تشهد ليبيا منذ عام 2011 مسارًا معقدًا من التفكك السياسي والاجتماعي، لم يُفضِ إلى انتقال منظم نحو الدولة بقدر ما أسهم في إعادة إنتاج أنماط حكم بديلة، تقوم على تداخل المؤسسات الرسمية مع قوى غير نظامية تمتلك أدوات القوة والنفوذ. وقد أدى انهيار السلطة المركزية واستمرار المرحلة الانتقالية دون إطار زمني واضح إلى ترسيخ حالة من السيولة في بنية الدولة، تحولت معها الفوضى من وضع استثنائي إلى نمط إدارة قائم بذاته، يعكس اختلال العلاقة بين الشرعية والموارد وأدوات التنفيذ. وفي هذا السياق لم يعد الانقسام الليبي مجرد صراع سياسي ظرفي، بل بات تعبيرًا عن أزمة بنيوية مست جوهر الدولة ووظائفها الأساسية، في ظل تعدد مراكز القرار وتراجع قدرة المؤسسات الرسمية على فرض سلطتها أو احتكار أدوات الحكم.
وفي مواجهة هذا الواقع برزت محاولات متكررة لإعادة توحيد الدولة ومؤسساتها عبر مسارات سياسية، ودستورية، واقتصادية متوازية، إلا أن معظمها اصطدم بحدود البيئة السياسية ذاتها، وباستمرار منطق الغلبة وتداخل الأمن بالسياسة، مما حال دون تحول هذه الجهود إلى مسارات مستدامة لإعادة بناء الدولة. وقد كشف هذا التعثر أن الأزمة الليبية لا يمكن اختزالها في إخفاقات مبادرات بعينها، بل تتطلب إعادة التفكير في شكل الدولة الممكن في المرحلة الراهنة، بعيدًا عن استدعاء نماذج جاهزة للدولة المركزية لا تتسق مع موازين القوى القائمة.
وانطلاقًا من ذلك يتناول هذا التقرير ثلاثة محاور رئيسية، يتناول المحور الأول الجذور البنيوية للفوضى السياسية والاجتماعية في ليبيا بوصفها الإطار الحاكم لتفكك الدولة وتعدد مراكز القرار. ويركز المحور الثاني على جهود توحيد الدولة ومؤسساتها، وحدود هذه المحاولات في ظل الانقسام المؤسسي وتداخل الأبعاد السياسية، والاقتصادية، والأمنية. أما المحور الثالث، فيناقش سيناريو المركزية التدرّجية باعتباره خيارًا تحليليًا محتملًا لإعادة بناء الدولة الليبية في بيئة انتقالية معقّدة، مع اختبار مدى واقعيته في ضوء موازين القوى القائمة، وطبيعة العلاقة بين الشرعية والموارد وأدوات التنفيذ.
أولا- جذور الفوضى السياسية والاجتماعية في ليبيا:
منذ إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، دخلت ليبيا في أزمة بنيوية عميقة مست جوهر الدولة ومؤسساتها، حيث أدى انهيار السلطة المركزية إلى فراغ سياسي وأمني سرعان ما ملأته قوى غير نظامية تستند إلى السلاح والولاءات المحلية، لا إلى منطق الدولة ومؤسساتها. ولم يكن هذا الفراغ مجرد طور انتقالي عابر، بل تحوّل تدريجيًا إلى نمط حكم بديل، تُدار فيه المناطق عبر تفاهمات بين التشكيلات المسلحة، بينما انحسر دور مؤسسات الدولة إلى وظائف شكلية محدودة التأثير. وتمثل العاصمة طرابلس النموذج الأوضح لهذا المسار، إذ خضعت لنفوذ مجموعات مسلحة التي بسطت سيطرتها على مفاصل حيوية في الأمن والموارد، في ظل عجز واضح للحكومات المتعاقبة عن فرض سيادة الدولة أو احتكار استخدام القوة.
