تحليلات

مستقبل الحركات الجهادية السنية في ظل الحرب على إيران.. جدلية العقيدة والمنفعة

طباعة

تحتل إيران موقعا بالغ التناقض والتعقيد في المنظومة العقدية للجماعات الجهادية السنية، فلا يمكن اختزال موقعها في صيغة ثنائية بسيطة، العداء المطلق أو التحالف الكامل، بل هو نسيج من التوترات العقدية، والحسابات الاستراتيجية، والموروث التاريخي المتشعب الذي تتقاطع فيه خيوط العقيدة، والسياسة، والهوية والمصلحة، حيث يمثل الاختلاف العقائدي بين الحركات الجهادية أحد العوامل الحاسمة في تفسير مواقفها المتباينة من الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، فهذه التنظيمات رغم اشتراكها في الإطار العام لما يُعرف بالسلفية الجهادية، لا تتبنى تصورًا موحدًا لطبيعة الصراع أو أولوياته، بل تعيد تأويل الأحداث الدولية وفقًا لمنظوماتها الفكرية الخاصة، وتقديراتها الاستراتيجية، ومواقعها الجغرافية والسياسية.

ويطرح هذا الواقع المركب جملة من التساؤلات الجوهرية، لعل أبرزها: إلى أي مدى يمكن للاعتبارات العقائدية الصلبة أن تُقيد أو تُعيد تشكيل سلوك هذه التنظيمات في لحظة تصاعد الصراع مع إيران؟ وهل تُقدم البراجماتية الجهادية -كما تجلت في تجارب سابقة- مدخلًا لإعادة تعريف "العدو" وفقًا لأولويات مرحلية تتجاوز الانقسامات المذهبية التقليدية؟

كما يبرز تساؤل موازٍ حول طبيعة التباين الداخلي بين هذه الجماعات، هل نحن بصدد انقسام بنيوي قابل للتبلور إلى تيارات متمايزة، تيار يُقدم العداء العقدي لإيران كأولوية مطلقة مقابل تيار يُعيد ترتيب سلم التهديدات وفق منطق العدو الأبعد والعدو الأقرب، أم إن الأمر لا يتجاوز اختلافات تكتيكية ظرفية؟ وفي السياق ذاته، كيف تؤثر المحددات الجيوسياسية في صياغة هذه المواقف، لاسيما لدى الفروع التي تنشط في ساحات تماس مباشر أو غير مباشر مع النفوذ الإيراني؟

وأخيرًا يفرض المشهد تساؤلًا استشرافيًا بالغ الأهمية، هل يمكن أن تُفضي الحرب الجارية إلى إعادة هندسة الخريطة الأيديولوجية والتنظيمية للحركات الجهادية السنية عبر إنتاج صيغ جديدة من التكيف البراجماتي، أو عبر تعميق الانقسامات الداخلية بما يُضعف من تماسكها البنيوي؟ وما انعكاسات ذلك على أنماط التهديد العابر للحدود وعلى توازنات الأمن الإقليمي في المدى المتوسط والبعيد؟

أولا- الاختلاف العقائدي للجماعات الجهادية السنية في نظرتها للحرب على إيران:

منذ الثورة الإيرانية عام 1979، التي أيدها بعض المنظرين السنيين الجهاديين في بادئ الأمر بوصفها انتفاضة إسلامية ضد الشاه المتحالف مع الغرب، أخذ الموقف الجهادي السني من إيران يتشكل عبر مراحل متعاقبة من التقارب الوظيفي والتباعد العقدي، وصولا إلى القطيعة الجزئية أو الكاملة في عصرنا الراهن، وفي هذا السياق يقوم البنيان العقدي لموقف الجماعات الجهادية السنية من إيران على ركيزتين أساسيتين الأولى، الموقف من المذهب الشيعي الإثني عشري بوصفه مذهبا عقديا: تنتظم الجماعات الجهادية السنية في ثلاثة تيارات رئيسية تتباين في حدة موقفها، التيار التكفيري المتشدد الذي تُمثله تنظيمات كداعش والجماعات السلفية الجهادية الأكثر راديكالية، والذي يصدر في موقفه من الشيعة عن فتاوى ابن تيمية في شيعة عصره وما تراكم من الموروث الحنبلي المتشدد، مضافا إليه غلو معاصر أفضى في بعض حالاته إلى تكفير الشيعة وإباحة دمائهم، بينما يرى التيار الوسطي في الشيعة مذهبا إسلاميا مبتدعا ومخالفا لكنه لا يصل به الأمر إلى التكفير القطعي، وهو موقف كثير من جماعات الإخوان والجماعات الجهادية ذات الطابع الحركي كحماس، أما التيار الثالث فهو التيار البراجماتي الذي يُرجئ الحسم العقدي في مسألة الشيعة ويُقدم وحدة الصف الإسلامي في مواجهة العدو المشترك على الانشغال بالخلافات الكلامية الداخلية، وهو ما عبر عنه منظرون جهاديون كعبد الله عزام الذي كان يُحذر من الانجرار إلى الصراع المذهبي في وقت الجهاد.

