دخل النظام العالمي مرحلة جديدة من القطبية عقب 28 فبراير 2026، الذي شنت القوات الأمريكية- الإسرائيلية خلاله ضربات عسكرية جوية ضد أهداف داخل إيران، ليشهد العالم عقبها تصعيدا خطيرا في منطقة الشرق الأوسط، أدى إلى عواقب اقتصادية وخيمة، خاصة بعد قرار إيران بغلق مضيق هرمز،مما أدى إلى ارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط، وأضر بالمصالح الاقتصادية لكافة الدول. وأمام الصمود الإيراني غير المتوقع في الحرب والذي أرجعه الخبراء إلى المساندة الخفية من قبل الصين وروسيا لها، ثبت فشل القوات الأمريكية في خوض حرب خاطفة في المنطقة، خاصة مع تخلي حلفائها عنها، وربما تراجع مكانتها كقوة عظمى، مما أثار التساؤل حول الحسابات الصينية تجاه الحرب وفرصتها في الصعود وزيادة نفوذها في المنطقة، حيث تطورت علاقة الصين بإيران على مدى عقود من تعاون محدود إلى شراكة استراتيجية واسعة تشمل الأبعاد الاقتصادية، والدبلوماسية، والأمنية، والذي يتعارض الكثير منها بشكل مباشر مع السياسة الخارجية الأمريكية ومصالح الأمن القومي الأمريكي، فالصين تنظر إلى إيران كشريك في موازنة النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط وتسعي إلى تقويض النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة، وكذلك كمورد رئيسي لموارد الطاقة المخفضة، كما ترتبط الصين في الوقت ذاته مع دول الخليج بشراكات اقتصادية واستثمارات كبيرة، تجعلها تحتاج إلى الموازنة الاستراتيجية في قراراتها. وللإجابة عن هذا التساؤل يجب علينا النظر في حدود الدور الصيني في الحرب الإيرانية-الأمريكية الإسرائيلية والمكاسب والخسائر التي طالت الصين من الحرب، وذلك من أجل تحليل الاستراتيجية الصينية التي اتبعتها الصين خلال الحرب في الشرق الأوسط.
وتهدف هذه الدراسة إلى استكشاف أثر التصعيد في منطقة الشرق الأوسط على الصعود الصيني العالمي، واستكشاف قدرة الصين على الموازنة بين مصالحها الاستراتيجية، ومدى قدرتها على مناصرة حلفائها.
أولا- الموقف الصيني من الحرب:
منذ بداية الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، حاولت الصين تحقيق معادلة التوازن الاستراتيجي تجاه كل من إيران ودول الخليج؛ فاتخذت موقفا محايدا تجاه الأطراف المتصارعة دون التدخل الفعلي، واكتفت بإعلان قلقها من الضربات العسكرية[1]، كما أدانت قتل المرشد الإيراني "على خامنئي" وقادة إيران، وطالبت بوقف فوري للأعمال العدائية كافة، وحثت دول الخليج على الاتحاد لمعارضة التدخل الخارجي[2]، وخلال المؤتمر الصحفي الذي عُقد في 8 مارس الماضى قام عضو المكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني ووزير الخارجية "وانغ يي" بتوضيح موقف الصين بشأن الوضع في إيران، حيث أشار إلى أن موقف الصين من هذه القضية موضوعي ومحايد، ويمكن تلخيصه في رسالة أساسية واحدة، وهي تحقيق وقف إطلاق النار وإنهاء الأعمال العدائية، كما أوضح أن هذه الحرب ما كان ينبغي أن تحدث، ولا تعود بالنفع على أحد. كما دعت الصين إلى الوقف الفوري للعمليات العسكرية لتجنب تصاعد الوضع بشكل متسارع ومنع امتداد الصراع وانتشاره، ومن أجل التوصل إلى حل مناسب للقضايا المتعلقة بإيران والشرق الأوسط، يجب الالتزام بالمبادئ الأساسية التالية: احترام السيادة الوطنية، ورفض إساءة استخدام القوة خاصة ضد المدنيين، وعدم التدخل في الشئون الداخلية لمنطقة الشرق الأوسط والتي يجب أن تحدد من قبل دول المنطقة بشكل مستقل، والدفع نحو تسوية سياسية للقضايا الساخنة، كما يجب على الدول الكبرى أن تلعب دورًا بنّاءً وأن تستخدم قدراتها بحسن نية، كما أشارت الصين إلى استعدادها للعمل مع دول الشرق الأوسط لتنفيذ مبادرة الأمن العالمي، واستعادة النظام في الشرق الأوسط، وإعادة الطمأنينة إلى الشعوب، وإحلال السلام في العالم[3].
