مقالات رأى

الحداثة الكاذبة!

طباعة

ما يميز أى شعب هو عاداته وتقاليده الموروثة وثقافته الخاصة المتراكمة من آلاف السنين، والثقافة والحداثة لا تعنى بأى حال من الأحوال تنظيم فعاليات وحفلات على النسق العالمي، ولا إتباع الموضة الأحدث، واقتناء الأجهزة الجديدة، ومناقشة قضايا شائكة، وتبنى مواقف صادمة أو مغايرة للتقاليد والعادات.

ومن هذا المنطلق وبالرؤية المتأنية لواقعنا، علينا أن نعترف بأننا نعيش حداثة كاذبة أفرزت أجيالا تتبنى ما هو مخالف للتقاليد والثقافة المصرية وغياب الوعى، وتبنى البعض محاولات مستميتة لهدم بعض القيم بزعم أنها لم تعد تصلح، ومن يتبناها رجعى متخلف فى نظر أصحاب النظرة الفوقية. من ينظرون إلى بعض فئات المجتمع نظرة دونية، هذا النموذج من الحداثة الكاذبة يتحقق تماما كنموذج فج وواضح فى الصعيد، من محمول وسيارات وأجهزة متطورة وحياة بائسة، وصلت إلى تسجيل محافظات كسوهاج وأسيوط وقنا الأكثر فقرا فى مصر بنسبة بلغت 66%، فى محافظتى سوهاج وأسيوط تليهما محافظة قنا بنسبة 58% بحسب تقرير صادر من الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء عام 2016، وفى رأيى أن النظرة الفوقية من البعض إلى هذا الجزء المهم من بلادنا التى ترسخت على مدار عقود كانت السبب الرئيسى لهذا الوضع المزرى، فلسنوات طويلة كان إهمال الصعيد حقا مكتسبا وواقعا أليما لا يريد أحد أن يفكر فيه أو يتقدم خطوة واحدة نحو تغييره.

من أين جاءت هذه النظرة الفوقية؟

سؤال مهم قد تكون إجابته الجاهزة المعلبة أن حالة الصعيد تعد مفارقة وتضادا عظيما، فإذا نظرنا إلى الأوضاع الاقتصادية والتنموية فى الصعيد لسنوات طويلة قد تمتد لنصف قرن، فإننا سنستنتج بالتأكيد، أنه عاش بلا تنمية، ولا بنية تحتية، ولا استثمار، ولا توظيف، ونسب البطالة فى تزايد مطرد، والتعليم مترد، والأوضاع الصحية بدائية، ومستويات المعيشة والدخل الفردى متراجعة، بلا طبقة وسطى أو نخبة اقتصادية تعمل كقاطرة للتحول الاجتماعى والاقتصادى، بسبب ما جرى من ترييف المدن وتمدن القرى "الكاذب".

حتى التقسيم العادى للمجتمع "عمال، فلاحون، طبقة وسطى، أغنياء" غير موجود بهذه الصورة الجلية، فالصعيدى، هو موظف حكومى صباحا، وفلاح بعد الظهر، وتاجر بالليل، وهو ما أنتج خللا اجتماعيا ووظيفيا، وأوجد أجيالا ضائعة ثقافيا وسلوكيا، لا تعرف لها أى قضية عليا تتمسك بها.

وهنا تتضح خطورة مسألة الوعى الذى غاب عن الصعيد طويلا، فهناك أناس لا صوت لهم "ولا حتى صورة"، مئات الآلاف من المصريين الصعايدة كانوا لا يمتلكون حتى مكانا ملائما لقضاء الحاجة، ولا بيوتا، ولا مدارس تقدم تعليما جيدا، وبالطبع لا مستشفيات، ولا أمل فى غد.

من هنا كان على الدولة أن ترفع شعارا واضحا ومحددا تبنته منذ عام 2014، "المصريون ليسوا فقط فى القاهرة، أو الإسكندرية" لابد من الاهتمام بكل المحافظات وعلى رأسها محافظات الصعيد وتطويره، العمل سريعا على تغيير النظرة المعلبة لهم التى ستجدها فى  الكثير من الكتب ووسائل الإعلام، والدراما التى تقدمهم يعيشون فى "جيتوهات" خاصة بهم. مواطنون فى الظل، بلا حقوق أو اهتمام. الجميع يتحدث عنهم، ولكن لا أحد يعرفهم حق المعرفة، فالصعيد فيه نحو 3000 قرية وعزبة "وليس نجوعا أو كفورا كما تروج الأدبيات الهزلية والسينما والمسلسلات التلفزيونية" على مدار عقود..

هنا نصل إلى النقطة الأساسية.. ماذا فعلت الدولة المصرية لتغيير هذا الواقع المؤلم  سياسيا واقتصاديا واجتماعيا؟

بعد سنوات من التهميش وندرة الخدمات والمشروعات التنموية بجنوب مصر، اتجهت الدولة فى السنوات الأخيرة، إلى تنمية الصعيد على كل المستويات والمجالات، إيمانا من الدولة بأهمية معالجة الفجوات التنموية بين محافظات الجمهورية لا سيما فيما يتعلق بمؤشرات الفقر والبطالة والأمية وتنمية رأس المال البشرى وذلك من خلال التركيز على تحقيق التنمية المستدامة فى صعيد مصر والعمل على ربط أولويات التوزيع الجغرافى بالاستثمارات العامة والخاصة على النحو الذى يعطى وزنا كبيرا للمحافظات الأكثر احتياجا لسد تلك الفجوات، خاصة محافظات الصعيد التى يسكنها ما لا يقل عن 35 مليون نسمة يمثلون تقريبا نحو 29,7% من إجمالى سكان مصر.

وتُوجت تلك الجهود بإصدار القانون رقم 157 لسنة 2018 الخاص بإنشاء "هيئة تنمية الصعيد"، ونص القانون على إنشاء هيئة عامة خدمية تُسمى هيئة تنمية الصعيد تتمتع بالشخصية الاعتبارية، وتتبع رئيس مجلس الوزراء.

ومن وقتها حظيت محافظات الصعيد باستثمارات حكومية قدرها 47 مليار بخطة عام 20/2021 تُشكِّل 25٪ من جملة الاستثمارات الحكومية الموزعة وبِنسبة زيادة 50٪ على خطة 19/2020، وهى سابقة لم تحدث من قبل أن يتم توجيه قدر كبير من استثمارات الدولة لمحافظات الصعيد فقط.

وباستثمارات حكومية قدرها 92.4 مليار جنيه خلال عام 2021 / 2022 لتنمية محافظات الصعيد عاود إقليم جنوب الصعيد واستحوذ على النسبة الكبرى من هذه الاستثمارات بنسبة 55.2% بقيمة 51 مليار جنيه، يليه إقليم وسط الصعيد بقيمة 22.1 مليار جنيه بنسبة 23.9%، وإقليم شمال الصعيد بنسبة 20.9% بقيمة نحو 19.3 مليار جنيه، حسب تقرير لوزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية.

وبلغ إجمالى الاستثمارات المخصصة لمحافظة سوهاج نحو 13 مليار جنيه، ويستحوذ قطاع الخدمات الأخرى على النصيب الأكبر منها بنسبة 60.2% يليه الصرف الصحى بنسبة 16.8% ثم قطاع الخدمات التعليمية بنسبة 8.3.%

وفى الأقصر تم تخصيص 4.84 مليار جنيه، ويأتى قطاع الخدمات الأخرى على رأس القطاعات الموجه إليها الاستثمارات بالمحافظة بنسبة 47.4.%

وفى محاولة للحد من الفقر بمحافظات الصعيد تم منح قروض للأسر محدودة الدخل لتنفيذ مشروعات صغيرة ومتناهية الصغر فى محافظات أسيوط وسوهاج وقنا بقيمة بلغت 174 مليون جنيه منذ عام 2014 وحتى عام 2017. كما تمت تغطية أكثر من 1700 قرية بالصعيد بمظلة برنامج (تكافل وكرامة) الذى يوجه 82% من إجمالى مخصصاته لمحافظات الوجه القبلى بإجمالى نحو 1,1 مليون أسرة. وتم زيادة المخصصات المالية لمصلحة مشروع التغذية المدرسية بالصعيد ليغطى أكثر من 9400 مدرسة بإجمالى تكلفة مالية تصل إلى 850 مليون جنيه فى العام الدراسى 2016/2017.

وخلال السنوات الماضية ارتفعت تمويلات المشروعات الصغيرة لمحافظات الصعيد بنسبة 44% خلال الفترة من أول يوليو 2014 وحتى 31 مايو 2021 التى بلغت تمويل 32.3 مليار جنيه وفق تقرير صادر عن جهاز تنمية المشروعات بعنوان "7 سنوات استقرار وتنمية"، وكشف جهاز تنمية المشروعات عن تضاعف حجم التمويل المنصرف منذ تولى الرئيس عبد الفتاح السيسى للمسئولية، حيث أتاح الجهاز 32.3 مليار جنيه كقروض للمشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر بما يعادل خمسة أضعاف النسب المحققة سنويا قبل تولى الرئيس المسئولية.

كما تم تمويل 1.4 مليون مشروع صغير ومتناهى الصغر أتاحت ما يزيد على  مليونى فرصة عمل، كما قام بضخ تمويل قدره 2.5 مليار جنيه لتنفيذ مشروعات البنية الأساسية والتنمية المجتمعية والتدريب أتاحت نحو 30.4 مليون يومية تشغيل للعمالة غير المنتظمة بكافة المحافظات.

ومع انطلاق عام المرأة 2017، شهدت مصر ثمة تغييرات جوهرية فى أوضاع المرأة عامة والمرأة الصعيدية خاصة؛ فجرى تمكينها على الأصعدة المختلفة، وتقلدت المناصب القيادية ودعمتها الدولة بمظلة تشريعية قوية حاربت تلك الموروثات، وذللت العقبات.

الخلاصة، الدولة المصرية تبنت تحديثات للصعيد تحافظ على الموروث، وتهدف فى الوقت نفسه إلى تغيير الإنسان، من خلال إقناعه وتعليمه، ليصبح مقتنعا وقادرا على ممارسة ثوابت ثقافية وفكرية جديدة فى حياته، وتؤدى إلى تهيئة الإنسان والمؤسسات وكل قوى المجتمع للانخراط فى تلك الحداثة بسلاسة وبدون هزات كبيرة تشوهها أو ترجعها إلى المربع الأول، أو تواصل حالة التغريب التى عاشها الصعيد لعقود طويل.

طباعة

    تعريف الكاتب

    رشدى الدقن

    رشدى الدقن

    مدير تحرير روزاليوسف