لم تعد الدبلوماسية في عالم ما بعد الحرب الباردة، وبصورة أوضح في العقدين الأخيرين، ممارسة حصرية للدولة وأجهزتها الرسمية، بل شهدت تحولًا بنيويًا في طبيعتها ووظائفها وأدواتها، بفعل تصاعد دور الفاعلين من غير الدول، وتنامي تأثير المجتمعات المدنية، والثورة الرقمية التي أعادت تعريف مفاهيم النفوذ والاتصال والتأثير، فقد انتقل الفعل الدبلوماسي من كونه نشاطًا محصورًا داخل القنوات الحكومية المغلقة إلى فضاء أكثر انفتاحًا وتعددية، تشارك فيه منظمات دولية، وشبكات مجتمع مدني، وشركات تكنولوجيا، وأفراد يمتلكون القدرة على التأثير العابر للحدود.
وقد أسهم هذا التحول في إعادة توزيع أدوات القوة الناعمة، بحيث لم تعد محتكرة من قِبل المؤسسات الرسمية، بل أصبحت متاحة لفاعلين جدد يمتلكون المهارات الاتصالية والقدرة على استخدام الفضاء الرقمي بفاعلية.
ومن رحم هذا التحول برز الشباب كأحد أهم الفاعلين الجدد في المجال الدبلوماسي، مستفيدين من امتلاكهم للأدوات الرقمية، وشرعيتهم المجتمعية، وقدرتهم على بناء شبكات عابرة للحدود، مما مهد لظهور ما يُعرف بالدبلوماسية الشبابية بوصفها نمطًا حديثًا من الممارسة الدبلوماسية غير الرسمية، يسهم في حل النزاعات وصناعة السلام، ويعكس بوضوح انتقال الدبلوماسية من نموذج الدولة الفاعل الواحد إلى نموذج تشاركي متعدد المستويات والفاعلين.
وعليه ظهرت الدبلوماسية الشبابية كامتداد ناعم للدبلوماسية التقليدية، وتحولت إلى نمط تفاعلي متعدد المستويات، يجمع بين الوساطة المحلية، والدبلوماسية الرقمية، والمشاركة في المنصات الإقليمية والدولية.
أولًا- مفهوم الدبلوماسية الشبابية:
تُعد الدبلوماسية الشبابية نموذجًا حديثًا ومتطورًا من أشكال الدبلوماسية ونموذجا قويا للقوة الناعمة للدولة، إذ تركز على تمكين الشباب وجعلهم شركاء فاعلين في عمليات صنع القرار والسياسات الدولية وليسوا مجرد متلقين للقرارات، وتعكس هذه الدبلوماسية تحولًا جوهريًا في مفهوم العمل الدبلوماسي، إذ لم تعد الحوارات والمفاوضات محصورة بين الحكومات أو النخب التقليدية فقط، بل أصبحت تشمل الشباب كجهة فاعلة ذات رؤية واستقلالية وقدرات خاصة في التفاوض وحل النزاعات.
يقوم هذا المفهوم على إدراك أن الشباب يمتلكون طاقات فكرية واجتماعية مبتكرة، ويشكلون غالبية سكان العديد من المناطق المتأثرة بالصراعات، وبالتالي فإن مشاركتهم الفعالة تُمثل مفتاحًا لبناء سلام مستدام وشامل، كما تعتمد الدبلوماسية الشبابية على أدوات حديثة، مثل الشبكات الرقمية، والمنصات التشاركية، فضلا عن البرامج التدريبية التي تعزز مهارات القيادة والوساطة بين الشباب.
ثانيًا- دور الشباب في عملية تسوية النزاعات:
تلعب مشاركة الشباب في عملية السلام دورًا جوهريًا في تعزيز استدامة وفعالية جهود الوساطة وتسوية النزاعات، فالشباب لا يُنظر إليهم كضحايا فقط، بل كـشركاء استراتيجيين قادرين على تقديم رؤى مبتكرة وحل جذري للأزمات، ويُمكن توضيح ذلك على النحوالآتي:
إشراك الشباب في الوساطات والتفاوض المحلي:
برز دور الشباب كوسيط فاعل في النزاعات المحلية، لا سيما في الأماكن التي يفقد فيها الجميع الثقة في المؤسسات الرسمية، وقد شهدنا على سبيل المثال، مبادرات يقودها صغار السن من القرى والمدن السورية لتنسيق هدنة محلية أو توزيع مساعدات، معتبرين أنفسهم عناصر استقرار ضمن مجتمعاتهم، ورغم محدودية البيانات الرسمية، تؤكد تقارير منظمات مثل "Generations For Peace" أن هذه المبادرات عملت على التخفيض من حدة النزاعات القبلية بنسبة تتراوح بين 30–40% داخل بعض المناطق المستهدفة.
