لا يمكن فهم موازين القوى الحالية في إيران بمعزل عن المطبخ الفكري الذي أداره الشيخ محمد تقي مصباح يزدي لعقود من الزمن، فبينما يبرز مجتبى خامنئي كقائد سياسي غائب بصريًا وإعلاميًا، كانت مدرسة يزدي هي المنظر العقائدي الذي أعاد صياغة مفهوم ولاية الفقيه، محولًا إياها من ولاية انتخابية ذات قاعدة شعبية إلى خلافة إلهية مطلقة.
دينامية التحالف بين شرعية مجتبى وتمكين يزدي:
مثّل مجتبى خامنئي الضمانة الأكيدة لوصول أفكار آية الله مصباح يزدي المتشددة إلى أذن الزعيم الإيراني الراحل، علي خامنئي مباشرة، كما لعب دورًا محوريًا في تأمين الدعم المالي والسياسي لمؤسساته، وعلى رأسها "مؤسسة الإمام الخميني للتعليم والبحث" في قم. وقد عزز هذا التحالف ميل الشخصيتين للعمل في الظل وبناء شبكات نفوذ معقدة بعيدًا عن صخب الإعلام، وهذا خلق انسجامًا كبيرًا في إدارة ملفات الدولة الحساسة ورسم ملامح مستقبلها. ومن هنا، تجاوزت العلاقة بينهما حدود الرابطة التقليدية بين الأستاذ وتلميذه في الحوزة، إذ وجد مجتبى الذي يفتقر تاريخيًا للثقل العلمي الذي تمتع به الجيل التأسيسي للثورة في يزدي المنفذ الذي يمنحه صك الاجتهاد والعمق الفلسفي اللازمين لشرعيته السياسية والدينية.
ومن هذا المطبخ الفكري، تشرب مجتبى القناعة الراسخة بأن رأي الشعب لا ينشئ شرعية للحاكم، بل هو مجرد آلية إجرائية لتنفيذ الحكم الإلهي، وهو ما يفسر بوضوح لماذا تعتبره بعض التقديرات بأنه المهندس الفعلي لقمع احتجاجات عام 2009 (جنبش سبز/ الحركة الخضراء)، إذ لم ينظر للمتظاهرين كمواطنين ذوي مطالب، بل كخوارج على الإرادة الإلهية. وفي المقابل، نجح يزدي في دمج فكر الحوزة المتشددة بعقيدة الحرس الثوري، ليمثل مجتبى اليوم النموذج العملي لهذا الاندماج بجمعه بين الزي الحوزوي والعقلية الاستخباراتية، مؤمنًا بأن بقاء النظام مرهون بصلابة النخبة المؤمنة من البسيج والحرس لا بالتوافق المجتمعي. ولأجل ذلك، تبنى منهج أستاذه في اعتبار أي محاولة لإصلاح الفكر الديني أو الانفتاح على العلوم الإنسانية الغربية مؤامرة ناعمة، وهذا ينذر بأن عهده سيكون حقبة من الانغلاق الثقافي والرقابة الصارمة، مع تحول مؤسسات الدولة من مفهوم الجمهورية إلى الحكومة الإسلامية، بما قد يتضمنه ذلك من إلغاء تدريجي لمنصب الرئاسة أو تحويله إلى منصب بروتوكولي تتركز فيه السلطات داخل ديوان الخلافة.
وعلى الصعيد الخارجي، وخلافاً لعلي خامنئي الذي مارس أحيانًا (مرونة بطولية/ نرمش قهرمانانه)، كما في الاتفاق النووي 2015، فإن التيار العقائدي المرتبط بفكر مصباح يزدي، سيستمر في دعم الأذرع العسكرية كواجب عقائدي لا يخضع للمساومة، والنظر للمفاوضات مع الغرب كخطيئة أو فخ، وهو ما قد يضاعف عزلة إيران الدولية. ومع ذلك، يثير هذا النهج حفيظة المراجع التقليديين، حيث يتبدى صراع صامت وعميق بين مدرسة النجف والتيار العقائدي داخل حوزة قم الذي مثله مصباح يزدي، فبينما تؤمن مدرسة السيستاني بولاية الفقيه المقيدة التي تحترم إرادة الشعوب وتستقل عن الدولة، تصر مدرسة يزدي ومجتبى على "الولاية المطلقة التي تجعل الحوزة جزءًا من أجهزة الأمن والسياسة. لذا، فإن توصيف مجتبى خامنئي بأنه فقط ولي الدم خلفًا لوالده الشهيد، هو توصيف ناقص، لأنه في الحقيقة الوارث الأيديولوجي لمشروع مصباح يزدي، الذي يهدف لتحويل إيران إلى قلعة محصنة يحكمها الفقيه العسكري، حيث لا صوت يعلو فوق صوت الولاية المطلقة.