ولم تكن الفوضى في طرابلس نتاج غياب السلطة فحسب، بل نتيجة القبول الضمني باستمرار الميليشيات كأمر واقع، وهو ما أفرغ مفهوم الشرعية من مضمونه العملي. فبدلًا من تفكيك التشكيلات المسلحة، جرى دمجها شكليًا داخل مؤسسات أمنية هشة، مما جعل الدولة رهينة لقوى ميدانية تتصرف بوصفها سلطة فعلية. وقد أسس هذا النموذج لواقع غير مستقر تُدار فيه العاصمة عبر توازنات مؤقتة وقابلة للانهيار في أي لحظة، الأمر الذي جعل أي محاولة لبناء دولة مركزية قوية تصطدم مباشرة بجدار المصالح المسلحة.
وساهمت الأزمة الاقتصادية في تعميق هذا الواقع، إذ كشفت محاولة تمرير إجراءات دعم اقتصادي خلال عام 2024، عن هشاشة قدرة الحكومات في الغرب الليبي على اتخاذ قرارات إصلاحية حقيقية. فقد أظهرت الاحتجاجات الشعبية التي أوقفت هذه الخطوات محدودية الشرعية الاجتماعية، وعكست فجوة الثقة بين المواطن والسلطة. كما أن استمرار دعم الوقود بتكلفة بلغت 12.8 مليار دينار خلال أحد عشر شهرًا فقط، إلى جانب خسائر سنوية تُقدّر بنحو 750 مليون دولار نتيجة التهريب، يؤكد أن غياب السيطرة الأمنية حوّل الاقتصاد إلى ساحة استنزاف منظم، تستفيد منه شبكات تهريب مرتبطة بقوى الأمر الواقع، بينما تتحمل الدولة والمجتمع كلفة هذا النزيف.
وعلى الصعيد الأمني، كشفت التطورات في طرابلس عن عمق الأزمة البنيوية، لا سيما عقب اغتيال عبدالغني الككلي “غنيوة” في مايو 2025، وهو الحدث الذي أفضى إلى فراغ أمني مؤقت أعقبه إعادة انتشار للتشكيلات المسلحة وسيطرتها على مواقع حكومية وخدمية. وقد أكد هذا المشهد أن استقرار العاصمة لا يستند إلى مؤسسات أمنية محترفة، بل إلى تفاهمات هشة بين قادة الجماعات المسلحة، وأن أي اختلال في هذه التوازنات يؤدي فورًا إلى اهتزاز الوضع الأمني بما يهدد السكان والبنية الإدارية للدولة.
ولم يكن انقسام الدولة بين الشرق والغرب منذ عام 2014 مجرد خلاف سياسي عابر، بل تعبيرًا عن صراع أعمق حول الشرعية والقدرة على إعادة بناء الدولة. فقد شكّل حصار طرابلس عام 2014 نقطة تحول كاشفة لعجز الحكومات الانتقالية عن توحيد البلاد أو فرض سلطة مركزية قادرة على إنهاء الفوضى. وفي هذا السياق برز الطرح الداعي إلى إعادة بناء مؤسسة عسكرية موحدة كمدخل أساسي لاستعادة الدولة، في مقابل النموذج السائد في الغرب القائم على تعدد الميليشيات وازدواجية القرار الأمني، وهو النموذج الذي أثبت محدوديته في تحقيق الاستقرار.
وأتاح فشل الدولة في بناء جيش وطني موحد استمرار هيمنة الفصائل المسلحة على السلاح والقرار الأمني، خاصة في مناطق، مثل سوق الجمعة، وأبو سليم، وفشلوم. ولم تعد هذه الجماعات أدوات مؤقتة، بل تحولت إلى سلطات موازية تفرض قواعدها الخاصة. وحتى في مواجهة تهديدات مباشرة، مثل تنظيم داعش خلال معركة سرت عام 2016، ظهر ضعف الدولة المركزية وعدم قدرتها على فرض الأمن بشكل مستقل، مما أكد أن تفكك المؤسسة العسكرية كان من أبرز العوامل التي أسهمت في إعادة إنتاج الفوضى كهيكل دائم يخدم مصالح أطراف محلية وخارجية.
