تحليلات

في الأسبوع الأول من 2026: الأزمات في اليمن وإيران وفنزويلا تفرض أهمية إحياء مفهوم الأمن القومي العربي في مواجهة التعديات على السيادة الوطنية

طباعة

لم يكن الأسبوع الأول من عام 2026 مجرد افتتاح تقليدي لعام جديد في تفاعلات العلاقات الدولية والإقليمية، بل جاء أقرب إلى إنذار مبكر بانفجار تراكمي لمنظومة عالمية ظلت تتآكل بصمت حمل إنذارات متفرقة طيلةالسنوات الماضية. ففي أيام معدودة، تزامنت احتجاجات غير مسبوقة في قلب طهران، مع تصعيد عسكري متجدد في اليمن يهدد أحد أهم الممرات البحرية العالمية، مع تصدر فنزويلا لواجهة الصراع الدولي على الطاقة وسط مخاوف من اضطراب حاد في أسواق النفط العالمية.

هذا التزامن لم يكن صدفة، ولا تعبيرًا عن أزمات منفصلة، بل كشف عن لحظة عالمية واحدة تتكثف فيها ملامح الفوضى غير المنضبطة، وتظهر فيها هشاشة النظام الدولي، وعجزه عن احتواء الأزمات أو إدارتها ضمن أطر تقليدية مستقرة، كما أشرنا في المقال السابق.في هذا السياق، لم تعد الأحداث تُقرأ بوصفها أزمات داخلية لدولة بعينها، بل باعتبارها مؤشرات على إعادة تشكيل قواعد القوة، ومناطق النفوذ، والضغط والابتزاز في النظام الدولي الجديد.

إن قراءة هذه التطورات بمعزل عن بعضها تمثل اختزالًا مخلًا لطبيعة اللحظة الدولية الراهنة. فالأمن القومي العربي، كما صاغته المدرسة الفكرية العربية منذ ستينيات القرن الماضي، لم يُبنَ على تصور عسكري ضيق، بل على فهم شامل للتهديدات العابرة للحدود، والمتشابكة اقتصاديًا وسياسيًا واستراتيجيًا.وعليه، فإنإيران تمثل تهديدًا مباشرًا ومركزيًا للأمن القومي العربي عبر مشروع نفوذ إقليمي نشط.اليمن يجسد خاصرة عربية رخوة تستنزف الأمن البحري والاقتصادي والسياسي بصورة مزمنة.فنزويلا تمثل تهديدًا غير مباشر لكنه بالغ الخطورة، عبر احتمالات اضطراب أسواق النفط وارتفاع الأسعار، بما يضغط على الاقتصادات العربية النفطية وغير النفطية على السواء.

هذا المقال ينطلق من فرضية مفادها أن ما نشهده هو تجلٍّ واحد لفوضى عالمية منفلتة، تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى مع مناطق النفوذ، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، على حساب استقرار الأقاليم الهشة، وفي القلب منها الوطن العربي.

الأمن القومي العربي في كتابات المدرسة العربية

قبل الخوض في تحليل الحالات الثلاث، يصبح من الضروري العودة إلى الأساس النظري الذي يسمح بقراءتها ضمن نسق واحد، وهو مفهوم الأمن القومي العربي الشامل كما بلورته كتابات المفكرين العرب، وعلى رأسهم الدكاترة حامد ربيع، عبدالمنعم المشاط، عبد الملك عودة، علي الدين هلال، أنيس صايغ، ومحمد عابد الجابري.

تبلور مفهوم الأمن القومي العربي في الكتابات الفكرية العربية منذ ستينيات القرن العشرين باعتباره استجابة نظرية لحالة تهديد وجودي مركب، لم يكن نابعًا فقط من الصراع العربي–الإسرائيلي، بل من طبيعة النظام الدولي نفسه، ومن موقع العالم العربي داخله كإقليم مفتوح على الاختراق والتدخل وإعادة التشكيل. وقد جاءت إسهامات مفكرين مثل حامد ربيع لتؤسس لهذا المفهوم بوصفه تصورًا شاملًا يتجاوز الفهم العسكري الضيق للأمن، ويعيد ربطه بالبنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والحضارية للأمة.

