انعقدت دورة منتدى دافوس الاقتصادي العالمي لهذا العام 2026 في سياق دولي بالغ التعقيد، تتداخل فيه الأزمات الاقتصادية مع التوترات الجيوسياسية، وتتراجع خلاله الكثير من المسلمات التي حكمت النظام الدولي منذ نهاية الحرب الباردة. فعلى وقع تباطؤ النمو العالمي، وتصاعد النزاعات الإقليمية، واشتداد المنافسة بين القوى الكبرى، لم يعد الاقتصاد مجرد ساحة فنية لإدارة الموارد، بل أصبح أحد أهم ميادين الصراع والتفاوض وإعادة توزيع النفوذ. وفي هذا الإطار، ينعقد المنتدى هذا العام تحت شعار «روح الحوار»، في دلالة تعكس إدراكًا عالميًا متزايدًا بأن إدارة الأزمات الراهنة لم تعد ممكنة عبر منطق الاستقطاب الحاد أو سياسات الأمر الواقع، وإنما عبر الحوار، وبناء التوافقات، وإعادة تعريف أولويات التعاون الدولي.
ضمن هذا السياق، أتت مشاركة مصر في أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي بوصفها جزءًا من حراك دولي أوسع تشارك فيه قوى كبرى ودول صاعدة، إلى جانب رؤساء منظمات دولية وإقليمية، وممثلي كبريات مؤسسات القطاع الخاص العالمي. وتناولت أجندة المنتدى قضايا محورية تتصل بمستقبل النظام الاقتصادي الدولي، من بينها سبل تعزيز التعاون بين الدول في مواجهة التحديات العابرة للحدود، ودعم مسارات الازدهار العالمي في ظل اختلالات متزايدة في توزيع الثروة والفرص، والتوسع في توظيف التكنولوجيا والابتكار باعتبارهما محركين رئيسيين للنمو، فضلًا عن الاستثمار في رأس المال البشري كشرط لا غنى عنه لتحقيق تنمية مستدامة وقادرة على الصمود.
وتكتسب المشاركة المصرية في هذا الإطار أهمية مضاعفة، ليس فقط بالنظر إلى طبيعة القضايا المطروحة على جدول أعمال المنتدى، وإنما أيضًا في ضوء اللقاءات السياسية رفيعة المستوى التي تُعقد على هامشه، وفي مقدمتها لقاء القمة بين الرئيس عبد الفتاح السيسي والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والذي جاء في توقيت إقليمي ودولي دقيق. فهذا اللقاء، بما يحمله من دلالات سياسية، يعكس تداخل الملفات الاقتصادية مع الحسابات الاستراتيجية، ويؤكد أن دافوس لم يعد مجرد منصة للنقاش الاقتصادي، بل تحول إلى فضاء تتقاطع فيه مسارات الاقتصاد مع دوائر صنع القرار السياسي والأمني على أعلى المستويات.
ولا يمكن فصل هذا اللقاء عن السياق الأوسع للعلاقات المصرية–الأمريكية، ولا عن طبيعة التحولات التي يشهدها النظام الدولي، حيث باتت القضايا الاقتصادية، من التجارة والاستثمار إلى الطاقة وسلاسل الإمداد، عناصر حاكمة في صياغة العلاقات بين الدول. ومن ثم، فإن الحضور المصري في دافوس، وما يتضمنه من تفاعلات سياسية واقتصادية، يعكس إدراكًا واضحًا بأن إدارة السياسة الخارجية في المرحلة الراهنة لم تعد ممكنة بمعزل عن الاقتصاد، ولا عن القدرة على التواصل المباشر مع مراكز الثقل العالمي في لحظات إعادة التشكل الكبرى.
