لم يعد العالم كما عهدناه، حيث الهيمنة الأمريكية الأحادية. اليوم تشهد الخارطة الجيوسياسية تحولات جذرية تدفعنا للتساؤل: هل أصبحنا بالفعل في نظام عالمي متعدد الأقطاب؟ الإجابة تكمن في تحليل صعود قوى عظمى جديدة، وتنامي دور لاعبين إقليميين فاعلين، وعجز المؤسسات الدولية عن الحفاظ على النظام القديم.
الصعود الصيني.. التحدي الرئيسي للهيمنة الأمريكية:
لم يعد الصعود الصيني مجرد نمو اقتصادي، بل تحول إلي تحدٍ استراتيجي شامل للنظام الليبرالي الذي تقوده واشنطن. بداية من استغلال الأزمة المالية عام ٢٠٠٨، مرورا بإطلاق مبادرة "الحزام والطريق" التي أعادت رسم خارطة النفوذ الاقتصادي، وصولا إلي السعي لتعزيز مكانة اليوان كبديل للدولار وتقوية تحالفات مثل بريكس. اتضح هذا الاتجاه خاصة بانعقاد قمة شنغهاي في سبتمبر ٢٠٢٥، التي أكد من خلالها الرئيس الصيني شي جين بينج، رغبته في إنهاء الهيمنة الأحادية على النظام العالمي، وإنشاء نظام عالمي أكثر عدلا وشمولا لا يقوم على القيم الغربية.
ولا يقتصر التنافس الصيني-الأمريكي على الاقتصاد أو سباق التسلح التقليدي، بل دخل مرحلة جديدة في المجال التكنولوجي. فمن قيادة واشنطن في الذكاء الاصطناعي وإطلاق تطبيقات مثل ChatGPT، إلي الرد الصيني عبر منصات مثل Deepseek، بات واضحا أن التفوق التكنولوجي أصبح ساحة حاسمة ستحدد ميزان القوى في النظام العالمي المقبل.
وهذا ما يخلق صراعا صينيا-أمريكيا على أشباه الموصلات، والمعادن النادرة، وفرض واشنطن حظر تصدير أشباه الموصلات إلي بكين مما يزيد الرغبة الصينية في غزو تايوان تحت سياسة "الصين الواحدة" وهنا يكمن "اختلال توازن القوى" لصالح الصين بهيمنتها على المعادن النادرة وكذلك أشباه الموصلات، مما يعني التفوق الصيني في مجال التكنولوجيا والصناعات المتقدمة وكسر الهيمنة الأمريكية.
التحدي الروسي:
أوضحت روسيا عبر الحرب الروسية-الأوكرانية أن روسيا عادت كقوة عظمى ترفض النظام القائم وتصر على وجود منطقة نفوذ خاصة بها. لذلك الغزو الروسي ليس مجرد صراع حدودي، بل رفض صريح للتوسع الغربي (الناتو)، ومحاولة لإجبار العالم على الاعتراف بمكانتها كقطب دولي مهيمن، وأن روسيا لا يجب النظر إليها كقوة إقليمية كما كان في السابق، حيث ترى روسيا أن عليها إعادة أمجاد الإمبراطورية الروسية والاتحاد السوفيتي، وأن روسيا دائما كانت ولا تزال قطبا دوليا لا يجب الاستهانة به. ونظرا لذلك تستخدم موسكو قوتها العسكرية لتغيير النظام العالمي الحالي وفرض نفسها كقوة دولية عظمى.
كما أن العقوبات الغربية على روسيا في مجال الطاقة، وتجميد أصولها، وكذلك طردها من النظام البنكي SWIFTدفعها للذهاب شرقا، للالتفاف على تلك العقوبات والتعاون مع الصين وآسيا مما يشكل تحالفا متينا ضد الهيمنة الأمريكية.
صعود القوى الإقليمية:
لم يعد المشهد مقتصرا على الصراع بين القوى العظمى فقط، بل برزت قوى إقليمية ترفض الانحياز الكامل لأي قطب وتؤكد على أنها قطبا إقليميا له مكانة في النظام العالمي وغير تابع لأي قطب ويتمتع بالاستقلالية. على سبيل المثال
تمثل الهند ما يسمى ب "الحياد الاستراتيجي" فهي عضو فعال في مجموعة بريكس التي تسعى لكسر الهيمنة الغربية، ولكنها في الوقت نفسه شريك استراتيجي للغرب عبر تحالف كواد المناهض للنفوذ الصيني، وكذلك طريق الهند-أوروبا المضاد لمبادرة الحزام والطريق، ولكن بعد فرض ترامب رسوما جمركية على الهند بنسبة ٥٠ في المئة لشرائها الغاز الروسي، مما دفع نيودلهي إلى إعادة تقييم تحالفاتها وتعظيم التحالف مع موسكو وبكين، وحل الخلافات مع الصين في ضوء قمة شنغهاي سبتمبر ٢٠٢٥. مما يلقى الضوء على عدم الهيمنة الأمريكية المطلقة في ظل صعود أقطاب أخرى، مثل بكين وموسكو كبدلاء لواشنطن. حيث تتعامل نيودلهي ببراجماتية شديدة، مستفيدة من التنافس الدولي لتعظيم مكاسبها الوطنية. وهذا ما قامت به نيودلهي بالتفاوض مع واشنطن والتعهد بتخفيف شراء الغاز الروسي مقابل تخفيض الرسوم الجمركية، مما يؤكد أن نيودلهي استخدمت بكين وموسكو كورقة ضغط فعالة على واشنطن.
