تحليلات

سياسة تأجيل الانفجار.. إسرائيل في قبضة "الفيتو الحريدي"

طباعة

لا تبدو الأزمة القائمة بين الأحزاب الحريدية والحكومة الإسرائيلية مجرد فصل جديد من فصول الابتزاز السياسي المعتاد داخل النظام البرلماني، بل تمثل لحظة كاشفة لبنية حكم مأزومة، تُدار عبر التوازنات المؤقتة والهندسة التكتيكية، لا عبر قرارات حاسمة أو حلول جذرية.

ما يحدث اليوم ليس مجرد خلاف حول ميزانية أو قانون تجنيد، بل هو تجسيد لصراع طويل الأمد بين منطق الدولة الحديثة الذي يفترض المساواة في الواجبات وبين جماعات دينية ترى في التوراة واجبا أعلى من أي التزام مدني. هذه الأزمة تكشف حدود قدرة كيان الاحتلال الإسرائيلي على فرض قواعد عامة على جماعة تمتلك نفوذًا سياسيًا حاسمًا دون اندماج كامل في الحياة المدنية، وتبرز هشاشة النظام البرلماني في التعامل مع التوازنات الدقيقة بين الأحزاب المختلفة.

في جوهر الأزمة لا يقف التوتر عند الجوانب القانونية أو التشريعية فحسب، بل يمتد إلى أسئلة أساسية حول الهوية الوطنية، وتقاسم العبء، وصياغة قواعد مشتركة بين المكوّنات المختلفة للمجتمع.ملف التجنيد، الذي طال انتظاره منذ سنوات، أصبح مؤشرا سياسيا واجتماعيا على قدرة النظام الإسرائيلي على فرض سيادة القانون والمساواة بين الجمهور الإسرائيلي، وعلى التحديات التي تواجه الحكم في دولة متعددة الهويات والمصالح. وبالاقتران مع ضغوط المحكمة العليا والتوترات الإقليمية المستمرة، فإن هذه الأزمة تمثل اختبارًا حقيقيًا لما إذا كان الائتلاف الحاكم قادرًا على تأجيل الانفجار السياسي أم مجرد تفاديه مؤقتًا.

أولا- البعد الزمني.. الساعة السياسية التي لا ترحم:

في قلب الأزمة الإسرائيلية الحالية يقف عامل الزمن كعامل سياسي فاعل لا كإطار تنظيمي محايد.وفقًا للرأي القانوني الملزم الصادر عن المستشارة القانونية للكنيست، يشترط القانون الإسرائيلي مرور 60 يومًا على الأقل بين إقرار الميزانية في القراءة الأولى وبين استكمالها في القراءات الثانية والثالثة داخل الهيئة العامة للكنيست.

هذا الشرط القانوني لا يُعد مجرد إجراء تشريعي نمطي، بل يمثل أداة زمنية حرجة تقيد قدرة الحكومة على المناورة. إذا لم تمرّر الميزانية بالقراءة الأولى قبل الموعد المحدد، يصبح من المستحيل أن تكمل المسار التشريعي ضمن الإطار القانوني قبل نهاية مارس، وهو الموعد النهائي لإقرار الميزانية السنوية. وفي مثل هذه الحالة فإن القانون نفسه ينص على حلّ الكنيست تلقائيًا والدعوة إلى انتخابات مبكرة دون حاجة إلى قرار سياسي إضافي.

بهذه المعادلة لم يعد الحديث عن فشل في تمرير قانون الميزانية مجرد مسألة إجرائية، بل أصبح تهديدًا وجوديًا لملامح الاستقرار السياسي في إسرائيل. الميزانية تتحوّل من أداة تنظيم مالي إلى قنبلة سياسية موقوتة، وموعد التصويت يصبح لحظة مفصلية في تقويم الحياة السياسية.

تشير المحلّلة السياسية موران أزولاي إلى أن هذه المهلة الزمنية تجعل من تمرير الميزانية قبل نهاية المهلة "أولوية استراتيجية قصوى" بالنسبة لنتنياهو، الذي يسعى للحفاظ على ائتلاف هش في مواجهة مطالب متعارضة بين شركائه.