في هذا الإطار، تكتسب المشاركة المصرية في منتدى دافوس بعدًا يتجاوز اللحظة الراهنة، ليعكس محاولة واعية للتموضع داخل هذا النقاش العالمي الواسع، وتقديم مصر بوصفها دولة تسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين متطلبات الإصلاح الاقتصادي، واعتبارات الاستقرار الاجتماعي، وطموحات الدور الإقليمي والدولي. وهو ما يجعل من هذه المشاركة محطة مهمة لفهم كيف ترى الدولة المصرية علاقتها بالاقتصاد العالمي، وكيف توظف المنصات الدولية الكبرى لإعادة صياغة حضورها السياسي في نظام دولي لم يعد يعترف إلا بمن يملك أدوات التأثير المتعددة، وفي مقدمتها الاقتصاد.
العلاقة بين الاقتصاد والتنمية والتأثير السياسي
تقوم العلاقة بين الاقتصاد والتنمية والتأثير السياسي على فرضية مركزية في حقل الاقتصاد السياسي مفادها أن الاقتصاد لم يعد مجرد مجال فني لإدارة الموارد أو تحقيق معدلات نمو رقمية، بل أصبح أحد أهم محددات القدرة السياسية للدولة، سواء على المستوى الداخلي أو في محيطها الإقليمي والدولي. فالدولة الحديثة لم تعد تُقاس قوتها فقط بقدرتها العسكرية أو بتماسك أجهزتها الأمنية، وإنما بقدرتها على إنتاج الثروة، وإدارة التنمية، وتوظيف مواردها الاقتصادية في خدمة أهدافها السياسية والاستراتيجية.
من هنا، فإن الاقتصاد يتحول من كونه أداة خاضعة للسياسة، إلى شريك متكافئ في صياغتها، وأحيانًا إلى محرك رئيسي لها. في إطار هذا الفهم، تُدرك التنمية بوصفها عملية تاريخية مركبة، لا يمكن اختزالها في مؤشرات النمو أو معدلات الاستثمار، وإنما تتشكل عبر تفاعل معقد بين الخيارات الاقتصادية، والبنى السياسية والمؤسسية، والسياقات الاجتماعية والثقافية. فاختيار نموذج اقتصادي معين، سواء كان قائمًا على تدخل الدولة أو على آليات السوق، لا ينفصل عن طبيعة النظام السياسي، ولا عن التوازنات الاجتماعية السائدة، ولا عن موقع الدولة في النظام الدولي. ومن ثم، فإن مسارات التنمية المختلفة تُنتج في نهاية المطاف أنماطًا متباينة من القوة، وقدرات متفاوتة على التأثير السياسي.
التنمية، بهذا المعنى، ليست عملية حيادية أو فنية، بل هي عملية مشبعة بالسياسة، وتعكس في جوهرها علاقات السلطة داخل المجتمع. فهي تحدد من يملك الموارد، ومن يتحكم في توزيعها، ومن يستفيد من عوائد النمو، ومن يتحمل كلفة الإصلاح. ولذلك، فإن نجاح الدولة في تحقيق تنمية شاملة ومستدامة يعزز من شرعيتها الداخلية، ويمنحها قاعدة اجتماعية أوسع، وهو ما ينعكس مباشرة على قدرتها على اتخاذ قرارات سياسية مستقلة، وتحمل كلفة الخيارات الاستراتيجية الصعبة. وعلى العكس، فإن فشل التنمية، أو اختلالها، يفتح المجال أمام هشاشة سياسية واجتماعية، ويجعل الدولة أكثر عرضة للضغوط الخارجية، وأكثر قابلية للتأثر بتقلبات النظام الدولي.
وعلى المستوى الدولي، تتحول التنمية الاقتصادية إلى أحد أهم مصادر التأثير غير المباشر، فيما يُعرف بمفاهيم “القوة الناعمة” و”القوة الذكية”. فالدول التي تحقق نجاحات اقتصادية ملموسة تصبح نماذج يُحتذى بها، وتجذب الشركاء، وتكتسب قدرة أكبر على التأثير في صياغة القواعد والمعايير الدولية. كما أن امتلاك اقتصاد قوي يمنح الدولة أدوات متعددة للتأثير، مثل الاستثمار الخارجي، والمساعدات التنموية، والتعاون التقني، وهي أدوات تُستخدم لتعزيز النفوذ السياسي، وبناء شبكات من المصالح المتبادلة.