كما يقدم الشباب أدوات تواصل جديدة، خاصة الرقمية، والتي لعبت دور الوسيط في مناطق، مثل العراق واليمن عبر شبكات غير رسمية على واتساب وتيليجرام، تنقل رسائل تهدئة وتمنع تصعيد النزاع، وتفيد تقارير برنامج الأمم المتحدة لقضايا الشباب أن ما لا يقل عن ثلث حالات التهدئة الطارئة في الحروب الأهلية الأخيرة بدأت بأيدي مبادرات شبابية محلية، رغم غياب التوثيق الكامل لهذه الحالات، ومثل هذه المبادرات تُعد نموذجًا للتفاوض على الأرض، يعتمد على الألفة والقبول المجتمعي، في حين تعجز الجهات الرسمية غالبا عن الوصول لتفاهمات سريعة، إذ يعمل تعاون الشباب في بعض الدول على تهدئة الأوضاع ووقف إطلاق النار، مما أتاح وصول المساعدات الطبية إلى العائلات والأطفال(1).
ويُمكن الاستدلال في هذا السياق بدور الشباب في الأزمة السورية، إذ ظهرت مبادرات شبابية ترتكز على إشراك الشباب كقادة محليين في الحوار وبناء السلام، و من أبرز هذه المبادرات هو مشروع "Youth Representatives for Sustainable Peace in Syria" الذي يدعم مشاركة الشباب السوريين في تصميم وتنفيذ برامج السلام تحت دعم الاتحاد الأوروبي ومنظمات المجتمع المدني، وقد تم انتخاب ممثلين شبان يقودون حملات استماع، وتقييم احتياجات الشباب السوريين، وتنظيم برامج حوارية وتثقيفية لصياغة أولويات السلام بشكل تشاركي بين أكثر من 50 منظمة مجتمعية محلية(2).
وعلى الرغم من أهمية هذه المبادرات ودورها المتنامي، إلا أنها لم تثمر بشكل كامل في تحقيق السلام الدائم أو إنهاء الأزمة، وذلك نتيجة عوامل موضوعية معقدة تشمل التصعيد العسكري المستمر، والانقسامات الدولية والإقليمية حول الملف السوري، والضعف البنيوي في المؤسسات السياسية المحلية.
ولا يُمكن إغفال دور الشباب المحلي في الأزمة الأوكرانية، إذ تم توثيق دور الشباب الأوكراني في الحوار والمجتمع المدني رغم الحرب من خلال تقارير الأمم المتحدة وبرامج التنمية المحلية، يشير تقرير لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي بعنوان "Unlocking the Potential of Youth in Ukraine" إلى أن الشباب في أوكرانيا لم يتراجعوا عن دورهم في الحياة المدنية، بل انخرطوا في التنمية الاجتماعية والدعوة للسلام والمشاركة في المنظمات المحلية المعنية ببناء مستقبل البلاد، ويُظهر التقرير أن هذه المشاركة تشمل تعزيز الصمود الاجتماعي، والانخراط في الأنشطة المدنية التي تسهم في تعزيز الهوية الوطنية، وطرق التعامل السلمي مع تحديات الحرب والانتقال إلى ما بعد النزاع(3).
تفعيل التمثيل الشبابي في الدبلوماسية الإقليمية:
يعد تعزيز التمثيل الشبابي في الدبلوماسية الإقليمية –والتي تشمل مختلف الآليات والتفاعلات السياسية التي تتم بين دول في منطقة جغرافية معينة، بهدف تحقيق الأمن والاستقرار والتنمية المشتركة- خطوة جوهرية لتحويل الشباب من متلقين للدعم إلى فاعلين مؤثرين في القضايا السياسية والأمنية العليا، فقد أكد قرار مجلس الأمن رقم 2419 لعام 2018، على ضرورة زيادة التمثيل الشامل للشباب في التفاوض وتنفيذ اتفاقات السلام، معتبرًا أن إقصاءهم يُضعف من فرص تحقيق سلام مستدام ويرسخ العنف، ولما يمتلكه الشباب من تقنيات وشرعية مجتمعية، فإن تمكينهم من المشاركة في منصات صياغة السياسات يُشكل مدخلًا مهمًا لتعزيز الحوار الإقليمي(4).