كما أسهم غياب الخدمات الأساسية، وارتفاع معدلات البطالة، وتدهور الأوضاع المعيشية في تآكل العلاقة بين المواطن والدولة، ودفع قطاعات واسعة من السكان إلى الاعتماد على القوى المحلية والتشكيلات المسلحة لتأمين احتياجاتهم اليومية. وقد عزز هذا الواقع الانقسامات الجهوية والقبلية، وأضعف فكرة الانتماء الوطني، في مقابل تصاعد الحاجة إلى سلطة مركزية قادرة على فرض النظام وتوفير الحد الأدنى من الاستقرار. أما التدخلات الخارجية، ولا سيما خلال الهجوم على طرابلس عام 2019، فلم تسهم في إنهاء الصراع، بل زادت من تعقيد المشهد، وأكدت أن استمرار الفوضى يخدم مصالح إقليمية ودولية على حساب الدولة الليبية.
اقتصاديًا استمرت الفوضى نتيجة ازدواجية إدارة الموارد بين الشرق والغرب خلال عامي 2024 و2025، حيث عمّق الصراع على عائدات النفط هشاشة البنية الاقتصادية الوطنية. ورغم أن محاولات التنسيق، مثل اتفاقية المشروع التنموي الموحد في نهاية 2025، تعكس إدراكًا متأخرًا لخطورة الانقسام الاقتصادي، فإن نجاح هذه الخطوات يظل مرهونًا بوجود سلطة أمنية قادرة على فرض السيطرة على الأرض وضمان التزام جميع الأطراف، وهو ما يظل غائبًا في ظل هيمنة الجماعات المسلحة.
بالتالي، لا تمثل الفوضى الليبية حالة عابرة، بل هي نتاج مباشر لمسار طويل من تفكيك الدولة، وتغليب منطق الميليشيات على منطق المؤسسات، وتعدد مراكز القرار السياسي والأمني. وتؤكد أحداث مثل أزمة الدعم الاقتصادي عام 2024، واغتيال عبد الغني الككلي عام 2025، وتوقيع اتفاقية المشروع التنموي الموحد، أن غياب السلطة المركزية القادرة على فرض سيادتها يظل العقبة الأساسية أمام الاستقرار. ومن دون إعادة بناء مؤسسات أمنية موحدة تمتلك القدرة على فرض سلطة الدولة، ستظل الفوضى تعيد إنتاج نفسها بوصفها جزءًا أصيلًا من البنية السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية في ليبيا.
ثانيا- جهود توحيد الدولة ومؤسساتها:
شهدت ليبيا خلال السنوات الأخيرة محاولات متكررة للخروج من حالة الانقسام المؤسسي التي أفرزتها المرحلة الانتقالية الممتدة، حيث بات جليًا أن استمرار ازدواج السلطة لم يعد مجرد أزمة سياسية ظرفية، بل تحوّل إلى نمط حكم يعيد إنتاج نفسه بصورة مستمرة. في هذا السياق جاءت مبادرتنا مبادرة المجلس الرئاسي، ومبادرة المبعوث الأممي عبدالله باتيلي، كمحاولة لإعادة تحريك المسار السياسي المتعثر، عبر الدعوة إلى حوار دستوري شامل يضم الفاعلين الرئيسيين، ويستهدف التوصل إلى قاعدة قانونية متوافق عليها لإجراء الانتخابات. وقد عكست هذه المبادرة إدراكًا متزايدًا بأن الانسداد السياسي لم يعد مرتبطًا فقط بالخلاف حول تشكيل الحكومات، بل بات يتصل بسؤال أعمق يتعلق بمن يمتلك سلطة تحديد قواعد العملية السياسية نفسها.