أما الركيزة الثانية ترتبط بالموقف من الدولة الإيرانيةبوصفها فاعلا جيوسياسي يمتلك مشروعا إقليميا، فالجمهورية الإسلامية في حسابات الجماعات الجهادية السنية الكبرى ليست مجرد دولة شيعية، بل هي منافس استراتيجي على قيادة العالم الإسلامي يمتلك مشروعا إقليميا توسعيا في العراق، وسوريا، ولبنان، واليمن، وفلسطين، يحد من نفوذ الجماعات السنية ويُقيد حركتها في هذه الساحات، لذا يكشف الإشكال الذي تطرحه الحرب الراهنة على الجماعات الجهادية السنية أزمة المنطق العقدي الجهادي في مواجهة تناقضات الواقع الجيوسياسي، فحين تضرب الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل -العدو الأصيل في كل الروايات الجهادية السنية- إيران الشيعية التي هي خصم عقدي وإن لم تكن عدوا أوليا في كل السياقات، تجد الجماعات الجهادية السنية نفسها أمام معادلة صعبة فلا تستطيع الابتهاج الصريح بضرب أمة إسلامية حتى لو مذهبها مثار خلاف لأن ذلك يتناقض مع مفهوم الأمة وحرمة الدم المسلم، في المقابل لا تستطيع المطالبة بالجهاد دفاعا عن إيران الشيعية دون أن تفقد مصداقيتها العقدية لدى قواعدها السنية وتناقض ثوابتها المُعلنة.

وفي هذا السياق المعقد، تبرز عقيدتا "التكفير" و"الولاء والبراء" باعتبارهما الركيزتين العقديتين اللتين تُحددان كيفية تعامل الجماعات الجهادية السنية مع خصومها وحلفائها وكيفية رسم حدود الهوية الإسلامية بينهم، حيث تقضي عقيدة الولاء والبراء في صيغتها الجهادية المتشددة بأن المسلم يجب أن يُوالي المسلمين ويتبرأ من غيرهم مما يعتبر تحديًا بين الجماعات الجهادية في تصنيف الجمهورية الإسلامية في سياق تعريف المسلم من عدمه، أما عقيدة التكفير، فتُضيف مستوى إضافيا من التعقيد، إذ تُفرز داخل المنظومة الجهادية السنية خلافا جوهريا حول طبيعة النظام الإيراني وحكمه الشرعي، فالتكفيريون المتشددون يذهبون إلى أن ولاية الفقيه الخمينية تُمثل شركا سياسيا لأنها تُسند إلى الفقيه ما هو من خصائص الألوهية في نظرهم، في المقابل يرفض التيار الجهادي الأكثر اعتدالا هذا الحكم التكفيري القاطع ويتمسك بأصل الإسلام في الإيرانيين مع التحفظ على مذهبهم، مما يجعل الدفاع عنهم واجبا، أو مستحبا، أو جائزا في أقل تقدير حين يتعرضون لعدوان خارجي مباشر.