في هذا السياق ظهرت مبادرات عربية وإقليمية تجمع شبابًا من دول متعددة لصياغة توصيات سياسية حول السلام والتنمية، فعلى سبيل المثال، شارك شباب من 18 دولة عربية ضمن مشاورات "الاستراتيجية العربية للشباب والوساطات الأمنية 2023–2028"، عبر ما أطلقته الإسكوا واليونسكو، مما أدى إلى توصيات احتضنتها مؤسسات عربية فاعلة كأساس لصياغة سياسات مستقبلية، وقد دعم هذا الإطار انتشار مفهوم الدبلوماسية التشاركية التي تقوم على إشراك الشباب في إعداد السياسات قبل اعتمادها رسميًا، وإبراز أصواتهم ضمن الخطابات الرسمية(5).
وقد تجسد هذا التمثيل في بعض الحالات العملية، إذ تم دعوة شباب إلى حضور مداولات رسمية على مستوى وزارة الخارجية أو مجلس الأمن في بعض دول المغرب العربي، مما أتاح لهم فرصة نقل رؤى الشباب مباشرة لصناع القرار، ودعم ذلك توصيات القرار رقم 2419، الذي أوصى بإشراك الفعاليات الشبابية في بعثات الأمم المتحدة ومجالس البنى السياسية الرسمية، ويعد هذا التحول النوعي من الحضور الرمزي إلى التمثيل الفعلي خطوة أساسية لتعزيز شرعية الشباب في عمليات القرار السيادي.
ومن ثم يؤسس التمثيل الشبابي الفاعل في الدبلوماسية الإقليمية لنهج مفتوح على الأجيال الصاعدة، حيث يُنظر إليهم كصُناع سلام قادرين على تجاوز الجمود المؤسسي التقليدي، ومع انبثاق شبكة من القيادات الشابة المدربة، تصبح فرص السلام أكثر تحقيقًا، نظرا لأن هؤلاء الشباب يمتلكون القدرة على التعبير عن مصالح شرائح المجتمع، وبناء تحالفات فاعلة عبر الحدود، مما يمكن أن يؤسس فعلا لسلام إقليمي مستدام يضم الشباب كشركاء فاعلين لا كمتلقين.
دعم السلام عبر الشبكات الرقمية العابرة للدول:
في إطار التحولات الرقمية المتسارعة، أصبحت الشبكات الرقمية أداة استراتيجية لتعزيز دور الشباب في حل النزاعات عبر الحدود، فقد أظهرت الدراسات أن الفئة العمرية من 15 حتى 29 عاما هي الأكثر نشاطًا على منصات، مثل فيسبوك، وتيليجرام، وتيك توك، مما يجعلها مؤهلة للانخراط في المبادرات الرقمية لبناء السلام، ولعل إنشاء منصة مثل "TECH4YPS" من قِبل منظمة Justice CallوGPPACيبرهن على هذه الإمكانية، إذ توفر هذه المنصة بيئة تفاعلية لتعريف وتمكين الشباب في المساهمة الفاعلة عبر أدوات رقمية متخصصة، مما يؤدي إلى وصول أفكارهم وابتكاراتهم إلى جمهور واسع، وتسهيل تبادل الخبرات والسلام بين الشباب في دول عربية متصارعة.
تكمن القوة الحقيقية لهذه الشبكات الرقمية في قدرتها على تعدد مستويات التأثير، وذلك من نشر محتوى السلام والتوعية بالحلول السلمية، إلى تنسيق العمل المشترك بين شباب من بلدان مختلفة، وقد أثبتت إحدى المبادرات في الأردن، أنه يمكن إعداد محتوى رقمي ضد التطرف وقيام الشباب بتوثيق ونشر رسائل سلام، مما ساعد في إعداد بيئة مناصرة تعترض على خطاب الكراهية وتقاوم انتشار المعلومات المغلوطة على منصات التواصل، ومن ثم يظهر الدور الرقمي للشباب ليس فقط كمتلقين، بل كمبدعين ومدافعين عن التفاهم السلمي في الفضاء الرقمي(6).
إلى جانب ذلك، ساهمت مبادرات اليونسكو الإقليمية في تسخير التراث والتقنيات الرقمية كأدوات لبناء جسور بين الشباب، ففي مشروع "Arab World Heritage Young Professionals Forum" تمكن شباب من 17 دولة عربية من إطلاق مبادرات رقمية لعرض التراث الثقافي، بهدف تعزيز التماسك والتفاهم بين الأطراف المختلفة ضمن بيئة النزاع، وقد أثبت هؤلاء أن المقاربات الرقمية القائمة على الثقافة المشتركة يمكن أن تُوظف في تحسين الأثر الاجتماعي والسياسي للنقاش العام وتخفيف التوترات العابرة للحدود، فضلًا عن أنه يمكن اعتبار هذه الشبكات الرقمية منطلقًا لإقامة هياكل نظامية مستدامة من شبكات سلام رقمية مستقبلا، فقد أطلقت مؤسسات مثل "Education for Digital Peace" مبادرة Digital Youth Peacebuilders Networkلتدريب الشباب على ممارسات السلام الرقمي ومواجهة خطاب الكراهية والإساءات عبر الإنترنت، مما يؤسس لجيل رقمي قادر على إدارة الصراعات بالقدرات التكنولوجية والاستراتيجية، وهذا ما يجعل من الشبكات الرقمية اليوم منصة رابطة بين الشباب وصناع القرار(7).