عجز المؤسسات الدولية وأزمات الاتحاد الأوروبي:
بعد سياسات "أمريكا أولًا" وتحذيرات من الاعتماد الأعمى على الولايات المتحدة، بدأت أوروبا تُعيد رسم هويتها الاستراتيجية والسعي إلي الاستقلالية الأوروبية خاصة بعد أزمة أوروبا مع واشنطن حول جرينلاند مما قد يضعف الموقف الأوروبي، فهل تستطيع التعامل مع روسيا بدون الدعم الأمريكي ومواجهة أزمة عميقة مع موسكو واشنطن في آن واحد؟ أم قد تخسر جزءا من سيادتها مقابل دعم واشنطن والقدرة على مواجهة موسكو؟ هذه الأسئلة توضح ان الاتحاد الأوروبي يمر بأزمة عميقة قد لا تجعله قطبا كبيرا كما كان في السابق أم إن هذه الأزمات هي التي قد تعيد لنا الاتحاد الأوروبي على الساحة من جديد كقوة عالمية مستقلة ولا تحتاج للدعم الأمريكي ومكتفية بذاتها كما أزمة روسيا وأوكرانيا أعادت إحياء حلف الناتو من جديد الذي ذكره ماكرون بأنه ميت دماغيا؟
أما من جهة المؤسسات الدولية (الأمم المتحدة، والبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، ومنظمة التجارة العالمية) فهى لا تزال تعمل لكن مع ضعف فعالية واضح، خاصة عندما تتصادم مصالح الدول الكبرى. حيث نرى أن منظمة التجارة العالمية لا تزال لا تستطيع وقف الحرب التجارية بين واشنطن وبكين، وقد تدخل ترامب في ولايته الأولى في آلية عمل المنظمة ووقف تعيينات القضاة، وكذلك أمر ترامب في ولايته الثانية بالانسحاب من ٦٦ منظمة دولية منهم تابعين للأمم المتحدة مثل منظمة الصحة العالمية، لأنه يرى أنها لا تخدم المصلحة الأمريكية مع ضعف المؤسسات في التعامل مع القضايا الجديدة، مثل التكنولوجيا، وحرب المعلومات، والحروب السيبرانية مما يوضح أن المؤسسات الدولية الحالية لم تعد سيادتها فوق الدول وكذلك عفا عليها الزمن.
الهيمنة الأمريكية:
لا يزال العالم أحادي القطب ولكن يشهد إرهاصات التحول إلي التعددية القطبية حيث لا تزال المؤسسات الليبرالية هي السائدة، ولا تزال الولايات المتحدة تتخذ سياسات بشكل أحادي، مثل فرض العقوبات على الصين أو روسيا والقرار بتغيير نظام دولة ما معادية، مثل الإطاحة بنظام مادورو في كاراكاس والتهديد بإطاحة النظام في طهران. هذه كلها مؤشرات توضح أن النظام العالمي لا يزال خاضعا لواشنطن مما يمكنها من اتخاذ إجراءات أحادية وفرض الهيمنة الأمريكية بالإكراه اذا لم يكن بالتفاوض، لكونها الدولة المهيمنة على النظام العالمي ولا توجد قوة أخرى تقوم بإيقافها أو فرض العقوبات مما مكنها من الإطاحة بنظام مادورو والرغبة في الإطاحة بنظام خامنئي.
مع الانسحاب الأمريكي من منظمة الصحة العالمية قد يُمكن النظر إليها بأن الولايات المتحدة تحت إدارة ترامب لا تسعى للالتزامات الدولية، ويظهر التراجع بالالتزام للمؤسسات الدولية متعددة الأطراف كون ترامب ذا توجهات شعبوية. مما قد يمّكن الصين من استغلال هذه الأحداث وجعل المسئوليات والالتزامات الدولية على عاتقها، كما استغلت كوفيد-١٩ وريادة المنظمة للظهور بمظهر البديل الدولي للولايات المتحدة الذي يُمكن الاعتماد عليه.