ثانيًا- دلالات تباين مواقف الجماعات الجهادية السنية تجاه الحرب على إيران:

يُمثل موقف تنظيم القاعدة من الحرب الراهنة الحالة الأكثر تناقضا على المستوى العقدي والاستراتيجي في آنٍ واحد، نظرا للعلاقة الشائكة والمُلتبسة التي تربط التنظيم بإيران منذ عقود، فمن الناحية العقدية، فقبيل الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران، نشرت مؤسسة السحاب -الذراع الإعلامية الرسمية للقيادة المركزية للقاعدة- بيانا بعنوان "تعلّموا يا أولي الأبصار"، يؤكد أن التحالف "الصهيوني الصليبي" بقيادة الولايات المتحدة يتحرك من جديد ضد الإسلام، ويدعو المسلمين إلى الانتفاض ضد القوات الأمريكية في الشرق الأوسط وضد إسرائيل في سياق التحشيد العسكري في الخليج، يكشف هذا البيان عن خاصية منهجية راسخة في إعلام القاعدة تتمثل في غياب اسم إيران كليا، فرغم وضوح السياق المتعلق بالأزمة الإيرانية-الأمريكية، تجنب البيان الإشارة الصريحة إلى إيران بالاسم، مُؤطرا التحشيد الأمريكي كتهديد للأراضي الإسلامية عامةً لا كتهديد لإيران تحديدا.

هذا الغياب المتعمد للإشارة لإيران يمكن تفسيره على أنه محاولة من القاعدة لإثبات ولائها لطهران دون التقيد بالتزامات معلنة، مما يطرح جدلا حول قدرة القاعدة على تقديم دعم ميداني حقيقي لإيران، خاصة أن التنظيم التزم صمتا لافتا مقارنةً بنشاطه الإعلامي المعتاد بعد اندلاع الحرب، مما يكشف عن علاقة براجماتية عميقة بين القاعدة وإيران، حيث يوظف التنظيم التصعيد الإقليمي دليلا على روايته المُتكررة عن الحرب الغربية ضد الإسلام، بهدف شرعنة العنف وحشد المؤيدين، وإن كانت قدرته الفعلية على التأثير في الميزان الاستراتيجي تبقى محدودة، مما يعني أن الخطر الأكبر ليس في تدخل عسكري مباشر للتنظيم، بل في تعزيز الخطاب الجهادي وإلهام هجمات منفردة في الساحات الهشة أمنيا.

والأشد تعقيدا في تحليل موقف القاعدة هو المعضلة الوجودية التي أفرزتها الحرب لقيادة التنظيم المُقيمة على الأرض الإيرانية ذاتها، فسيف العادل، القائد الفعلي للتنظيم الذي طالما أقام تحت حماية الحرس الثوري الإيراني في طهران، وجد نفسه في قلب المنطقة المستهدفة، ولكن تُفيد تقارير حديثة بأنه تواصل مع قيادة طالبان في يناير 2026، لنقل مقر قيادته إلى أفغانستان لأن إيران لم تعد ملاذا آمنا نظرا لتصاعد الضربات الأمريكية، مما يكشف الهشاشة البنيوية للعلاقة بين القاعدة وإيران، فهي علاقة قامت دائما على المصلحة المتبادلة لا على التوافق العقدي، وما إن نزعت الحرب غطاء المصلحة المشتركة حتى تكشف الفراغ الأيديولوجي الذي يفصل التنظيم عن مضيفه الشيعي، والمفارقة البالغة الدلالة أن هذه العلاقة كلفت القاعدة مصداقيتها لدى الجماعات الجهادية الأخرى، إذ سخر داعش علنا من القاعدة واتهمها بالتهاون مع إيران حمايةً لقياداتها الموجودة على أراضيها.

وعلى عكس هذا الموقف الغامض، يمثل موقف تنظيم داعش الموقف الأكثر وضوحًا حيث يعتبر التنظيم إيران، وإسرائيل، والولايات المتحدة جميعها أشد أعدائه، وقد صعد رسائله الطائفية المعادية للجمهورية الإسلامية في الأيام التي سبقت الضربة العسكرية وفي أعقابها، فقبيل حرب فبراير 2026 على إيران بأيام قليلة، نشرت مجلة النبأ الرسمية للتنظيم مقالا يتهم طهران بالسعي إلى استغلال الاستقطاب داخل الحركة الجهادية السنية في مواجهة التهديدات الأمريكية.

وفي الرابع من مارس 2026، نشر التنظيم افتتاحيةً في نشرة النبأ الأسبوعية يكفر فيها طرفي الصراع بسبب شنهما حربًا ضد التنظيم، كما اعتبرت مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي أمرا يستوجب الابتهاج لأنه كان رمزا للشيعة، وأن الاقتتال بين الطرفين مثال على سنة الله في التدافع الكوني إذ يُضعف اثنين من أعداء الإسلام الأوائل، مشيرة إلى أن الشيعة يُشكلون خطرا أعظم على الأمة نظرا لقدرتهم على خداع السنة، ولعل الأخطر في تلك الافتتاحية الدعوة الصريحة لانتهاز الفرصة التي تتيحها تلك الفوضى لاستئناف الجهاد.