حيث يرى د. حامد ربيع أن الأمن القومي العربي ليس حالة دفاعية، بل عملية تاريخية مستمرة تهدف إلىحماية الكيان العربي من التفكك، ومنع الاختراق الخارجي عبر الوكلاء أو التبعية الاقتصادية، وضمان حد أدنى من القدرة على اتخاذ قرار مستقل. ويؤكد د.ربيع أن أخطر ما يهدد الأمن القومي العربي ليس العدوان المباشر، بل تفكك البيئة الإقليمية المحيطة بالعالم العربي وتحولها إلى ساحات صراع دولي تُدار من الخارج، وهو ما يجعل أي اضطراب في الإقليم المجاور، أو في منظومة الطاقة العالمية، تهديدًا مباشرًا للأمن العربي حتى وإن بدا بعيدًا جغرافيًا.

هذا الطرح يتماثل في زوايا منه مع إسهامات عبد الملك عودة، الذي ركّز على أن التهديدات التي تواجه الأمن القومي العربي غالبًا ما تكون غير مباشرة، وتعمل عبر تآكل الداخل قبل الاصطدام بالخارج، وهو ما يجعل الصراعات الأهلية، والاضطرابات الاقتصادية، والانقسامات السياسية، أدوات لا تقل خطورة عن الغزو العسكري.

ومع نهاية الحرب الباردة، دخل مفهوم الأمن القومي العربي مرحلة إرباك حاد. فبدلًا من الانتقال إلى نظام دولي أكثر استقرارًا، وجد العالم العربي نفسه أمام بيئة دولية أحادية القطبية، أعادت تعريف التهديدات وفق مصالح القوة المهيمنة. في هذه المرحلة، لم تعد التهديدات تُصاغ فقط بصيغة العدو الواضح، بل عبر مفاهيم أكثر سيولة مثل «الدول الفاشلة»، و«محاربة الإرهاب»، و«حماية الممرات البحرية»، و«أمن الطاقة»، وهي كلها عناوين سمحت بتوسيع نطاق التدخل الدولي في الإقليم العربي.

في هذا السياق، يكتسب مفهوم الأمن القومي العربي الشامل أهمية مضاعفة، إذ بات يشمل؛ البعد العسكري والأمني التقليدي، البعد الاقتصاديوخاصة ما يتعلق بالطاقة والأسواق العالمية، البعد البحري مع تزايد أهمية الممرات المائية والأرضية الاستراتيجية، والبعد الإقليمي أي استقرار البيئة المحيطة بالعالم العربي.

وهنا تحديدًا تتضح خطورة تجاهل ساحات تبدو «بعيدة» جغرافيًا، مثل فنزويلا، أو التعامل مع أزمات مزمنة مثل اليمن بوصفها صراعات محلية معزولة.

التحول في بنية النظام الدولي من الأمن إلى الفوضى

لفهم الترابط بين إيران واليمن وفنزويلا، لا بد من الانتقال خطوة إضافية في الإطار النظري، تتعلق بطبيعة النظام الدولي الراهن. فالعالم لا يعيش حالة فوضى عشوائية، بل ما يمكن توصيفه بـالفوضى العالمية المُدارة ولكن بصورة يمكن أن تنفلت فيها الأمور، وهي حالة تُترك فيها الأزمات دون حل جذري، بل تُستخدم كأدوات ضغط وتفاوض وإعادة توزيع مناطق النفوذ.في هذا الإطار، لم تعد الولايات المتحدة – خاصة مع عودة ترامب – معنية بإنتاج الاستقرار، بقدر ما تسعى إلى:

- منع تشكّل قوى إقليمية صاعدة بشكل مستقل ومستقر.

- إبقاء الخصوم من القوى الكبرى في حالة إنهاك دائم.

-  التحكم غير المباشر في مفاصل الاقتصاد العالمي، وعلى رأسها الطاقة.

