تحليلات

مستقبل الحرب على إيران بعد خطاب ترامب .. كيف يُعاد تشكيل إيران دون إسقاطها؟ من “الحسم العسكري” إلى “إدارة التحول المركب”

طباعة

لم يعد من الممكن قراءة ما يجري في الحالة الإيرانية، أو في امتداداتها الإقليمية، عبر القوالب التقليدية التي تربط الصراع بلحظة حسم، أو بمعادلة انتصار/هزيمة. هذه القوالب تفترض أن الصراعات تتصاعد حتى تبلغ ذروتها، ثم تنتهي بنتيجة واضحة تُعيد تعريف التوازنات. لكن ما نشهده الآن لا يسير وفق هذا المنطق، بل يكسره من الأساس. نحن أمام نمط مختلف جذريًا؛ صراع بلا ذروة، بلا نهاية محددة، وبلا لحظة فاصلة يمكن عندها القول إن طرفًا ما قد حسم المعركة. هذا لا يعني غياب الصراع، بل العكس تمامًا؛ يعني أنه أصبح أكثر تعقيدًا، وأكثر امتدادًا، وأقل قابلية للاحتواء ضمن تعريفات تقليدية.

في هذا السياق، يبرز مفهوم “إدارة التحول المركب” كإطار تفسيري أكثر دقة. هذا المفهوم لا ينطلق من فرضية تدمير الخصم، بل من إعادة تشكيله تدريجيًا. الفكرة الأساسية هنا أن تغيير سلوك الدولة لا يتطلب بالضرورة إسقاطها، بل يكفي دفعها إلى إعادة ترتيب أولوياتها، تحت ضغط مستمر، بحيث تقوم بعملية “تعديل ذاتي” تتوافق مع البيئة المفروضة عليها.

هذا التحول يعكس تطورًا في استخدام القوة نفسها. القوة لم تعد تُمارس كأداة صادمة تهدف إلى إحداث انهيار سريع، بل كأداة تراكمية تعمل على إحداث تغييرات بطيئة، لكنها عميقة. كل ضغطة، مهما بدت محدودة، تُضاف إلى ما قبلها، لتشكل في النهاية مسارًا جديدًا للدولة المستهدفة. بمعنى أكثر دقة، لم تعد القوة تُقاس بقدرتها على “كسر” الخصم، بل بقدرتها على “إعادة برمجته” دون تدميره. هذه إعادة البرمجة لا تتم عبر قرار واحد، أو ضربة واحدة، بل عبر سلسلة طويلة من التأثيرات المتداخلة، التي تدفع النظام إلى إعادة تعريف نفسه بنفسه.

هذا يقود إلى تحول جوهري في طبيعة الهدف الاستراتيجي. الهدف لم يعد “إسقاط الدولة”، لأن إسقاطها يحمل مخاطر الفوضى، وعدم القدرة على السيطرة على النتائج. البديل الأكثر كفاءة هو الإبقاء على الدولة، لكن في حالة إعادة تشكيل مستمرة، بحيث تصبح أقل قدرة على التهديد، وأكثر انشغالًا بإدارة أزماتها الداخلية، وأكثر قابلية للتكيف مع الضغوط الخارجية. في هذا الإطار، تتحول الحرب من حدث إلى عملية. الحدث له بداية ونهاية، أما العملية فمفتوحة، مستمرة، وقابلة لإعادة التشكيل.

تعتمد “إدارة التحول المركب” على تكامل أدوات متعددة، لا تعمل بشكل منفصل، بل كمنظومة واحدة. العمليات العسكرية المحدودة تؤدي وظيفة الضغط المباشر، لكنها لا تُستخدم للحسم. الضغوط الاقتصادية تستنزف الموارد وتفرض إعادة ترتيب الأولويات. الحرب السيبرانية تضرب في العمق دون ضجيج. الرسائل السياسية والإعلامية تعيد تشكيل الإدراك. كل أداة من هذه الأدوات قد تبدو محدودة بمفردها، لكنها تكتسب معناها الحقيقي حين تعمل ضمن شبكة متكاملة.