ما يمنح هذه الافتتاحية أهميتها الاستثنائية أنها تُجسد بوضوح نادر ما يمكن تسميته عقيدة الرفض المزدوج، رفض إيران الشيعية عقديا ورفض الولايات المتحدة وإسرائيل وجوديا، مع توظيف حالة الفوضى الناجمة عن تصادمهما لصالح الجهاد الموحد، وتكشف إشارة النبأ إلى "هلاك أئمة الكفر" والمطالبة بـ"استغلال التحولات" أن التنظيم يستثمر الحرب كبشارة استراتيجية لا كصدمة أيديولوجية، فما يشغل التنظيم في هذه المرحلة هو رصد مناطق الفراغ الأمني التي تُخلفها الحرب في العراق، وسوريا، وإفريقيا، والتحضير لملئها ميدانيا بدلا من الانخراط في الجدل الأيديولوجي الذي يستنزف مواردها دون عائد يعوضه.

وفي اليمن حيث يحتل تنظيم القاعدة في جزيرة العرب موقعا جغرافيا وتنظيميا استثنائيا في معادلة الحرب الراهنة، إذ يرتبط بشكل مباشر بالساحة اليمنية التي يوجد فيها الحوثيون باعتبارهم الوكيل الإيراني الأبرز في المنطقة، وفي ظل التطور المفاجئ في العلاقة بين القاعدة والحوثيين في اليمن، إذ وسعت القاعدة في جزيرة العرب تعاونها التكتيكي مع حركة الحوثي مما قد يوفر لإيران درعا من الهجمات الجهادية السنية في حين يمنحها نفوذا على تنظيم يُهدد الولايات المتحدة، وإسرائيل، والدول العربية المنافسة، وهكذا يجد التنظيم في جزيرة العرب نفسه أمام مفارقة تكتيكية بالغة، من جهة يُدين الحرب على المسلمين كما يقدمها في خطابها العلني، لكنه من جهة أخرى يستفيد من إضعاف حليفه اليمني الشيعي، وهذا التناقض بين الخطاب والمصلحة يُصور القاعدة في جزيرة العرب بالمستفيد الصامت الذي يربح من الحرب دون أن يُعلن ذلك.

ورغم أن طالبان لم تكن تنظيما جهاديا سنيا بالمعنى التقليدي، فإن موقفها الرسمي المُعلن من الحرب يستحق التحليل، لما يُجسده من نموذج مختلف للخطاب الإسلامي الجهادي في مرحلة الدولة، فقبيل اندلاع الحرب مباشرةً، أعلن المتحدث الرسمي باسم الحركة ذبيح الله مجاهد أنه إذا شنت الولايات المتحدة هجوما على إيران وطلبت طهران مساعدة طالبان، فإن الحركة ستُبدي تعاونها وتضامنها مع النظام الإيراني، مما يُمثل واحدا من أكثر المواقف الجهادية السنية التي جاءت صريحة ومُثيرة للجدل في الوقت نفسه، إذ يُكسر التابو العقدي السني القائل باستحالة التحالف الجهادي مع إيران الشيعية، ويُستعاض عنه بمنطق الوحدة ضد العدو المشترك.

ويكتسب هذا التصريح أهميته من كونه صادرا من حركة جهادية سنية تحكم دولة وتمتلك مؤسسات وعلاقات دبلوماسية، مما يُضيف إليه بُعدا جيوسياسي مفقودا في تصريحات التنظيمات الجهادية، كما أنه يكشف عن أثر الانتقال من دور الحركة الجهادية إلى دور الدولة الحاكمة في تشكيل المواقف الجهادية وصياغتها، فطالبان التي كانت تُصنف الشيعة بمصطلحات تكفيرية حادة إبان حكمها الأول في التسعينيات، باتت في حكمها الثاني تُعلن التضامن مع نظام شيعي في مواجهة الضغط الأمريكي، وهو ما يعكس كيف تُعيد ضرورات الحكم والمصلحة الجيوسياسية رسم الخرائط العقدية من الداخل.