هذا النمط من الإدارة لا يستهدف دولة بعينها بقدر ما يستهدف البيئات الهشة، أي الأقاليم التي تمتلك أهمية استراتيجية دون امتلاك القدرة على فرض قواعد اشتباك متوازنة. والعالم العربي، بحكم موقعه الجغرافي وموارده وممراته، يقع في قلب هذه المعادلة.من هنا، كان لا بد من الضغط على إيران وسيلة لإعادة ضبط التوازنات في الشرق الأوسط، وإبقاء اليمن في حالة سيولة أمنية أداة للضغط على أمن البحر الأحمر وباب المندب، وتوظيف أزمة فنزويلا جزءًا من معركة السيطرة على أسواق الطاقة العالمية وتأمين مناطق النفوذ وفقًا لاستراتيجية الأمن القومي الأمريكي المعلنة مؤخرًا.

هل نحن أمام لحظة اقتراب توجيه ضربة إلى إيران؟

في الأسبوع الأولى من عام 2026، بات المشهد الإيراني يعكس درجة غير مسبوقة من التوتر البنيوي، ليس فقط داخل الدولة، بل في موقعها ضمن النظامين الإقليمي والدولي. لم تعد إيران تتحرك من موقع الدولة التي تفاوض من موقع قوة أو تفرض معادلات ردع كما اعتادت طوال العقدين الماضيين، بل أصبحت طرفًا مأزومًا تتقاطع فوق أراضيه حسابات الداخل الغاضب مع رهانات الخارج المتربص.

الاحتجاجات الجارية في إيران، تكشف عن تحول نوعي في طبيعة الأزمة. هذه المرة، لم يعد النظام يواجه غضب الأطراف أو الهامش الاجتماعي فحسب، بل يواجه ضغطًا متزايدًا في قلب المدن الكبرى ومراكز القرار، حيث يتآكل العقد الضمني بين الدولة والمجتمع، وتفقد أدوات القمع التقليدية فعاليتها السياسية حتى وإن احتفظت بقدرتها الأمنية. الأزمة الاقتصادية، التي بدأت كأثر جانبي للعقوبات، تحولت إلى أزمة هيكلية تطال نموذج الحكم ذاته، حيث باتت الدولة عاجزة عن تقديم الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي، وفي الوقت نفسه عاجزة عن فتح أفق سياسي أو إصلاحي حقيقي.

كل ذلك يتزامن مع لحظة انكشاف إقليمي غير مسبوقة. المشروع الإيراني الذي بُني على فكرة ”العمق الاستراتيجي المتقدم“ عبر إدارة ساحات متعددة عبر أذرع إقليمية نشطة، تعرض خلال السنوات الأخيرة لضربات متلاحقة. نتيجة ذلك أن إيران وجدت نفسها، للمرة الأولى منذ 1979، مضطرة للدفاع عن مركزها بدل توسيع أطرافها.

في موازاة هذا التراجع الإقليمي، طرأ تحول بالغ الأهمية على سلوك القوى الكبرى تجاه إيران. روسيا، الغارقة في حرب استنزاف طويلة في أوكرانيا، لم تعد قادرة على لعب دور المظلة السياسية أو العسكرية لأي طرف آخر، وأثبتت التجربة السورية أن موسكو تتخلى عن حلفائها عندما تصبح كلفة الدفاع عنهم أعلى من العائد. الصين، من جهتها، تنظر إلى إيران من زاوية اقتصادية بحتة، وتتعامل معها كأحد مصادر الطاقة الممكنة لا كركيزة في صراعها مع واشنطن، وهو ما يعني أن بكين لن تدخل في مواجهة استراتيجية دفاعًا عن نظام مأزوم. هذا الفراغ الدولي يفتح المجال أمام الولايات المتحدة لتتصرف بحرية أكبر، خصوصًا في ظل إدارة ترى أن الوقت يعمل ضدها إذا تُركت إيران لتكمل مسارها النووي تحت ضغط داخلي متصاعد.

في هذا السياق، لا يمكن فصل التمهيد العسكري الجاري عن الاستراتيجية الأمريكية الأشمل لإدارة النظام الدولي في لحظة انتقالية. لعل الحديث المتكرر عن اختراقات أمنية داخل إيران، والتسريبات المقصودة حول هشاشة الأجهزة، ليست مجرد رسائل إعلامية، بل أدوات لإضعاف تماسك الدولة قبيل أي تحرك محتمل.

