تحليلات - شئون دولية

تطورات الصراع فى أوكرانيا .. أزمة الغرب الأوسط

طباعة

حريق محدود يمكن السيطرة عليه .. حتى الآن!

تشير جميع المؤشرات الاقتصادية، وعلى رأسها أزمة كورونا، ومن قبلها موقف الطاقة عالميا، سواء موارد الوقود الأحفوري "النفط" وما سببته من أزمات على مستوى المناخ العالمي،  أو خريطة توزيع الغاز عالميا، بالإضافة إلى تعقيدات المشهد المالي دوليا واحتمالية الوصول إلى وضع متفجر بين الحكومات والدول، أو بمعنى أصح بين القيم المختلفة، يمكن أن يؤدي إلى نزاع عالمي عنيف يصلح لأن يطلق عليه الحرب العالمية الثالثة.

ولكن في حالة اندلاع شرارة صراع أو حرب عظمي، فإنها لن تتميز بحجم خسائر بشرية مثل الأولى والثانية .. إنما سيبدأ بخسائر مادية واقتصادية، طبقا لما قامت به البشرية من بناء وتعمير خلال العقود الماضية منذ نهاية آخر صراع عالمي مسلح من الناحية التاريخية والاقتصادية.

معركة القيم:

عقب انهيار الاتحاد السوفيتي ونهاية الحرب الباردة الأولى سادت قيم الغرب على المجتمع الدولي وسط بعض المقاومة من الجانب الصيني، وعدد من الدول التي حافظت على النظام الشيوعي. في حين عادت روسيا الاتحادية منذ منتصف العقد قبل الماضي إلى المشهد الدولي العالمي حتى وصلت إلى مكانة قوية حاليا في مواجهة القيم الغربية، وتجلى ذلك خلال حفل افتتاح دورة الألعاب الأوليمبية الشتوية بكين 2022، والتي أعلن فيها الرئيسين فلاديمير بوتين الروسي وشي جين بنج الصيني أنهما يقفان معا من أجل تحقيق عالم القانون لا عالم القواعد الذي قامت بفرضه الولايات المتحدة الأمريكية والغرب خلال العقدين الماضيين.

ودلالة هذه التصريحات توضح أننا بصدد الدخول في نظام دولي جديد متعدد الأقطاب قد يكون ثلاثي الأقطاب حال الاستقرار الاستراتيجي، وثنائي الأقطاب  حال الاستقطاب الاستراتيجي. والمتابع للأزمة الحالية في أوكرانيا يمكن أن يستشف أنه حتى اللحظة فهو ثلاثي بين (الولايات المتحدة وبريطانيا كقطب، وروسيا والصين كقطب ثان، أما القطب الثالث، فهو أوروبا الممزقة بين الطرفين، وعلى رأسها فرنسا وألمانيا).

الأزمة الأوكرانية وتأثير الدومينو:

وقع انفجاران في مدينة لوهانسك " انفجار سيارة مفخخة" ومدينة دونتسك "انفجار في خط غاز" على التوالي وفي أقل من أربع ساعات يوم الجمعة 18 فبراير 2022 .. تلك المدينتين موجودتان في شرق أوكرانيا بالقرب من الحدود الروسية وتعد أقرب مدينة روسية كبيرة منهما هي مدينة تدعى روستوف، وذلك من الناحية الجغرافية، ولم تسفر هذه الانفجارات عن وقوع خسائر بشرية، لكن بالطبع هي خسائر مادية، وخلال الأيام اللاحقة وقعت مناوشات أسفرت عن مقتل جنود أوكرانيين.

تلك المدن تقع في منطقة الدونباس في شرق أوكرانيا، وقد تشكل في هذه المنطقة منذ عام 2014 جمهوريتين انفصاليتين تسمى جمهورية دونتسك الشعبية وجمهورية لوجانسك الشعبية عقب مظاهرات "الميدان الأوروبي" التي وقعت في أواخر عام 2013، ونجحت في اسقاط الرئيس بترو بوروشينكو. وقد دخل الإنفصاليون معارك عنيفة أدت إلى مقتل الآلاف في عامي 2014 و2015 عقب وقوع اتفاق للتهدئة باسم "اتفاقية منسك" بين الانفصاليين والحكومة الأوكرانية برعاية أوروبية.