لكن بعد اندلاع الحرب فعليا، التزمت قيادة طالبان صمتا لافتا مقارنةً بتصريحاتها الحماسية قبل الضربات، وتجلت الهوة بين التصريح والفعل في أن الهدف من تصريحات طالبان كان على الأرجح كسب ود النظام الإيراني، في حين تبقى العلاقة بين البلدين منذ عودة طالبان إلى السلطة عام 2021 مزيجًا من التعاون والنزاع المحلي، مع خلافات مستمرة حول الموارد، والحدود، واللاجئين، واضطهاد طالبان لأقلية الهزارة الشيعية.

وبعيدًا عن التنظيمات الجهادية في الإقليم المشتعل، لم تُصدر الجماعات الجهادية الرئيسية في إفريقيا كجماعة نصرة الإسلام والمسلمين وحركة الشباب الصومالية بيانات رسمية بارزة تتناول الحرب على إيران بصورة مباشرة، وهذا الصمت الرسمي هو بحد ذاته مؤشر على كيفية قراءة هذه الجماعات للحدث، فهي تنظر إلى الحرب في المنطقة العربية باعتبارها ساحة أخرى من ساحات الصراع الكوني بين الإسلام والغرب، دون أن ترى في التفاصيل المذهبية المتعلقة بإيران ما يستوجب بيانات مُصنفة، غير أن خطابها الإعلامي الداخلي المُتداول في المنابر الجهادية الرقمية يُوظف الحرب كدليل إضافي على صحة روايتها الجهادية القائلة إن الغرب في حرب شاملة ضد الإسلام في كل ساحاته، يسفر هذا الخطاب الجهادي عن تنامٍ في عمليات التجنيد، حيث توفر الحرب لهذه الجماعات مادة دعائية ثرية تُغذي خطابها المحلي حول الضرورة الجهادية دون أن تستلزم تضامنا مذهبيا رسميا مع الطرف الإيراني.

ثالثا- سيناريوهات مستقبل الجهادية السنية:

يطرح التأسيس السابق ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحركات الجهادية السنية في مرحلة ما بعد الحرب، تتباين من حيث أنماط التنظيم، ودوائر النشاط، ومستوى التهديد للأمن القومي الإقليمي، وذلك على النحو التالي:

السيناريو الأول- إعادة التمركز والتكيف الشبكي (اللامركزية المرنة):يقوم هذا السيناريو باعتباره الأكثر ترجيحًا على اتجاه الحركات الجهادية نحو تفكيك البُنى الهرمية التقليدية لصالح شبكات لا مركزية أكثر مرونة وانتشارًا، مستفيدة من حالة السيولة الأمنية المحتملة في بيئات ما بعد الحرب، خاصة في مناطق الهشاشة، مثل العراق، وسوريا، واليمن، وتستند دعائم هذا السيناريو إلى تراجع الضغط الأمني المركزي، وتنامي الفضاءات غير المحكومة، إضافة إلى الخبرة التراكمية لهذه التنظيمات في العمل الشبكي، ويترتب على ذلك تصاعد تهديدات الذئاب المنفردة والخلايا النائمة، بما يعزز من الطابع العابر للحدود للتهديدات الإرهابية، ويُصعب من جهود المكافحة التقليدية، مما يفرض تحديات مركبة على منظومات الأمن القومي الإقليمي، خاصة فيما يتعلق بضبط الحدود والتنسيق الاستخباراتي.

السيناريو الثاني- إعادة التمركز الأيديولوجي والتنافس على الشرعية الجهادية:يفترض هذا السيناريو المحتمل أن تؤدي تداعيات الحرب إلى إعادة تشكيل الخطاب الأيديولوجي للحركات الجهادية السنية، عبر تصاعد خطاب التمثيل السني في مواجهة ما يُنظر إليه كمحور مقاومة شيعي، بما يفتح المجال أمام تنافس بين التنظيمات المختلفة على احتكار الشرعية الجهادية، وتستند دعائم هذا السيناريو إلى تزايد الاستقطاب الطائفي، وتراجع فاعلية الدول الوطنية في بعض البيئات الهشة، فضلًا عن توظيف سرديات المظلومية، ويؤدي ذلك إلى تصاعد عمليات التجنيد والتعبئة، وتوسيع دوائر الاستقطاب، بما يعمق من الانقسامات المجتمعية ويهدد تماسك الدول الإقليمية، ويخلق بيئات حاضنة لعدم الاستقرار الأمني والسياسي.

