بعد مرور أكثر من شهر على اندلاع الحرب، وفي ظل وقف إطلاق نار هش استمر لمدة أسبوعين، يقف المشهد اليوم على أعتاب لحظة فارقة مع اقتراب موعد انتهاء الهدنة يوم الأربعاء الموافق 22 أبريل 2026، حيث يسود غموض كثيف حول إمكانية تمديدها، خاصة في ظل تصاعد حدة التوترات خلال اليومين الماضيين. ويأتي هذا التأزم بعد أن فشلت الجولة الأولى من المحادثات "الأمريكية-الإيرانية" في إسلام آباد بتاريخ 11 من الشهر الجاري.
ومنذ ذلك الحين انتقل الصراع إلى طور أكثر خطورة، إذ فرضت الولايات المتحدة حصارًا بحريًا شاملًا على كافة السفن المرتبطة بإيران التي تحاول عبور مضيق هرمز، وهو ما قوبل برد فعل إيراني تمثل في إطلاق النار على السفن التي تحاول عبور هذا الممر الملاحي الحيوي. وقد بلغت حدة التصعيد ذروتها في وقت مبكر من يوم الاثنين، حين أطلقت القوات الأمريكية النار على سفينة إيرانية ثم استولت عليها أثناء محاولتها عبور الممر المائي الضيق، وهذا فاقم من نذر المواجهة المباشرة.
تباين جولة المفاوضات والاتفاق المؤقت:
تتمحور الوساطة الباكستانية الراهنة حول صياغة مذكرة تفاهم بين الجانب الأمريكي بقيادة فانس، وستيف ويتكوف، وجاريدكوشنر، والجانب الإيراني الذي يمثله محمد باقر قاليباف (في حال تأكدت مشاركتها). ولا يهدف هذا المسار إلى بلوغ اتفاق نهائي، بل يسعى لتحقيق تفاهم مؤقت يثبت وقف إطلاق النار، ويؤسس لإطار مقايضة يربط بين الخطوات النووية وتخفيف العقوبات. إن هذا المشهد يشي بأن المسار التفاوضي ليس ساحة للتنازلات، بل هو صراع إرادات بامتياز، وما التعثر الحالي في إسلام آباد إلا نتيجة اصطدام واشنطن وطهران بجدار العقدتين:
أولًا- عقدة تقييم الانتصار:حيث يرى كل طرف أن وضعه الميداني لا يستدعي تقديم تنازلات جوهرية. فإيران تعتبر صمودها الاستراتيجي لأربعين يومًا أمام حملة جوية كبرى نجاحًا غير مسبوق، خاصة مع الحفاظ على قدراتها الصاروخية والنووية وفرض واقع جديد في مضيق هرمز. في المقابل يرفض ترامب هذا الجمود مراهنًا على فاعلية عملية الغضب الملحمي في هز الداخل الإيراني، لذا يواصل التلويح بأوراق ضغط قاسية، بدأت بالتهديد باحتلال الجزر الإيرانية ووصلت إلى فرض حصار بحري شامل، مما جعل الفجوة بين طاولة المفاوضات والواقع العسكري تبدو هائلة.
ثانيًا- عقدة إسرائيل:وتتمثل في خروج رئيس الوزراء الإسرائيلي، نتنياهو، عن مسار الهدنة اللبنانية سعيًا لفرض تفوق يمنحه اليد العليا، وذلك عبر تدشين هجوم سياسي يهدف لفتح قناة تفاوض مباشرة مع حكومة (عون-سلام)، بغرض عزل التأثير الإيراني عن المشهد اللبناني، ومحاولة تعويم الحكومة اللبنانية الحالية لتجاوز السخط الشعبي الناتج عن الضربات الإسرائيلية.
ونتيجة لهذا الانسداد قررت إيران المخاطرة سياسيًا وعسكريًا، والمقصود هنا ليس التعطيل التقليدي للملاحة في هرمز، بل التحضير لعمليات نوعية تلوح بمحاصرة موانئ إقليمية وتعطيل الملاحة في باب المندب عبر تحريك ورقة الحوثي المؤجلة، في حال استمر الاستهداف الأمريكي للسفن الإيرانية. وتهدف طهران من هذه المناورة بوضوح إلى تحويل خسائر الحرب الثلاثية (إيران - إسرائيل - أمريكا) إلى أزمة عالمية تضرب عصب الاقتصاد الدولي.