الأهم أن هذا التكامل يخلق نوعًا خاصًا من الضغط: ضغط منخفض الحدة ظاهريًا، لكنه مرتفع التأثير على المدى الطويل. لا توجد صدمة كبرى تدفع إلى رد فعل شامل، بل سلسلة من الضغوط الصغيرة التي يصعب الرد عليها مجتمعة، لأنها لا تصل إلى حد يبرر التصعيد الكامل، لكنها في الوقت نفسه لا تتوقف.هذا النمط يضع الدولة المستهدفة في حالة استنزاف دائم. ليس استنزافًا بالمعنى التقليدي الذي يقود إلى الانهيار، بل استنزاف يدفع إلى التكيف.

هذا النمط يعكس أيضًا تحوّلًا في إدراك المخاطر على المستوى الدولي. القوى الفاعلة باتت أكثر حذرًا من الحروب الشاملة، ليس فقط بسبب تكلفتها، بل بسبب عدم القدرة على التنبؤ بنتائجها. لذلك، يتم تفضيل نماذج الصراع التي تسمح بالتحكم في مستوى التصعيد، وإدارته، بدلًا من تركه يتصاعد بشكل غير محسوب.في هذا السياق، تصبح “السيطرة على الإيقاع” أكثر أهمية من “تحقيق الحسم”. من يملك القدرة على ضبط مستوى التوتر، ورفع وخفض التصعيد وفقًا لمصالحه، يملك ميزة استراتيجية حاسمة، حتى دون تحقيق انتصار تقليدي.

في الحالة الإيرانية، هذا يعني أن السؤال لم يعد: هل ستُخاض حرب شاملة أم لا؟ بل: كيف تُدار هذه الحرب التي لا تُخاض؟ كيف يتم استخدام الضغط دون تجاوز العتبة التي تؤدي إلى انفجار؟ وكيف يتم تحقيق تغيير حقيقي دون إعلان حرب؟الإجابة تكمن في هذا الإطار، “إدارة التحول المركب”. نموذج لا يسعى إلى كسر الخصم، بل إلى إعادة تشكيله، لا عبر ضربة واحدة، بل عبر مسار طويل من الضغوط المتراكمة، التي تجعله، في النهاية، يعيد تعريف نفسه بنفسه.

وفي ضوء ما ورد في خطابدونالد ترامب فجر الخميس بشأن إيران، والذي جمع بين إعلان اقتراب “نهاية الحرب” والتأكيد على استمرار الضربات، مع التلويح بتصعيد غير مسبوق يصل إلى استهداف شامل للبنية التحتية، تتضح مفارقة مركزية؛ فنحن أمام خطاب يعلن نهاية مرحلة، دون أن يقدّم تصورًا واضحًا لنهايتها، ويصعّد في الوقت نفسه أدوات الضغط إلى مستويات أعلى.

ما يعكسه هذا الخطاب، في جوهره، هو غياب مسار تفاوضي فعلي، مقابل تصاعد منطق فرض الواقع. لم يعد الهدف المعلن هو الوصول إلى اتفاق، بل تثبيت نتائج ما تحقق، مع الإبقاء على التهديد كأداة لضبط سلوك الطرف الآخر. هذا النمط لا ينتمي إلى الحروب التقليدية، بل إلى نموذج أكثر تعقيدًا يمكن وصفه بـ“إدارة التحول المركب”، حيث تُستخدم أدوات متعددة—عسكرية، اقتصادية، ونفسية—لإعادة تشكيل الدولة المستهدفة تدريجيًا، دون إسقاطها، ودون الحاجة إلى حرب شاملة.

أولًا: إعادة هندسة الداخل الإيراني

إذا كان جوهر “إدارة التحول المركب” يقوم على تغيير سلوك الدولة دون إسقاطها، فإن نقطة الاشتباك الحقيقية لا تكون على الحدود، بل داخل بنية النظام ذاته. الجبهة الخارجية، مهما بدت مشتعلة، تظل في هذا الإطار مجرد وسيلة ضغط، بينما الهدف الفعلي هو الداخل؛ مراكز القرار، توازنات القوة، وأنماط إدارة الدولة.