هذا السياق يفسّر أيضًا حالة الهلع والسيولة السياسية داخل أوساط الائتلاف، فالأمر لم يعد مجرد سحب أصوات من ميزانية أو قانون واحد، بل سباق مع الزمن نفسه.تسعى وزارة المالية، بقيادة اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريتش، جاهدة لربط تمرير الميزانية بقانون التسويات في الإطار الزمني نفسه، في محاولة لتجاوز الانسداد التشريعي الذي أحدثته المطالب الحريدية.

بالتالي فإن البعد الزمني في هذه الأزمة ليس ظرفًا ثانويًا، بل أداة ضغط أساسية فرضتها القواعد القانونية نفسها، وكشف عمق هشاشة الحكم الائتلافي في إسرائيل، الذي يجد نفسه محاصرًا بين إرادة قانونية صارمة ومطالب سياسية متصارعة لا تسمح بمرونة كافية لاستيعاب الخلافات.

ثانيا- الميزانية كسلاح.. حين تصبح إسرائيل رهينة الحريديم:

في أي نظام برلماني طبيعي تُعتبر الميزانية أداة لتحديد أولويات السياسات العامة وضبط عمل الدولة اقتصاديًا، واجتماعيًا، وأمنيًا. لكن في إسرائيل تحوّلت الميزانية إلى سلاح سياسي يتم استغلاله لفرض شروط على الحكومة نفسها.

الأحزاب الحريدية، وعلى رأسها تحالف "يهدوت هتوراه" الذي يضم جناحين رئيسيين: "ديجيل هتوراه" الليتوانية و"أجودات يسرائيل" الحسيدية، أعلنت موقفًا صريحا: لن تصوّت على الميزانية ما لم يتم تمرير قانون التجنيد أو وضعه على مسار تشريعي نهائي.أكّد زعيم "ديجيل هتوراه" موشيه غافني أن حزبه لن يدعم الميزانية إلا إذا كان هناك مسار واضح لقانون الإعفاء، ونقل هذا الموقف مباشرة إلى رئيس الوزراء نتنياهو.

هذا الموقف يخلق انقساما حادا داخل الائتلاف الحاكم، فالتجاوز التشريعي مستحيل، والرضوخ الكامل للحريديم قد يثير رفضًا داخل الأحزاب العلمانية واليمينية وحتى بين شرائح غير الحريديم التي ترى أن الأمر يتعلق بالمساواة وتقاسم الواجبات.

وصف المحلل شاءول إيلان الموقف بأنه يشبه احتجاز الميزانية كرهينة سياسية، إذ يستخدم الحريديم نفوذهم للحفاظ على الإعفاءات وفرض أجندة أوسع لموقعهم داخل النظام السياسي.

على الصعيد العملي تهديد عدم تمرير الميزانية قد يوقف عمل الوزارات، ويؤثر على أجور الموظفين، ويضعف قدرة الكيان الإسرائيلي على تنفيذ سياساته، بما في ذلك الجبهات الأمنية. الأزمة تكشف ضعفًا مؤسسيًا في قدرة النظام على المزج بين الضغوط الائتلافية وتحقيق التوازن بين مصالح استراتيجية واسعة (مثل الأمن والاقتصاد) ومطالب جماعات محددة.

الميزانية هنا ليست أداة لضبط السياسة العامة، بل أداة ضغط سياسية تتحكم في اللعبة داخل دولة تتصارع فيها القوى السياسية على حدود النفوذ، وليس عبر قواعد وطنية موحدة تُلزم الجميع.

ثالثا- قانون التجنيد.. الصراع الحقيقي خلف الستار:

رغم أن النقاش السياسي يركّز عادة على جداول التصويت والمواعيد في الكنيست، فإن قانون التجنيد يمثل جوهر الأزمة الحريدية ومفتاح الصراع على طبيعة الكيان نفسه.بالنسبة لشرائح واسعة من الحريديم لا يتعلق الأمر بعدد المجندين أو نسب الإعفاء، بل بالاعتراف بأن "عالم التوراة" مجال مستقل عن منطق الدولة الحديثة وقواعدها.

منذ أوائل الألفية الجديدة حاولت إسرائيل إدماج الشباب الحريديم في الجيش، لكن هذه المحاولات واجهت رفضا واسعا من الحريديم وألغتها المحكمة العليا لاحقا لأسباب تتعلق بالمساواة. في نوفمبر 2025، أمرت المحكمة حكومة نتنياهو بوضع سياسة تنفيذية لإلزام الحريديم بالخدمة أو فرض عقوبات اقتصادية، معتبرة استمرار الإعفاءات تمييزا ضد غير الحريديين.