غير أن الضربة المتوقعة، إذا وقعت، لن تكون حربًا تقليدية ولا غزوًا شاملًا. المنطق الحاكم هنا هو أن الضربة المتوقعةستستهدف مراكز القيادة والسيطرة، والبنية التحتية للبرنامج النووي، والعصب الصلب للحرس الثوري، دون الانجرار إلى احتلال أو إدارة مباشرة. الهدف ليس إسقاط النظام بصورة فورية، بل دفعه إلى حالة شلل استراتيجي، حيث يصبح عاجزًا عن الرد الخارجي وغير قادر على احتواء الداخل، فيتحول إلى عبء على نفسه وعلى محيطه.

هذا الواقع يضع الأمن القومي العربي أمام معادلة معقدة: فإيران الضعيفة قد تكون أقل قدرة على الهيمنة، لكنها في الوقت ذاته أكثر ميلًا لسياسات الهروب إلى الأمام، وأكثر استعدادًا لاستخدام أدوات غير تقليدية لإرباك محيطها.

اليمن كأزمة متراكمة وتفكّك بنيوي يهدد الأمن القومي العربي

اليمن.. اسم يختصر معاناة العرب منذ عقود، وعنوان أزمة مستمرة ترفض أن تهدأ. موقعه الاستراتيجي على ملتقى البحر الأحمر وباب المندب جعله دائمًا نقطة تماس بين القوى الإقليمية والدولية، وخصوصًا بين الرغبة في السيطرة على الممرات البحرية الحيوية وبين الصراع على النفوذ العربي والإقليمي. لكن اليمن لم يكن يومًا مجرد جغرافيا، بل حالة متراكمة من الفشل البنيوي للدولة والصراع المزمن بين القبائل والمجتمع المدني والنخب السياسية، أزمة تاريخية بدأت قبل الوحدة اليمنية (1990) وحتى اليوم لم تجد لها حلًا.

ومع اندلاع ثورات الربيع العربي في 2011، انكشفت هشاشة الدولة بشكل كامل. سقوط الرئيس علي عبد الله صالح بعد ثلاثة عقود من الحكم فتح باب فراغ سياسي استغله الحوثيون، وامتدوا شمالًا حتى السيطرة على العاصمة صنعاء، بينما الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا لم تعد قادرة على إدارة الدولة، وظهر واضحًا أن السلطة المركزية مجرد واجهة. هذا الفراغ ساعد على تحول اليمن إلى ساحة نزاع متعددة الفاعلين، كل منهم له أجندته ومصالحه الخاصة، سواء محلية أو إقليمية.

اليمن اليوم يعكس حالة الدولة الممزقة، وفيها نجد الحوثيون يسيطرون على معظم الشمال ويملكون هيكلية عسكرية متطورة مدعومة جزئيًا من إيران، بينما الجنوب تحت سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي الذي يسيطر على النفط والموانئ والمناطق الاقتصادية الحيوية. الوسط يضم قبائل متنازعة، والمناطق النائية تحت سيطرة جماعات محلية أو متطرفة، ما يجعل الدولة غير قادرة على فرض سلطتها أو تقديم الخدمات الأساسية لمواطنيها

اليمن اليوم هو تهديد مستمر للأمن القومي العربي،فسيطرة الحوثيين على الممرات البحرية الحيوية تهدد حركة السفن في البحر الأحمر وباب المندب، وأي تعطيل لأي خط ملاحي يعني ضغطًا مباشرًا على التجارة والطاقة العربية. الفوضى الداخلية قد تمتد إلى دول الجوار، خصوصًا السعودية والإمارات وعُمان، ما يزيد الأعباء الأمنية والاقتصادية. احتمالات انفصال الجنوب تزيد من مخاطر تفكك الدولة، وتغيير موازين القوة في المنطقة، مع انعكاسات مباشرة على اقتصادات الخليج واستقرارها السياسي.

من هنا، لم يكن الحضور المصري في الملف اليمني، منذ اندلاع الأزمة الحديثة، حضورًا عابرًا أو رد فعل ظرفي، بل جاء منسجمًا مع منطق ثابت في السياسة الخارجية المصرية يقوم على إدارة الأزمات لا تفجيرها، وعلى منع انهيار الدول الوطنية العربية بوصفه خط الدفاع الأول عن الأمن القومي العربي. فاليمن، في الرؤية المصرية، لا يُختزل في كونه ساحة صراع داخلي أو إقليمي، وفقًالمحددات لا تنفصل تاريخيًا عن الأمن القومي المصري ذاته.

