تحليلات

مفاوضات إسلام أباد: بين حسابات التهدئة وحدود القرار وسيناريوهات المستقبل تداخل إدارة الأزمة والتفاوض والصراع في لحظة سيولة استراتيجية

طباعة

لم تكن جولة المفاوضات التي عُقدت في إسلام أباد حدثًا معزولًا يمكن احتواؤه داخل إطار دبلوماسي تقليدي، ولا مجرد محطة تفاوضية في مسار صراع ممتد، بل جاءت تعبيرًا عن لحظة أكثر تعقيدًا تتسم بسيولة استراتيجية عالية، تتراجع فيها الحدود الفاصلة بين ما هو سياسي وما هو أمني، بين ما هو تكتيكي وما هو بنيوي. في مثل هذه اللحظات، لا تعود المفاوضات أداة لحل الأزمات بقدر ما تصبح جزءًا من بنية الأزمة ذاتها، وأداة من أدوات إدارتها.هذه الجولة تحديدًا لا يمكن فهمها بمعزل عن السياق الأوسع الذي تشكلت داخله، حيث تراكمت عوامل التوتر على مستويات متعددة؛ فمن ناحية هناك تصعيد ميداني محسوب، بجانب ضغوط اقتصادية متبادلة، مغلفة باستقطاب سياسي داخل عدد من الأطراف الفاعلة، وعلى رأسها الولايات المتحدة بقيادة دونالد ترامب. هذا التداخل بين الداخل والخارج، بين القرار السيادي والاعتبارات الانتخابية، خلق بيئة تفاوضية لا تحكمها فقط معادلات القوة التقليدية، بل أيضًا حسابات الشرعية السياسية، وإدارة الرأي العام، وضبط توازنات النخب.

في هذا الإطار، تتداخل ثلاثة مستويات تحليلية يصعب فصلها، وهي: إدارة الأزمة، وإدارة التفاوض، وإدارة الصراع. إدارة الأزمة هنا لا تعني البحث عن تسوية جذرية، بل العمل على منع الانفجار الكامل، واحتواء تداعيات التصعيد عند حدود يمكن التحكم فيها. أما إدارة التفاوض، فلم تعد مجرد عملية تبادل تنازلات، بل تحولت إلى أداة لاختبار النوايا –وسط تشكيك متبادل من طرفي المفاوضات-، وقياس موازين القوى، وإعادة ترتيب الأوراق، دون الالتزام بالوصول إلى اتفاق نهائي. وفوق هذين المستويين، تحضر إدارة الصراع بوصفها الإطار الحاكم، حيث يُعاد تعريف الهدف من “إنهاء الأزمة” إلى “التحكم في مسارها”. هذا التداخل يعكس تحولًا أوسع في طبيعة الصراعات المعاصرة، حيث لم يعد الحسم السريع هو الخيار المفضل دائمًا، بل أصبح الإبقاء على مستوى معين من التوتر أداة لتحقيق مكاسب تدريجية، أو لتجنب كلفة الحسم الكامل. في هذا السياق، تكتسب المفاوضات وظيفة مزدوجة؛ فهي من ناحية تمنح غطاءً سياسيًا لاستمرار إدارة الأزمة، ومن ناحية أخرى تُستخدم كمنصة لإعادة إنتاج التوازنات، سواء داخل كل طرف أو بين الأطراف المختلفة.

من هنا، فإن قراءة مفاوضات إسلام أباد بوصفها “جولة لم تنجح في تحقيق اتفاق” تُعد قراءة قاصرة، لأنها تفترض ضمنًا أن الهدف الأساسي كان الوصول إلى هذا الاتفاق. بينما قد يكون الهدف الفعلي هو شيء آخر أكثر تعقيدًا، ألا وهو إدارة لحظة انتقالية، اختبار حدود التصعيد، وضبط إيقاع الصراع بما يتناسب مع اعتبارات تتجاوز طاولة التفاوض نفسها. بهذا المعنى، تصبح المفاوضات جزءًا من مشهد أوسع، تُستخدم فيه الأدوات الدبلوماسية جنبًا إلى جنب مع الضغوط العسكرية والاقتصادية، في إطار مقاربة شاملة لا تفصل بين إدارة الداخل وإدارة الخارج. وهي مقاربة تجعل من الصعب تقييم أي جولة تفاوضية بمعايير النجاح والفشل التقليدية، لأن ما يبدو تعثرًا على السطح قد يكون، في عمقه، تعبيرًا عن توازن دقيق تسعى الأطراف إلى الحفاظ عليه، أو إعادة تشكيله تدريجيًا.