في هذا السياق، لم تعد القوة الاقتصادية تقتصر على حجم الناتج المحلي أو فائض الميزان التجاري، بل باتت تشمل القدرة على الابتكار، والتحكم في التكنولوجيا، والمشاركة الفاعلة في سلاسل الإمداد العالمية، والتأثير في أسواق الطاقة والتمويل. وهذه الأبعاد الجديدة للقوة الاقتصادية أعادت تشكيل مفهوم النفوذ في النظام الدولي، وجعلت من التنمية مسألة استراتيجية تتجاوز الحدود الوطنية، وترتبط بشكل وثيق بموقع الدولة في خريطة التفاعلات العالمية.
مشاركات مصر في "منتدى دافوس" بين استعادة الثقة وبناء السردية الاقتصادية
لم تكن مشاركة مصر في منتدى دافوس، منذ انخراطها المبكر في أعماله خلال تسعينيات القرن الماضي، حدثًا معزولًا عن السياقين الداخلي والدولي، بل جاءت دائمًا معبّرة عن طبيعة المرحلة التي يمر بها الاقتصاد المصري، وعن موقع الدولة في خريطة التفاعلات الاقتصادية والسياسية العالمية. فمنذ عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، ارتبط الحضور المصري في دافوس بمحاولة ترسيخ صورة مصر كدولة مستقرة، منفتحة على الاقتصاد العالمي، وقادرة على جذب الاستثمارات الأجنبية، في إطار نموذج اقتصادي يقوم على التحرير التدريجي، والانفتاح على الأسواق، وتعزيز دور القطاع الخاص.
في تلك المرحلة، خاصة خلال العقدين الأخيرين من حكم مبارك، اتسمت المشاركات المصرية في دافوس بطابع ترويجي واضح، ركّز على إبراز مزايا السوق المصرية من حيث الحجم، والموقع الجغرافي، وتوافر العمالة، إلى جانب التأكيد على سياسات الخصخصة، وتحرير التجارة، والإصلاحات المرتبطة ببرامج التكيف الهيكلي. وكان الخطاب المصري آنذاك منسجمًا إلى حد كبير مع السردية السائدة عالميًا حول اقتصاد السوق، ودور الدولة المحدود، وجاذبية الاستثمار الأجنبي المباشر بوصفه محركًا رئيسيًا للنمو. غير أن هذا الخطاب، رغم نجاحه في جذب بعض التدفقات الاستثمارية، ظل محكومًا بقيود بنيوية، أبرزها ضعف العدالة التوزيعية، وتهميش قطاعات واسعة من المجتمع، وهو ما انعكس لاحقًا على الاستقرار السياسي والاجتماعي.
مع اندلاع أحداث 2011، دخلت مشاركة مصر في منتدى دافوس مرحلة من التراجع والارتباك، عكست حالة السيولة السياسية والاقتصادية التي شهدتها البلاد. ففي تلك السنوات، غابت مصر أو حضرت بتمثيل محدود، في وقت كانت فيه الصورة الذهنية للاقتصاد المصري تتأثر سلبًا بحالة عدم اليقين، وتراجع مؤشرات النمو، واضطراب السياسات العامة. وتحول دافوس، بالنسبة لمصر، من منصة للترويج، إلى مرآة تعكس حجم التحديات التي تواجه الدولة، ومدى تآكل الثقة الدولية في قدرتها على استعادة الاستقرار في الأجل القريب.
ابتداءً من عام 2014، ومع تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي، شهدت المشاركة المصرية في منتدى دافوس تحولًا نوعيًا في مضمونها ووظيفتها. فقد جاءت هذه المشاركات في سياق سعي الدولة إلى استعادة موقعها في النظام الاقتصادي الدولي، بعد مرحلة من الاضطراب العميق، وهو ما فرض تحديًا مزدوجًا تمثل في إعادة بناء الاستقرار الداخلي من جهة، واستعادة ثقة الشركاء الدوليين والمؤسسات المالية من جهة أخرى. وفي هذا الإطار، شكّل دافوس منصة مركزية لإعادة تقديم الدولة المصرية للعالم، ليس فقط بوصفها سوقًا واعدة، بل باعتبارها دولة تمتلك إرادة سياسية واضحة لإجراء إصلاحات هيكلية عميقة، حتى وإن كانت ذات كلفة اجتماعية وسياسية مرتفعة.