في الحالة الإيرانية، هذا النمط من الضغط يفرض حالة دائمة من إعادة التقييم داخل دوائر صنع القرار. هذا النمط لا يظل في إطار الجدل النظري، بل تتحول إلى قرارات عملية تنعكس مباشرة على توزيع القوة داخل النظام. في بيئة الضغط، لا تبقى مراكز القوة ثابتة؛ بل تتحرك وفقًا لقدرتها على إدارة الأزمة. المؤسسات الأكثر قدرة على التعامل مع التهديدات المباشرة تميل إلى التمدد، بينما تتراجع المؤسسات التي تعتمد على استقرار نسبي أو موارد مستقرة. لكن التحول الأعمق لا يتعلق فقط بصعود أو تراجع مؤسسات بعينها، بل بتغير طبيعة العلاقة بينها. في الظروف الطبيعية، قد يكون هناك توازن نسبي، أو توزيع واضح للأدوار.

أما في ظل الضغط المستمر، فإن هذا التوازن يصبح محل إعادة تفاوض غير معلن، حيث تسعى كل مؤسسة لتعزيز موقعها ضمن معادلة متغيرة.في الوقت نفسه، يتأثر نمط اتخاذ القرار ذاته. تحت الضغط، تميل الأنظمة إلى تقليص زمن التفكير، والاعتماد بشكل أكبر على دوائر ضيقة من صناع القرار، كاستجابة طبيعية لبيئة تتسم بعدم اليقين. الأثر لا يتوقف عند مؤسسات الدولة، بل يمتد إلى العلاقة بينها وبين المجتمع. يمكن فهم هذا النمط باعتباره “هندسة غير مباشرة للسلوك السياسي”، حيث لا يتم فرض التغيير من الخارج بشكل صريح، بل يتم خلق ظروف تجعل التغيير الداخلي هو الخيار الأكثر قابلية للاستمرار. بمعنى آخر، الدولة لا تُجبر على التغيير، لكنها تجد نفسها مضطرة إليه.

في النهاية، يصبح الداخل هو ساحة الصراع الحقيقية، حتى وإن بدت المواجهة خارجية. ما يُستهدف ليس فقط القدرات العسكرية أو الاقتصادية، بل منطق إدارة الدولة ذاته، من حيث كيف تفكر، كيف تقرر، وكيف تعيد تعريف نفسها تحت الضغط. وهنا تتضح الصورة، حيث أن “إعادة هندسة الداخل” ليست نتيجة جانبية للصراع، بل هدفه المركزي. لأن تغيير الداخل، بشكل تدريجي وصامت، هو الطريق الأكثر فاعلية لإعادة تشكيل الدولة دون الحاجة إلى إسقاطها.

ثانيًا: تفكيك الردع

كان الردع، في صورته الكلاسيكية، يقوم على معادلة واضحة، تتمثل في وضوح الخطوط الحمراء، ويقابلها وضوح في تكلفة تجاوزها. هذه المعادلة كانت تُنتج نوعًا من “الاستقرار القلق”، حيث يعرف كل طرف حدود الحركة، حتى وإن ظل التوتر قائمًا. الخطر كان موجودًا، لكنه مُحاط بقواعد صارمة تمنع الانزلاق غير المحسوب.ما نشهده الآن في الحالة الإيرانية يتجاوز هذا النموذج. نحن أمام عملية تفكيك تدريجي لهذا النمط من الردع، ليس عبر إلغائه، بل عبر إعادة تشكيله من الداخل.

الضربات المحدودة التي لا تستدعي ردًا شاملًا، والردود المحسوبة التي لا تتجاوز سقفًا معينًا، ليست دليلًا على ضعف الردع، بل على تحوله. الردع هنا لا يعمل كحاجز يمنع الفعل، بل كآلية تنظم مستواه. بعبارة أخرى، لم يعد الهدف “منع الاشتباك”، بل “ضبط إيقاعه”. في هذا السياق، يصبح “اختبار الحدود” جزءًا بنيويًا من الاستراتيجية.

النتيجة هي حالة يمكن وصفها بـ“اللايقين المنظم”. لا توجد قواعد مكتوبة، لكن هناك فهمًا ضمنيًا لما هو ممكن وما هو غير ممكن—فهم يتغير باستمرار. هذا النوع من اللايقين لا يؤدي إلى الفوضى، بل إلى نمط مختلف من الاستقرار، استقرار قائم على الحركة، لا على الثبات. لكن هذا الاستقرار يحمل في داخله درجة عالية من الهشاشة. لأنه يعتمد على تقديرات مستمرة، وعلى افتراض أن كل طرف قادر على قراءة سلوك الآخر بشكل صحيح.