أولًا: إدارة الأزمة كمرحلة احتواء

في أدبيات العلاقات الدولية، لا تُفهم إدارة الأزمة بوصفها مسارًا لحل النزاعات بقدر ما تُفهم كآلية لضبطها. هي تدخل منظم يهدف إلى السيطرة على ديناميات التصعيد، ومنع انتقالها من مستوى يمكن احتواؤه إلى مستوى يفرض واقعًا جديدًا يصعب التراجع عنه. بمعنى أدق، إدارة الأزمة هي إدارة للحافة: كيف تقترب الأطراف من حافة الانفجار دون أن تسقط فيها. هذا التصور يرتبط بعدة مفاهيم مركزية، أبرزها “الردع المتبادل” و”التصعيد المحسوب” و”شراء الوقت”. فالأطراف في الأزمات المعقدة لا تتحرك فقط وفق ما تريده، بل وفق ما تخشى أن يفعله الطرف الآخر. ومن ثم، يصبح الهدف هو الحفاظ على قدر من الغموض الاستراتيجي يسمح بإبقاء خيارات متعددة مفتوحة، دون الالتزام بمسار واحد حاسم.

في هذا السياق، لا يكون الزمن عنصرًا محايدًا، بل يتحول إلى أداة بحد ذاته. إدارة الأزمة تعني، في أحد أبعادها، إعادة توزيع الزمن: إبطاء الإيقاع عندما يقترب التصعيد من نقطة خطرة، وتسريعه عندما تحتاج الأطراف إلى فرض وقائع جديدة. هذه القدرة على التحكم في الإيقاع الزمني للصراع تُعد من أهم أدوات الفاعلين الدوليين، لأنها تمنحهم مساحة للمناورة دون الانزلاق إلى قرارات غير قابلة للتراجع. انطلاقًا من هذا الإطار، يمكن قراءة الأجواء التي سبقت مفاوضات إسلام أباد باعتبارها نموذجًا كلاسيكيًا لإدارة أزمة وليس لحلها. فالمؤشرات لم تكن تدل على وجود إرادة سياسية كافية لتقديم تنازلات جوهرية، سواء على مستوى القضايا الاستراتيجية الكبرى أو حتى على مستوى الإجراءات المرحلية. في المقابل، كان هناك إدراك واضح—ولو ضمني—لخطورة الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، خاصة في ظل تداخل مسارح الصراع وتعدد الفاعلين المنخرطين فيه.

هذا التناقض الظاهري—غياب الاستعداد للتسوية مقابل الحرص على تجنب الانفجار—هو جوهر إدارة الأزمة. فالأطراف لا تتحرك نحو الحل، لكنها أيضًا لا تسمح للأزمة بأن تتحول إلى حرب شاملة. وبين هذين الحدين، تُبنى مساحة رمادية تُدار فيها التفاعلات بحذر شديد. التحركات السياسية التي سبقت المفاوضات عكست هذا المنطق بوضوح. فقد شهدنا تصعيدًا ملحوظًا في الخطاب السياسي والإعلامي، حيث سعت كل الأطراف إلى رفع سقف مطالبها وإظهار قدر من الصلابة أمام جمهورها الداخلي. هذا التصعيد اللفظي لم يكن منفصلًا عن حسابات داخلية، خاصة في الولايات المتحدة بقيادة دونالد ترامب، حيث يتداخل الأداء الخارجي مع اعتبارات الشرعية السياسية والتوازنات الانتخابية. في الوقت ذاته، لم تُغلق قنوات الاتصال، بل ظلت قائمة بأشكال متعددة، سواء بشكل مباشر أو عبر وسطاء. هذه الازدواجية—تصعيد في العلن وتواصل في الخفاء—ليست تناقضًا، بل أداة أساسية في إدارة الأزمة. فهي تسمح للأطراف بالحفاظ على صورتها الصلبة أمام جمهورها، دون أن تفقد القدرة على التهدئة عند الضرورة.