في المراحل الأولى من هذه المشاركة، اتسم الخطاب المصري بطابع دفاعي نسبي، ركّز على طمأنة المجتمع الدولي، والتأكيد على استعادة الدولة لتماسكها، وقدرتها على فرض الاستقرار، وتنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي شامل. وتمحورت الرسائل الأساسية حول تحرير سعر الصرف، وإصلاح منظومة الدعم، وتحسين مناخ الاستثمار، وتحديث الإطار التشريعي والمؤسسي، وهي رسائل كانت تستهدف بالأساس المؤسسات المالية الدولية، والمستثمرين الكبار، وصناع القرار في الاقتصاد العالمي. وكان الهدف المركزي في هذه المرحلة هو إعادة إدماج مصر في دوائر الثقة الاقتصادية العالمية، بعد سنوات من الشك والتردد.
ومع مرور الوقت، وتراكم نتائج الإصلاحات، بدأت طبيعة المشاركة المصرية في دافوس تشهد تحولًا تدريجيًا من خطاب يسعى إلى إثبات الجدية، إلى خطاب أكثر ثقة يسعى إلى بناء سردية اقتصادية متكاملة. فلم تعد المشاركة تقتصر على عرض الأرقام أو الدفاع عن السياسات، بل أصبحت منصة لطرح رؤية أوسع للتنمية، تقوم على دور نشط للدولة، وتوازن بين متطلبات الاستقرار الكلي، وأهداف التنمية الشاملة. وبرز في هذا السياق تركيز متزايد على مشروعات البنية التحتية الكبرى، والتحول في قطاع الطاقة، وتطوير شبكة النقل واللوجستيات، وربط الاقتصاد المصري بسلاسل الإمداد العالمية.
ويُلاحظ هنا فارق جوهري بين مشاركة مصر في دافوس على مر تاريخ المشاركات. فقبل 2011 كان الخطاب السابق يقدّم مصر في الغالب بوصفها ساحة مفتوحة للاستثمار في إطار نموذج اقتصادي تابع نسبيًا. أما الخطاب الحالي فيسعى إلى إعادة تعريف موقع مصر كدولة تسعى إلى التموضع كعقدة إقليمية للطاقة والتجارة، وكفاعل مؤثر في محيطها الإقليمي. كما أن الدولة باتت توظف مشاركتها في دافوس لربط الاقتصاد بالسياسة الخارجية، من خلال إبراز دور مصر في استقرار الإقليم، وتأمين الممرات التجارية، والمساهمة في معالجة أزمات الطاقة والغذاء.
الأهم من ذلك، أن المشاركة المصرية الحالية لم تعد تستهدف فقط جذب رؤوس الأموال، بل تسعى إلى التأثير في النقاشات العالمية حول مستقبل التنمية، ودور الدولة، والعدالة الاجتماعية، والتحول الأخضر. وهو ما يعكس انتقال مصر من موقع المتلقي للسياسات والنصائح، إلى موقع الفاعل الذي يطرح تجربته، ويعرض رؤيته، ويسعى إلى شراكات أكثر توازنًا. وفي هذا الإطار، يتحول دافوس من مجرد منصة للترويج الاقتصادي، إلى أداة من أدوات بناء السردية الوطنية، وإعادة صياغة صورة مصر في الوعي الاقتصادي والسياسي العالمي.