داخل المعسكر الحريدي، يرفض التيار الحسيدي، خاصة حسيدية غور، أي قانون للتجنيد حتى لو تضمن إعفاءات واسعة، باعتباره اعترافا لصلاحية كيان الاحتلال الإسرائيلي في تنظيم الحياة الدينية والتعليمية، وتهديدا مباشرا لأسلوب حياتهم التقليدي. في المقابل يرى التيار الليتواني داخل "ديجيل هتوراه" أن القانون، حتى مع قيود انتقالية، قد يكون وسيلة لحماية الإعفاءات الأساسية وتقليل تدخلات المحكمة العليا المستقبلية.

هذا الانقسام العقائدي والسياسي العميق يمنح الأزمة طابعا انفجاريا: فالصراع ليس مجرد خلاف على نصوص قانونية، بل تحديد للواجب العام وما إذا كانت الدولة تستطيع توحيد التزامات مواطنيها، أم ستستمر بعض الجماعات في وضع خاص مستقل مرتبط بقواعدها الداخلية.الانقسام يتعدى الخطاب الديني إلى السياسة الائتلافية، ويعكس هشاشة نمط الحكم الإسرائيلي، ويزيد التوتر السياسي والاجتماعي في لحظة حرجة من تاريخ البلاد.

رابعا- نتنياهو.. إدارة الأزمة لا حلّها:

في مواجهة أزمة الميزانية وقانون التجنيد، يتصرف رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو كـ "مدير أزمة"، لا كقائد يسعى لحل جذري، مستخدما أدوات داخل النظام السياسي للحفاظ على الحكومة رغم الانقسامات. تركز استراتيجيته على احتواء الخلاف وإدارته عبر إعادة ترتيب موازين القوى داخل الائتلاف، مع منح تنازلات تكتيكية واستغلال الانقسامات داخل الحريديم.

أحد أبرز الأمثلة على هذا النهج هو تعيين "إسرائيل ايْخلر"، السياسي الحريدي البارز من حزب "أجودات يسرائيل"، نائبا لوزير الاتصالات. تهدف هذه الخطوة إلى إخراج نائب متشدد ومعارض لقانون التجنيد من موقعه في الكنيست، وتقليل الأصوات المعارضة، وإدخال يتسحاق بيندروس عضو الكنيست الحريدي المعتدل المعروف بخبرته في الشئون التشريعية وحسن سمعته داخل جناح الليتوانيين، باعتباره صوتًا معتدلا يدعم القانون أو يتراجع عن المعارضة الصريحة. كما تعيد التوازن العددي داخل "يهدوت هتوراه" وتمنع تشكيل جبهة حريدية موحدة تهدد بسحب الدعم أو إسقاط التشريعات.

باختصار نتنياهو لا يسعى لحل جذري للخلافات البنيوية بين الدولة والحريديم، بل يعمل على تعديل مواقع اللاعبين لصالح بقاء الائتلاف. تمثل هذه السياسة تطبيقًا عمليًا لمبدأ "فرّق تسد"، تفكيك التماسك الداخلي للخصم بدل مواجهته مباشرة.

استراتيجية نتنياهو هي استثمار تكتيكي للوقت، تهدف لتخفيف حدة المواجهة مع الحريديم وتجنب انسحابهم الكامل من الائتلاف. حتى تهديد انسحاب كتلة "يهدوت هتوراه" لم يسقط الائتلاف كليًا، بل تركه على حافة الأغلبية (61 من 120).

يتجاوز تأثير هذه المناورة تمرير قوانين محددة، إذ تحوّل الصراع من صراع سياسي على السياسات إلى صراع على النفوذ داخل النواب الحريديم أنفسهم، مع الحفاظ على الحكومة على المدى القصير رغم الانقسامات.

خامسا- المخاطرة الكامنة.. حين ينقلب التكتيك على صاحبه:

رغم نجاح نتنياهو في إدارة أزمة التجنيد والميزانية عبر مناوراته داخل الائتلاف الحريدي، فإن هذه الاستراتيجية ليست بلا ثمن سياسي.فالمصادر داخل الائتلاف تشير إلى أن تجاوز مراكز القوة التقليدية داخل حزب "أجودات يسرائيل"، وخاصة القيادة الروحية لحسيدية غور، قد يُحدث ارتدادات عكسية غير محسوبة.

