود، تقوم على تجنب الحروب الإقليمية الشاملة باعتبارها من أكثر العوامل تهديدًا لبقاء الدولة الوطنية واستقرار المجتمعات. فالتجربة التاريخية في المنطقة أثبتت، من وجهة النظر المصرية، أن الحروب الممتدة لا تُنتج انتصارات مستقرة بقدر ما تُنتج فراغات أمنية وسياسية، وتُضعف المؤسسات الوطنية، وتفتح المجال لتدخلات خارجية متزايدة، سواء من القوى الكبرى أو من الفاعلين الإقليميين الساعين إلى توسيع نفوذهم داخل ساحات الصراع.

كما تنطلق القاهرة من قناعة راسخة بأن اتساع الحروب الإقليمية يؤدي تدريجيًا إلى إعادة إنتاج بيئات الفوضى والتنظيمات الإرهابية المسلحة، وهو ما شهدته المنطقة خلال العقدين الماضيين بصورة واضحة. فكلما تراجعت قدرة الدولة الوطنية على فرض السيطرة والاستقرار، ظهرت أنماط جديدة من التهديدات العابرة للحدود، بما يشمل الميليشيات المسلحة، والتنظيمات المتطرفة، وشبكات التهريب والهجرة غير الشرعية، فضلاً عن الانهيارات الاقتصادية والإنسانية التي تمتد آثارها إلى الإقليم بأكمله.

ومن هنا، جاء التركيز المصري خلال الجولة على دعم مسارات الحوار والحلول السياسية باعتبارها الخيار الأقل كلفة والأكثر قدرة على منع انهيار التوازنات الإقليمية بالكامل. حيث حرصت مصر على التأكيد على أهمية الحفاظ على القنوات السياسية مفتوحة بين مختلف الأطراف، لأن انهيار الاتصالات الدبلوماسية يعني عمليًا فقدان أدوات احتواء الأزمة. فالدبلوماسية المصرية تتحرك وفق منطق يقوم على أن بقاء خطوط التواصل، حتى في ذروة التصعيد، يظل ضرورة استراتيجية لمنع الوصول إلى نقطة اللاعودة، خاصة في منطقة تتشابك فيها المصالح والتحالفات بصورة معقدة تجعل أي انفجار واسع النطاق قابلًا للامتداد خارج الحدود التقليدية للصراع.

كما يعكس التحرك المصري دعمًا واضحًا لفكرة الوساطات الإقليمية باعتبارها أحد أهم أدوات منع التصعيد. فالقاهرة ترى أن الحلول التي تُفرض بالكامل من الخارج غالبًا ما تفتقر إلى القدرة على إنتاج استقرار دائم، بينما تظل التفاهمات الإقليمية أكثر قابلية للاستمرار إذا استندت إلى إدراك مشترك لمخاطر الانفجار الشامل. ولهذا فإن دعم الوساطات السياسية لا يرتبط فقط بمحاولة إنهاء الأزمة الحالية، وإنما أيضًا بمحاولة الحفاظ على الحد الأدنى من التوازن داخل الإقليم ومنع انهيار فرص التفاوض بصورة كاملة.

المحور الثالث: البُعد الاقتصادي وأمن الدولة الوطنية

لا يمكن فهم الجولة الخليجية للرئيس عبد الفتاح السيسي بمعزل عن البُعد الاقتصادي، لأن مفهوم الأمن القومي في الرؤية المصرية الحديثة لم يعد مقتصرًا على الاعتبارات العسكرية أو الأمنية التقليدية، بل أصبح يرتبط بصورة مباشرة بقدرة الدولة على حماية استقرارها الاقتصادي والحفاظ على تماسكها الداخلي في مواجهة الاضطرابات الإقليمية والدولية. فالقاهرة تنظر اليوم إلى الاقتصاد باعتباره أحد المكونات الرئيسية للأمن القومي، بل ربما أحد أكثرها حساسية، في ظل عالم تتداخل فيه الأزمات الجيوسياسية مع أسواق الطاقة والتجارة والاستثمار وحركة النقل والممرات البحرية.