يمكن القول إن التوتر في هذه المرحلة لم يكن مجرد نتيجة للصراع، بل أصبح أداة من أدواته. فكل طرف يستخدم مستوى معينًا من التصعيد للضغط، لكنه في الوقت ذاته يحرص على إبقائه ضمن حدود يمكن السيطرة عليها. هذا ما يُعرف أحيانًا بـ”التصعيد المنضبط”، حيث يتم توظيف التوتر لتحقيق مكاسب تفاوضية، دون السماح له بالتحول إلى مواجهة شاملة.

ثانيًا: إدارة التفاوض بين اختبار النوايا وتعظيم المكاسب

إذا كانت إدارة الأزمة ترسم الحدود العامة للحركة، فإن إدارة التفاوض تمثل الآلية التي تتحرك داخلها هذه الحدود، لا بهدف كسرها بالضرورة، بل لإعادة تعريفها تدريجيًا. التفاوض، في هذا السياق، لا يُفهم كمسار خطي ينتهي باتفاق، بل كعملية ديناميكية متعددة المستويات، تُستخدم فيها الطاولة التفاوضية كأداة لإنتاج المعرفة عن الطرف الآخر بقدر ما تُستخدم لتحقيق مكاسب مباشرة. أول وظائف التفاوض هنا هي اختبار النوايا. فالأطراف لا تدخل المفاوضات وهي تثق في تقديراتها المسبقة، بل تسعى إلى التحقق منها. ما الذي يمكن أن يقبله الطرف الآخر؟ أين تقع خطوطه الحمراء الحقيقية؟ وما هي المساحات التي يمكن المناورة فيها؟ هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها عبر التصريحات العلنية أو التقديرات الاستخباراتية فقط، بل تتطلب احتكاكًا مباشرًا داخل عملية تفاوضية—evenلو كانت محدودة النتائج. ومن ثم، تصبح كل جولة تفاوضية بمثابة “تمرين استكشافي” بقدر ما هي محاولة للتوصل إلى اتفاق.

الوظيفة الثانيةتتعلق بـ إعادة توزيع أوراق القوة. فالتفاوض لا يجري في فراغ، بل يتأثر بتوازنات تتغير باستمرار: ميدانيًا، اقتصاديًا، وسياسيًا. داخل غرفة التفاوض، يحاول كل طرف ترجمة هذه التغيرات إلى مكاسب ملموسة، أو على الأقل منع الطرف الآخر من استثمارها بشكل كامل. لذلك، فإن بعض المواقف التفاوضية قد تبدو متشددة أو غير واقعية، لكنها في جوهرها تعكس محاولة لرفع سقف التفاوض، أو تثبيت نقطة انطلاق أعلى في أي جولة لاحقة.

أما الوظيفة الثالثة فهي تعظيم المكاسب النسبية، وليس تحقيق نصر مطلق. في النزاعات المعقدة، نادرًا ما يحصل طرف على كل ما يريد، لذلك يصبح الهدف هو تحسين الموقع النسبي: تقليل الخسائر، تأجيل الضغوط، أو فرض قضايا معينة على جدول الأعمال. هذا ما يجعل التفاوض عملية تراكمية، حيث تُبنى النتائج عبر جولات متعددة، حتى لو بدت كل جولة على حدة محدودة الأثر.

في حالة إسلام أباد، انعكست هذه الوظائف الثلاث بوضوح على مجريات التفاوض. فقد اتسم الأداء العام بدرجة عالية من الحذر، سواء في الطرح أو في الاستجابة. لم تظهر مؤشرات على وجود تفويض واسع يسمح بمرونة حقيقية، خاصة من الجانب الأميركي، وهو ما انعكس في غياب اختراقات ملموسة أو حتى تفاهمات جزئية يمكن البناء عليها فورًا. يمكن تفسير هذا الحذر بأن التفاوض لم يكن مهيأً للوصول إلى تسوية شاملة في هذه المرحلة، بل كان يُستخدم كأداة لإدارة الإيقاع السياسي وشراء الوقت. فكل طرف كان حريصًا على عدم الظهور بمظهر الرافض للحل، دون أن يقدّم في الوقت ذاته التنازلات التي قد تُفسَّر داخليًا كضعف أو تراجع.