الحاخامات الكبار، الذين يملكون سلطة معنوية مطلقة على قواعدهم، لا يتقبلون الشعور بالتهميش أو الإقصاء. أي محاولة لإضعاف نفوذهم من خلال تعديل التوازنات الداخلية داخل "يهدوت هتوراه" أو تمرير قانون التجنيد دون موافقتهم الكاملة، قد تؤدي إلى تصعيد الأزمة، وتحويلها من مواجهة داخلية على الطاولة التفاوضية إلى صراع علني داخل الكنيست وأمام الرأي العام الإسرائيلي.

أحد كبار المسئولين في الائتلاف صرح لموقع "واللا" بأن": ما نحاول فعله تكتيكيًا قد يتحوّل بسهولة إلى فخ. إذا شعر الحريديم أنهم مستبعدون، سيصعدون اللعبة، وقد نواجه انسحابًا جماعيًا أو معارضة مفتوحة في التصويتات المقبلة".

تتجلى هذه المخاطرة أيضًا في تباين المواقف بين جناحي الحريديم: فالتيار الحسيدي داخل غور، المعروف بتشدده في مسألة الحفاظ على الإعفاء الكامل من التجنيد، قد يختار استخدام كل أدواته لمواجهة الحكومة، بينما التيار الليتواني أكثر براجماتية وقد يقبل حلولًا مرحلية لتخفيف الاحتكاك السياسي.

بعبارة أخرى ما يبدو اليوم كـ نجاح تكتيكي مؤقت -مثل تعيين ايْخلر وإدخال بيندروس لضمان تمرير القانون جزئيًا- قد يتحول غدًا إلى أزمة أعمق وأكثر حدّة إذا شعر الحريديم أن مصالحهم الأساسية مهددة أو أن النفوذ الروحي تم تجاوزه.

وهذا يشير إلى مفارقة حادة في السياسة الإسرائيلية: التمكين التكتيكي قصير المدى قد يؤدي إلى تفاقم المشكلات البنيوية طويلة المدى، مما يجعل إدارة الحكومة بمثابة رقصة دقيقة على حافة الهاوية السياسية.

سادسا- الحريديم بين العقيدة والمصلحة:

على الرغم من الخطاب المتشدد والمواقف الصارمة التي تعلنها قيادات الحريديم، تدرك أوساط واسعة داخل المجتمع الحريدي أن إسقاط الميزانية ليس خيارا بلا تكلفة. فإسقاط الميزانية سيؤدي بشكل مباشر إلى ثمن اقتصادي واجتماعي فادح، يطال المؤسسات الحريدية ويزعزع الاستقرار المجتمعي:

1- تقليص ميزانيات اليشيڤوتأي المدارس الدينية والمؤسسات التعليمية التي تعتمد عليها الشرائح الحسيدية والليتوانية للحفاظ على أسلوب التعليم الديني التقليدي.

2- ضرب السلطات المحليةفالموازنات المخصصة للبلديات الحريدية ستتأثر مباشرة، مما قد يؤدي إلى توقف مشروعات البنية التحتية والخدمات العامة الضرورية للمجتمع.

3- إرباك شبكات الدعم الاجتماعيمثل الجمعيات الخيرية، ودعم الأسر، وبرامج الإعالة الاجتماعية التي يعتمد عليها الحريديم للحفاظ على شبكة أمان مجتمعية مستقلة.

تتضح هنا المفارقة الاستراتيجية: في الوقت الذي تملك فيه الأحزاب الحريدية القدرة على إسقاط الحكومة وفرض شروطها، فإن الواقع العملي يجعل من هذا الخيار مكلفًا للغاية.هذا يدفعهم غالبًا إلى تبني سيناريو رمادي، يتمثل في دعم الميزانية مرحليًا مقابل الحصول على أفق سياسي واضح، قد يشمل تفاهمات ضمنية حول الانتخابات المقبلة أو تعديل في قانون التجنيد بما يحفظ مصالحهم الأساسية.