منذ اللحظة الأولى، تعاملت القاهرة مع الأزمة اليمنية بمنهج يوازن بين دعم الشرعية والحفاظ على الدولة، وبين رفض تحويل اليمن إلى ساحة صراع مفتوح أو دولة فاشلة دائمة. هذا التوازن يعكس أحد أهم ثوابت السياسة الخارجية المصرية منذ عقود المتمثل في: الحفاظ على الدولة الوطنية العربية ومنع تفككها، إدراكًا بأن انهيار الدولة في أي ساحة عربية سرعان ما يتحول إلى تهديد ممتد يتجاوز حدودها الجغرافية.هذا التدخل المصري الرشيد يتسق مع الرؤية المصرية الأوسع الرافضة لتحويل الأزمات العربية إلى أدوات تفاوض في صراعات القوى الكبرى، كما حدث في حالات أخرى بالمنطقة.

الربط بين اليمن وباب المندب يكشف بوضوح مركزية المِلف في الحسابات المصرية. فتهديد الملاحة في هذا الممر لا يمس فقط التجارة العالمية، بل يطال بشكل مباشر قناة السويس، أحد الأعمدة الاستراتيجية للاقتصاد والأمن القومي المصري. ومن ثم، يعد ذلك تهديدًا مباشرًا لمصالح مصر الحيوية، وهو ما يفسر الإصرار المصري على أن يكون الحل في اليمن سياسيًا بالأساس، لا عسكريًا صرفًا.

لذا، أي تحليل للأمن العربي لا يمكن أن يتجاهل اليمن كعامل محدد واستراتيجي، فكل خيوط الصراع في المنطقة تتقاطع فيه، وكل خيار سياسي أو عسكري في اليمن له أثر متسلسل على الأمن العربي بشكل كامل.

فنزويلا كأزمة بعيدة مهددة وضاغطة على الأمن القومي العربي

فنزويلا، بالرغم من بعدها الجغرافي عن الوطن العربي، إلا أن تأثيرها يمتد مباشرة إلى قلب الأمن القومي العربي، عبر النفط والاقتصاد والأسواق العالمية. ما يحدث هناك ليس مجرد أزمة داخلية لمادورو أو احتجاجات شعبيةمتزامنة مع اعتقال مادورو من خلال عملية عسكرية للقوات الأمريكية الخاصة،بل دوامة مستمرة من الانهيار الاقتصادي والسياسي تؤثر على كل ميزانية عربية تعتمد على النفط كمورد رئيسي. فنزويلا اليوم تعكس نموذجًا صارخًا لكيفية أن أزمة بعيدة جغرافيًا يمكن أن تصبح تهديدًا استراتيجيًا مباشرًا.

فنزويلا إذن ليست مجرد أزمة دولة بعيدة، بل عامل استراتيجي في الأمن القومي العربي، لأنها تؤثر على قدرة الدول النفطية على تمويل الأمن والتنمية، وتؤكد أن أي رؤية شاملة للأمن العربي لا يمكن أن تتجاهل التأثيرات العابرة للقارات، وأن النفط أصبح في زمننا المعاصر أداة استراتيجية تتقاطع فيها الأزمات الداخلية للدول البعيدة مع الأمن العربي المباشر.

الأسبوع الأول لهذا العام،شهد ما لم يكن في الحسبان، رئيس دولة معترف به يعتقل على يد قوة أجنبية ويُنقل إلى خارج بلاده. دونالد ترامب أعلن أن قوات أميركيةخاصة نفّذت عملية عسكرية في فنزويلا، أسفرت عن اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما إلى نيويورك، حيث سيواجهان تهمًا فيدرالية تشمل الاتجار بالمخدرات والإرهاب، وفق تصريحات أمريكية رسمية.