يمنح هذا النموذج الأطراف مساحة أوسع للمناورة. القدرة على التحرك داخل “منطقة رمادية” بين الحرب والسلام تتيح تحقيق أهداف تدريجية، دون تحمل كلفة المواجهة المباشرة. يمكن توجيه ضربات، إرسال رسائل، تعديل موازين جزئية، كل ذلك دون كسر القواعد بشكل كامل. وهنا يظهر البعد الأعمق، تفكيك الردع ليس مجرد نتيجة لتغير الظروف، بل أداة بحد ذاته. من خلال تحويل الخطوط الحمراء إلى مناطق اختبار، يتم نزع الصلابة عن قواعد الاشتباك، واستبدالها بنظام أكثر مرونة، لكنه أيضًا أكثر قابلية للتشكيل.

هذا النظام الجديد يسمح بإعادة تعريف ما هو “مسموح” وما هو “محظور” بشكل مستمر. ما كان غير قابل للتصور في مرحلة سابقة قد يصبح مقبولًا في مرحلة لاحقة، نتيجة تكرار الاختبار وعدم حدوث رد حاسم. بهذه الطريقة، يتم توسيع هامش الحركة تدريجيًا، دون إعلان.

في الحالة الإيرانية، هذا يعني أن بيئة الصراع لم تعد تُدار وفق قواعد ثابتة، بل وفق عملية تفاوض مستمرة غير معلنة حول هذه القواعد نفسها. كل فعل هو رسالة، وكل رد هو إعادة تعريف للحدود. الأثر الأعمق لهذا التحول يظهر في طريقة التفكير الاستراتيجي. لم يعد التخطيط قائمًا على سيناريوهات حاسمة، بل على إدارة احتمالات متعددة، في بيئة متغيرة. القرار لم يعد يُبنى فقط على ما هو صحيح أو خاطئ، بل على ما هو “ممكن دون أن يؤدي إلى تصعيد غير قابل للسيطرة”.

ثالثًا: إدارة الخوف

إذا كان الضغط يعيد تشكيل بنية الداخل، وتفكيك الردع يعيد تعريف قواعد الاشتباك، فإن “إدارة الخوف” تمثل المستوى الأعمق والأكثر حسمًا في هذا النمط من الصراع. هنا، لا تدور المواجهة حول من يسيطر على الأرض، بل حول من يسيطر على إدراك الواقع نفسه. في الحروب التقليدية، كانت القوة تُمارس عبر الفعل المباشر: ضربة، رد، تقدم، تراجع. أما في هذا النموذج، فجزء كبير من القوة يُمارس قبل الفعل، وأحيانًا بدلًا منه. التأثير لا يبدأ من الحدث، بل من التوقع. ما يُبنى هو حالة نفسية تجعل الاحتمال قائمًا دائمًا، حتى إن لم يتحقق.

الأدوات المستخدمة في هذا السياق ليست عشوائية، بل شديدة الدقة؛ تصريحات محسوبة تتعمد الغموض أو التصعيد، تسريبات انتقائية تُنشر في توقيتات محددة، تغطيات إعلامية تُضخم بعض المؤشرات وتتجاهل أخرى، ورسائل غير مباشرة تُقرأ أكثر مما تُقال. هذه الأدوات لا تستهدف نقل “حقيقة” بقدر ما تستهدف تشكيل “تصور”.

هذه الحالة لا تُصيب المجتمعات فقط، بل تمتد إلى النخب وصناع القرار. الفرق هنا أن القرار لم يعد يُبنى فقط على ما هو قائم، بل على ما يمكن أن يحدث. ومع تضخم مساحة “الممكن”، تتزايد الضغوط على متخذ القرار، الذي يجد نفسه مضطرًا للتعامل مع سيناريوهات متعددة، في بيئة لا توفر يقينًا كافيًا. هذا يخلق نمطًا خاصًا من السلوك السياسي، من حيث الميل إلى التحوط المفرط، أو إلى المبادرة الاستباقية تحت ضغط الخوف. أحيانًا، يتم اتخاذ قرارات ليس لأنها الأفضل، بل لأنها تمنع سيناريو أسوأ يُخشى حدوثه.