صرح مصدر سياسي حريدي لموقع "والا": "الجمهور الحريدي يعرف أن إسقاط الميزانية الآن سيؤدي إلى ضرر مباشر على المدارس والخدمات التي يعتمد عليها كل بيت. نحن نتحدث عن مجتمع له شبكة معيشية خاصة، ولا يمكن المخاطرة بها لأغراض سياسية بحتة."

هذا التناقض بين الخطاب العقائدي الصارم والمصلحة الاقتصادية والاجتماعية يعكس مأزق الحريديم أنفسهم: لديهم القوة لإسقاط الحكومة، لكن ليس لديهم مصلحة حقيقية في القيام بذلك. وهكذا تتحول الأزمة إلى لعبة توازن دقيقة، حيث يتم تقدير كل خطوة سياسية ليس بناءً على المبادئ وحدها، بل على حسابات عملية للمصلحة والبقاء الاجتماعي.

سابعا- أزمة حكم لا أزمة قانون:

الأزمة الحالية في إسرائيل تتجاوز الخلاف حول الميزانية أو قانون التجنيد، لتكشف عن تصدّع عميق في طبيعة النظام السياسي الذي يُدار به كيان الاحتلال. ما يحدث ليس مجرد خلاف تشريعي، بل انعكاس لهشاشة الحكم نفسه، حيث تحل التسويات المؤقتة والهندسة التكتيكية محل العقد الاجتماعي الموحد الذي يُفترض أن يربط بين جميع المواطنين وقواعد الدولة.

ملف التجنيد التاريخي، الذي بدأ منذ عقود عبر تفاهمات مع الحاخامات لإعفاء طلاب "اليشيڤوت"، تحول من تحدٍ عملي إلى اختبار وجودي للتماسك السياسي. محاولات إصلاح القانون عبر لجان وخطط متعددة واجهت احتجاجات وتحولات قضائية ألغت القوانين، مما يعكس صعوبة دمج هذه القضية دون تفجير توازن سياسي هش.

اليوم يستخدم الحريديم نفوذهم البرلماني كأداة ضغط، بينما المعارضة العلمانية تدعو للمساواة وتقاسم الأعباء، والمحكمة العليا تضغط نحو تطبيق الحقوق الدستورية، والحكومة تتقاذف بين هذه القوى لتأجيل الانفجار بدل حله. هذا يكشف أن الحكم في إسرائيل يُدار عبر تسويات مؤقتة، وتهديدات متبادلة، وهندسة أزمات سياسية، لا عبر مبادئ واضحة يتفق عليها غالبية المجتمع.

يطرح الصراع حول التجنيد سؤالًا أعمق: هل كيان الاحتلال الإسرائيلي يفرض قواعد متساوية لجميع الجمهور الصهيوني؟، أم يحق لجماعات صغيرة مثل الحريديم التحكم في مصير القوانين؟ تضارب مطالب الحريديم بالحقوق الدينية مع مطالب العلمانيين بالمساواة يعكس أزمة بنيوية في مفهوم الدولة القومية.

تهديدات الحريديم بالانسحاب من الائتلاف أو الضغط لحل الكنيست تؤكد أن الأزمة تجاوزت حدود القانون إلى مواجهة حول مستقبل النظام السياسي، وهو ما يجعل حلها الجذري ضرورة لتجنب تمزيق التماسك السياسي.

أخيرًا، يسعى نتنياهو لتأجيل الانفجار لمن يدير الحكومة من بعده لا إلغاؤه وحل الأزمة من جذورها. يقف الائتلاف اليوم على حافة هاوية تُدار بعناية فائقة. نتنياهو يراهن على الوقت، وعلى الانقسامات الداخلية، وعلى حقيقة أن أحدًا لا يريد الضغط على الزر الأخير. لكن كل خطوة تؤجل الانفجار ولا تلغيه.

السؤال لم يعد إن كانت الميزانية ستمر، بل: كم أزمة داخلية أخرى يمكن لكيان الاحتلال الإسرائيلي أن يؤجلها قبل أن يضطر إلى مواجهة جوهر الصراعات الأهلية بين الإسرائيليين أنفسهم داخل حدود الكيان الصهيوني المحتل للأراضي الفلسطينية؟

 

طباعة

    تعريف الكاتب

    وداد العربي

    وداد العربي

    باحثة في الشأن الإسرائيلي