وبالنسبة لموقف الصين من الاعتداء الإيراني على دول الخليج، فقد صرحت بأنها لا توافق على الهجمات ضد دول منطقة الخليج وتدين الهجمات العشوائية ضد المدنيين أو الأهداف غير العسكرية، كما أعلنت أن الأولوية الملحة هي وقف العمليات العسكرية فورا ومنع انتشار الصراع،وأشارت أن الحل للخروج من الصراع هو العودة إلى الحوار والتفاوض في أسرع وقت ممكن والسعي لاستعادة السلام،والعودة المشتركة إلى المسار الصحيح للالتزام بالقانون الدولي والمعايير الأساسية للعلاقات الدولية[4].
وعلى الرغم من الموقف المحايد الذي حاولت الصين المحافظة عليه،إلا أنها مالت قليلا نحو إيران في مجلس الأمن للمحافظة على مصالحها الاستراتيجية في المنطقة،حيث استخدم الممثل الدائم للصين لدى الأمم المتحدة"فو تسونغ" حق النقض ضد مشروع القرار البحريني في الأمم المتحدة والذي يشجع الدول على تنسيق الجهود لحماية الملاحة التجارية في مضيق هرمز، وبرر ذلك أمام الجمعية العامة يوم 16 أبريل بأنه أدى إلى منع تصعيد التوتر وتهيئة ظروف مواتية للتوصل إلى وقف إطلاق نار مؤقت وبدء الحوار والمفاوضات[5].
وفي الوقت نفسه أولت الصين اهتماما بالغا لتطوير علاقاتها مع المملكة العربية السعودية، حيث صادف هذا العام الذكرى السنوية الـ10 لإقامة علاقات الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين، وحرصت الصين على انتهاز هذه الفرصة للعمل مع الجانب السعودي على تعميق الثقة المتبادلة على الصعيد الاستراتيجي، وتدعيم التعاون العملي، وتوسيع التبادلات على كافة المستويات، ومواصلة تعزيز العلاقات الصينية السعودية عمقا واتساعا[6].
أما بالنسبة للإمارات أعلنت الصين أنها تولي اهتماما كبيرا لتطوير العلاقات معها، كما أشار الرئيس الصيني "شي جين بينغ" إلى أن الدول في الشرق الأوسط ومنطقة الخليج هي دول جيران لا يمكن فصلها عن بعضها بعضا، وتعتمد كل منها على الأخرى. وشدد على أنه يتعين بذل جهود بغية دعم هذه الدول في تحسين علاقاتها، وأشار إلى أنه من الضروري تعزيز بناء هيكل أمني مشترك وشامل وتعاوني ومستدام لمنطقة الشرق الأوسط ومنطقة الخليج[7].