هنا يتحول الخوف من مجرد شعور إلى عامل حاكم في عملية اتخاذ القرار. على مستوى المجتمعات، التأثير لا يقل عمقًا. التوتر المستمر يعيد تشكيل توقعات الناس. الاستقرار لم يعد الحالة الطبيعية، بل الاستثناء. ومع الوقت، تتكيف المجتمعات مع فكرة أن الأزمات ممتدة، وأن التهديدات قائمة حتى إن لم تتحقق بشكل مباشر.

هذا يخلق شبكة معقدة من الإدراكات المتبادلة. ما يعتقده طرف عن نوايا الطرف الآخر قد يكون مبنيًا على إشارات غير مكتملة، أو على تقديرات نفسية بقدر ما هو مبني على معلومات فعلية. ومع تكرار هذه العملية، يصبح “الإدراك” نفسه ساحة للصراع. في هذه البيئة، تتحول السيطرة على السرد إلى عنصر مركزي. من ينجح في فرض روايته للأحداث، أو في توجيه كيفية تفسيرها، يملك ميزة استراتيجية تتجاوز القوة المادية. لأن السلوك لا يُبنى فقط على الواقع، بل على فهم هذا الواقع.

رابعًا: الاقتصاد كجبهة موازية

لا يمكن تفكيك منطق “إدارة التحول المركب” دون وضع الاقتصاد في قلب المعادلة. فبينما تبدو الأدوات العسكرية أكثر وضوحًا، تعمل الأدوات الاقتصادية في العمق، وبوتيرة أبطأ، لكنها أكثر استدامة وتأثيرًا. هي لا تستهدف إحداث انهيار سريع، بل خلق بيئة ضغط مزمنة، تُجبر الدولة على إعادة ترتيب نفسها من الداخل.حيث نجد أن العقوبات، القيود المالية، العزل الجزئي عن النظام المالي العالمي، وتقييد الوصول إلى التكنولوجيا، كلها أدوات لا تعمل فقط على تقليص الموارد، بل على إعادة تشكيل كيفية استخدام هذه الموارد. بمعنى آخر، الاقتصاد هنا لا يُستهدف لذاته، بل بوصفه مدخلًا لإعادة هندسة القرار السياسي.

في الحالة الإيرانية، يتحول الاقتصاد إلى ساحة اشتباك يومي، حيث تتداخل الضغوط الخارجية مع التحديات الداخلية. التحدي لم يعد فقط في “كم” الموارد المتاحة، بل في “كيف” يتم توزيعها. كل قرار اقتصادي يصبح في جوهره قرارًا سياسيًا، وكل أولوية مالية تعكس ترتيبًا ضمنيًا لموازين القوة داخل الدولة.

لكن البعد الأكثر حساسية في هذا السياق يتعلق بقطاع الطاقة، وبالتحديد النفط والغاز. الاقتصاد الإيراني، بحكم طبيعته، يرتبط بشكل وثيق بأسواق الطاقة العالمية. وبالتالي، فإن أي ضغط على هذا القطاع لا يظل محليًا، بل يمتد تأثيره إلى النظام الاقتصادي الدولي.الضغوط على صادرات النفط، سواء عبر القيود المباشرة أو عبر استهداف سلاسل التوريد المرتبطة بها، أي توتر في هذه الجبهة ينعكس على أسواق الطاقة العالمية. التهديدات المرتبطة بإمدادات النفط، أو بممرات الطاقة، تُنتج حالة قلق في الأسواق، تؤدي إلى تقلبات في الأسعار، وإعادة تقييم للمخاطر. هذا يعني أن الاقتصاد، في هذا السياق، يتحول إلى أداة ضغط متبادلة، فما يضغط على إيران يمكن أن يرتد تأثيره على الأطراف الأخرى.