الملف الاقتصادي كرافعة مركزية في السياسة الخارجية المصرية
شهدت السياسة الخارجية المصرية في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي تحولًا بنيويًا في طريقة تعريف المصالح القومية وأدوات تحقيقها، حيث لم يعد الاقتصاد مجرد ملف من بين ملفات متعددة، وإنما أصبح رافعة مركزية تُبنى عليها أولويات التحرك الخارجي، ويُعاد من خلالها ترتيب علاقات مصر الإقليمية والدولية. ففي عالم تتراجع فيه الفواصل التقليدية بين الاقتصاد والسياسة، باتت الدولة المصرية تنظر إلى القوة الاقتصادية باعتبارها أحد أعمدة الأمن القومي، وشرطًا لازمًا لتعزيز الاستقلال السياسي، ووسيلة فعالة لتقليص هوامش الضغط الخارجي، ورفع كلفة استهداف الدولة أو التأثير في قرارها السيادي.
هذا التحول لم يكن انعكاسًا لتغير في الخطاب فقط، بل جاء استجابة واعية لتحولات عميقة في بنية النظام الدولي، حيث لم تعد أدوات النفوذ محصورة في القوة العسكرية أو التحالفات الأمنية، وإنما باتت ترتكز بدرجة متزايدة على التحكم في الموارد، وسلاسل الإمداد، والطاقة، والتكنولوجيا، والتدفقات المالية. ومن هذا المنطلق، أعادت مصر في عهد الرئيس السيسي صياغة علاقتها بالخارج انطلاقًا من فهم شامل للتشابك بين الاقتصاد والسياسة، بحيث يصبح كل تحرك دبلوماسي تقريبًا مرتبطًا بملف اقتصادي مباشر أو غير مباشر.
وقد تجلّى هذا التوجه بوضوح في ربط السياسة الخارجية بأهداف اقتصادية محددة، مثل جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وتوسيع قاعدة الصادرات، وتعميق التصنيع المحلي، وبناء شراكات طويلة الأمد في مجالات الطاقة، والبنية التحتية، والنقل، والصناعة. فلم تعد الزيارات الرئاسية، أو القمم الثنائية ومتعددة الأطراف، مناسبات بروتوكولية تقليدية، بل تحولت إلى منصات لتوقيع اتفاقيات اقتصادية، وإطلاق مشروعات مشتركة، وفتح أسواق جديدة أمام المنتج المصري، وهو ما يعكس إدراكًا عميقًا لطبيعة المنافسة الدولية في عصر الاقتصاد المعولم.
في هذا السياق، برز توظيف الموقع الجغرافي لمصر كأحد أعمدة الاستراتيجية الاقتصادية–الدبلوماسية. فقد أعادت الدولة تقديم نفسها بوصفها حلقة وصل محورية بين إفريقيا وآسيا وأوروبا، وممرًا رئيسيًا للتجارة العالمية عبر قناة السويس، ومنصة لوجستية قادرة على خدمة سلاسل الإمداد الدولية في ظل الاضطرابات المتكررة التي يشهدها النظام التجاري العالمي. ولم يكن تطوير قناة السويس، والمناطق الاقتصادية المحيطة بها، مجرد مشروع تنموي، بل كان في جوهره رسالة سياسية واقتصادية تؤكد سعي مصر إلى تثبيت موقعها كفاعل لا يمكن تجاوزه في حركة التجارة العالمية.
وعلى نحو مماثل، احتل ملف الطاقة موقعًا متقدمًا في السياسة الخارجية المصرية، باعتباره أحد أكثر الملفات قدرة على إنتاج النفوذ في الإقليم. فقد أسهمت الاكتشافات الكبرى للغاز الطبيعي في شرق المتوسط، وما صاحبها من تطوير للبنية التحتية، في إعادة تعريف دور مصر كمركز إقليمي لتسييل وتداول الطاقة. وانعكس ذلك في شبكة واسعة من الشراكات مع دول الإقليم وشركات الطاقة العالمية، وفي توظيف هذا الدور لتعزيز مكانة مصر التفاوضية، ليس فقط في الملفات الاقتصادية، بل أيضًا في القضايا السياسية والأمنية المرتبطة بشرق المتوسط.