غير أن المبادرة سرعان ما اصطدمت بواقع الانقسام البنيوي بين المؤسسات التشريعية، إذ أظهرت ردود الفعل المتباينة أن جوهر الخلاف لم يكن متعلقًا بمضمون الحوار بقدر ما كان مرتبطًا بمرجعيته وحدود صلاحيات الجهة الداعية إليه. فقد عكست مواقف الرفض أو التحفظ استمرار الصراع على الشرعية، وغياب الثقة المتبادلة بين الأجسام السياسية، مما حوّل المبادرة من فرصة محتملة لتوحيد المسار إلى اختبار جديد لهشاشة التوافق الوطني. ويُظهر هذا التعثر أن الإخفاق لم يكن نابعًا من ضعف المبادرة في ذاتها "باتيلي"، بقدر ما كان انعكاسًا لبيئة سياسية لا تزال تُدار بمنطق الغلبة وتحصيل المكاسب المرحلية.
وفي هذا الإطار لعب المجلس الرئاسي دورًا إشكاليًا، فمن ناحية سعى إلى التموقع كجسم توافقي قادر على جمع الأطراف المتنازعة وتجاوز الانقسام، ومن ناحية أخرى اصطدم بحدود صلاحياته الدستورية وبالرفض الضمني من مؤسسات ترى في أي تحرك خارج أطرها تهديدًا مباشرًا لنفوذها السياسي. وقد كشف هذا التناقض أن الأزمة الليبية ليست أزمة مبادرات أو أدوات، بل أزمة بنية حكم، تتوزع فيها السلطة بين مؤسسات متنافسة تفتقر إلى مرجعية نهائية قادرة على حسم الخلافات.
بالتوازي مع هذا المسار السياسي برزت مقاربة أكثر شمولًا تقوم على ما يمكن وصفه بمشروع توحيدي متعدد المسارات، يرتكز على ثلاثة أبعاد متكاملة: مسار دستوري يعيد تنظيم القاعدة القانونية للدولة، ومسار سياسي يعيد ضبط العلاقة بين المؤسسات، ومسار اقتصادي يهدف إلى توحيد إدارة الموارد العامة. وتكمن أهمية هذا الطرح ليس فقط في مضمونه، بل في كونه يعكس محاولة للانتقال من منطق إدارة الأزمة إلى منطق معالجة أسبابها البنيوية، عبر ربط الحل السياسي بالبعد الاقتصادي والمؤسسي، بدل التعامل مع كل ملف بمعزل عن الآخر.
وتستند قوة هذه المقاربة إلى إدراكها أن الانقسام الاقتصادي، ولا سيما في إدارة الإيرادات والنفقات، شكّل أحد العوامل الرئيسية في ترسيخ الانقسام السياسي. فقد أسهم ازدواج الميزانيات وتعدد مراكز القرار المالي في تحويل الموارد إلى أداة صراع، بدل أن تكون ركيزة لإعادة بناء الدولة. ومن هنا فإن إدماج البعد الاقتصادي ضمن مشروع توحيدي يعكس فهمًا أعمق لطبيعة الأزمة، ويطرح إمكانية توظيف توحيد إدارة الموارد كمدخل لإعادة بناء الثقة بين المؤسسات المتنافسة.
ومع ذلك تظل هذه المقاربة عرضة للتعطيل ما لم تُدعَم بإرادة سياسية حقيقية وآليات تنفيذ واضحة. فقد أظهرت التجربة الليبية أن الاتفاقات السياسية كثيرًا ما تبقى حبيسة النصوص إذا لم تُترجم إلى إجراءات ملموسة على الأرض، لا سيما في ظل استمرار نفوذ الفاعلين غير الرسميين، وتداخل الأمن بالسياسة، واعتماد الحكومات على توازنات هشة مع التشكيلات المسلحة. وعليه فإن نجاح أي مشروع توحيدي يظل مشروطًا بقدرته على إعادة تعريف العلاقة بين السلطة المدنية والقوة المسلحة.