في حالة التوتر المرتبط بإيران، لا يقتصر الأمر على النفط فقط، بل يمتد إلى طرق الشحن، وتكاليف التأمين، وسرعة تدفق السلع. فأي تصعيد مهما كان محدودًا يمكن أن يرفع من مستوى المخاطر المرتبطة بالنقل، ما يؤدي إلى إبطاء سلاسل الإمداد، وزيادة تكلفتها، وإدخال عنصر عدم اليقين في حركة التجارة. الأهم أن هذا النمط من الضغط يعيد تعريف العلاقة بين الاقتصاد والسياسة. لم يعد الاقتصاد مجرد أداة داعمة للسياسة، بل أصبح ساحة صراع بحد ذاته، تُدار فيها المعركة بشكل يومي. كل قرار اقتصادي يحمل في طياته بعدًا استراتيجيًا، وكل تكيّف اقتصادي يعكس استجابة لضغط سياسي. مع مرور الوقت، يؤدي هذا الاستنزاف البطيء إلى “إعادة برمجة” أولويات الدولة. ليس عبر فرض مسار محدد، بل عبر تضييق مساحة الخيارات المتاحة، بحيث تصبح بعض السياسات غير قابلة للاستمرار، بينما تبرز سياسات أخرى كخيارات أكثر واقعية.

خامسًا: الإقليم كساحة اختبار

يمثل الإقليم في هذا النمط من الصراع الامتداد الطبيعي للجبهة غير المعلنة. إذا كان الداخل هو هدف إعادة التشكيل، والردع هو مجال إعادة التعريف، فإن الإقليم هو مساحة الاختبار العملي. هنا لا تُقاس الأمور بالتصريحات أو المواقف، بل بالفعل المباشر: أين يتم التحرك؟ وكيف؟ وبأي سقف؟

في الحالة الإيرانية، لا يدور الصراع في ساحة واحدة، بل في عدة ساحات متداخلة، لكل منها خصائصها، وأطرافها، ومستوى المخاطرة فيها. في هذا الإطار، لا تُستخدم هذه الساحات فقط كأدوات ضغط، بل كمساحات اختبار مستمرة. يتم من خلالها قياس ردود الفعل، واختبار حدود التحمل، ورصد التغيرات في مواقف الخصوم.

بهذا المعنى، يتحول الإقليم إلى بيئة “إدارة صراع” أكثر من كونه ساحة صراع تقليدية. التفاعلات فيه ليست أحداثًا منفصلة، بل حلقات ضمن عملية مستمرة، تُستخدم لإعادة تشكيل التوازنات بشكل تدريجي. هذا التوسع الإقليمي يخلق أيضًا درجة عالية من التشابك. فالأطراف الفاعلة لم تعد مقتصرة على اللاعبين المباشرين، بل تشمل شبكة واسعة من القوى المحلية والإقليمية والدولية. كل طرف لديه حساباته الخاصة، وأولوياته، وتحالفاته، ما يجعل الصورة أكثر تعقيدًا.

هذا التعقيد يؤدي إلى نتيجة مهمة، تتمثل في تقليل القدرة على التحكم الكامل في مسار الأحداث. كلما زاد عدد الفاعلين، زادت احتمالات التفاعل غير المتوقع. فقرار يُتخذ في ساحة ما قد ينعكس على ساحة أخرى، ورد فعل هنا قد يؤدي إلى تغيير في التوازن هناك.وهذا ما يفسر استمرار التوتر دون الوصول إلى انفجار شامل، لأن أي تصعيد كبير قد يؤدي إلى نتائج تتجاوز قدرة أي طرف على إدارتها.في الوقت نفسه، يتيح هذا الإطار للأطراف استخدام الإقليم كوسيلة لتوزيع المخاطر. بدلاً من التركيز على جبهة واحدة، يمكن التحرك في عدة جبهات، بدرجات متفاوتة من الحدة. كما أن تعدد الساحات يسمح بإرسال رسائل متعددة المستويات. قد تكون الرسالة في ساحة معينة تصعيدية، بينما تكون في ساحة أخرى تهدئة. هذا التوازن بين التصعيد والتهدئة يخلق حالة من “الضغط المُدار”، حيث يتم التحكم في مستوى التوتر، دون السماح له بالخروج عن السيطرة.

ختامًا، في منظومة إدارة الصراع المركب، يُعد “الغزو” -بمعناه التقليدي- أقل السيناريوهات احتمالًا من حيث التنفيذ المباشر، لكنه الأكثر حضورًا في الحسابات الاستراتيجية. ليس لأنه مطروح كخيار جاهز، بل لأنه يمثل الحد الأقصى الذي تُبنى على أساسه سياسات الردع وإدارة التوتر. الواقع أن أي حديث عن غزو في بيئة معقدة مثل الحالة الإيرانية يصطدم بعدة قيود بنيوية، تتمثل في اتساع الجغرافيا، تعقيد التضاريس، عمق الدولة، تشابك المصالح الإقليمية، ووجود شبكة واسعة من الفاعلين من دون الدول. هذه العوامل تجعل من الغزو عملية شديدة الكلفة، وغير مضمونة النتائج.