السيناريو الثالث- الاحتواء والانكماش تحت ضغط إقليمي ودولي منسق: يقوم هذا السيناريو على نجاح القوى الإقليمية والدولية في استثمار لحظة ما بعد الحرب لإعادة بناء منظومات أمنية أكثر تنسيقًا وفاعلية، بما يؤدي إلى احتواء الحركات الجهادية وتقليص قدرتها العملياتية، وترتكز دعائم هذا السيناريو رغم أنه السيناريو الأقل ترجيحًا على تعزيز التعاون الاستخباراتي، وتكثيف الضربات الاستباقية، ويُسهم تحقق هذا السيناريو في خفض مستويات التهديد الإرهابي، وتعزيز الاستقرار النسبي في الإقليم، وإن كان لا يقضي بشكل كامل على الظاهرة، بل يعيد تشكيلها في أنماط كامنة قابلة للإحياء مستقبلا، وتبقى الأرجحية بين هذه السيناريوهات رهينة بجملة من المتغيرات في مقدمتها، طبيعة مخرجات الحرب على إيران، ومدى تماسك الدول الهشة، ومستوى التنسيق الأمني الإقليمي، فضلًا عن ديناميات الصراع الطائفي وقدرة الفاعلين الدوليين على إدارة مرحلة ما بعد الحرب الدائرة.

رابعًا- الاعتبارات الحاكمة لمستقبل الحركات الجهادية السنية:

تُمثل الحرب الراهنة على إيران محطةً فارقة في تاريخ الحركات الجهادية السنية، فالتحولات البنيوية الكبرى في تاريخ الجهاديات السنية لم تنجم دائما عن قرارات تنظيمية داخلية، بل كانت في الأغلب استجابةً لتطورات جيوسياسية خارجية غيرت شروط المعادلة، فالاحتلال السوفيتي لأفغانستان في الثمانينيات أعاد صياغة الجهاديات السنية العالمية، والغزو الأمريكي للعراق عام 2003، أنتج فروعًا جديدة للقاعدة، وسقوط بغداد 2014، خلق لحظة الخلافة المنتظرة لتنظيم داعش التي رسمت عقدا كاملا من الصراعات، والحرب الراهنة بما تنطوي عليه من تآكل محور المقاومة الشيعي وإعادة رسم توازنات القوى الإقليمية، مرشحة لأن تكون اللحظة المؤسسة التالية لجيل جهادي سني جديد يختلف في بنيته وأهدافه وأدواته عن الأجيال السابقة اختلافا جوهريا.

واستنادًا لهذا تفرض دراسة تداعيات الحرب الراهنة ضد إيران الانطلاق من التمييز بين مستويين للتحول المحتمل، المستوى الأول يرتبط بالتحول الآني قصير المدى الذي يتعلق بتوزيع النفوذ الجهادي السني الميداني في الساحات الفارغة التي يخلفها انهيار محور المقاومة، حيث يُمثل تآكل شبكة الحلفاء الإيرانية، حزب الله في لبنان، والفصائل المسلحة في العراق وسوريا، والحوثيين في اليمن أعمق التداعيات الجيوسياسية قابلة للتحول إلى فرصة استراتيجية للحركات الجهادية السنية، فهذه الشبكة كانت طوال العقدين الماضيين تُشكل حاجزا مزدوج الوظيفة، حاجزا أمام التمدد الجهادي السني في هذه الساحات من جهة، وحاجزا أمام الانهيار الأمني الكامل الذي يخدم الجماعات الجهادية من جهة ثانية، وبإضعاف هذه الشبكة أو تفكيكها، تتشكل فراغات جغرافية وسياسية واسعة في قلب المشرق العربي.