الدستور السياسي لقيادة مجتبى الخشنة:
كشف الخطاب الأول المكتوب لمجتبى خامنئي عن حجم الخطأ الاستراتيجي الذي ارتكبته الإدارة الأمريكية باختيار مسار التصعيد، فبينما كان والده يمثل كابحا للفكر المتطرف ومشرعن لسياسة الردع ضمن حدود البراجماتية، فُتح الباب برحيله على مصراعيه لجيل مصباح يزدي المتشدد، الذي يرى في الحرب واجبًا قدسيًا لا خيارًا سياسيًا. وبناءً على ذلك، يمكن قراءة دلالات خطاب مجتبى كدستور جديد للقيادة الإيرانية، إذ لم يكن تأكيده على الثأر لشهداء الحرب وبالأخص مدرسة ميناب مجرد وعيد عابر، بل هو إعلان رسمي عن انتقال العقيدة العسكرية من الردع المحسوب إلى المواجهة المفتوحة، وتدشين للحظة التي انتظرها حرس الثورة طويلاً للتحلل من قيود الدبلوماسية.
وفي الوقت الذي يدعي فيه الخطاب زهد الجمهورية في الهيمنة أو الاستعمار، فإنه يضع دول الجوار أمام اختبار حازم للولاء الإقليمي، مطالبًا إياها بتحديد موقف واضح من القتلة والمعتدين. ولم يتوقف الخطاب عند التحذير السياسي، بل انتقل إلى لغة العمليات العسكرية المباشرة بمطالبة دول المنطقة بإغلاق القواعد الأمريكية فورًا، معتبرًا الوجود الأمريكي أكذوبة أمنية انتهت صلاحيتها، وهو ما يشرعن استمرار استهداف تلك القواعد والأراضي التي تحتضنها. كما أدخل مجتبى عنصرًا جديدًا في الصراع وهو "الجباية القسرية"، مكرسًا منطق العين بالعين عبر التهديد بمصادرة أموال العدو أو تدمير منشآته الحيوية كبديل للتعويضات المادية، بالتوازي مع التلويح بتفجير ورقة الحوثي واستهداف استقرار الملاحة في البحر الأحمر.
أما على مستوى البنية التنظيمية للمحور، فقد أعاد مجتبى تعريف أذرع المقاومة في اليمن ولبنان والعراق كجزء عضوي صلب من قيم الثورة، ليُلغي المسافات الجغرافية والسياسية بين طهران وحلفائها لتحويلهم إلى كتلة عملياتية واحدة تدار بمركزية شديدة من بيت الزعامة. وفي البعد الديني، ختم خطابه بتوجيه الشكر لمراجع مدرسة قم حصرًا متجاهلًا مدرسة النجف، في خطوة تهدف لحصر الشرعية الدينية داخل المطبخ الفكري الموالي لمصباح يزدي المدعوم بتأييد مجلس القيادة والسلطات الثلاث لترسيخ صورة النظام المتماسك، ولتهميش أي معارضة دينية خارجية.
لكن اللافت، هو ختام مجتبى خطابه بالدعاء للإمام المهدي في ليالي رمضان، كإشارة إلى إضفاء صبغة قدسية على ولايته، وتصوير صراعه المقبل كجزء من تمهيد مهدوي غيبي يغلق الباب أمام أي نقد بشري لقراراته. وبذلك تبدو فرص التهدئة والتفاوض معدومة إذ إن مدرسة مجتبى/ مصباح يزدي العقائدية ترى في الحوار مع الغرب خطيئة وفخًا. وهذا ينذر بطول أمد الصراع وتحوله إلى حرب استنزاف عالمية مفتوحة تسعى فيها طهران لفرض واقع جديد بالدم والمال ما لم يحدث انكسار أو استسلام في الموقف الأمريكي.