في هذا السياق مثّل توقيع المشروع التنموي الموحّد في نهاية عام 2025، محطة مفصلية في مسار الأزمة، ليس فقط لكونه أرسى إطارًا للتنسيق الاقتصادي، بل لأنه أعاد فتح قنوات التواصل بين المؤسسات التشريعية المتنافسة بعد سنوات من القطيعة. وقد حمل هذا التوقيع دلالة سياسية تتجاوز مضمونه الفني، إذ عكس استعدادًا نسبيًا لتغليب منطق الشراكة على منطق الصراع، وفتح نافذة لإعادة بناء الثقة بين المؤسسات بوصفها شرطًا أساسيًا لأي عملية توحيد حقيقية للدولة.
في هذا السياق تُظهر هذه المسارات أن توحيد الدولة الليبية لا يمكن أن يتحقق عبر مبادرة منفردة أو مسار أحادي، بل يتطلب مقاربة تدريجية تعالج الانقسام السياسي، وتوحّد الإطار الدستوري، وتعيد ضبط إدارة الموارد في آن واحد. ورغم ما يواجهه المشروع التوحيدي من تحديات، فإنه يظل خطوة مفصلية يمكن البناء عليها سياسيًا ومؤسسيًا، باعتبار أن إعادة الثقة بين المؤسسات التشريعية تمثل المدخل الأهم لإنهاء حالة الانقسام وإعادة الاعتبار لفكرة الدولة المركزية، وهو ما يفتح المجال للتساؤل حول ما إذا كانت هذه الخطوات التوافقية قادرة على التحول إلى مسار عملي لبناء دولة مركزية فاعلة بصورة تدريجية، أم إنها ستظل رهينة توازنات هشة.
ثالثا- سيناريو المركزية التدرّجية كخيار مستقبلي:
يفرض السياق الليبي، كما تشكّل عبر سنوات انتقالية ممتدة، البحث عن مقاربة تتجاوز ثنائية الفوضى المفتوحة أو الحسم القسري، باتجاه مسار أكثر واقعية يقوم على إعادة بناء الدولة بصورة تدريجية. وفي هذا الإطار يبرز سيناريو المركزية التدرّجية كخيار وسطي يتفاعل مع تعقيدات المشهد السياسي، والأمني، والاجتماعي، دون تجاهل موازين القوى القائمة أو القفز على هشاشة البنى المؤسسية. لا تنطلق هذه المقاربة من فرضية استعادة الدولة المركزية دفعة واحدة، بل من إدراك بأن المركزية في الحالة الليبية لا يمكن إلا أن تكون نتاجًا تراكميًا لإعادة تنظيم العلاقة بين الموارد، والشرعية، وأدوات التنفيذ.
تقوم المركزية التدرّجية على منطق مفاده أن توحيد القرار السياسي لا يسبق بالضرورة توحيد أدوات الحكم، بل يتشكل تدريجيًا عبر إعادة ضبط وظائف الدولة السيادية، وفي مقدمتها إدارة الموارد المالية والتنموية. وفي ظل إخفاق المسارات السياسية التقليدية في إنتاج سلطة موحدة، يغدو توحيد الإدارة الاقتصادية مدخلًا عمليًا لإعادة بناء الدولة من الأسفل إلى الأعلى، من خلال تقليص هوامش المناورة التي استفادت منها مراكز القوة غير الرسمية. وعليه فإن التركيز على الحوكمة الاقتصادية لا يُعد انزياحًا عن جوهر الأزمة السياسية، بقدر ما يمثل إعادة صياغة لها ضمن مسار قابل للتطبيق.
تكشف تجربة المشروع التنموي الموحّد أن إعادة تنظيم الإنفاق العام وتوحيد قنوات الصرف، ولو بصورة جزئية، قادرة على إحداث تحول في طبيعة الصراع السياسي. فحين تنتقل الموارد من كونها أدوات تنافس بين الشرق والغرب إلى آليات تنسيق مؤسسي، تتراجع قدرة الفاعلين السياسيين على توظيف الانقسام المالي لإدامة الشرعيات المتوازية. وفي هذا السياق تصبح المركزية التدرّجية عملية إعادة تجميع لوظائف الدولة، تبدأ بالوظائف الأقل احتكاكًا بالصراع المسلح، مثل التخطيط والإنفاق التنموي، قبل التدرج نحو الملفات الأكثر حساسية كالأمن والسيادة.