كما اتجهت السياسة الخارجية المصرية إلى تنويع الشراكات الاقتصادية، بما يقلل من الاعتماد على طرف دولي واحد، ويمنح الدولة هامشًا أوسع للمناورة. فإلى جانب العلاقات التقليدية مع الولايات المتحدة وأوروبا، توسعت مصر في بناء شراكات استراتيجية مع قوى دولية صاعدة مثل الصين والهند وروسيا، فضلًا عن تعميق علاقاتها الاقتصادية مع دول الخليج وإفريقيا. ويعكس هذا التنويع إدراكًا واعيًا لمخاطر الارتهان الاقتصادي، وسعيًا لبناء شبكة مصالح متداخلة تجعل من استقرار مصر مصلحة مشتركة لأطراف دولية متعددة.
وفي الإطار ذاته، لم تغب الأبعاد الاجتماعية والسياسية الداخلية عن هذا التوجه، حيث جرى توظيف السياسة الخارجية الاقتصادية لدعم مسار التنمية الشاملة، من خلال جذب الاستثمارات إلى قطاعات كثيفة العمالة، وتطوير البنية التحتية، وتحسين الخدمات الأساسية. وهو ما يشير إلى فهم متقدم للعلاقة بين الاستقرار الداخلي والقدرة على التحرك الخارجي، إذ لا يمكن لدولة تعاني هشاشة اقتصادية داخلية أن تمارس سياسة خارجية نشطة أو مؤثرة.
ومن هنا، تأتي المشاركة المصرية في المنتديات الاقتصادية الدولية، وعلى رأسها منتدى دافوس، كجزء لا يتجزأ من هذه الاستراتيجية الشاملة. فدافوس لا يمثل بالنسبة لمصر مجرد منصة لعرض الفرص الاستثمارية، بل ساحة لتقديم سردية متكاملة عن الدولة، ورؤيتها للتنمية، ودورها في الإقليم، وموقعها في النظام الدولي. وفي هذا الفضاء، تسعى مصر إلى بناء تحالفات مرنة، والتأثير في النقاشات العالمية حول قضايا مثل الطاقة، والغذاء، والاستدامة، ودور الدولة في الاقتصاد، بما يخدم مصالحها الاستراتيجية على المدى الطويل.
التوظيف الاستراتيجي للمشاركة المصرية في دافوس 2026
تأتي مشاركة مصر في منتدى دافوس 2026 في لحظة دولية استثنائية، تتسم بتآكل الثقة في أسس النظام الاقتصادي العالمي، وتصاعد الاستقطاب بين القوى الكبرى، واحتدام المنافسة على الموارد والأسواق وسلاسل الإمداد. فالعالم الذي يجتمع في دافوس اليوم يختلف جذريًا عن ذلك الذي صاغ العولمة في تسعينيات القرن الماضي؛ إذ لم تعد الأسواق تعمل في فراغ سياسي، ولم تعد القواعد الاقتصادية محايدة أو مستقرة، بل أصبحت خاضعة لحسابات الصراع، وأدوات للضغط، ووسائل لإعادة توزيع النفوذ على المستوى الدولي.
في هذا السياق المأزوم، تكتسب المشاركة المصرية دلالات تتجاوز البعد الاقتصادي التقليدي، لتلامس جوهر موقع الدولة في معادلة التحولات الجارية. فمصر لا تحضر دافوس 2026 بوصفها دولة تبحث عن دعم أو مساندة ظرفية، وإنما بوصفها دولة تسعى إلى تثبيت موقعها كشريك موثوق، قادر على التفاعل مع الأزمات العالمية، والمساهمة في إدارتها، وليس فقط التأثر بتداعياتها. وهو حضور يعكس رغبة واضحة في الانتقال من موقع المتلقي لتقلبات الاقتصاد العالمي، إلى موقع الفاعل الذي يمتلك رؤية، ويعرض تجربة، ويطرح نفسه كجزء من الحل في بيئة دولية مضطربة.