ثانيا- مكاسب الصين من الحرب:
أشارت العديد من التقارير المختلفة إلى أن الصين أحد المستفيدين من الحرب في الشرق الأوسط، وفي الحقيقة لا يمكن إنكار ذلك، نظرا لوجود عدد من المكاسب التي تجنيها الصين من تلك الحرب والتي من بينها:
1- تعزيز مكانتها كوسيط إقليمي؛ حيث حاولت الصين التدخل من أجل الوساطة في حل الأزمة والمشاركة في وقف إطلاق النار، وقدمت في نهاية مارس بالمشاركة مع باكستان مقترحا يتكون من خمس نقاط، دعت خلاله إلى وقف فوري للأعمال العدائية في المنطقة وإجراء محادثات سلام في أسرع وقت مع صون سيادة ووحدة أراضي واستقلال وأمن إيران ودول الخليج، ووقف الهجمات على المدنيين والأهداف غير العسكرية، وضمان أمن الممرات الملاحية، وأخيرا بذل الجهود لتطبيق تعددية حقيقية، وتعزيز مكانة الأمم المتحدة، ودعم التوصل إلى اتفاق لإرساء إطار شامل للسلام وتحقيق سلام دائم، استنادًا إلى مقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي[8]،ويُنسب إلى صُنّاع القرار في بكين أنهم دفعوا إيران نحو الموافقة على وقف إطلاق النار[9]، على الرغم من عدم وجود تأكيد على ذلك.
2- مكاسب اقتصادية: تتمثل في صفقات بيع السلاح غير المعلنة بشكل رسمي من قبل الصين، حيث أشارت تقارير الصحف الأمريكية إلى معلومات استخباراتية أمريكية تتهم الصين بالاستعداد لتسليم أنظمة دفاع جوي جديدة إلى إيران،كما أن هناك مؤشرات على أن بكين تعمل على تمرير الشحنات عبر دول ثالثة لإخفاء مصدرها الحقيقي،وأنها تستعد لنقل أنظمة صواريخ مضادة للطائرات تُطلق من على الكتف، تُعرف باسم MANPADS، والتي شكلت تهديدًا غير متماثل للطائرات العسكرية الأمريكية التي تحلق على ارتفاع منخفض طوال فترة الحرب التي استمرت ستة أسابيع، ويمكن أن تفعل ذلك مجددًا إذا انهار وقف إطلاق النار. لكن الصين نفت ذلك، حيث صرح المتحدث باسم السفارة الصينية في واشنطن: "لم تقدم الصين أبدًا أسلحة لأي طرف في النزاع؛ والمعلومات المذكورة غير صحيحة"[10].
3- اختبار الأسلحة الصينية: تعتبر الحرب في الشرق الأوسط الاختبار الثاني للأسلحة الصينية في مواجهة الأسلحة الأمريكية والغربية بعد الحرب الهندية-الباكستانية، حيث أدعت الولايات المتحدة أن الصين قدمت دعمًا عسكريًا لإيران، بما في ذلك مكونات تستخدم في الصواريخ الباليستية، وقد ترفع مستوى دعمها عبر أنظمة رادار متقدمة وصواريخ بحرية[11]. وأشار الرئيس الأمريكي "ترامب" خلال مؤتمر صحفي إلى أن طائرة مقاتلة من طراز F-15أُسقطت فوق إيران أصيبت بـ"صاروخ يُطلق من الكتف، وصاروخ موجه بالحرارة"، بينما قالت إيران إنها استخدمت نظام دفاع جوي "جديد" لإسقاط الطائرة دون تقديم مزيد من التفاصيل، وليس من الواضح ما إذا كان هذا النظام صيني الصنع[12]. كما أن هناك أدلة قوية على أن روسيا والصين قدمتا لإيران معلومات استخباراتية، بما في ذلك صور وبيانات إشارات، لمساعدتها في الاستهداف وتقييم الأضرار[13].