واتصالًا بما تقدم، وفي إطار دور الشباب عبر الشبكات الرقمية، وفي ظل الحرب الأهلية السودانية التي اندلعت منذ أبريل 2023، انخرط الشباب السوداني بشكل مباشر في جهود بناء السلام ومواجهة العنف من خلال مبادرات مجتمعية، إذ أطلق المركز الإفريقي للعدالة ودراسات السلام في يونيو 2025، حملة " أصوات السلام"، والتي تهدف إلى إشراك الشباب السوداني في جهود إنهاء الحرب وبناء عملية سلام شاملة، وذلك عبر تعزيز الوعي المجتمعي ونبذ العنف والتحريض من خلال استخدام وسائل التواصل الاجتماعي كمنصة رقمية للتغيير، وتعمل الحملة على تدريب الشباب ليكونوا مراقبين وموثقين لانتهاكات حقوق الإنسان في مناطق متعددة من السودان (مثل ولايات الشرق، وكسلا، والنيل الأبيض)، وتصدر تقارير شهرية تضغط باتجاه إشراك الشباب في أي مسار تفاوضي مستقبلي نحو السلام(8).
وقد وضح منظمو الحملة بأن فشل المحاولات السابقة للتوصل إلى تسوية سياسية في السودان كان بسبب إقصاء الفئات المجتمعية المؤثرة مثل الشباب، مؤكدين أن إشراك الشباب في الحوار المجتمعي وتحويلهم من فاعلين متأثرين إلى دعاة سلام يمكن أن يلعب دورًا حقيقيًا في تغيير مسار النزاع.
وبالتالي تُمثل مشاركة الشباب في حل النزاعات من خلال المشاركة في الوساطة المحلية، بناء الجسور بين الطوائف والأعراق المختلفة، واستخدام التكنولوجيا الرقمية أثبت أن لديهم القدرة على تشكيل ثقافة سلام مستدامة من داخل المجتمعات وعبر الحدود، وأن هذه الجهود تضع الشباب ليس فقط كمتلقين بل كشركاء فاعلين في إرساء دعائم الأمن والاستقرار.
ثالثًا- آليات الدبلوماسية التشاركية الشبابية في دعم السلام والأمن العالمي:
تعد الدبلوماسية التشاركية الشبابية نهجا دبلوماسيا حديثا يؤكد على إدماج الشباب كشركاء فاعلين في عمليات صنع القرار الدولي والإقليمي، لا كمتلقين هامشيين، ويعتمد هذا المفهوم على مبدأ أن طاقة الشباب وأفكارهم وشرعيتهم المجتمعية تمثل عنصرًا جوهريًا في تعزيز استدامة وفعالية جهود السلام والأمن.
وبحسب تقرير الأمين العام للأمم المتحدة، فإن دمج الشباب في غرف التفاوض والمؤسسات الأمنية يعزز شرعية الاتفاقات ويزيد من فرص التنفيذ بنسبة قد تصل إلى 30٪، ويحول الشباب إلى سفراء للسلام داخل مجتمعاتهم وخارجها، وفي هذا الإطار يعتبر مفهوم دبلوماسية الشباب نشاطًا متعدد المستويات يمر بثلاث مراحل، داخل الغرفة أي في عمليات التفاوض الرسمية، وحول الغرفة أي من خلال الحوار المدني والشبكات المجتمعية، وخارج الغرفة أي عبر الحملات الرقمية والمنصات المجتمعية، مما يوسع نطاقا إضافيا للتأثير ويؤسس لعملية دبلوماسية أكثر شمولا وفعالية(9).