بينما المستوى الثاني يتعلق بالتحول البنيوي العميق الذي يمس المنظومة الأيديولوجية والتنظيمية للحركات الجهادية السنية ذاتها، فثمة تداعيات أيديولوجية عميقة قد تكون الأكثر استمرارية وأثرا على المدى البعيد وترتبط بأزمة الهوية الجهادية السنية في مواجهة سقوط الخصم الشيعي الأكبر، فطوال العقدين الماضيين، أدى الوجود الإيراني ومشروع محور المقاومة وظيفة أيديولوجية مركزية للحركات الجهادية السنية، وكان العدو الشيعي يُشكل جزءا من الرواية التعبوية الكبرى التي تُبرر الجهاد من خلال الصراع الطائفي المباشر كما في العراق وسوريا، أو من خلال تصوير المشروع الإيراني كمؤامرة للهيمنة على الإسلام السني، وغياب هذا المحرك أو تراجعه يُوجب إعادة هندسة الخطاب التجنيدي برمته، مما يرجح أن هذه الحركات ستتجه نحو ما يمكن تسميته إعادة تمحور الخطاب نحو العدو الأصيل، أي العودة إلى التركيز على الولايات المتحدة، وإسرائيل، والغرب باعتبارهم العدو الجامع الذي لا يتغير بتغير المستجدات الإقليمية، وهو توجه يفيد تلك الجماعات ضد الانقسامات الداخلية التي قد تنجم عن الجدل حول كيفية التعامل مع مرحلة ما بعد إيران.

وفي هذا السياق تتجلى أهمية الوقوف على سيناريو الإحياء الداعشي، فتنظيم الدولة الإسلامية أثبت أنه أكثر الكيانات الجهادية قدرةً على التكيف والإحياء، فهو أُعلن انهياره أكثر من مرة ثم عاد في كل مرة بزخم أشد مما قبله، مستثمرا الفراغات الأمنية وإخفاقات الدولة المركزية، وفي الحرب الراهنة، تتوفر للتنظيم شروط الإحياء الثالث بصورة قد تكون أخطر من سابقتيها، فمن الناحية الجغرافية، يمتلك التنظيم خلايا نائمة في العراق، وسوريا، ليبيا، وإفريقيا الوسطى، وشبه الجزيرة الهندية، وهي خلايا لم تُستأصل بالكامل رغم سنوات من الضغط العسكري المتواصل، ومن الناحية الأيديولوجية، يجد التنظيم في الحرب الراهنة تأكيدا لروايته الكبرى في المعركة الكونية ضد الإسلام، ومن الناحية التجنيدية، يُتيح المشهد في هذا السياق الإقليمي المضطرب مخزونا غير محدود من الشباب المنتمي إلى بيئات متأزمة أمنيا، واقتصاديا، واجتماعيا، وهو المتطلب التقليدي الأول لأي موجة تجنيد جهادي ناجح، ومن ثم فإن سيناريو الإحياء الداعشي الأكثر ترجيحا ليس إعادة إنتاج الخلافة بالمعنى الجغرافي والإداري الذي عرفناه، بل صعود موجة عمليات عالية التأثير ومنخفضة الكثافة في ساحات متعددة متزامنة، تُشكل في مجموعها ضغطا أمنيا مستديما يُعوق الاستقرار في المناطق المتأثرة بالحرب يدعم هذا كثافة العمليات الإرهابية للتنظيم منذ بداية الموجة الثانية من الحرب.

بينما يسعى داعش إلى الإحياء السريع مستثمرا الفوضى الآنية، تعتمد القاعدة استراتيجيةً مختلفةً جوهريا تقوم على ما يمكن تسميته الشرعنة بالصبر الاستراتيجي، وهي استراتيجية تُؤجل التمدد الجغرافي السريع وتُقدم بناء الجذور الشعبية والشبكات المجتمعية في بيئات ما بعد الصراع، وقد أثبتت هذه الاستراتيجية نجاحًا ملحوظًا في إفريقيا، حيث نجحت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وحركة الشباب الصومالية في تحقيق حضور متجذر داخل المجتمعات المحلية يصعب اجتثاثه بالعمليات العسكرية وحدها، وفي سياق ما بعد الحرب، تمتلك القاعدة ميزة تنافسية على داعش في تمثيل المشروع الجهادي لدى شرائح واسعة من المجتمعات المسلمة المحافظة التي ترفض نهج التكفير الداعشي وتطرفه لكنها تبقى متعاطفة مع الخطاب الجهادي العام، وقد أعانها على ترسيخ هذه الميزة موقفها التصالحي نسبيا من بعض القضايا الطائفية، إذ تتجنب الانزلاق إلى التكفير الشيعي الجماعي الذي يُنفر الفئات الوسطى من الرأي العام المسلم.