هذا يقودنا إلى نقطة محورية تتعلق بطبيعة التمثيل الأميركي في هذه الجولة، بقيادة ج يدي ڤانس، حيث يفتح اختياره تحديدًا أمام قراءة مركبة. فمن ناحية، يعكس تقديمه كواجهة تفاوضية توجهًا نحو خطاب أقل تصعيدًا، يتماشى مع قطاعات داخل التيار الجمهوري تميل إلى تقليل الانخراط الخارجي. ومن ناحية أخرى، فإن وضعه في هذا الملف المعقد يضعه أمام اختبار سياسي حساس، حيث ترتبط نتائج التفاوض—سلبًا أو إيجابًا—بصورته كفاعل سياسي صاعد. لكن من المهم التأكيد أن الربط بين هذا التمثيل وبين نية مسبقة لإعادة تشكيل التوازنات الداخلية، لا يمكن اعتباره حقيقة مثبتة في ظل غياب أدلة مباشرة. ما يمكن قوله بدرجة أكبر من اليقين هو أن طبيعة التمثيل التفاوضي، في مثل هذه الحالات، لا تكون منفصلة عن الحسابات السياسية الداخلية، حتى وإن لم تكن محددة بالكامل بها.إلى جانب ذلك، تكشف مجريات التفاوض عن بُعد آخر لا يقل أهمية، وهو إدارة الرسائل. فكل تحرك داخل التفاوض—سواء كان طرحًا أو رفضًا أو حتى تأجيلًا—يحمل رسالة موجهة إلى أكثر من طرف: إلى الخصم، إلى الحلفاء، وإلى الجمهور الداخلي. هذا ما يفسر أحيانًا التناقض الظاهري بين الخطاب العلني والمواقف داخل الغرف المغلقة، حيث تُدار العملية التفاوضية على مستويين متوازيين: مستوى فعلي يتعلق بالمحتوى، ومستوى رمزي يتعلق بالصورة.

في هذا الإطار، يصبح غياب الاختراق في إسلام أباد نتيجة متوقعة، وليس استثناءً. فالمفاوضات لم تصل بعد إلى نقطة تلاقي حقيقية بين مصالح الأطراف، كما أن كلفة التنازل لا تزال مرتفعة سياسيًا. وبالتالي، فإن استمرار التفاوض—حتى دون نتائج حاسمة—يظل خيارًا مفضلًا، لأنه يتيح للأطراف الحفاظ على قنوات الاتصال، واختبار التغيرات، والاستعداد لجولات قد تكون أكثر جدية في المستقبل.

ثالثًا: إدارة الصراع من منطق التوتر المستدام

المستوى الأعمق في فهم ما جرى لا يرتبط فقط بكيفية احتواء الأزمة أو إدارة التفاوض، بل بكيفية إدارة الصراع ذاته. إدارة الصراع تختلف نوعيًا عن إدارة الأزمة؛ فبينما تركز الأخيرة على منع الانفجار، تتجه الأولى إلى إعادة تشكيل البيئة التي يتحرك داخلها الصراع، بما يسمح بتحقيق مكاسب مستمرة دون الوصول إلى لحظة حسم نهائي. هنا، لا يكون الهدف إنهاء التوتر، بل ضبطه، والتحكم في درجته، وتوجيه مساراته.

في هذا الإطار، يظهر ما يمكن تسميته بـ”منطق التوتر المستدام”، حيث يُنظر إلى الصراع باعتباره حالة يمكن توظيفها، وليس مجرد مشكلة يجب التخلص منها. التوتر، وفق هذا المنطق، يصبح أداة سياسية واستراتيجية، يُستخدم لإنتاج ضغوط، وإعادة ترتيب موازين القوى، وفرض وقائع تدريجية على الأرض، دون تحمل كلفة المواجهة الشاملة أو تقديم تنازلات كبرى. هذا النمط من الإدارة يرتبط بتحول أوسع في طبيعة الصراعات الدولية، حيث لم يعد الحسم السريع هو الخيار الأكثر جاذبية، خاصة في النزاعات متعددة الأطراف والمعقدة بنيويًا. فالحسم، سواء عبر الحرب أو التسوية الكاملة، ينطوي على مخاطر مرتفعة: الحرب قد تخرج عن السيطرة، والتسوية قد تعيد توزيع المكاسب بشكل لا يرضي الأطراف الفاعلة. من هنا، يصبح الإبقاء على “حالة بينية” خيارًا عمليًا، وإن كان غير مستقر بطبيعته.