ويُمكن توضيح أهم هذه الآليات على النحو الآتي:
التمثيل الرسمي للشباب في آليات السلام الدولية:
يأتي مفهوم التمثيل الرسمي من الاعتراف الدولي بأن الشباب هم شركاء أساسيون في عمليات السلام، لا فقط متلقين لها، وقد ترسخ هذا في نظام الأمم المتحدة عبر قرار مجلس الأمن رقم 2250 لعام 2015، وقرار رقم2419 لعام 2018، الذي دعا صراحة إلى إدماج الشباب في المفاوضات وصياغة الاتفاقيات، نظرا لأدوارهم المؤثرة وقدرتهم على التواصل بين مختلف شرائح المجتمع، كما أشارت دراسة أممية إلى أن مشاركة الشباب تزيد من فرص متابعة الاتفاقات بنسبة تصل إلى 30%.
في ضوء ذلك بدأت مؤسسات مثل بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا (UNSMIL) تخصيص مقاعد رسمية للشباب ضمن المشاورات الوطنية، والتي شهدت مشاركة نحو 500 شاب وشابة في أربع مدن رئيسية، ممثلين للمجتمع المدني، والقبائل، ومؤسسات المجتمع المحلي، تسعى هذه المشاركة إلى تمكين الشباب من تقديم توصيات تمهيدية لصناع القرار، مما يعزز شرعية التوافق الوطني ويقلل فرص العودة إلى الصراع، ومن ثم، عبر التمثيل الرسمي، يتحول الشباب من مشاهدين للأحداث إلى مشاركين معتمدين، قادرين على التأثير في جداول الأعمال السياسية والاتفاقيات، مما يجعل مشاركتهم ليست رمزا شكليا، بل نتاجا منهجيا، وهذا النهج يؤسس لنماذج جديدة تعتمد على الدمج الكامل للشباب في أجهزة السلام الرسمية، ويعطيهم مسئولية مباشرة في ضمان استدامة العقد الاجتماعي بعد انتهاء النزاعات(10).
المنصات الرقمية التشاركية:
تحولت المنصات الرقمية في العقد الأخير إلى أدوات استراتيجية تمكنها من تجاوز حدود المكان والزمان، وإطلاق قدرات الشباب على التفاوض والتنسيق عبر الدول، فقد أصبحت منصات مثل TECH4YPSوهي اختصارًا لـ Technology for Youth, Peace, and Securityوالتي تعني التكنولوجيا من أجل الشباب والسلم والأمن، وهي منصة أُطلقت لتعزيز دور الشباب في بناء السلام الرقمي، وتوفير مساحة للشباب لعرض مبادراتهم، وتبادل المعرفة، واستخدام الوسائط الرقمية في دعم جهود السلام، حيث جمعت شبابًا من مختلف البلدان العربية للعمل وبناء مشروعات تستخدم الذكاء الاصطناعي ووسائط اجتماعية في الإنذار المبكر للنزاعات، وبث رسائل التعايش، وتعكس نتائجها قدرة الشباب على ترجمة التوصيات الرقمية إلى أفعال ميدانية، مثل إنشاء خرائط حية للنزاع، أو نظم إنذار جماعي للتهدئة المجتمعية، مما يُشكل إسهامًا فاعلًا في البنى التشاركية بالأمن والسلام.
ولا تتوقف قوة هذه المنصات على تنقلها الحر بين فئات الشباب، بل تمتد إلى تمكينهم من صياغة خطاب السلام بأنفسهم، دون وسيط سياسي، فقد ظهر في الأردن نموذج رقمي مبكر استخدم القنوات الاجتماعية، مثل فيسبوك ويوتيوب لتدريب أفراد على كشف خطابات الكراهية النفسية، فيما تكتسب هذه المبادرات اهتمامًا دوليًا عبر عرضها كمبادرات شبابية رائدة أصبحت تُقارن بأساليب الإعلام الرسمية، وهذا يعكس دبلوماسية مضادة، تؤسس لإنتاج سرديات سلام شبابي بتقنيات العصر، ومناصرة سلام رقمية فعالة(11).
وبالإضافة إلى ذلك تنشأ عن هذه المنصات شبكات دولية ضخمة تتجاوز الحواجز الإقليمية، تجمع شبابًا من سوريا، والمغرب، والعراق، وتونس، وتنسق بينهم في ورش رقمية دورية، حول موضوعات، مثل إدارة المنازعات واستخدام وسائل الإعلام الرقمية في التهدئة، وتساعد هذه الشبكات على نقل الخبرات، وتفعيل المبادرات الوافدة إلى مؤسسات رسمية، مثل إدماجها في المناهج أو تطوير سياسات حكومية داعمة للسلام، مما يُظهر أن التكنولوجيا ليست مجرد وسيلة مساعدة، بل هي القناة الرئيسية لبناء دبلوماسية شبابية، قادرة على رسم استراتيجية سلام جديدة قائمة على الوسائل الرقمية والاستدامة.