ما جرى في فنزويلا ليس مجرد اعتقال لرئيس دولة، بل إعادة تعريف جوهر السياسة الأميركية في المنطقة. حيث لم تقع مثل هذه العملية العسكرية في أمريكا اللاتينية منذ عقود، وهي تذكّر بالمداخلات الكلاسيكية مثل سقوط قائد بنما عام 1989، لكن بمدى أوسع وهجوم مباشر على العاصمة كاراكاس.كما أن العملية نفّذت دون تفويض صريح من الأمم المتحدة أو مجلس الأمن.كذلك صرح ترامب بأن الولايات المتحدة”ستخوض مسؤوليتها“ في إدارة فنزويلا حتى يتم الانتقال إلى سلطة جديدة، في خطوة تُعد تدخلاً مباشرًا في السيادة الوطنية.وأوضح خطاب ترامب أن الأمر لن يقف فقط عند محاربة الاتجار بالمخدرات، بل أكّد أن النفط الفنزويلي يشكل”أهمية استراتيجية“، وأن الشركات الأميركية ستشارك في إعادة بناء القطاع وضخ الإنتاج.ومن جهة أخيرة أكد الخطاب الأمريكي أن أمريكا لن تسمح بتهديد محيط ولا مناطق نفوذها.

ما حدث في فنزويلا هو لحظة كاشفة لتحول عميق في طريقة تفكير الولايات المتحدة تجاه العالم، وتجاه مفهوم السيادة ذاته. ما جرى في كاراكاس لا يمكن قراءته باعتباره حدثًا محليًا أو حتى إقليميًا، بل باعتباره أول تطبيق عملي واضح لاستراتيجية أمريكية جديدة تعيد تقسيم النظام الدولي إلى مناطق نفوذ مباشرة، تُدار بالقوة عند الضرورة، وتُعاد فيها كتابة مصائر الدول خارج الأطر القانونية التقليدية.

منذ عودته إلى البيت الأبيض، لم يُخفِ ترامب رؤيته للعالم بوصفه فضاءً مفتوحًا للصراع بين القوى الكبرى، لا تحكمه القواعد الليبرالية التي تأسس عليها النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، بل تحكمه موازين القوة والقدرة على فرض الإرادة. في هذه الرؤية، لا تُعد الأمم المتحدة مرجعية حاكمة، ولا يُنظر إلى القانون الدولي كقيد ملزم، بل كأداة تُستخدم حين تخدم المصالح، ويتم تجاوزها حين تصبح عائقًا. اعتقال رئيس دولة معترف بها دوليًا ونقله قسرًا إلى الأراضي الأمريكية هو التعبير الأوضح عن هذا التحول.

العملية العسكرية التي أعلن عنها ترامب لم تكن موجهة فقط لإسقاط مادورو، بل لإرسال رسالة مزدوجة؛ رسالة إلى الداخل الأمريكي مفادها أن الولايات المتحدة استعادت قدرتها على الفعل المباشر دون تردد، ورسالة إلى الخارج بأن واشنطن لم تعد تقبل بوجود”مناطق رمادية“ في نطاق نفوذها الحيوي. فنزويلا، في هذا السياق، لم تُعامل كدولة ذات سيادة، بل كملف أمني-اقتصادي خرج عن السيطرة، فكان لا بد من التدخل لإعادةضبطه“.

الأهمية الحقيقية لفنزويلا لا تكمن فقط في نظامها السياسي، بل في موقعها داخل معادلة الطاقة العالمية. الاحتياطات النفطية الضخمة، والموقع الجغرافي الحساس في نصف الكرة الغربي، جعلا من استمرار نظام معادٍ أو مستقل نسبيًا عن واشنطن أمرًا غير مقبول في لحظة تشهد فيها الولايات المتحدة صراعًا مفتوحًا مع الصين وروسيا على الموارد وسلاسل الإمداد. تصريحات ترامب حول “الانخراط القوي في قطاع النفط الفنزويلي” لم تكن زلة لسان، بل إعلانًا صريحًا عن أن السيطرة على الموارد أصبحت جزءًا لا يتجزأ من العقيدة الأمنية الجديدة.