بالنسبة إلى دونالد ترامب، يمكن قراءة السلوك الأميركي ضمن هذا الإطار. فالإدارة تجد نفسها أمام معادلة صعبة، ما بين تصعيد شامل يحمل كلفة عسكرية واقتصادية وسياسية كبيرة، خاصة في ظل تشابك الملفات الإقليمية والدولية، في مقابل التسوية الكاملة التي قد تُفسَّر داخليًا كتنازل، أو تُعيد توزيع أوراق القوة بطريقة لا تخدم موقعها التفاوضي أو السياسي. بين هذين الخيارين، يبرز خيار ثالث أكثر مرونة، ألا وهو الإبقاء على مستوى محسوب من التوتر تمهيدًا لجولات قادمة من المفاوضات. هذا الخيار لا يُعد مجرد حل وسط، بل استراتيجية قائمة بذاتها، تتيح تحقيق عدد من الأهداف في آن واحد. فهو يسمح بالحفاظ على أدوات الضغط -العقوبات، التهديد العسكري، العزل السياسي- دون استنزافها بالكامل في مواجهة مفتوحة. كما يمنح صانع القرار مساحة لإدارة التوازنات داخل معسكره السياسي، حيث يمكن توجيه الرسائل المختلفة لتيارات متباينة دون الانحياز الكامل لأي منها. وفي الوقت ذاته، يقلل من فرص تحقيق خصوم أو حتى حلفاء مكاسب كاملة قد تُغيّر من موازين القوة القائمة.إضافة إلى ذلك، يوفر هذا النمط من الإدارة قدرة على التكيف مع المتغيرات. فالتوتر المستدام بطبيعته قابل للرفع أو الخفض وفقًا لتطورات الميدان أو الضغوط الداخلية، ما يمنح صانع القرار مرونة لا تتوافر في حالات الحرب الشاملة أو الاتفاقات النهائية. هذه المرونة تُعد عنصرًا حاسمًا في بيئات استراتيجية سريعة التغير، حيث يصبح الثبات على موقف واحد مخاطرة في حد ذاته.

رابعًا: معضلة التداخل في المستويات الثلاثة السابقة

ما يمنح حالة إسلام أباد خصوصيتها ليس أي مستوى من مستويات التحليل على حدة، بل الطريقة التي تداخلت بها هذه المستويات الثلاثة—إدارة الأزمة، وإدارة التفاوض، وإدارة الصراع—داخل مسار واحد، بحيث أصبح من الصعب الفصل بينها عمليًا. هذا التداخل لا يعكس فقط تعقيد الأزمة، بل يكشف عن نمط إدارة متكامل تتحرك فيه الأدوات المختلفة في وقت واحد، لتحقيق أهداف متباينة لكنها مترابطة.فإدارة الأزمة وفّرت الإطار العام الذي يضع حدود الحركة، ويمنع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة. هي التي أبقت الصراع داخل “منطقة السيطرة”، حيث يمكن ضبط الإيقاع ومنع الانفجار. داخل هذا الإطار، جاءت إدارة التفاوض كأداة تشغيلية، تُستخدم لاختبار المواقف، وقياس ردود الفعل، وشراء الوقت عند الحاجة. أما إدارة الصراع، فظلت هي المحدد الأعمق، الذي يرسم سقف ما يمكن الوصول إليه، ويحدد ما إذا كانت التسوية أصلًا خيارًا مطروحًا في هذه المرحلة أم لا.