دور المنتديات الشبابية العالمية:
أسهمت منتديات مثل منتدى شباب العالم ومنتدى شباب المتوسط في ترسيخ حضور الشباب العربي على الساحة الدولية كقوى فاعلة في مجال الدبلوماسية التشاركية، إذ يُمثل منتدى شباب العالم نموذجًا استثنائيًا لتنظيم حوارات بين آلاف الشباب من مختلف القارات، احتضن نحو 5000 شاب وشابة من ما يقارب 169 دولة في 2023، وقدموا توصيات، مثل تأسيس منصة عالمية لتعزيز التواصل الشبابي وتنسيق المبادرات السلامية، هذه التوصيات تحولت إلى مبادرات تنفيذية تُعرض أمام صناع القرار، الأمر الذي يؤكد قدرة هذه المنصات على تحويل الأفكار إلى مشروعات ملموسة(12).
وعلى المستوى الإقليمي ساهم منتدى شباب المتوسط في إبراز دور الشباب كحلقة وصل بين ضفتي البحر المتوسط، من خلال بناء شراكات شبابية عبر مشروعات تهدف إلى مواجهة قضايا مشتركة، ففي مؤتمر هلسنكي لعام 2024، جمع المنتدى نحو 140 مشاركًا من أكثر من عشرين دولة لإعداد توصيات محددة بشأن التشغيل والاقتصاد الأخضر، تم رفع هذه التوصيات إلى الاتحاد من أجل المتوسط، ودمجها في خطة عمل إقليمية لعام 2025، مما يدل على أن مشاركة الشباب تُصمم لتمييز السلام والتنمية بشكل فعلي، وليس فقط عبر الخطابات الرمزية.
ما يميز هذه المنتديات هو سهولة الانتقال من الحوار إلى التنفيذ، فالمخرجات لا تقتصر على الحضور الإعلامي بل تقود إلى تأسيس مشروعات شبابية صغيرة ومتوسطة، وتفعيل توصيات مرتبطة بالقرارات السياسية، ومن ثم تتحول هذه التجمعات إلى أدوات دبلوماسية شبابية قادرة على التأثير في السياسات الرسمية، وخلق علاقات مؤسسية بين الشباب وحكوماتهم، مما يدعم انخراطهم في صياغة مستقبل السلام والأمن الإقليمي والعالمي(13).
المعسكرات والبرامج التدريبية الدبلوماسية:
تُعرف المعسكرات والبرامج التدريبية الدبلوماسية بأنها تجمعات منظمة تستهدف تمكين الشباب من مهارات التفاوض وصياغة السياسات وفهم آليات العمل الدبلوماسي على المستويين الإقليمي والدولي، من خلال ورش تطبيقية ومحاكاة للمفاوضات.
وفي هذا السياق يُعد برنامج القيادات الدبلوماسية العربية الشابة أحد أبرز الأمثلة على برامج التدريب الدبلوماسي الموجهة لشباب المنطقة العربية، والذي يهدف إلى إعداد جيل قادر على التمثيل العربي في المحافل الدولية، يُشرف على البرنامج مركز الشباب العربي، ويشارك فيه شباب من تسع دول عربية، تشمل الإمارات، والسعودية، ومصر، والعراق.. وغيرها، وتأتي نسخة 2023 مكرسة في الدبلوماسية الإنسانية والدبلوماسية المناخية، بالتزامن مع فعاليات مؤتمر المناخ في الإمارات العربية المتحدة، مما يعمل على دمج مفاهيم العمل الإنساني والمناخي ضمن مهارات الدبلوماسيين الجدد(14).
إلى جانب ذلك توفر هذه المعسكرات خبرات عملية في مهارات التفاوض وصياغة السياسات من خلال معسكر المفاوضات المخصص لغير المتخصصين، والذي يضم جلسات محاكاة واقعية للحوارات الدولية، ويتخرج المشاركون بعد التدريب من خلال شهادة تُعَد لتكون علامة اعتماد تُمكنهم من المشاركة في مفاوضات المناخ أو السياسات الإنسانية، وقد أكّد المنظمون أن نحو 80% من المتخرجين قد انتهى بهم المطاف ضمن أطر دبلوماسية أو مناصب استراتيجية في مؤسساتهم الوطنية، مما يعكس قوة الأثر العملي لهذا التأهيل.