كما أشارت الصحف الأمريكية إلى أن الصين واصلت تزويد إيران بتقنيات ومواد مزدوجة الاستخدام ساعدتها على تطوير ترسانة من الصواريخ والطائرات بدون طيار. وشمل ذلك:مواد كيميائية تُستخدم في إنتاج وقود الصواريخ الباليستية، ومكونات للطائرات بدون طيار، مثل موصلات الترددات الراديوية وشفرات التوربينات، ويعد هذا الدعم حاسما، نظرًا لاعتماد إيران على الصواريخ والطائرات بدون طيار في استهداف القوات الأمريكية والإسرائيلية،وقد فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على شركات صينية وشركات واجهة في هونج كونج قالت إنها كانت توفر مكونات للصواريخ والطائرات بدون طيار الإيرانية [14].وأشار تقرير نشر عن "لجنة مراجعة الاقتصاد والأمن بين الولايات المتحدة والصين" الأمريكية، بعنوان "ورقة حقائق بين الصين وإيران: مقدمة قصيرة عن العلاقة" إلى أنه في الأيام التي سبقت الضربات الأمريكية والإسرائيلية في فبراير 2026، أشارت عدة تقارير إلى أن الصين كانت منخرطة في مبيعات أسلحة مباشرة لإيران — طائرات بدون طيار هجومية وصفقة شبه مكتملة لبيع صواريخ كروز مضادة للسفن، رغم أن الطرفين لم يتفقا على موعد التسليم،أيضا غادرت سفينتان إيرانيتان مملوكتان للدولة في 2 مارس ميناء غاولان في الصين إلى إيران، ويُعتقد أنهما تنقلان بيركلورات الصوديوم، وهو مادة أولية رئيسية تُستخدم في وقود الصواريخ الصلبة[15]، وقد رفعت تلك المساعدات قدرة إيران على توجيه ضربات لكل من إسرائيل ودول الخليج، وأيضا زادت من قدراتها على التصدي للضربات الأمريكية-الإسرائيلية. ولكن تظل جميع تلك الادعاءات بمساندة الصين لإيران عسكريا وتزويدها بتكنولوجيا استخباراتية مجرد ادعاءات أمريكية فقط، نفت الصين جميعها، كما اعترضت الصين على فرض عقوبات أمريكية على خمس شركات صينية، حيث أصدرت وزارة التجارة الصينية، حظرا يمنع أي اعتراف أو إنفاذ أو امتثال للعقوبات الأمريكية المفروضة على الشركات الخمس، على خلفية مزاعم تورطها في تعاملات نفطية مع إيران.
4- تمدد النفوذ الصيني:ساهمت الحرب في الشرق الأوسط على تمدد النفوذ الصيني، ويرجع ذلك إلى تراجع الهيمنة الأمريكية نتيجة لسوء أدائها في الحرب،فطبقا لمقال نشرته صحيفة The Economistبعنوان "كيف تأمل الصين في الفوز في الحرب" ترى بكين أن أمريكا تهاجم إيران لأنها تشعر بأن قوتها تتراجع، وتُعد أفكار "ترامب" حول عملية برية علامة على مدى سهولة أن تقود خطوة غير محسوبة إلى أخرى. وإذا غرقت إيران في الفوضى أو تمسك النظام بالسلطة، فقد تقضي أمريكا سنوات في إخماد الحرائق في الشرق الأوسط. كل ذلك سيشتت الولايات المتحدة عن شرق آسيا، كما ستقلق هذه الحرب الدول التي تعتمد على الولايات المتحدة. فحليفها لم يصبح أقل موثوقية فحسب، بل إنها تدفع ثمن اندفاعه عبر ارتفاع أسعار الطاقة والمواد الخام. فهل ستصبح الدول الآسيوية أكثر حذرًا من إغضاب الصين؟ يرى المسئولون الصينيون أن الحرب تُظهر حكمة تركيز الرئيس الصيني على تحقيق الاكتفاء الذاتي في التكنولوجيا والموارد، حتى وإن جاء ذلك على حساب النمو الاقتصادي. فقد سعى الرئيس الصيني"شي جين بينغ" إلى حماية الصين من الاختناقات المحتملة، وأنشأ احتياطيًا استراتيجيًا من النفط الخام يبلغ 1.3 مليار برميل، يكفي لعدة أشهر، كما نوّع مصادر الطاقة إلى النووية، والشمسية، والرياح، مع الحفاظ على الفحم المحلي، وتتبع الصين نهجًا عمليًا بتسهيل تجارة النفط الإيراني[16]. كل ذلك سيدفع الدول المحيطة بالصين إلى محاولة التوصل إلى نقاط تفاهم وتقارب معها لتجنب الصدام مع الصين، خاصة بعد تراجع الثقة في الولايات المتحدة وفي قدرتها على اتخاذ قرارات حكيمة تحجب الصراعات والخسائر. أيضا ترى كل من موسكو وبكين في هذا الصراع فرصة لتقويض المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط ومناطق أخرى. كما يسعى الطرفان إلى استغلال الحرب لإضعاف القوة الأمريكية، والحصول على معلومات استخباراتية حول الأنظمة العسكرية الأمريكية، وتقويض النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة. وكلاهما يمتلك مجموعة واسعة من الأدوات لتحقيق ذلك، سواء كانت دبلوماسية أو عسكرية، علنية أو سرية.
5- زيادة الشراكات الاقتصادية: من المتوقع أن تستفيد الشركات الصينية بعد انتهاء الحرب من إعادة الإعمار في دول الخليج وإيران، نظرا لسهولة وسرعة وصول تلك الشركات للمنطقة، وأيضا التقنيات التكنولوجية العالية التي تمتلكها الشركات الصينية والتي تؤهلها لتلك المهمة.
6- زيادة الطلب على اليوان الصيني:أدى الإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز من قبل إيران، وقرارها بالسماح لبعض السفن بالمرور في حال دفعها باليوان الصيني، إلى تحويل "البترويوان" من بديل نظري إلى أداة جيوسياسية ناشئة. ومع ذلك، وعلى الرغم من أن هذه التطورات تمثل نقطة تحول مهمة، فإنها لا تبشر بإزاحة فورية لنظام "البترودولار". بل تشير إلى نظام نقدي أكثر تفتتًا، قائم على الإكراه، ومتعدد الأقطاب. وفي الوقت نفسه، لا يعني هذا التحول تلقائيًا هيمنة البترويوان؛ إذ لا يزال المصدرون يفضلون سيولة وقابلية تحويل الأصول الدولارية، كما يستمر العديد منهم في التسعير بالدولار حتى عندما تتم التسوية بعملات أخرى. والنتيجة هي انفصال تدريجي بين التسعير والتسوية، أي نظام هجين يتوسع فيه استخدام اليوان دون أن يحل محل الدولار كوحدة حساب عالمية،فضلا عن أن تقييد المرور، وفرض رسوم، والإبلاغ عن المطالبة بالدفع باليوان الصيني، أدخلت طهران شكلًا من «الإكراه النقدي» غير المسبوق في أسواق الطاقة الحديثة،وسيتوسع البترويوان كنظام موازٍ، مدعومًا بشبكات التجارة الصينية، والبنية التحتية البديلة، والدول التي تسعى لتجنب الهيمنة المالية الأمريكية. وفي النهاية، سيعتمد مستقبل البترويوان على قدرة الصين على بناء أسس مؤسسية لعملة عالمية، إذ إن الصدمات الجيوسياسية قد تسرّع التغيير، لكنها لا يمكن أن تحل محل الشروط العميقة اللازمة لهيمنة العملة[17].
7- قضية تايوان: أثبتت الحرب في الشرق الأوسط أن الولايات المتحدة شريك غير جدير بالثقة، ولا يمكن الوثوق به في التدخل عسكريا من أجل تايوان ضد الصين، في حين أنه لم يستطع تحقيق أهدافه المعلنة كاملة في إيران، رغم وجود القواعد العسكرية الأمريكية بالمنطقة، وأيضا تخلي الناتو عن الولايات المتحدة وعدم مساعدته عسكريا في الحرب، مما يثير التساؤل حول قدرة الولايات المتحدة على الحرب داخل المجال الحيوي الصيني، وداخل منطقة نفوذ الصين نفسها، وبالتالي ستحقق الصين العديد من المكاسب في تلك القضية.