وتسعى طهران لتنفيذ ذلك من خلال الاستهداف الانتقائي للسفن الأمريكية، والإسرائيلية، والخليجية فقط في باب المندب، مع استثناء مصر، وأوروبا، ودول شرق آسيا، لترسل رسالة مفادها أن حلفاء واشنطن هم الخاسرون الوحيدون. هذا السيناريو سيدفع الدول المعفاة للتقرب من طهران، وسيعمل على شيطنة الموقف (الأمريكي-الإسرائيلي) بوصفه المسئول عن استمرار الحرب وتهديد الأمن الإقليمي. وبذلك يتحقق لإيران انتصار استراتيجي انتظرت تحقيقه لسنوات، وهو تحويل رواية الإيرانوفوبيا إلى متلازمة أمريكا وإسرائيل فوبيا بمناورة ذكية تستغل تبعات الحرب.
ومع ذلك يظل هذا السيناريو مرهونًا بطبيعة الرد الأمريكي ومساومة إيران على حقها في تخصيب اليورانيوم، والحصول على تعويضات مالية، وفرض السيادة على هرمز. ولعل هذا ما يفسر لماذا تبدو واشنطن الآن الطرف الأكثر حرصًا على الهدنة، ليس نتيجة خسائر الحرب المباشرة، وإنما جراء الصدمة من دهاء خصم استغل حتى نقاط ضعفه الميدانية الظاهرة ليعيد صياغة تاريخه الإعلامي والميداني من جديد.
تأطير الحرب النفسية في صراع الإرادات:
تكشف التطورات الميدانية الأخيرة أننا لا نشهد حربًا تقليدية، بل صراع نفس طويل يراهن فيه كل طرف على استنزاف الآخر، إلا أن ردود الفعل الإيرانية غير المتوقعة ورفع كلفة الحرب الشاملة، باتا يعصفان بطموحات ترامب ويقوضان استقرار أسواق النفط وسلاسل الإمداد العالمية. لذا يظل المسار الأرجح أمام إدارة ترامب هو دفع إيران نحو سلسلة تفاهمات محدودة تهدف إلى احتواء الصراع دون إنهائه جذريًا.
ورغم إعلان وقف إطلاق النار في لبنان، واستمرار الخروقات الإسرائيلية، فإن هذا المؤشر يُقرأ كمحاولة لامتصاص زخم المناورة الإيرانية وتأطيرها في قالب الاستسلام الناعم أمام الرأي العام الإسرائيلي والأمريكي. غير أن الواقع الميداني والسياسي يشي بنجاح طهران في فرض معادلة معقدة أمام الإدارة الأمريكية، مما يفتح الباب أمام سيناريوهات حاسمة للمرحلة المقبلة، شرط صمود الهدنة، وأبرزها:
1- من المرجح أن يعلن الرئيس الأمريكي تمديد أمد الهدنة، حتى في حال غياب المفاوضين الإيرانيين، تجنبا للتصعيد الفوري، وهو ما يعد شراءً للوقت لا بناءً للاستقرار. ورغم رفض ترامب دفع تعويضات مالية مباشرة، فإنه قد يقبل -بعد تفاهمات مطولة- بالسيادة الإيرانية على مضيق هرمز، وشرعنة جني رسوم العبور ضمن ترتيبات أمنية إقليمية بمشاركة عُمانية وأمريكية. هذا الترتيب، الهادف لدمج طهران في هيكلية أمنية إقليمية، سيشكل كابوسًا استراتيجيًا لتل أبيب وقوى إقليمية أخرى، ستجد نفسها مضطرة للرضوخ أمام كلفة حرب تجاوزت طاقة الاحتمال.
2- في حال فشل الجولة التفاوضية، سيُوضع تهديد ترامب باستئناف القصف قيد الاختبار الفعلي، وقد تزداد وتيرة استهداف السفن الإيرانية لعرقلة الملاحة، مما سيؤدي بالضرورة إلى مزيد من التعنت الإيراني ورفض الرضوخ للضغوط.
3- ستظل التفاهمات النووية في حالة تعليق، ولن تُحسم إلا بموافقة واشنطن على حق طهران في التخصيب السلمي بنسبة 3.67%)) مع التحفظ على مخزون اليورانيوم المخصب لاستخدامه كوقود نووي تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
4- يشي استمرار الضربات الإسرائيلية لثكنات حزب الله بقلق تل أبيب من عودة ملف حلفاء طهران إلى الواجهة بقوة، وهذا يؤسس لمرحلة جديدة من الحرب الباردة الإقليمية وإعادة رسم خطوط الاشتباك.