وعلى مستوى الدولة المصرية يُمثل برنامج الدبلوماسية الشبابية التابع لوزارة الشباب والرياضة المصرية، أحد المسارات المتخصصة التي تعمل على تعظيم التعاون الشبابي الدولي، واستثمار طاقات، وخبرات، وإبداعات الشباب المصري ونظرائهم حول العالم، بما يمكنهم من بلورة رؤى شبابية مبتكرة للتعاون الدولي والمساهمة في صياغة البرامج التنموية المستقبلية، و يتيح البرنامج للمشاركين فرصًا واسعة للتمثيل في المحافل المحلية، والإقليمية، والدولية، والانضمام إلى المجالس الشبابية المصرية الثنائية الدولية، إلى جانب فرص بناء القدرات وتنمية المهارات وتطوير الشراكات داخل المجتمع الشبابي الدولي.
تعمل هذه البرامج على تأسيس شبكة متكاملة من الدبلوماسيين الشباب المدربين، الذين يصبحون مستمرين في حضورهم وإحداث مسارات مؤثرة، سواء من خلال تمثيل بلدانهم في المؤتمرات العالمية أو عبر تأسيس مبادرات شبابية تتبنى قيم السلام والتسامح، وينسجم هذا مع توصيات قرارات مجلس الأمن ذات الصلة بالشباب والسلام، حيث تُعتبر برامج مثل هذه أدوات استراتيجية لبناء قدرات شبابية مستقلة، قادرة على إدارة الصراعات وتحويل التحديات إلى فرص دبلوماسية.
وبالتالي لا تقتصر قيمة هذه المعسكرات والبرامج على إدارة المعرفة، بل تُمثل استثمارًا في رأس المال البشري الذي سيقود السلام خلال العقود المقبلة(15).
ختامًا يمكن القول إن الدبلوماسية الشبابية لا تعكس مجرد محاولات عابرة للتهدئة أو التسوية المؤقتة للنزاعات، بل تُمثل تعبيرا عن ثورة هادئة في طبيعة القوة والفاعلية السياسية، فالشباب، بحكم قربهم من الواقع المجتمعي واحتكاكهم اليومي بأحداث النزاع، يمتلكون مفتاحًا لفك شفرة السلام المستدام، ولا يعني فشل هذه الدبلوماسية في تحقيق السلام بأن ذلك يُمثل ضعفًا لموقف الشباب، ولكنه نتيجة لهيمنة الأنظمة التقليدية والمعادلات الجيوسياسية المعقدة التي تغتال فرص السلام الحقيقي.
ويعود كل ذلك إلى امتلاك الشباب قدرات فريدة ومؤهلات حضارية تُمكنه من لعب دور مركزي في حل النزاعات، ليس كمتلقين بل كقادة للسلام المستدام، وتُشكل آليات دور الشباب في حل النزاعات نظامًا دبلوماسيًا تشاركيًا يرتكز على تمكين الشباب وصياغة السياسات، ولتحويل هذه المسارات إلى واقع فاعل، يتطلب الأمر توسيع مشاركة الشباب في المؤسسات الرسمية، ودعم مبادراتهم بموازنات مستقرة، وتقييم دوري لأثرهم في تعزيز السلام، وعبر هذه المكونات المتكاملة، يمكن بناء مستقبل يعكس رؤية شاملة ومستدامة للأمن والسلام في المنطقة والعالم.
الهوامش:
(1) نور الهدى سعد عبدالله، دور الشباب في عمليات بناء السلام في العراق، مركز البيان للدراسات والتخطيط، 2021، كتيب إلكتروني، ص10.
(2) Youth voices for sustainable peace in Syria: Youth Representatives leading the way, European Union, 2024, available in: https://bit.ly/4pPVa7n
(3) Daniel Martinez and Mehmet Koku,Unlocking the Potential of Youth in Ukraine, United Nations, UNDP, 2024, available in: https://bit.ly/4qxy1rr
(4) يوسف ورداني، فرصة ديمغرافية: كيف توظف الدول الشباب في بناء القوة الخارجية؟، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 2023، متاح على: https://futureuae.com/ar-AE/Mainpage
(5) المشاركة المصرية في المنتدى الدولي رفيع المستوى حول الشباب والسلام والأمن، الهيئة العامة للاستعلامات، 2024، متاح على: https://beta.sis.gov.eg/ar/K
(6) دور وسائل التواصل الاجتماعي في حل النزاعات وبناء السلام، الموقع الرسمي للأمم المتحدة، 2018، متاح على: https://peacekeeping.un.org/ar/dwr-wsyl-ltwsl-ljtmy-fy-hl-lnzt-wbn-lslm-mhwr-mnzr-fy-lfshr.
(7) Arab World Heritage Young Professionals Forum begins, Unesco News, 2020, available in: https://whc.unesco.org/en/news/2064.