ثالثا- خسائر الصين من الحرب:
على الرغم من المكاسب التي جنتها الصين من الحرب، إلا أن هناك العديد من الخسائر الصينية الكبرى، والتي تدفع الصين إلى التدخل من أجل إنهاء الحرب في المنطقة، والتوصل إلى تسوية سريعا، ومن بين تلك الخسائر ما يلي:
1- الإحراج السياسي: تطرح الصين نفسها بصفتها قوة عظمى مؤثرة في النظام العالمي، لذلك يمثل موقفها المحايد السلبي من الحرب إحراجا سياسيا لها، وإثبات أن الصين لن تدخل لنصرة حلفائها، أو أنها لا تزال ليست ندا للولايات المتحدة، ولا تستطيع التصدي لها.
2- تباطؤ حركة التجارة العالمية والتأثير على أمن الطاقة نتيجة إغلاق مضيق هرمز بما يؤثر على الاقتصاد الصيني: حيث يمثل مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من النفط العالمي وكميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال، ممرًا حيويًا للطاقة العالمية، وتستورد الصين نحو نصف نفطها الخام و30% من الغاز الطبيعي المسال من موردين في الخليج، من بينهم السعودية، والعراق، والإمارات، وقطر. ويؤدي الإغلاق المطول لمنطقة الخليج إلى مخاطر تشمل نقص الإمدادات، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، واندلاع منافسة شديدة على الشحنات المعاد توجيهها، رغم أن بعض السفن المرتبطة بالصين تمكنت من العبور. إلى جانب الطاقة، تؤثر الأزمة الإيرانية أيضًا على المنتجات المرتبطة بسلسلة إمدادات النفط التي يتم إنتاجها في منطقة الخليج، بما في ذلك الأسمدة وثاني أكسيد الكبريت المستخدم في إنتاج الألومنيوم والنيكل. وتعتمد الهند بشكل كبير على الأسمدة القادمة من الخليج، بينما تعتمد إندونيسيا على هذه الإمدادات لإنتاج النيكل. كما أن ارتفاع تكاليف النقل نتيجة زيادة أسعار النفط وطول المسارات لتجنب مناطق الصراع يؤدي إلى ضغوط إضافية على سلاسل الإمداد العالمية، إلى جانب ارتفاع تكاليف التأمين والاختناقات في حركة التجارة. ويظل التهديد الأكبر للصين هو احتمال تراجع الطلب العالمي، نظرًا لاعتمادها الكبير على الصادرات لتحقيق أهداف النمو، التي تتراوح بين 4.5% و5%. وقد يؤدي انخفاض النمو العالمي إلى زيادة فائض الإنتاج، وتراجع أرباح الشركات، وضعف الاستثمار والاستهلاك. كما أن أوروبا، التي تُعد أكبر سوق للصادرات الصينية، قد تتأثر بشدة بارتفاع أسعار الطاقة، مما يؤدي إلى تراجع الطلب على المنتجات الصينية[18].