ويعيد هذا السيناريو تعريف مفهوم المركزية، لا باعتبارها احتكارًا للسلطة في العاصمة، بل بوصفها قدرة الدولة على فرض قواعد موحدة لإدارة الشأن العام عبر كامل الإقليم. فالمركزية التدرّجية لا تُقصي الأدوار المحلية، وإنما تعيد تنظيمها داخل إطار وطني جامع، تتحول فيه البلديات والمؤسسات المحلية إلى وحدات تنفيذية مندمجة في سياسات عامة مركزية، بدل أن تبقى كيانات مستقلة تتغذى على ضعف الدولة. ويعكس نجاح الانتخابات البلدية، رغم محدوديته، وجود قابلية مجتمعية لهذا النموذج، متى ما ارتبط بموارد واضحة وصلاحيات محددة ضمن هيكل دولة موحد.
ومن المؤشرات الداعمة لهذا المسار التحول النسبي في سلوك المؤسسات التشريعية، التي انتقلت من القطيعة الشاملة إلى أشكال من التعاون الجزئي في الملفات الاقتصادية. إذ يشير استئناف التنسيق بشأن إدارة الموارد والمشروعات التنموية إلى إدراك متزايد بأن الصراع الصفري لم يعد قابلًا للاستدامة، وأن النفوذ السياسي بات مرتبطًا بالقدرة على تقديم إنجازات ملموسة. ويعكس هذا التحول، على هشاشته، بداية انتقال من منطق الشرعية الخطابية إلى منطق الشرعية الوظيفية، وهو أحد المرتكزات الأساسية للمركزية التدرّجية.
كما يعكس إشراك المؤسسات السيادية، وفي مقدمتها المصرف المركزي، في ترتيبات الإنفاق والرقابة، إمكانية إعادة بناء الثقة في الدولة بوصفها إطارًا جامعًا لا مجرد ساحة للصراع السياسي. فحين تُدار الموارد عبر قنوات مؤسسية موحدة، تتقلص مساحة الاقتصاد الموازي، ويتراجع دور الفاعلين غير الرسميين في التحكم بالتمويل والتنفيذ. ويُعد هذا التطور مؤشرًا مهمًا على إمكانية إعادة ضبط العلاقة بين السلطة السياسية والقوة المادية دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة قد تعيد إنتاج الفوضى.
مع ذلك يظل سيناريو المركزية التدرّجية محفوفًا بتحديات بنيوية، في مقدمتها استمرار تعدد مراكز القرار الأمني وغياب احتكار الدولة لأدوات العنف المشروع. وفي ظل هذا الواقع تبقى المركزية الاقتصادية عرضة للاختراق أو التعطيل ما لم تُواكب بخطوات متدرجة لإعادة تنظيم القطاع الأمني، ولو في حدوده الدنيا، بما يسمح للدولة بفرض قراراتها التنفيذية. غير أن خصوصية هذا المسار تكمن في أنه لا يشترط معالجة هذه الإشكالية دفعة واحدة، بل يسعى إلى تقليص أثرها تدريجيًا عبر تقوية المؤسسات المدنية وتوسيع نطاق الشرعية الوظيفية.
ختاما- تُعدّ الأزمة الليبية نتاجًا لمسار تراكمي من تفكك الدولة، وتعدد مراكز القرار، واختلال العلاقة بين الشرعية، والموارد، وأدوات التنفيذ، حيث أسهمت جذور الفوضى السياسية والاجتماعية في إعادة إنتاج الانقسام، بينما ظلت جهود توحيد الدولة ومؤسساتها محدودة الأثر بفعل هشاشة التوافقات واستمرار منطق الغلبة. وفي هذا السياق تبرز الحاجة إلى مقاربات تتجاوز إدارة الانقسام نحو إعادة تجميع وظائف الدولة بصورة تدريجية.