في هذا السياق، تدرك القيادة المصرية أن أي اضطراب واسع النطاق في منطقة الخليج لن يظل محصورًا داخل الإطار العسكري أو السياسي، بل سيمتد سريعًا إلى المجال الاقتصادي بصورة قد تؤثر مباشرة على الداخل المصري. فالخليج يمثل أحد أهم المراكز الحيوية للاقتصاد الإقليمي والعالمي، سواء باعتباره محورًا رئيسيًا للطاقة، أو بوصفه مركزًا ماليًا واستثماريًا مؤثرًا، أو باعتباره نقطة ارتكاز لحركة التجارة والملاحة الدولية.

من هنا، فإن اتساع دائرة التوترات الإقليمية يهدد بإحداث اضطرابات مباشرة في أسواق الطاقة العالمية، وهو ما ينعكس تلقائيًا بحكم اقتصاد الشبكة على الاقتصادات المستوردة للطاقة أو المرتبطة بحركة التجارة الدولية. كما أن أي تهديد للممرات البحرية أو لحرية الملاحة في البحر الأحمر والخليج والمضائق الاستراتيجية سوف يؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل والتأمين والشحن، بما يفرض ضغوطاً إضافية على اقتصادات المنطقة بأكملها، وفي مقدمتها الاقتصاد المصري الذي يعتمد بصورة كبيرة على استقرار حركة التجارة الدولية وعوائد الممرات البحرية.

لا يتوقف الأمر عند ذلك، بل يمتد أيضًا إلى ملف الاستثمارات العربية، حيث تنظر مصر إلى الاستقرار الإقليمي باعتباره شرطًا أساسيًا لاستمرار تدفقات الاستثمار والتعاون الاقتصادي التنموي. فالمناخ الإقليمي المضطرب يؤدي عادة إلى تراجع الاستثمارات، وارتفاع معدلات المخاطرة، وتعطل خطط التنمية والتوسع الاقتصادي، وهي أمور تدرك القاهرة أنها تمثل تحديًا مباشرًا لمفهوم ”أمن الدولة الوطنية“في صورته الاقتصادية الحديثة.

لهذا، فإن البُعد الاقتصادي للجولة لا يقل أهمية عن أبعادها السياسية أو الدبلوماسية، لأنه يكشف عن إدراك مصري متزايد بأن معارك المستقبل لن تُحسم فقط بالقوة العسكرية، وإنما أيضًا بقدرة الدول على حماية اقتصاداتها الوطنية، وتأمين مصالحها الاستراتيجية، والحفاظ على استقرار المجال الإقليمي الذي تتحرك داخله.

المحور الرابع: إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية

تكشف الجولة الخليجية للرئيس عبد الفتاح السيسي عن أن المنطقة دخلت بالفعل مرحلة جديدة في إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية ما بعد الحرب الحالية، والتي ستختلف بصورة جوهرية عن أنماط التحالفات التقليدية التي حكمت الشرق الأوسط لعقود طويلة. فالمعادلات القديمة التي تأسست على الانقسامات الأيديولوجية أو الاصطفافات السياسية الجامدة، لم تعد وحدها قادرة على تفسير طبيعة التحركات الحالية أو شكل التفاعلات الإقليمية المتسارعة، بعدما فرضت التحولات الأمنية والاقتصادية والعسكرية واقعاً أكثر تعقيداً وسيولة.

فالشرق الأوسط يعيش اليوم مرحلة إعادة تعريف لمفهوم التحالف ذاته؛ إذ لم تعد الدول تتحرك فقط وفق اعتبارات الهوية السياسية أو الانتماء الأيديولوجي، وإنما وفق حسابات تتعلق بإدارة التهديدات العابرة للحدود، وحماية الأمن الاقتصادي، وتأمين الممرات البحرية، والحفاظ على استقرار الدولة الوطنية في مواجهة موجات الفوضى والانهيار، وفوق كل ذلك تحقيق مصالحها الوطنية. ومن هنا أصبحت قضايا مثل أمن الطاقة، وأمن الملاحة الدولية، ومكافحة التنظيمات المسلحة، ومنع تفكك الدول، عناصر مركزية في تشكيل التحالفات الجديدة، ربما أكثر من الشعارات السياسية التقليدية التي حكمت المنطقة في مراحل سابقة.