3- ارتفاع أسعار النفط العالمي: فعلى الرغم من أن الصين تمتلك احتياطيات كبيرة من النفط، فإن خطر حدوث ركود عالمي وارتفاع أسعار طاقة العالمية يمثل تهديدًا للاقتصاد الصيني، الذي يعتمد بشكل كبير على الصادرات[19]. والاستراتيجية الجيوسياسية للصين، وبينما توفر احتياطيات النفط الضخمة لدى بكين وتنوع مصادرها حماية قصيرة الأجل، فإن استمرار الصراع حول إيران قد يؤدي إلى تفاقم الضغوط الاقتصادية الداخلية وتقويض أهداف الصين العالمية. لطالما شكلت إيران مصدرًا حيويًا ومنخفض التكلفة للطاقة بالنسبة للصين، خاصة منذ عام 2021 عندما تم توقيع اتفاق التعاون لمدة 25 عامًا بين إيران والصين، والذي ضمن نحو 400 مليار دولار من النفط بأسعار أقل من السوق للصين، مقابل استثمارات في البنية التحتية والتعاون الأمني في إيران. وبحلول نهاية عام 2025، كانت الصين تستورد ما يصل إلى نحو 1.4 مليون برميل يوميًا من إيران، وهو ما يمثل 13% من إجمالي وارداتها من النفط الخام، ونحو 80% إلى 90% من صادرات إيران النفطية. انهار الإنتاج والصادرات الإيرانية نتيجة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية وتوقف الشحن. وبالنسبة للصين، أدى ذلك إلى نقص فوري في واردات النفط من إيران يتراوح بين 1 إلى 1.4 مليون برميل يوميًا. وفقدت المصافي الصغيرة إمكانية الوصول إلى النفط منخفض التكلفة، وواجهت أسعارًا أعلى في سوق تعاني بالفعل من توترات عالمية[20].
4- عرقلة مبادرة الحزام والطريق: تعتمد الصين بشكل كبير على الترويج لمبادرة الحزام والطريق وطرح نفسها كشريك اقتصادي مضمون لمعظم دول العالم، كما أن تلك المبادرة هي أحد مسارات الصعود الصيني العالمي، والسيطرة الجيوسياسية اقتصادية، ويعتبر المرور عبر إيران أحد الطرق الرئيسية للمبادرة، بما يدفع الصين للرغبة في الانتهاء السريع من الحرب والوصول لاتفاق يضمن عدم عودة الحرب في المنطقة مرة أخرى، وعدم عرقلة المبادرة.
ختاما:
توصلت الدراسة إلى أن السلوك الصيني في الحرب في الشرق الأوسط كان نتيجة لمحاولة موازنة مصالحها في المنطقة مع كافة الأطراف وتجنب الخسائر الناجمة عن الحرب، والتي تعرقل مصالحها الاستراتيجية، دون التخلي عن حليفتها إيران، وعدم تقديم دعم كامل لها لتجنب خسارة حلفائها في الخليج في الوقت نفسه، وذلك بسبب عدم استعداد الصين بعد لخوض مواجهة مباشرة ضد الولايات المتحدة، واكتفت بالدعم السري لإيران وتجنب الصدام المباشر مع الولايات المتحدة، ومحاولة دعم الصمود الإيراني في الحرب بأكبر قدر ممكن.
وبالنسبة للصعود الصيني العالمي، فقد أثبتت الحرب أن الصين لا يزال أمامها الكثير من الوقت لإثبات قدرتها على المواجهة والدفاع عن حلفائها، وعلى الرغم من أن الصين أثبتت فاعلية استراتيجية إدارة الأزمة لديها، إلا أنها بدأت في التضرر الفعلي اقتصاديا خاصة بعد إعلان الرئيس الأمريكي "ترامب" حصار مضيق هرمز، وبدء نفاد مخزونها من النفط، مما يقود العالم للدخول في مرحلة قطبية "اللاقطبية"، حيث لا يوجد قطب واحد مهيمن على العالم، ولا تصارع بين الأقطاب المختلفة على الهيمنة وفرض القوة، بل عالم متضرر فيه الجميع اقتصاديا، ويسعى الجميع خلاله إلى تعويض خسائره عن الحرب، ليصبح فيه استعادة مخزونات النفط لدى الدول وزيادة الاحتياطي من الطاقة والذهب هو الأولوية القصوى لدى كافة الدول، وليس التصارع من أجل إثبات النفوذ.
المراجع: