تحليلات

الشرق الأوسط وشرق إفريقيا 2025–2026: مصر وإدارة الفوضى المنضبطة في ظل تحولات إقليمية متسارعة

طباعة

يُعد مفهوم “إدارة الفوضى المنضبطة” أحد أبرز الإطارات التحليلية التي تفسر الديناميكيات الجيوسياسية المعقدة في منطقة الشرق الأوسط وامتدادها الطبيعي نحو شرق إفريقيا خلال عام 2025 وما يليه. هذا المفهوم، الذي يستمد أسسه من النظرية الواقعية في العلاقات الدولية، وخاصة مدرسة “توازن القوى” التي طورها مفكرون مثل هانز مورغنثاو وجون ميرشايمر، يفترض أن القوى الكبرى لا تسعى دائمًا إلى حلول جذرية شاملة للنزاعات، بل تفضل احتواءها ضمن حدود يمكن السيطرة عليها، للحفاظ على مصالحها الاستراتيجية طويلة الأمد في مجالات الطاقة، الأمن البحري، التجارة العالمية، والتوازن الإقليمي.

شهد عام 2025 تطبيقًا عمليًا لهذا الإطار تحت قيادة الإدارة الأمريكية الثانية للرئيس دونالد ترامب، التي اعتمدت شعار “السلام من خلال القوة” كأساس لسياستها الخارجية. كانت التحولات الرئيسية مترابطة؛ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024 بعد هجوم شنته هيئة تحرير الشام، حرب إسرائيلية-إيرانية قصيرة في يونيو استمرت 12 يومًا فقط، هدنة في غزة في مؤتمر شرم الشيخ للسلام والذي تبنى خطة ترامب المكونة من ـ20 نقطة في أكتوبر، افتتاح السد الإثيوبي في سبتمبر، اعتراف إسرائيل بصوماليلاند في ديسمبر، وتوقف نسبي لهجمات الحوثيين في البحر الأحمر.

هذه الأحداث لم تكن مصادفة، بل جزء من صراع دولي متعدد الأبعاد على النفوذ، حيث تسعى الولايات المتحدة وإسرائيل إلى إضعاف “محور المقاومة” الإيراني وتراجع النفوذ الروسي، مقابل تعزيز تحالفات سنية-إسرائيلية-خليجية، مع الحفاظ على استقرار الممرات البحرية التي تمر منها نسبة كبيرة من التجارة العالمية والطاقة.

في هذا الصراع، يبرز الترابط الوثيق بين ملفات الشرق الأوسط وشرق إفريقيا: أمن البحر الأحمر يرتبط بغزة واليمن، نزاع المياه في النيل يتداخل مع التوازن في القرن الإفريقي، وسقوط الأسد يفتح أبوابًا لتوسع إسرائيلي يجب ضبطه لمنع إرهاب يمتد إلى إفريقيا. هنا تأتي مصر كقوة محورية، تمتلك موقعًا جغرافيًا يجعلها جسرًا بين القارتين، ومصالح حيوية تجعلها لاعبًا لا يمكن تجاهله. استراتيجية مصر تعتمد على مزيج من القوة الناعمة (دبلوماسية الوساطة والتنسيق متعدد الأطراف) والقوة الصلبة (حضور أمني بحري واتفاقيات عسكرية)، مما يجعلها شريكًا استراتيجيًا للولايات المتحدة في إدارة الفوضى المنضبطة، مع الحفاظ على استقلالية قرارها ورسوخ موقفها التاريخي في القضايا العربية والإفريقية. مصر لا تهيمن عسكريًا، بل تضبط التوازن، تملأ الفراغ الروسي-الإيراني، تواجه التحديات الإثيوبية، لتصبح “مركز الثقل” الذي يحدد مسار التحولات في 2026.

في هذا الصراع الإقليمي-الدولي، برزت مصر كقوة إقليمية محورية، ليس فقط بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا بإفريقيا، بل بفضل قدرتها على التنسيق مع جميع الأطراف: وسيطة في غزة، حامية للبحر الأحمر، وداعمة للاستقرار في سوريا والقرن الإفريقي. دور مصر يعكس فهمًا عميقًا للترابط: فأي تصعيد في غزة يهدد الملاحة، وأي ضعف في سوريا يفتح أبواب إرهاب يصل إلى سيناء، وأي تقدم إثيوبي في السد يهدد الأمن الغذائي لمصر والسودان. بهذا، أصبحت مصر اللاعب الذي يضبط الفوضى، مستفيدة من الفرص التي خلقها تراجع روسيا وإيران لتعزيز نفوذها في 2026.

سوريا.. سقوط النظام ومرحلة انتقالية معقدة

يُعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024 أحد أكبر التحولات الجيوسياسية في العقد الأخير، حيث انهار حكم استمر أكثر من خمسين عامًا بعد هجوم سريع ومنظم من هيئة تحرير الشام بقيادة أحمد الشرع. هذا السقوط أنهى حربًا أهلية دامية، لكنه فتح مرحلة انتقالية معقدة تتسم بتوترات طائفية عميقة، تحديات أمنية، وصراعات على النفوذ. شُكلت حكومة انتقالية تضم ممثلين عن الأقليات العلوية والدروز والمسيحيين والأكراد، تم دمج قوات سوريا الديمقراطية جزئيًا في جيش وطني جديد، رفع العقوبات الأمريكية والأوروبية تدريجيًا، عاد أكثر من 4 ملايين لاجئ، وبدأت مشاريع إعادة إعمار هائلة بدعم خليجي يقدر بمليارات الدولارات وإشراف أمريكي مباشر. صعدت تركيا كوسيط رئيسي في الشمال والشرق، وزيارات دولية للشرع، بما في ذلك لقاء تاريخي مع ترامب، ما عزز الشرعية الدولية للحكومة الجديدة.

ومع ذلك، التحديات جسيمة ومتعددة الأبعاد: عنف طائفي مستمر ضد العلويين والمسيحيين في مناطق سابقة للنظام، توسع نفوذ إسرائيلي في الجولان والجنوب السوري تحت ذريعة الأمن، تهديدات من خلايا داعش متفرقة، وصعوبة في إعادة بناء مؤسسات الدولة بعد عقود من الفساد والاستبداد. في سياق الصراع الدولي، يُعد هذا السقوط انتصارًا استراتيجيًا للولايات المتحدة وإسرائيل، إذ أضعف روسيا بشكل حاسم، وأضعف إيران بقطع ممرها البري إلى حزب الله والبحر المتوسط، مما فتح المجال لتوسع نفوذ خليجي وأمريكي في إعادة الإعمار والأمن.

غزة والصراع الفلسطيني-الإسرائيلي

كان ملف غزة أكثر الملفات تعقيدًا وحساسية في 2025، حيث تم التوصل في أكتوبر إلى هدنة عبر “خطة ترامب المكونة من 20 نقطة”، التي شملت وقف إطلاق النار الكامل، تبادل الأسرى والرهائن على مراحل، انسحابًا جزئيًا للقوات الإسرائيلية، تدفق مساعدات إنسانية هائلة تحت إشراف دولي، وخطة لإعادة إعمار تدريجية بتمويل خليجي وأمريكي. استمرت الهدنة حتى نهاية العام، مع احتفاظ إسرائيل بسيطرة أمنية على أجزاء من غزة عبر “الخط الأصفر” كمنطقة عازلة، رفض حماس نزع السلاح الكامل كشرط للمرحلة الثانية، وتعثر بناء حكم انتقالي تحت إشراف “مجلس السلام” الدولي الذي يضم ممثلين فلسطينيين وعرب ودوليين.

هذه الهدنة جزء أساسي من استراتيجية ترامب لإضعاف حماس كذراع إيراني رئيسي، مع ربط الاستقرار في غزة بتوسع التطبيع العربي-الإسرائيلي، ومنع انهيار يؤدي إلى موجة لجوء أو تصعيد يهدد الملاحة في البحر الأحمر. في الصراع الدولي، تمثل الهدنة انتصارًا تكتيكيًا لإسرائيل، التي حققت أهدافها العسكرية جزئيًا، ولأمريكا التي عززت نفوذها كوسيط وحيد، مع عزلة أكبر لحماس بعد ضعف دعم إيران.

مصر لعبت دورًا لا غنى عنه كوسيط إقليمي أساسي، تدير معبر رفح كشريان حياة لغزة، تضمن تدفق المساعدات والوقود، تضغط على حماس للالتزام بالهدنة والتنازلات، وتنسق مع إسرائيل لمنع الانتهاكات. هذا الدور يربط غزة مباشرة بأمن مصر القومي، إذ أي انهيار للهدنة يعني تهديدًا لسيناء بالإرهاب أو التسلل، وتأثيرًا على الاستقرار في البحر الأحمر. مصر استفادت من موقعها لتعزيز نفوذها، محافظة على مصداقيتها العربية بدعم حقوق الفلسطينيين، وشريكة لأمريكا في إدارة الفوضى دون السماح بتصفية القضية.

لبنان واليمن.. هدن هشة تعكس تراجع النفوذ الإيراني

في سياق التحولات الجيوسياسية التي شهدها عام 2025، يُعد ملفا لبنان واليمن نموذجًا واضحًا لإدارة الفوضى المنضبطة، حيث أدت الهدن الهشة في كلا البلدين إلى تراجع ملحوظ في النفوذ الإيراني من خلال وكلائه الرئيسيين: حزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن. هذا التراجع لم يكن عفويًا، بل نتيجة مباشرة للضربات الإسرائيلية والأمريكية المحدودة، بالإضافة إلى الضغوط الدبلوماسية والعسكرية التي فرضتها الإدارة الأمريكية تحت قيادة الرئيس ترامب، والتي ساهمت في إضعاف محور المقاومة الإيراني بعد الحرب القصيرة مع إيران في يونيو 2025.

في لبنان، بدأت الهدنة في نوفمبر 2024 بعد حرب دامت أكثر من عام بين إسرائيل وحزب الله، أدت إلى إضعاف الحزب بشكل كبير، مع مقتل قيادات بارزة وتدمير جزء كبير من ترسانته. الاتفاق، الذي توسطت فيه الولايات المتحدة، نص على انسحاب إسرائيلي تدريجي مقابل نشر الجيش اللبناني جنوب الليطاني ونزع سلاح حزب الله في المنطقة. بحلول نهاية 2025، أعلنت الحكومة اللبنانية تقدمًا ملحوظًا في المرحلة الأولى، مع تدمير مخازن أسلحة قديمة ونزع جزئي للسلاح جنوب الليطاني، لكن المهلة النهائية في 31 ديسمبر 2025 مرت دون اكتمال كامل، وسط رفض حزب الله التخلي عن أسلحته طالما بقيت إسرائيل تحتل نقاطًا حدودية أو تواصل ضرباتها. إسرائيل، من جانبها، نفذت آلاف الانتهاكات، بما في ذلك ضربات جوية يومية تقريبًا، مما أسفر عن مئات القتلى المدنيين منذ الهدنة،

أما في اليمن، فشهد البلد توقفًا نسبيًا لهجمات الحوثيين على السفن في البحر الأحمر بحلول نهاية 2025، بعد سلسلة من الهدن المرتبطة بغزة. الهجمات، التي بلغت ذروتها في 2024 مع أكثر من 150 هجومًا، انخفضت بشكل حاد في 2025 إلى حفنة فقط، خاصة بعد هدن غزة في يناير وأكتوبر، حيث أعلن الحوثيون تعليق عملياتهم مؤقتًا دعمًا للفلسطينيين، مع تهديد باستئنافها إذا انهار السلام. هذا التوقف جاء بعد ضربات أمريكية-بريطانية مكثفة، وهدنة أمريكية-حوثية في مايو 2025 توسطت فيها عمان، أنهت الضربات الأمريكية مقابل توقف هجمات على السفن الأمريكية، لكنها لم تشمل إسرائيل تمامًا. رغم ذلك، استمر النزاع الداخلي اليمني، مع سيطرة الحوثيين على صنعاء ومناطق شمالية. التراجع الإيراني هنا أيضًا ملحوظ، إذ أدت الضربات على إيران إلى تقليل الإمدادات، مما أجبر الحوثيين على التركيز على الداخل بدلاً من التصعيد الإقليمي، مع الحفاظ على قدرات صاروخية محدودة.

بالنسبة للدور المصري، فقد كان متوازنًا وحاسمًا في كلا الملفين، يعكس استراتيجيتها في ربط أمنها القومي بالاستقرار الإقليمي. في لبنان، دعمت مصر الحكومة اللبنانية دبلوماسيًا واقتصاديًا، من خلال مساعدات إنسانية وتنسيق مع الجيش اللبناني لتعزيز سيطرته، بهدف ضمان استقرار الحدود الشمالية الشرقية ومنع امتداد أي توتر إلى سوريا أو غزة، مع الحفاظ على علاقات متوازنة مع حزب الله لتجنب تصعيد داخلي. أما في اليمن، فركزت مصر على تعزيز أمن الملاحة في البحر الأحمر، من خلال مشاركة في تحالفات دولية مثل عملية “حارس الازدهار”، ودعم مبادرات مثل شراكة أمن البحر الأحمر مع دول الخليج، مع التأكيد على أن أمن البحر الأحمر يجب أن يكون مسؤولية الدول الساحلية المتشاطئة فقط، رفضًا لأي تدخل خارجي غير منسق.

البحر الأحمر.. الشريان الحيوي وساحة الصراع على الملاحة العالمية

أصبح البحر الأحمر في عام 2025 محورًا استراتيجيًا عالميًا بامتياز، ليس فقط كممر بحري يربط بين قارتي آسيا وأوروبا عبر قناة السويس، بل كساحة رئيسية للصراع على النفوذ الجيوسياسي، حيث يمر منه نحو 12-15% من التجارة العالمية، و30% من حركة الحاويات، بالإضافة إلى كميات هائلة من الطاقة والسلع الأساسية. شهد العام توقفًا نسبيًا لهجمات الحوثيين على الملاحة بعد هدن غزة في يناير وأكتوبر 2025، والحرب القصيرة مع إيران في يونيو، لكن التهديدات المتبقية والانتهاكات المتفرقة أثرت بشكل كبير على مسارات التجارة، مما دفع شركات الشحن الكبرى مثل ميرسك وهاباغ لويد إلى إعادة توجيه جزئي أو كلي لسفنها عبر رأس الرجاء الصالح، مضيفًا 10-14 يومًا إلى الرحلات من آسيا إلى أوروبا، وزيادة في استهلاك الوقود بنسبة تصل إلى 40%. هذا التحويل أدى إلى انخفاض حركة السفن عبر قناة السويس بنسبة تصل إلى 70% مقارنة بمستويات ما قبل الأزمة في 2023، مع تقديرات تشير إلى أن حجم التجارة المتضررة بلغ تريليون دولار في الفترة من أكتوبر 2023 إلى مايو 2025، وارتفاع أسعار الشحن بنسب تصل إلى 200-400% في بعض الخطوط.

تدخلت الولايات المتحدة وبريطانيا بضربات جوية وبحرية محدودة ضد أهداف حوثية. كذلك استمرت الضربات الإسرائيلية المستقلة على موانئ يمنية مثل الحديدة، مما أدى إلى تدمير بنى تحتية اقتصادية وأسفر عن مقتل مدنيين. البحر الأحمر ليس مجرد ممر مائي، بل شريان حيوي يربط التجارة الآسيوية-الأوروبية، ويؤثر مباشرة على أسعار الطاقة العالمية، حيث يمر منه نحو 12 مليون برميل نفط يوميًا في أوقات الاستقرار، وارتفاع أقساط التأمين على السفن إلى مستويات غير مسبوقة، مما أجبر الشركات على دفع مئات الآلاف من الدولارات إضافية لكل رحلة.

القرن الإفريقي.. تصاعد التوترات

شهد القرن الإفريقي في عام 2025 تصعيدًا دراماتيكيًا في التوترات الإقليمية، مع أحداث مترابطة تعكس الصراع المتعدد الأبعاد على النفوذ البحري، الموانئ، والموارد المائية، مما يربط المنطقة مباشرة بالشرق الأوسط عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب. كان الاعتراف الإسرائيلي الرسمي بصوماليلاند كدولة مستقلة في 26 ديسمبر 2025 أبرز هذه الأحداث، إذ أصبحت إسرائيل أول دولة عضو في الأمم المتحدة تعترف رسميًا بجمهورية صوماليلاند، التي أعلنت استقلالها عن الصومال في 1991 دون اعتراف دولي سابق. احتفل الصوماليلانديون بهذا الإنجاز التاريخي، مع إعلان رئيسهم استعداد بلاده للانضمام إلى اتفاقيات أبراهام، مما يعزز موقعها الاستراتيجي على خليج عدن.

أثار هذا الاعتراف رفضًا واسعًا وفوريًا من الحكومة الفيدرالية الصومالية، التي وصفته بـ”عدوان غير قانوني” و”اعتداء متعمد” على سيادتها، معتبرة صوماليلاند جزءًا لا يتجزأ من أراضيها. كما أدان الاتحاد الأفريقي الخطوة بشدة، محذرًا من “سابقة خطيرة” تهدد السلام والاستقرار في القارة، مع تأكيد رئيس لجنته محمود علي يوسف أن صوماليلاند تبقى جزءًا من الصومال. انضمت إليه دول مثل مصر، تركيا، جيبوتي، والسودان، والصين، التي رأت في الاعتراف تدخلاً في الشؤون الداخلية الصومالية وتهديدًا للسيادة ولوحدة الدولة الوطنية. هذا الاعتراف يعزز النفوذ الإسرائيلي-الإثيوبي في المنطقة، خاصة مع موقع صوماليلاند الاستراتيجي على مدخل البحر الأحمر، ويفتح أبوابًا لتعاون أمني محتمل ضد التهديدات مثل الحوثيين.

في الوقت نفسه، استمر عنف حركة الشباب الإرهابية في الصومال، مع هجوم كبير في 2025 شمل استعادة مناطق في وسط وجنوب البلاد، وهجمات على مقديشو، بما في ذلك محاولة اغتيال الرئيس حسن شيخ محمود في مارس، مما يعكس هشاشة الدولة الصومالية ويجعل قضية صوماليلاند أكثر تعقيدًا. كما تصاعد التوتر الحدودي بين إثيوبيا وإريتريا حول الموانئ، خاصة "أساب"، مع اتهامات متبادلة بدعم مجموعات مسلحة وتعبئة عسكرية، مدفوعة بطموح إثيوبيا في الوصول إلى البحر الأحمر كـ”مسألة وجودية”، مما يهدد باندلاع حرب جديدة بعد اتفاق السلام 2018.

هذه التطورات تعزز النفوذ الإسرائيلي-الأمريكي مقابل تحالفات معارضة، لكنها تفتح فرصًا لإثيوبيا في تعزيز اتفاقها مع صوماليلاند للوصول البحري. في المقابل، عززت مصر حضورها الدبلوماسي والأمني بشكل ملحوظ لحماية مصالحها في الممرات البحرية والنيل، من خلال اتفاقيات لتطوير ميناء أساب في إريتريا ودوراليه في جيبوتي، وقعت في أواخر 2025، تشمل توسيع القدرات وإنشاء مرافئ لسفن حربية مصرية ونشر قوات نخبة صغيرة. هذه الاتفاقيات، التي توسطها زيارة الرئيس الإريتري إسياس أفورقي للقاهرة في أكتوبر، تهدف إلى تعزيز الوجود المصري في البحر الأحمر، مواجهة الطموح الإثيوبي في الموانئ، وضمان تدفق النيل دون تهديدات، خاصة بعد افتتاح السد الإثيوبي. مصر، التي تعتمد على جيبوتي كشريك رئيسي في أمن البحر الأحمر، ترى في هذه الخطوات ردًا مسبقًا على الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند والتقارب الإثيوبي-الإسرائيلي، مما يعزز تحالفها مع إريتريا والصومال ضد إثيوبيا، ويربط نزاع النيل بالتوازن البحري في القرن الإفريقي.

كل هذا في ظل تبلور أزمة السد الإثيوبي، حيث باتت أزمة المياه سلاحًا جيوسياسيًا في الصراع الإقليمي وإعادة تشكيل التوازنات في حوض النيل. حيث ترى مصر في السد تهديدًا وجوديًا مباشرًا لأمنها المائي والغذائي، حيث يُخشى أن يقلل السد من حصة مصر السنوية (55.5 مليار متر مكعب حسب اتفاق 1959)، خاصة في فترات الجفاف، مما يهدد الأمن الغذائي لـ 100 مليون مصريًا. لذا، أعلنت وزارة الخارجية المصرية في يوليو 2025 أن المفاوضات “وصلت إلى طريق مسدود” بعد رفض إثيوبيا اتفاقًا ملزمًا، متهمة أديس أبابا بـ”الأحادية” واستخدام السد لتعزيز نفوذها الإقليمي.

سيناريوهات 2026 بين الاستقرار البارد والفرصة الإيجابية والتصعيد السلبي

مع دخول عام 2026، تتجه منطقة الشرق الأوسط وشرق إفريقيا نحو مرحلة اختبار حقيقي لمدى قدرة اللاعبين الإقليميين والدوليين على إدارة الفوضى المنضبطة التي سادت عام 2025. التحولات الجذرية التي شهدتها المنطقة، من سقوط نظام الأسد إلى الحرب القصيرة مع إيران، ومن هدن غزة إلى افتتاح السد الإثيوبي، ومن توقف هجمات الحوثيين إلى اعتراف إسرائيل بصوماليلاند، كلها وضعت أسسًا هشة لتوازن جديد. هذا التوازن يعتمد على عوامل متعددة: استمرار الدبلوماسية الأمريكية تحت ترامب، قدرة إسرائيل على الحفاظ على الردع دون تصعيد شامل، تراجع النفوذ الإيراني، ودور مصر كمركز ثقل يربط بين الملفات الساخنة. ثلاثة سيناريوهات رئيسية تلوح في الأفق، تتراوح بين الاستقرار البارد الأكثر احتمالاً، والفرصة الإيجابية النادرة، والتصعيد السلبي الذي يهدد بإعادة المنطقة إلى دوامة العنف.

السيناريو الأكثر احتمالية، والذي يراه الكثير من المحللين الاستراتيجيين الأقرب إلى الواقع، هو استمرار حالة الاستقرار البارد التي تسيطر على المنطقة منذ نهاية 2025. في هذا السيناريو، تستمر الهدن الهشة دون انهيار كامل، لكن دون تقدم جذري نحو حلول نهائية، مما يسمح بإدارة النزاعات ضمن حدود يمكن السيطرة عليها، مع الحفاظ على مصالح القوى الكبرى والإقليمية. هذا السيناريو يعكس استمرار إدارة الفوضى المنضبطة، حيث تحافظ القوى على توازن هش يمنع الانهيار، لكنه لا يفتح أبوابًا لسلام دائم، ويبقي مصر في موقع القوة المتوازنة التي تضمن مصالحها دون مغامرات كبيرة.

أما السيناريو الإيجابي، الذي يُعتبر فرصة نادرة لكن ممكنة إذا نجحت الدبلوماسية الأمريكية في استغلال الزخم من 2025، فيرسم صورة أكثر تفاؤلاً نحو استقرار نسبي طويل الأمد، مدعومًا بتحالفات متعددة الأطراف وتنازلات متبادلة. في هذا السيناريو، تنجح خطة ترامب الـ20 نقطة بشكل ملحوظ، مع نشر قوة دولية فعالة في غزة تضم مراقبين عرب وأوروبيين، وانتقال تدريجي نحو حكم انتقالي فلسطيني مدعوم إقليميًا، بالإضافة إلى مفاوضات نووية جديدة مع إيران تؤدي إلى اتفاق مؤقت يحد من تخصيب اليورانيوم مقابل رفع بعض العقوبات، وانضمام سعودي كامل إلى اتفاقيات أبراهام مع ضمانات أمريكية دفاعية قوية. في سوريا، يتحقق تقدم ملموس في إعادة الإعمار، مع تدفق استثمارات خليجية كبيرة، عودة واسعة للاجئين، وتحسن ملحوظ في الأمن الداخلي من خلال دمج الفصائل وتهدئة التوترات الطائفية بدعم دولي. أما القرن الإفريقي، فيشهد استقرارًا نسبيًا، مع تهدئة التوترات حول صوماليلاند وموانئ إريتريا-إثيوبيا، حيث يضمن الدور المصري القوي ضبط النزاعات البحرية من خلال اتفاقيات متعددة الأطراف ووساطة فعالة تربط أمن البحر الأحمر بمصالح النيل. ف

في المقابل، يظل السيناريو السلبيكابوسًا محتملاً إذا فشلت إدارة الفوضى في احتواء التوترات المتراكمة، مما يؤدي إلى تصعيد جديد يعيد المنطقة إلى دوامة العنف والفوضى غير المنضبطة. في هذا السيناريو، ينهار وقف إطلاق النار في غزة تمامًا، ربما بسبب انتهاك كبير أو رفض حماس للمرحلة الثانية، مما يؤدي إلى عملية عسكرية إسرائيلية واسعة، عنف طائفي متزايد في سوريا مع عودة خلايا إرهابية أو صراعات على السلطة في الحكومة الانتقالية، وحرب جديدة محدودة أو شاملة مع إيران، ربما بضربات على حزب الله أو الحوثيين تتطور إلى مواجهة مباشرة. في الوقت نفسه، تشتعل توترات حادة حول السد الإثيوبي، مع رفض إثيوبي لأي تنازلات في التشغيل، مما يدفع مصر والسودان إلى خيارات دبلوماسية قاسية أو حتى تهديدات عسكرية، مع تهديدات أمنية متزايدة في القرن الإفريقي، مثل تصعيد حدودي إثيوبي-إريتري أو هجمات الشباب في الصومال، وربما امتداد النزاع حول صوماليلاند إلى مواجهات بحرية. أما البحر الأحمر، فيشهد تصعيدًا يهدد الملاحة والتجارة العالمية بشكل مباشر، مع عودة هجمات حوثية مكثفة أو تدخلات خارجية، مما يضع مصر في مواجهة مباشرة لضبط الممرات البحرية، ربما من خلال عمليات عسكرية مشتركة أو تعزيز وجودها في موانئ إريتريا وجيبوتي. هذا السيناريو يعكس فشل إدارة الفوضى، مع عودة الحروب بالوكالة والتصعيد الإقليمي، مما يهدد بأزمات إنسانية جديدة وخسائر اقتصادية هائلة، ويضع مصر أمام اختبار قاسٍ لقدرتها على حماية مصالحها الحيوية في المياه والملاحة دون الانجرار إلى صراعات مفتوحة.

في النهاية، عام 2026 سيكون عام الحسم، حيث يعتمد مسار المنطقة على مدى نجاح الدبلوماسية في استغلال الزخم الهش من 2025، مع دور مصري محوري في كل السيناريوهات، سواء في ضبط الاستقرار البارد، أو قيادة الفرصة الإيجابية، أو مواجهة التصعيد السلبي بحكمة واستراتيجية.

إن الأمن والاستقرار الإقليميين لا يتحققان إلا من خلال قدرة الدول على إدارة الفوضى المنضبطة بفعالية، والتحكم في التحولات الاستراتيجية الكبرى عبر تحالفات متعددة الأطراف مرنة ومتوازنة، تجمع بين الضغط الدبلوماسي والحضور الأمني والتنسيق الاقتصادي، دون الوقوع في فخ التصعيد الشامل أو الفراغ الذي يملأه لاعبون غير مرغوبين من دون الدول. ويبقى الدور المصري محوريًا وغير قابل للإنكار، سواء في الحفاظ على التوازن الهش من خلال التنسيق متعدد الأطراف، أو في قيادة الجهود لتحقيق فرص الاستقرار الإيجابية، أو في مواجهة أي تصعيد محتمل بحزم يحمي المصالح القومية الحيوية. فمصر، بموقعها الجيوستراتيجي الفريد وبحكمتها الدبلوماسية الموروثة، ليست مجرد لاعب إقليمي، بل هي العنصر الحاسم الذي سيحدد ما إذا كانت المنطقة ستتجه نحو مرحلة جديدة من الاستقرار النسبي أم ستعود إلى دوامة النزاعات المفتوحة.

فعام 2025، الذي وُصف من قبل وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي بأنه “أحد أكثر السنوات تحديًا” بسبب التوترات الإقليمية المتزايدة، أثبتت فيه مصر دورها الاستراتيجي كقوة إقليمية محورية، تعتمد على سياسة “الاتزان الاستراتيجي” التي أعلنها الرئيس عبد الفتاح السيسي، والتي تجمع بين التنويع في التحالفات، الدبلوماسية النشطة، والحضور الأمني الدقيق. حيث ترسخ دور مصر كمركز ثقل يربط بين الشرق الأوسط وشرق إفريقيا، مع التركيز على أربعة محاور رئيسية؛ الأمن البحري في البحر الأحمر، أزمة المياه في حوض النيل، الاستقرار في القرن الإفريقي، والوساطة في الملفات الساخنة بالشرق الأوسط.

نقلا عن جريدة الجمهورية، الجمعة 2 يناير 2026

طباعة

    تعريف الكاتب

    أحمد ناجي قمحة

    أحمد ناجي قمحة

    رئيس تحرير مجلتى السياسة الدولية والديمقراطية