لذلك تسعى مصر إلى بناء شبكة من التوازنات الإقليمية المرنة، تقوم على التنسيق العربي والانفتاح السياسي وتعدد الشراكات، بدلًا من الانخراط في استقطاب حاد قد يقود المنطقة إلى مزيد من الانقسام والتفكك.حيث تعكس هذه المقاربة المصرية إدراكًا بأن موازين القوة في الشرق الأوسط لم تعد مستقرة أو قابلة للتنبؤ بصورة كاملة، وأن المنطقة تتجه نحو نظام إقليمي أكثر سيولة وتعقيدًا، تتراجع فيه الحدود الفاصلة بين الأمني والسياسي والاقتصادي. فالقوى الإقليمية لم تعد تستخدم فقط أدوات القوة العسكرية التقليدية، بل باتت تعتمد أيضاً على الاقتصاد والطاقة والممرات البحرية والفاعلين غير الدولتيين والتأثيرات التكنولوجية والإعلامية كأدوات لإعادة تشكيل النفوذ داخل الإقليم.

من هنا، يبدو أن القاهرة تحاول إعادة صياغة دورها الإقليمي بما يتلاءم مع هذه البيئة الجديدة، فالدبلوماسية المصرية الحالية تتحرك وفق منطق ”إدارة التوازن“لا”حسم الصراع“، إدراكًا منها أن طبيعة المرحلة لم تعد تسمح بحلول حاسمة بقدر ما تفرض البحث عن صيغ تمنع الانفجار وتحافظ على الحد الأدنى من الاستقرار الإقليمي من خلال ”تصفير الاستقطاب“.

2.التحديات الاستراتيجية أمام القاهرة

ورغم أهمية التحرك المصري ودلالاته الإقليمية الواسعة، فإن القاهرة تتحرك داخل واحدة من أكثر البيئات الاستراتيجية تعقيدًا منذ عقود، بسبب تراكم الأزمات وتداخل الضغوط الأمنية والسياسية والاقتصادية في وقت واحد. فصانع القرار المصري لا يتعامل مع أزمة منفردة يمكن احتواؤها بصورة مستقلة، وإنما مع طوق ممتد من التهديدات المتزامنة التي تفرض على الدولة المصرية إعادة حساب أولوياتها بصورة مستمرة.

أولًا: الضغوط الجيوسياسية المتزامنة

تواجه مصر حاليًا شبكة معقدة من الأزمات الإقليمية الممتدة، تبدأ من الحرب في غزة وما تفرضه من ضغوط أمنية وإنسانية وسياسية على الحدود المصرية، ولا تنتهي عند الأزمة السودانية التي تمثل تهديدًا مباشرًا للاستقرار جنوبًا، مرورًا بالانقسام الليبي الذي ما يزال يمثل أحد أبرز مصادر القلق الاستراتيجي غربًا، فضلًا عن التهديدات المتزايدة المرتبطة بأمن البحر الأحمر وخطوط الملاحة الدولية.

وفي الوقت نفسه، تستمر أزمة السد الإثيوبي باعتبارها أحد أخطر التحديات المرتبطة بالأمن القومي المصري، نظرًا لاتصالها المباشر بقضية المياه بوصفها قضية وجودية للدولة المصرية. كما يتصاعد التنافس الدولي والإقليمي في شرق المتوسط بصورة تعكس حجم التحولات التي يشهدها الإقليم، خاصة مع ارتباط المنطقة بملفات الطاقة والممرات البحرية والتحالفات العسكرية الجديدة.ولذلك تتحرك مصر بحذر شديد، في محاولة للحفاظ على توازن يسمح لها بحماية مصالحها الحيوية دون الانجرار إلى استنزاف طويل المدى.