5- من المتوقع أن تظل الحرب في إطار الهدنة المؤقتة، إذ لن تحصل طهران على ضمانات تمنع واشنطن وتل أبيب من معاودة القصف، مما يرجح استئناف المواجهة على المدى المتوسط بعد نجاح الأطراف في ترميم خسائرهم والاستعداد لجولة أكثر دموية واتساعًا.
6- النقطة الأهم استراتيجيًا هي نجاح إيران في حجز مقعد دائم ضمن التحالف الأوراسي (مع روسيا والصين). هذا التحول يعني أن طهران لن تواجه الضغوط الغربية منفردة، مما يحول مفهوم تعدد الأقطاب من نظرية سياسية إلى واقع جيوسياسي واقتصادي ملموس يعيد رسم توازنات القوى العالمية.
استنساخ الإعلام الأمريكي لصراع الإصلاحيين والأصوليين:
يثير الإعلام الأمريكي في الآونة الأخيرة سردية مفادها أن النظام الإيراني يعاني انقسامًا داخليًا بين تيار براجماتي وآخر عسكري، مستدلا بالتناقض الظاهري بين تصريحات عباس عراقجي حول إعادة فتح مضيق هرمز، وبين استمرار إغلاقه ميدانيًا تحت وطأة الحصار البحري الأمريكي.
وفي تقديري، يمثل هذا الطرح نموذجًا للجمود الفكري في واشنطن، إذ لا تزال الإدارة الأمريكية تستنسخ قوالب الماضي -التي تعتمد على ثنائية إصلاحيين ومحافظين- وتُسقطها قسريًا على واقع الجمهورية الأمنية الجديدة. إن الخطأ المنهجي هنا يكمن في قراءة التباين بين خطاب عراقجي الدبلوماسي وفعل الحرس الثوري الميداني كونه صراع أجنحة، بينما هو في جوهره توزيع أدوار احتراف يداخل بنية أمنية موحدة الأهداف والقرار.
والجدير بالذكر أنه في عهد المرشد الراحل علي خامنئي، كانت الدبلوماسية الإيرانية أحيانا تسبق الميدان أو توازيه، حيث كان يمارس دور الميزان بين التيارات السياسية المتصارعة. أما اليوم فقد صعدت نخبة أمنية لا تؤمن بجدوى الانقسام في ظل حرب وجودية تهدد استقرار النظام. وبناءً عليه فإن عراقجي في هذا المشهد ليس براجماتيًا معارضًا للمؤسسة العسكرية، بل هو الواجهة الدبلوماسية للميدان، وتتمثل وظيفته في ممارسة الخداع الاستراتيجي وإطلاق بالونات اختبار سياسي لإرباك حسابات ترامب، بينما يتولى الحرس الثوري فرض الأمر الواقع على الأرض.
لذا فإن استمرار إغلاق المضيق ردا على الحصار الأمريكي ليس دليلا على التخبط، بل هو تطبيق عملي لما يبدو للبراجماتية المتشددة، أي انتزاع المصالح عبر سياسة حافة الهاوية. الهدف الاستراتيجي هنا هو دفع واشنطن مرغمةً إلى طاولة التفاوض بعد خفض سقف توقعاتها. وما إبداء فريق ترامب استعداده لجولة مفاوضات جديدة في إسلام آباد، مقابل مماطلة طهران في الموافقة، إلا دليلا على تمسك الأخيرة بفرض واقع ميداني جديد يمنحها اليد العليا قبل الجلوس خلف طاولة المفاوضات.
خاتمة:
في المحصلة تظل سيناريوهات التصعيد في هذه الحرب رهينة قدرة ترامب على كبح جماح التوجهات الإسرائيلية الراديكالية، بالتوازي مع تحييد مواقف المؤسسات الأمنية الأمريكية والكونجرس، وهذا يمثل الاختبار الأصعب لمبدأ تغليب المصالح القائم على فلسفة عقد الصفقات التي يتبناها ترامب. وفي تقديري، نحن نقف اليوم على أعتاب انفصال استراتيجي وشيك في الأهداف الاستراتيجية المشتركة بين واشنطن وتل أبيب، إذ لم يعد التطابق في الرؤى قدرًا محتومًا كما كان في السابق، بل استحال عبئًا استراتيجيًا قد يدفع الإدارة الأمريكية للبحث عن توازنات بديلة تضمن نفوذها، بعيدًا عن دوامة الاستنزاف التي تفرضها الحروب الإقليمية المستمرة.