هذا التراكب بين المستويات الثلاثة يخلق حالة من “التشغيل المتوازي”، حيث تعمل كل أداة بوظيفة مختلفة، لكنها تصب في اتجاه عام واحد: الحفاظ على توازن دقيق بين التصعيد والاحتواء. ومن هنا، تبدو بعض الظواهر التي قد تُفسَّر في قراءة تقليدية على أنها تناقضات، أقرب إلى نتائج طبيعية لهذا النمط المركب من الإدارة. أول هذه الظواهر، هو وجود مفاوضات دون نتائج حاسمة. في الإطار التقليدي، يُفترض أن التفاوض يقود إلى اتفاق أو ينهار. لكن في هذه الحالة، استمرار التفاوض دون اختراق يعكس وظيفة مختلفة له: إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، وإدارة التوتر، وليس حسمه. التفاوض هنا يصبح عملية مستمرة، لا تنتهي بجولة واحدة، بل تتراكم عبر الزمن. الظاهرة الثانية، هي استمرار التوتر رغم الانخراط الدبلوماسي. ظاهريًا، قد يبدو ذلك وكأنه فشل للمسار السياسي، لكن في سياق إدارة الصراع، يمكن فهمه بشكل مختلف. فالتوتر لا يُنظر إليه كحالة يجب إنهاؤها فورًا، بل كأداة تُستخدم لتحقيق مكاسب تدريجية. ومن ثم، فإن استمرار التوتر لا يتعارض مع وجود مفاوضات، بل قد يكون جزءًا من منطقها. أما الظاهرة الثالثة، فتتعلق بغياب موقف تفاوضي حاسم من بعض الأطراف، وعلى رأسها الولايات المتحدة بقيادة دونالد ترامب. هذا الغياب لا يعكس بالضرورة ارتباكًا، بل قد يكون تعبيرًا عن رغبة في الحفاظ على مساحة للمناورة، وتجنب الالتزام بمسار قد يقيّد الحركة لاحقًا. في بيئة تتسم بالسيولة، يصبح الغموض أحيانًا أداة، وليس ضعفًا.

إضافة إلى ذلك، يفسر هذا التداخل سبب الفجوة بين الحضور السياسي المكثف للمفاوضات وبين محدودية نتائجها. فارتفاع مستوى التمثيل السياسي لا يعني بالضرورة أن الشروط الموضوعية للتسوية قد نضجت. على العكس، قد يُستخدم هذا الحضور لإضفاء زخم سياسي على عملية لا تزال في مرحلة اختبار، أو لإدارة رسائل داخلية وخارجية، دون أن يعكس استعدادًا فعليًا للحسم.

بعبارة أخرى، فإن ما جرى في إسلام أباد يمكن قراءته كحالة لم يكتمل فيها “التقاء المستويات الثلاثة” نحو هدف واحد. فبينما كانت إدارة الأزمة تدفع نحو الاحتواء، وإدارة التفاوض تعمل على اختبار المسارات، ظلت إدارة الصراع تحافظ على سقف يمنع الوصول إلى تسوية نهائية. هذا الاختلال النسبي في اتجاهات المستويات المختلفة يفسر لماذا بقيت النتائج دون مستوى التوقعات، دون أن يعني ذلك انهيار المسار بالكامل.

منطق "إدارة اللاحل" فى الصراعات المعاصرة
 

خامسًا: احتمالات الجولات القادمة

السؤال المتعلق بإمكانية استئناف جولات تفاوضية جديدة لا يمكن فصله عن منطق أوسع يحكم سلوك الأطراف في الأزمات الممتدة. فالمفاوضات، في مثل هذه السياقات، لا تُبنى على رغبة مجردة في الوصول إلى اتفاق، بل على معادلة أكثر تعقيدًا تتعلق بتكلفة الاستمرار في الصراع مقابل تكلفة الدخول في التفاوض. عندما تصبح كلفة عدم التفاوض أعلى من كلفة التفاوض نفسه، يعود الأطراف إلى الطاولة، حتى في غياب شروط ناضجة للتسوية. في حالة جولة المفاوضات في إسلام آباد، تشير المعطيات العامة إلى أن هذه المعادلة لا تزال قائمة. فبرغم عدم تحقيق اختراق فيها، فإن الأزمة لم تصل إلى مستوى يسمح لأي طرف بالاستغناء الكامل عن المسار التفاوضي. وهذا يعني عمليًا أن التفاوض لم يُغلق كخيار، بل تم تجميده أو إعادة ضبطه، في انتظار تغير في الظروف الموضوعية أو السياسية أو العسكرية. من هنا، يبدو احتمال العودة إلى جولات جديدة قائمًا، سواء عبر نفس المسار أو عبر قنوات موازية أو بديلة. أن طبيعة هذه الجولات المحتملة لن تكون مستقلة عن عاملين رئيسيين حاسمين في تشكيل شكل التفاوض ومضمونه.

العامل الأول، هو تطور الميدان ومستوى التصعيد. فالتغيرات على الأرض -سواء في اتجاه التصعيد أو التهدئة- تلعب دورًا مباشرًا في إعادة تعريف سقف التفاوض. كلما ارتفع مستوى التوتر الميداني، تزداد الحاجة إلى التفاوض كأداة لاحتواء الانفجار، لكن في الوقت نفسه تتراجع مساحة المرونة داخل التفاوض ذاته. وعلى العكس، في حال حدوث تهدئة نسبية، قد تتوسع مساحة المناورة، لكن دون ضمان الوصول إلى اختراق حقيقي إذا لم تتغير موازين القوة بشكل جوهري.