ومن هنا، تسعى مصر من خلال مشاركتها إلى إعادة تقديم سرديتها الاقتصادية على أسس أكثر نضجًا وواقعية، تركز على جودة الاستثمارات لا على حجمها، وعلى بناء قاعدة إنتاجية مستدامة بدلًا من الاكتفاء بتدفقات مالية قصيرة الأجل. فالخطاب المصري في دافوس 2026 يستهدف جذب استثمارات نوعية في قطاعات الصناعة، والطاقة، والتكنولوجيا، والزراعة الحديثة، بما يعزز من قدرة الاقتصاد على توليد القيمة المضافة، ويقلل من هشاشته أمام الصدمات الخارجية. وهو توجه يعكس استخلاصًا واضحًا لدروس العقد الماضي، حيث باتت الدولة أكثر وعيًا بمخاطر الاعتماد المفرط على رؤوس الأموال الساخنة، أو على أنماط نمو غير مستدامة.
وفي الوقت ذاته، تمثل المشاركة فرصة لشرح التحديات التي تواجه الاقتصادات الناشئة في ظل الأزمات المتلاحقة، من اضطرابات سلاسل الإمداد، إلى تقلبات أسعار الطاقة والغذاء، وصولًا إلى تشديد السياسات النقدية عالميًا. ومن خلال هذا الطرح، تسعى مصر إلى إعادة التوازن في الخطاب العالمي حول الإصلاح الاقتصادي، بحيث لا يُختزل في وصفات تقنية جاهزة، بل يُنظر إليه في سياقه الاجتماعي والسياسي، مع التأكيد على أهمية منح الدول النامية مساحة أوسع للمناورة، ودعم مسارات تنمية أكثر عدالة وشمولًا.
على المستوى السياسي، لا تقل دلالات المشاركة أهمية عن أبعادها الاقتصادية. فدافوس بات، في السنوات الأخيرة، ساحة غير رسمية للدبلوماسية رفيعة المستوى، حيث تُدار على هامشه لقاءات ثنائية ومتعددة الأطراف، تُناقش فيها ملفات تتجاوز الاقتصاد إلى قضايا الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي. وفي هذا الإطار، اكتسب لقاء القمة بين الرئيس عبد الفتاح السيسي والرئيس الأمريكي أهمية خاصة، ليس فقط لما يحمله من رمزية سياسية، بل لما يعكسه من تداخل عميق بين الاقتصاد والسياسة في إدارة العلاقات الدولية.
فاللقاء يأتي في توقيت دقيق، يشهد فيه الإقليم توترات متصاعدة، ويواجه فيه النظام الدولي تحديات غير مسبوقة، وهو ما يمنح الحوار المصري–الأمريكي بعدًا يتجاوز العلاقات الثنائية التقليدية. فمصر تحضر هذا اللقاء وهي مدركة أن وزنها السياسي بات مرتبطًا، بدرجة كبيرة، بدورها الاقتصادي، وبقدرتها على الإسهام في استقرار الإقليم، وتأمين الممرات التجارية، والمشاركة في معالجة أزمات الطاقة والغذاء. ومن ثم، يصبح دافوس منصة لدمج الرسائل الاقتصادية بالرسائل السياسية، في إطار رؤية شاملة تعيد التأكيد على مركزية مصر في معادلات الاستقرار الإقليمي.
مصر بين الرهان على الخارج وإصلاح الداخل في لحظة دافوس
في المحصلة النهائية، تعكس مشاركة مصر في منتدى دافوس إدراكًا متقدمًا لطبيعة اللحظة الدولية الراهنة، ولمكانة الاقتصاد بوصفه أحد المفاتيح الرئيسية لإعادة صياغة الدور السياسي للدولة في عالم يشهد تحولات متسارعة في موازين القوة وأنماط التأثير. فالحضور المصري في هذا المحفل لا يمكن فصله عن محاولة واعية لإعادة التموضع داخل النظام الاقتصادي العالمي، وتقديم الدولة باعتبارها فاعلًا يسعى إلى الشراكة وصياغة القواعد، لا مجرد متلقٍ لتقلبات الأسواق أو انعكاساتها العابرة.