غير أن الصراع القائم يضع القاعدة أمام اختبار مزدوج لهذه الميزة، فمن جهة، أفضت أزمة قيادتها العالقة في إيران إلى تشكيك داعش وعدد من المنابر الجهادية المستقلة في مصداقيتها وجدية جهادها، ومن جهة أخرى، قد تنجح في توظيف الأزمة ذاتها لإثبات قدرتها على التكيف وإعادة بناء قيادتها خارج الملاذات الإيرانية، مما يُشكل فرصة لتجاوز أحد أكبر مواطن ضعفها البنيوية، مما يجعل السيناريو الأكثر ترجيحا على المدى المتوسط هو أن تعود القاعدة وفروعها إلى الواجهة الجهادية العالمية في صورة أكثر نضجا وأقل استعراضا من الحقبة التأسيسية مستثمرةً بيئات ما بعد الصراع في المشرق العربي، وإفريقيا وجنوب آسيا.

وإذا كانت الحرب الراهنة تُعيد رسم الخارطة الجهادية في المشرق العربي وتُنتج حالة من الاضطراب واسعة النطاق، فإن إفريقيا جنوب الصحراء تبدو المسرح الأكثر ترجيحا لأن يشهد الصعود الجهادي السني الأكثر استدامةً على المدى البعيد، فالجماعات الجهادية الإفريقية الكبرى، جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في الساحل، وحركة الشباب في الصومال، وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين في غرب إفريقيا حققت على مدى السنوات الخمس الأخيرة توسعا جغرافيا وتنظيميا لم يشهد له تاريخ الجهاديات الإفريقية مثيلا، في ظل انكفاء فرنسا، وتراجع الحضور الغربي، وضعف الدول المركزية.

لذا تضيف الحرب إلى هذا المشهد عاملا محفزًا يرتبط بانشغال الاهتمام الاستراتيجي الأمريكي والغربي بالمواجهة مع إيران وتداعياتها، مما يُقلص الموارد المخصصة للتدخل في الأزمات الإفريقية، وهو ما قد تستغله الجماعات الجهادية الإفريقية، فضلا عن ذلك فإن موجة اللاجئين والنازحين التي ستُفرزها الحرب قد تُنتج بيئات هشة جديدة في بعض دول الجوار الإفريقي، التي لا تمتلك منظومات أمنية قادرة على التعامل مع موجات نزوح واسعة، مما يمكن من خلاله القول إن نموذج الجهادية الإفريقية المستقبلي سيكون أكثر محليةً وأقل ارتباطا بالمركز التنظيمي العالمي مما كانت عليه الجهاديات التقليدية فهي تنظيمات تستمد شرعيتها من الانتماء المحلي والمظلومية الجماعية المعيشية أكثر مما تستمدها من الانتساب إلى مشروع جهادي كوني، وهذا النمط -إن تكرس- سيُشكل نقلة نوعية في بنية الجهاديات السنية العالمية يصعب التعامل معه بالأدوات الأمنية والاستخباراتية التقليدية.

الخاتمة:

يمكن القول إن الحركة الجهادية العالمية ليست بنية متجانسة، بل تتكون من تيارات متعددة تتباين في تفسيرها للأحداث الدولية وفي ترتيب أولوياتها القتالية، فبينما يميل بعض التنظيمات إلى تأطير الحرب ضمن سردية الصراع مع الغرب، يركز آخرون على البعد الطائفي للصراع، في حين تتبنى حركات أخرى مقاربات أكثر براجماتية مرتبطة بمتطلبات الحكم أو الحسابات الاستراتيجية المحلية، ومن ثم فإن فهم هذه التباينات العقائدية يظل أمرًا ضروريًا لتحليل كيفية تفاعل الحركات الجهادية مع التحولات الجيوسياسية الكبرى كالحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، وكذلك لاستشراف الكيفية التي قد تسعى من خلالها هذه التنظيمات إلى توظيف الصراع الحالي في خدمة أهدافها الأيديولوجية والاستراتيجية، وهذه الظاهرة تُمثل في حد ذاتها إشكالية بحثية مهمة، هل ما تُسميه هذه التنظيمات "جهادا" هو في حقيقته فعل عقدي تكليفي، أم إنه بات أداة في يد حسابات البقاء التنظيمي والتنافس على النفوذ الإقليمي؟

طباعة

    تعريف الكاتب

    غدي قنديل

    غدي قنديل

    باحثة دكتوراه متخصصة في شئون التطرف والإرهاب