العامل الثاني، يتعلق بـ الضغوط الداخلية على صناع القرار، خاصة داخل الولايات المتحدة، حيث تتداخل الاعتبارات الخارجية مع الحسابات السياسية الداخلية للإدارة الترامبية الثانية. فالمواقف التفاوضية لا تُصاغ فقط وفق معطيات الملف الخارجي، بل أيضًا وفق اعتبارات تتعلق بالاصطفافات السياسية، وتوازنات الرأي العام، وإدارة التنافس داخل المعسكر الحاكم نفسه. هذه الضغوط يمكن أن تدفع نحو تسريع التفاوض في لحظات معينة، أو نحو تجميده في لحظات أخرى، وفقًا لما تفرضه الحسابات الداخلية.

في ضوء هذين العاملين، يمكن فهم مستقبل المسار التفاوضي باعتباره مفتوحًا على أكثر من سيناريو، لكنه في الوقت نفسه مقيد بحدود واضحة. فغياب تغيّر جوهري في مستوى التصعيد أو في البيئة السياسية الداخلية يعني أن المفاوضات، حتى لو استؤنفت، قد تعيد إنتاج نفس الإيقاع السابق: حراك دبلوماسي قائم، دون اختراقات حاسمة.

أما مستقبل هذا المسار، فيبقى مفتوحًا على عدة احتمالات متداخلة، لا يمكن حصرها في سيناريو واحد خطي. السيناريو الأول يتمثل في استمرار الحالة الحالية، أي إدارة التوتر ضمن سقف منخفض إلى متوسط، مع إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة دون تحقيق اختراقات حاسمة. في هذا السيناريو، تتحول المفاوضات إلى آلية دائمة لإدارة الوقت، أكثر من كونها أداة لحسم القضايا العالقة.

السيناريو الثاني يرتبط بإعادة تصعيد محسوب، سواء نتيجة تطورات ميدانية أو نتيجة تغير في حسابات الأطراف السياسية الداخلية. في هذه الحالة، قد يتم استخدام التفاوض كأداة مرافقة للتصعيد، وليس كبديل عنه، بما يعيد إنتاج نمط “الضغط والتفاوض” في آن واحد، حيث لا يُفصل بين العمل العسكري أو السياسي وبين الطاولة التفاوضية.

أما السيناريو الثالث فيتعلق بإمكانية حدوث تحول نوعي في البيئة السياسية أو الميدانية يفرض إعادة تعريف قواعد اللعبة بالكامل. هذا السيناريو لا يعتمد على نوايا الأطراف بقدر ما يعتمد على تغيرات بنيوية في موازين القوة أو في أولويات الفاعلين الرئيسيين، وهو سيناريو يظل أقل احتمالًا في المدى القصير، لكنه يظل قائمًا على المدى الأطول.

في كل الأحوال، يبقى العامل الحاسم ليس فقط ما يحدث داخل غرفة التفاوض، بل ما يحدث خارجها. فالمفاوضات في مثل هذه السياقات لا تعكس القرار بقدر ما تعكس البيئة التي يُصنع فيها القرار. وبينما تستمر هذه البيئة في الاتسام بالسيولة والتداخل، سيظل المسار مفتوحًا على احتمالات متعددة، دون أن يقترب من نقطة حسم نهائية واضحة. وهكذا، لا تبدو إسلام أباد محطة في طريق تسوية مكتملة، بقدر ما تبدو لحظة كاشفة لطبيعة المرحلة؛ مرحلة تُدار فيها الأزمات دون أن تُغلق، وتُستخدم فيها المفاوضات دون أن تُختزل في وظيفتها التقليدية، ويظل فيها الصراع قائمًا، لكن ضمن حدود محسوبة بدقة، تمنعه من الانفجار، وتمنعه في الوقت نفسه من الاختفاء.

 

 

 

طباعة

    تعريف الكاتب

    أحمد ناجي قمحة

    أحمد ناجي قمحة

    رئيس تحرير مجلتى السياسة الدولية والديمقراطية