(8) أصوات السلام.. شباب من أجل بناء السلام ومواجهة عنف الحرب في السودان، سودان إندبندنت، 2025، متاح على: https://bit.ly/3ZeBijH
(9) Youth, Peace and Security, North- South Center, 2021, available in: https://www.coe.int/en/web/north-south
(10) فهد بن ناصر سليمان، الدبلوماسية التشاركية وأثرها في تعزيز العلاقات بين الدول، رسالة ماجستير، معهد الأمير سعود الفيصل للدراسات الدبلوماسية، 2020، ص45.
(11) سلوى درويش، مواقع التواصل الاجتماعي وتأثيرها على الأمن المجتمعي، مجلة الدراسات الإفريقية، مج 47، ع 1، 2025، ص153.
(12) منتدى شباب العالم "شباب من أجل إحياء الإنسانية"، الهيئة العامة للاستعلامات، 2025، متاح على: https://sis.gov.eg/Story/268482
(13) تقرير أكاديمية شباب المتوسط، مؤسسة شباب المتوسط، وزارة الشباب والرياضة، كتيب إلكتروني، 2024، ص15.
(14) برنامج القيادات الدبلوماسية العربية الشابة، الموقع الرسمي، 2023، متاح على: https://diplomacy.arabyouthcenter.org
(15) السياسة الخارجية المصرية و"الدبلوماسية الشبابية"، مجلة السياسة الدولية، 2022، متاح على: https://www.siyassa.org.eg/News/18161.aspx
المراجع:
·أريج عقران، اتجاهات الشباب نحو توظيف مستحدثات تكنولوجيا الاتصال لتحسين مستوى معيشتهم (تطبيقات الهواتف الذكية نموذجا)، مجلة الفنون والأدب وعلوم الإنسانيات والاجتماع، ع 114، 2024.
·أصوات السلام.. شباب من أجل بناء السلام ومواجهة عنف الحرب في السودان، سودان إندبندنت، 2025، متاح على: https://bit.ly/3ZeBijH
· برنامج القيادات الدبلوماسية العربية الشابة، الموقع الرسمي، 2023، متاح على: https://diplomacy.arabyouthcenter.orgHYPERLINK "https://diplomacy.arabyouthcenter.org/"
· تقريرأكاديميةشبابالمتوسط،مؤسسةشبابالمتوسط،وزارةالشبابوالرياضة،كتيبإلكتروني،2024.
·دوروسائلالتواصلالاجتماعيفيحلالنزاعاتوبناءالسلام،الموقعالرسميللأممالمتحدة،2018،متاحعلى: https://peacekeeping.un.org/ar/dwr-wsyl-ltwsl-ljtmy-fy-hl-lnzt-wbn-lslm-mhwr-mnzr-fy-lfshr.
·سلوى درويش، مواقع التواصل الاجتماعي وتأثيرها على الأمن المجتمعي، مجلة الدراسات الإفريقية، مج 47، ع 1، 2025.
·السياسة الخارجية المصرية و"الدبلوماسية الشبابية"، مجلة السياسة الدولية، 2022، متاح على: https://www.siyassa.org.eg/News/18161.aspx
·فهد بن ناصر سليمان، الدبلوماسية التشاركية وأثرها في تعزيز العلاقات بين الدول، رسالة ماجستير، معهد الأمير سعود الفيصل للدراسات الدبلوماسية، 2020.
·المشاركة المصرية في المنتدى الدولي رفيع المستوى حول الشباب والسلام والأمن، الهيئة العامة للاستعلامات، 2024، متاح على: https://beta.sis.gov.eg/ar/K
· منتدى شباب العالم "شباب من أجل إحياء الإنسانية"، الهيئة العامة للاستعلامات، 2025، متاح على: https://sis.gov.eg/Story/268482/
· نورالهدىسعدعبدالله،دورالشبابفيعملياتبناءالسلامفيالعراق،مركزالبيانللدراساتوالتخطيط،2021،كتيبإلكتروني.
·يوسفورداني،فرصةديمغرافية: كيفتوظفالدولالشبابفيبناءالقوةالخارجية؟،مركزالمستقبلللأبحاثوالدراساتالمتقدمة،2023،متاحعلى: https://bit.ly/49MAuqW
· Arab World Heritage Young Professionals Forum begins, Unesco News, 2020, available in: https://whc.unesco.org/en/news/2064
· Youth, Peace and Security, North- South Center, 2021, available in: https://www.coe.int/en/web/north-south.
· Youth voices for sustainable peace in Syria: Youth Representatives leading the way, European Union, 2024, available in: https://bit.ly/4pPVa7n
· Daniel Martinez and Mehmet Koku, Unlocking the Potential of Youth in Ukraine, United Nations, UNDP, 2024, available in: https://bit.ly/4qxy1rr