أبعاد السياسة الهجومية لإيران:
لم يتأخر الرد الإيراني على إعلان الرئيس ترامب تدمير الأهداف العسكرية في جزيرة خارك -عصب الاقتصاد الإيراني- والتهديد بضرب بنيتها النفطية، إذ سارعت الماكينة الإعلامية الإيرانية لاستحضار الذاكرة التاريخية لصمود الجزيرة أمام 2000 غارة جوية إبان حرب الثمانى سنوات (1980-1988)، في رسالة طمأنة للداخل وأسواق النفط تؤكد الحصانة الفنية للجزيرة التي لم يتوقف تدفق نفطها يومًا. إلا أن هذا الاستحضار التاريخي لم يكن سوى مقدمة لتهديد عملياتي غير مسبوق، حيث نقل المتحدث باسم مقر خاتم الأنبياء الصراع إلى مستوى المواجهة الوجودية، مستشهدًا بآيات القصاص ليشرعن تدمير كافة المنشآت النفطية والاقتصادية التابعة للشركات الأمريكية أو المتعاونة معها في المنطقة، وتحويلها إلى كومة من الرماد.
كما تكشف حدة الخطاب الإيراني، التي وصلت إلى حد مطالبة الشعب الإماراتي بإخلاء المناطق القريبة من القواعد والموانئ ومواقع المصالح الأمريكية، عن تحول جذري في استراتيجية إدارة الأزمة، فإيران لم تعد تكتفي بالدفاع عن منشآتها، بل أصبحت مصرة على تفاقم الأزمة الاقتصادية العالمية، ليس عبر خنق الملاحة في مضيق هرمز وإنما باحتمالية تحريك ورقة الحوثيين في البحر الأحمر من أجل رفع مخاطر سلاسل الإمداد. وبرغم ذلك، فالغاية الأخرى للطلب الإيراني هي إثارة الذعر العالمي وتبرئة الحرس الثوري من التداعيات المستقبلية، وتطبيقًا عمليًا لوعيد الزعيم الثالث مجتبى خامنئي، الذي وضع دول المنطقة أمام خيارين، إما إغلاق القواعد الأمريكية أو تحمل تبعات الاستهداف المباشر.
أما التركيز الإيراني على استهداف موانئ الإمارات تحديدًا، فينبع من كونها الرئة الاقتصادية الحيوية للمنطقة، إذ يمثل ضربها تهديدًا مباشرًا لأمن واستقرار سلاسل الإمداد العالمية، ويرفع منسوب المخاطر إلى مستويات غير مسبوقة، بما يهدف في نهاية المطاف إلى تحويل المنطقة بكاملها إلى منطقة حظر اقتصادي شاملة. باختصار، يُظهر التصعيد الإيراني التناغم الدقيق بين خطاب مجتبى خامنئي غير المرئي والتحركات الميدانية للحرس الثوري، وهو تعزيز الاتجاه نحو مركزية أكبر في إدارة القرار الأمني والسياسي، وبداية عصر القيادة الموحدة والخشنة التي ألغت المسافات بين أروقة الحوزة ومنصات الصواريخ في الميدان.
خاتمة:
في المحصلة، يضع هذا المشهد المتشابك المنطقة والعالم أمام نسخة من النظام الإيراني هي الأكثر راديكالية منذ عام 1979، فبصعود مجتبى خامنئي، المسلح بشرعية مصباح يزدي المطلقة وجهاز الحرس الثوري العقائدي، تنطوي صفحة المناورات الدبلوماسية لتفتح صفحة المجابهة الوجودية. وإذا كانت طهران تراهن اليوم على تحويل الجغرافيا الإقليمية إلى منطقة حظر اقتصادي وميدان استنزاف مفتوح، فإنها بذلك تضع رهاناتها كلها في سلة الخيار الخشن، وهو مقامرة كبرى قد تنتهي إما بفرض واقع جيوسياسي جديد تُذعن له القوى الدولية، أو بصدام شامل يعيد رسم خريطة القوة في الشرق الأوسط بالدم والنار، بعيدا عن أي طاولات للتفاوض.