من هنا، فإن اعتقال مادورو يعبّر عن انتقال الولايات المتحدة من سياسة الاحتواء والضغط الطويل الأمد، إلى سياسة الحسم السريع عندما ترى أن الزمن لا يعمل لصالحها. العقوبات، والعزل الدبلوماسي، ومحاولات تغيير النظام عبر أدوات داخلية، لم تحقق الهدف المطلوب خلال سنوات، فجاء القرار بالانتقال إلى الخيار العسكري المباشر، دون غطاء دولي، ودون انتظار توافق أممي. هذه الخطوة، بحد ذاتها، تعني أن مفهوم”الشرعية الدولية“ لم يعد عائقًا حقيقيًا أمام الفعل الأمريكي، طالما توفرت القدرة على فرض الأمر الواقع.

الخلاصة أن اعتقال مادورو لا يمثل نهاية مرحلة في فنزويلا بقدر ما يمثل بداية مرحلة جديدة في النظام الدولي. مرحلة تُدار فيها السياسة بالقوة الصريحة، وتُختبر فيها حدود السيادة، وتُعاد فيها كتابة المصائر خارج غرف التفاوض. في هذا العالم، لم يعد السؤال هو من يملك الشرعية، بل من يملك القدرة على فرض رؤيته، ومن يستطيع حماية نفسه من أن يتحول إلى “حالة فنزويلية” جديدة في لعبة النفوذ الكبرى.

فإذا كان اعتقال مادورو في كاراكاس قد كشف عن الوجه العاري للقوة الأمريكية في نصف الكرة الغربي، فإن ما يجري في طهران وما تراكم في اليمن خلال العقد الأخير يمثلان الوجه الآخر للعملة ذاتها: عالم واحد تحكمه منطق التدخل الاستباقي، وتُدار فيه الأزمات من منظور المصالح الصلبة لا الشرعيات المعلنة. الفارق بين الساحات الثلاث ليس في الجوهر، بل في التوقيت والأدوات وحدود الحركة، أما الإطار الناظم فهو واحد: السيطرة على نقاط الاختناق الجيوسياسي ومناطق النفوذ الاستراتيجي قبل أن تتحولا إلى تهديد استراتيجي شامل.

الجامع بين كاراكاس وطهران وصنعاء هو أن السيادة لم تعد خطًا أحمر مطلقًا، بل متغيرًا خاضعًا للقدرة على التحكم في الموقع والموارد والتأثير الإقليمي. الدول التي تفشل في إدارة هذه العناصر، أو تسمح بتحولها إلى أدوات تهديد عابر للحدود، تُدرج تلقائيًا في قوائم “التدخل المشروع” وفق منطق القوى الكبرى، لا وفق نصوص القانون الدولي. وهنا تكمن الخطورة على الأمن القومي العربي.

الأمن القومي العربي لم يعد مهددًا فقط من خصوم تقليديين، بل من إعادة صياغة النظام الدولي نفسه. ما جرى في فنزويلا يقول إن السيطرة على الموارد قد تبرر إسقاط الأنظمة، وما يجري حول إيران يقول إن امتلاك أدوات الردع قد يستجلب ضربة وقائية، وما حدث في اليمن يقول إن الدول الضعيفة قد تتحول إلى ساحات مفتوحة لتصفية الحسابات الدولية. هذه المسارات الثلاثة تلتقي عند نقطة واحدة: غياب إطار عربي موحد للأمن القومي قادر على قراءة التهديدات بوصفها مترابطة، لا أزمات منفصلة.من لا يدرك هذا التحول، ويستمر في قراءة المشهد بمنطق ما قبلوأثناء 2011 أو حتى ما قبل 2020، سيجد نفسه خارج المعادلة، أو داخلها بوصفه ساحة لا لاعبًا. لذا، يصبح بناء رؤية عربية شاملة للأمن القومي، تربط بين الطاقة والسيادة والاستقرار الداخلي، ليس خيارًا فكريًا بل ضرورة وجودية في نظام دولي لم يعد يعترف إلا بمن يملك القدرة على الفعل.

نقلا عن جريدة الجمهورية، الجمعة 9يناير 2026.

طباعة

    تعريف الكاتب

    أحمد ناجي قمحة

    أحمد ناجي قمحة

    رئيس تحرير مجلتى السياسة الدولية والديمقراطية