وعليه لا يقدم سيناريو المركزية التدرّجية وصفة جاهزة لإعادة بناء الدولة الليبية، بقدر ما يطرح إطارًا تحليليًا لفهم مسار محتمل للخروج من الانسداد التاريخي. فهو يقوم على إعادة ترتيب الأولويات، والانطلاق من الممكن بدل المنشود، وربط الشرعية بالإنجاز، والسلطة بالإدارة، والدولة بالوظيفة. وإذا ما كُتب لهذا المسار الاستمرار، فقد يفتح المجال أمام انتقال بطيء لكنه أكثر استقرارًا نحو دولة مركزية فاعلة، قادرة على استيعاب التنوع، وتقنين القوة، وتحويل الموارد من مصدر صراع إلى ركيزة للحكم، وهو ما يمنحه ثقله بوصفه خيارًا واقعيًا في بيئة انتقالية معقدة مثل ليبيا.
وفي ضوء ذلك يظل التساؤل مطروحًا حول ما إذا كانت المركزية التدرّجية قادرة على التحول من إطار تحليلي إلى مسار عملي لإعادة بناء الدولة الليبية، أم إنها ستظل رهينة موازين القوة المختلة وتعدد الفاعلين غير الرسميين في المشهد السياسي والأمني.
المصادر:
١- تفاؤل حذر: هل تشكل الانتخابات المحلية فرصة لحلحلة المسار الليبي؟، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 12 ديسمبر 2024. https://2h.ae/mdeXL
2- شراكة اضطرارية: هل يمهد الاتفاق التنموي الموحد لإنهاء الانقسام الليبي؟، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 27 نوفمبر 2025. https://2h.ae/ySyjh
3- عبدالله فارس القزاز، المشروع التنموي الموحّد بين المؤسستين التشريعيتين في ليبيا.. الحوكمة في مرحلة الانتقال، مجلة السياسة الدولية، 29 ديسمبر 2025. https://2h.ae/rdffd
4- د. جيهان عبدالسلام، أ.د. محمود أبوالعينين، وآخرون. "طبيعة الصراع الليبي: أسبابه الداخلية والخارجية." مجلة دراسات المستقبل الإفريقي، كلية الدراسات الإفريقية العليا، جامعة القاهرة، العدد 42 (أكتوبر 2023).
5- د. محمد القايــدي، "الأزمة الليبية: الفواعل المحركة للصراع والمسارات المستقبلية"، مركز المتوسط للدراسات الاستراتيجية، 11 سبتمبر 2023. https://2h.ae/NgNWl
6- خلط الأوراق: هل يستعد المجلس الرئاسي الليبي لطرح مبادرة جديدة؟"، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 6 أكتوبر 2022. https://2h.ae/SLlry
7- عبدالله فارس القزاز، مبادرة "باتيلى" وفرص التسوية السياسية فى ليبيا، مجلة السياسة الدولية، 30 يونيو 2025. https://2h.ae/OXCId
8- أحمد عليبة، "هل يتحول دور البعثة الأممية فى ليبيا من 'الوساطة' إلى 'الوصاية'؟" *مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، 28 فبراير 2023. https://2u.pw/xsprTpHm
9- "الحوار الخماسى: لماذا لن تقود مبادرة 'باتيلي' إلى اختراق الجمود الليبى "، مركز المستقبل للأبحاث ودراسات المستقبل المتقدمة*، 29 ديسمبر 2023. https://2u.pw/QEsco
10- د. جيهان عبدالسلام، أ.د. محمود أبو العينين وآخرون، "طبيعة الصراع الليبي: أسبابه الداخلية والخارجية"، مجلة دراسات المستقبل الإفريقي، كلية الدراسات الإفريقية العليا، جامعة القاهرة، العدد 42، أكتوبر 2023.