ثانيًا: هشاشة النظام الإقليمي العربي

تكشف التطورات الحالية أيضاً عن أزمة أعمق تتعلق بهشاشة النظام العربي ذاته، بعدما تراجعت خلال السنوات الماضية قدرة الدول العربية على إنتاج مواقف جماعية موحدة أو بناء آليات فعالة لإدارة الأزمات الإقليمية بصورة مؤسسية. فالنظام العربي الذي كان يمتلك في مراحل سابقة قدرًا من التماسك النسبي، أصبح اليوم أكثر عرضة للانقسام والاستقطاب، في ظل اختلاف أولويات الدول العربية وتباين تصوراتها للتهديدات الإقليمية.

كما تراجعت فعالية مفاهيم الردع الجماعي والأمن العربي المشترك، لتحل محلها ترتيبات أكثر مرونة وأقل استقرارًا، تعتمد غالبًا على التحالفات المؤقتة أو التفاهمات المرحلية. وهذا الوضع خلق فراغًا سياسيًا وأمنيًا واسع المجال، استغلته قوى إقليمية ودولية لتعزيز حضورها داخل المجال العربي.غير أن قدرة مصر على التأثير تظل مرتبطة بطبيعة الانقسامات الحالية وبمدى استعداد الأطراف المختلفة لبناء مقاربات جماعية لإدارة التهديدات الإقليمية.

ثالثاً: معادلة التوازن بين الردع والتهدئة

تمثل معادلة التوازن بين الردع والتهدئة واحدة من أكثر التحديات تعقيداً أمام السياسة المصرية الحالية. فالقاهرة مطالبة من ناحية بدعم الأمن العربي والتأكيد على رفض تهديد استقرار الدول العربية أو المساس بسيادتها، لكنها في الوقت نفسه تدرك أن الانزلاق إلى مواجهة إقليمية مفتوحة قد يقود إلى نتائج كارثية على المنطقة بأكملها.

ومن هنا، تحاول مصر إدارة معادلة دقيقة تقوم على استخدام الحضور السياسي والدبلوماسي كوسيلة لمنع الانفجار لا لتوسيعه، مع الحفاظ في الوقت ذاته على رسائل واضحة تؤكد تمسكها باستقرار النظام الإقليمي العربي ورفضها فرض ترتيبات جديدة بالقوة العسكرية وحدها.

نخلص أن الجولة الخليجية للرئيس عبد الفتاح السيسي تكشف أن القاهرة لم تعد تتعامل مع أزمات المنطقة بوصفها تطورات منفصلة أو تهديدات مؤقتة، بل باعتبارها جزءًا من تحوّل أوسع يطال شكل النظام الإقليمي العربي نفسه. فالمشهد الحالي لا يعكس فقط تصاعدًا في التوترات، وإنما يعكس لحظة إعادة تشكيل لموازين القوة والتحالفات ومفاهيم الأمن داخل الشرق الأوسط.

ومن هنا، يبدو التحرك المصري محاولة لإعادة تثبيت فكرة ”التوازن العربي“في مواجهة بيئة تتجه تدريجيًا نحو الاستقطاب والفوضى المفتوحة. فالقاهرة تتحرك انطلاقًا من قناعة بأن انهيار المجال العربي لن يهدد دولة بعينها، بل سيقود إلى تفكك إقليمي واسع تتجاوز تداعياته الحدود السياسية التقليدية، بما يحمله ذلك من تهديد مباشر للأمن القومي العربي وللدولة الوطنية في المنطقة.

كما تعكس الجولة إدراكًا مصرياً بأن المرحلة المقبلة لن تُدار عبر التحالفات الصلبة أو الاصطفافات التقليدية، وإنما عبر شبكات مرنة من التفاهمات والتوازنات السياسية والأمنية والاقتصادية، تتيح قدرًا من الاستقرار في إقليم أصبح أكثر اضطراباً وسيولة وتعقيداً من أي وقت مضى.

طباعة

    تعريف الكاتب

    أحمد ناجي قمحة

    أحمد ناجي قمحة

    رئيس تحرير مجلتى السياسة الدولية والديمقراطية