غير أن هذا الرهان على الخارج، مهما بلغت أهميته، يظل محدود الأثر إذا لم يتكامل مع مسار إصلاح داخلي عميق ومستدام. فالقوة الاقتصادية التي تُعرض في المنتديات الدولية لا تُصنع في قاعات المؤتمرات، وإنما تتشكل داخل الاقتصاد الوطني ذاته، عبر سياسات إنتاجية فعالة، ومؤسسات قادرة على إدارة الموارد بكفاءة، ورؤية متماسكة توازن بين متطلبات الاستقرار الكلي وضرورات العدالة الاجتماعية.
كما أن التحدي الرئيسي لا يقتصر على تحقيق معدلات نمو مرتفعة، بل يمتد إلى طبيعة هذا النمو ومدى استدامته وقدرته على الصمود أمام الصدمات الخارجية. فقد كشفت الأزمات العالمية المتلاحقة، من جائحة كورونا إلى الحرب في أوكرانيا، هشاشة نماذج النمو التي تعتمد على الانفتاح غير المشروط أو على تدفقات تمويل خارجية سريعة التقلب.
ويبرز البعد السياسي–الاستراتيجي لمشاركة مصر في دافوس بصورة أوضح عند قراءة كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي أمام المنتدى، التي لم تقتصر على الترويج لفرص الاستثمار، بل قدمت رؤية متكاملة تربط بين التنمية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي وإصلاح النظام الدولي. فقد أعادت الكلمة التأكيد على مركزية الحوار والتعاون واحترام القانون الدولي، وعلى ضرورة تمكين القطاع الخاص بوصفه شريكًا رئيسيًا في التنمية، وفي الوقت ذاته ربطت بين غياب الاستقرار وتآكل فرص النمو، خاصة في مناطق الصراع، بما يعكس فهمًا عميقًا لطبيعة العلاقة الجدلية بين الاقتصاد والسياسة في النظام العالمي الراهن.
وتتعمق هذه الدلالة عند النظر إلى اللقاء الذي جمع الرئيس السيسي بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب على هامش المنتدى، بوصفه تعبيرًا مكثفًا عن هذا التداخل بين الاقتصادي والسياسي والأمني. فاللقاء لم يكن حدثًا بروتوكوليًا عابرًا، بل عكس إدراكًا متبادلًا لأهمية مصر كشريك استراتيجي لا غنى عنه في معادلات الاستقرار الإقليمي، وكفاعل اقتصادي يمتلك مقومات سوق واعد وموقعًا جيوسياسيًا بالغ التأثير.
وفي الوقت ذاته، فإن اتساع نطاق المباحثات ليشمل قضايا غزة والسودان ولبنان ومياه النيل، يكشف عن استمرار الرهان الدولي على الدور المصري كوسيط مركزي في إدارة أزمات الإقليم. فالدور الذي تلعبه مصر في تثبيت وقف إطلاق النار في غزة، والدفع نحو مسارات سياسية لتسوية الصراعات، لا ينفصل عن إدراك بأن الاستقرار الإقليمي شرط أساسي لأي مسار تنموي مستدام. كما أن إعادة طرح قضية مياه النيل في هذا السياق تعكس محاولة مصر توظيف علاقاتها الدولية الكبرى في معالجة قضايا وجودية عبر مسارات سياسية وقانونية، بما يحمي الأمن القومي دون الانزلاق إلى منطق الصدام.
لذا، فإن دافوس، بكل ما يحمله من رمزية وتأثير، يظل محطة ضمن مسار أطول وأكثر تعقيدًا، تسعى فيه مصر إلى إعادة تعريف دورها في العالم، ليس عبر الخطاب وحده، بل عبر اقتصاد قادر على الإنتاج، ومجتمع قادر على الصمود، ودولة قادرة على توظيف مواردها وموقعها في بناء مستقبل أكثر توازنًا واستقرارًا، في زمن لم تعد فيه القوة امتيازًا ثابتًا، بل نتاجًا مستمرًا لخيارات صعبة وإصلاحات عميقة ورهانات طويلة الأجل.
نقلا عن جريدة الجمهورية، الجمعة 23 يناير 2026