هنا، يعد سيناريو الانزلاق إلى مواجهة واسعة (غير مخططة) هو السيناريو الأخطر، والأقل قابلية للتحكم. ويمكن أن يحدث عندما تتراكم التفاعلات في أكثر من ساحة إقليمية، أو عبر أطراف غير مباشرة، بما يؤدي إلى فقدان السيطرة على مسار التصعيد. في هذه الحالة، قد تتحول سلسلة من الردود المحدودة إلى مواجهة أوسع، دون أن يكون هناك قرار مسبق بالغزو. وهو الأمر المحكوم بمجموعة عوامل:

·الردع المتبادل:أي محاولة غزو كامل ستقابل بردود واسعة النطاق، مباشرة وغير مباشرة، ما يرفع التكلفة إلى مستويات غير قابلة للتنبؤ.

·الإقليم كشبكة تفاعل:الصراع لن يبقى داخل حدود الدولة المستهدفة، بل سينتقل إلى ساحات متعددة، ما يضاعف التعقيد.

·أزمة سلاسل الإمداد:أي اضطراب كبير في هذه المنطقة—خصوصًا ما يتعلق بالطاقة—سينعكس على الأسواق العالمية، وهو عامل ضغط على جميع الأطراف.

·أزمة النفط:المنطقة تمثل مركزًا حاسمًا في معادلة الطاقة العالمية. أي تصعيد واسع قد يؤدي إلى اضطراب في الإمدادات، وارتفاع حاد في الأسعار، ما يخلق ضغطًا دوليًا لتقييد التصعيد.

في ضوء ما ورد في خطاب دونالد نرامب شأن إيران، والذي جمع بين إعلان اقتراب “نهاية الحرب” والتأكيد على استمرار الضربات، مع التهديد الصريح باستهداف شامل للبنية التحتية الحيوية للطاقة، يتضح أن الصراع لا يتجه نحو تسوية، بل نحو مرحلة أكثر حدة من فرض الواقع. وأن ما يُطرح كنهاية ليس نهاية فعلية، بل إعلان عن اكتمال مرحلة من الضغط، يعقبها طور جديد يهدف إلى تثبيت نتائجه بالقوة.

التهديد بضرب جميع محطات الطاقة يمثل نقطة مفصلية في هذا السياق. فهو لا يستهدف قدرات عسكرية بعينها، بل يستهدف بنية الدولة ذاتها، وقدرتها على العمل والاستمرار. الكهرباء ليست مجرد قطاع خدمي، بل قاعدة تشغيل لكل مفاصل الدولة. أي تعطيل واسع لها يعني شللًا اقتصاديًا، واضطرابًا اجتماعيًا، وتراجعًا في القدرة على إدارة الداخل. هذا النوع من التهديد جعل الدولة كلها هدفًا محتملًا، وليس فقط أدوات قوتها.

هذا التصعيد لا يعني بالضرورة أن التنفيذ وشيك، لكنه يرفع سقف الصراع إلى مستوى غير مسبوق، ويعيد تعريف قواعد الاشتباك. ما كان يُعتبر في السابق حدًا أقصى، أصبح الآن جزءًا من أدوات الضغط المطروحة. النتيجة هي تضييق هامش الحركة أمام الطرف المستهدف، ووضعه أمام خيارات أكثر حدة، في بيئة يهيمن عليها عدم اليقين، فالصراع لم يصل إلى نهايته، بل إلى نقطة تحول في طبيعته. ما يجري ليس اقترابًا من نهاية الصراع، بل انتقالًا إلى مرحلة أكثر تعقيدًا من إدارته.فالتفاوض تتراجع فرصه، والضغط تصاعد، والتهديدات اتسعت، بينما بقيت الخيارات مفتوحة لكن أكثر كلفة.

نقلا عن جريدة الجمهورية، الجمعة 3 أبريل 2026

 

طباعة

    تعريف الكاتب

    أحمد ناجي قمحة

    أحمد ناجي قمحة

    رئيس تحرير مجلتى السياسة الدولية والديمقراطية