إن الوضع الحالي عقب قيام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في 21 فبراير 2022، بتوقيع مرسوم الاعتراف بجمهوريتى لوهانسك ودونيتسك كدول مستقلة أصبح شديد الخطورة وحساباته دقيقة للغاية، وبموجبه بدأت روسيا في إرسال قوات "حفظ سلام" روسية الى داخل الدولتين الحديثتين على النظام العالمي بموجب اتفاق بين قيادات الدولتين وروسيا. أما الجانب الأوكراني فقد أكد أنه لن يتخلى عن سيادة ووحدة أراضيه.

اتفاقية منسك القتيلة .. ما هي؟

 من ضمن المتطلبات الروسية قبل 21 فبراير كان شكل الأزمة في منطقة الدونباس في شرق أوكرانيا، التي تحتوي على جمهورية لوهانسك وجمهورية دونتسك الانفصاليتين، طبقا لاتفاقية منسك 2014، والتي وقعتها (روسيا – أوكرانيا- ألمانيا – فرنسا)، وتنص على وقف إطلاق النار بين أوكرانيا ودونتسك ولوهانسك بمراقبة المنظمة الأوروبية للتعاون الأمني مع تحقيق نوع من الحكم الذاتي للجمهوريتين الانفصاليتين باعتراف أوكراني، وهو الأمر الذي يرفضه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، ويلقى رعاية واضحة من الرئيس جو بادين في هذا الشأن، بل إن الولايات المتحدة قامت بتسهيل تسليم أسلحة دفاعية لأوكرانيا. ولكن ماذا تقول الناحية السياسية؟

تراجع بسيط لإنقاذ الغرب الأوسط

لا يزال الطريق الدبلوماسي يتبقى فيه بعض الأمتار الأخيرة لإيجاد مخرج وحل للأزمة الراهنة تتمثل ببساطة شديدة في نوع من التراجع يقدمه الغرب، وهنا تحديدا أقصد الغرب الحقيقي (الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة)، لأن باقي مكونات ما يدعى بالغرب فيمكن اعتبارها بمفاهيم الجغرافيا السياسية والاقتصادية "غرب أوسط" وهمًا بترتيب النفوذ السياسي (فرنسا – ألمانيا) وذلك بالطبع بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي فيما عرف بالبريكست عام 2016. ولكن هل يمكن أن يحدث ذلك؟

اذا أردنا أن نستشف المواقف الأخيرة، فإننا نجد التالي:

موقف الولايات المتحدة الأمريكية – ما دلالة رد الفعل؟

آخر ما قاله الرئيس الأمريكي من الحزب الديمقراطي جو بايدن أنه سوف يوجه عقوبات تجارية ومالية على لوهانسك ودونتسك، وأيضا على بعض الكيانات والأشخاص الروس .. ويعتبر هذا رد الفعل المباشر والأول..ولكن واقعيا لا قيمة له ولا يقترب من أقل توقعات الجانب الأوكراني الذى تخلى عن "اتفاقية منسك" التي تعد الأمل الأخير للحفاظ على الأراضي الأوكرانية الموحدة.

السؤال هنا: هل ستتوقف الولايات المتحدة الأمريكية عند هذا الحد .. بالتأكيد لا .. ولكن لم لا؟

فأمريكا لا ترغب في استنساخ تجربة خذلان جديدة لأحد حلفائها، حتى وإن كان الأمر لا يعنيها بشدة ولكن هيبة الولايات المتحدة - في حال عدم اتخاذ رد فعل يناسب تصريحات قيادتها السياسية خلال الأسابيع الماضية بتوقيع أشد العقوبات على روسيا في حال غزو أوكرانيا- فإن هيبتها ستهتز بشدة، وليست تلك هى المعضلة، وإنما ستحدث تخلخلا استراتيجيا عند قناعات حلفائها في قدرة أمريكا على مساندتهم بشكل مناسب لتحدياتهم..وما يزيد الأمر تعقيدا بسبب قرار بوتين الأخير .. أن الولايات المتحدة لا تجد حتى الآن المبرر الرئيسي لتنفيذ عقوبات قوية بغض النظر عن تأثير ذلك على حلفائها (لأن دخول قوات روسية إلى جمهوريات أعلنت استقلالها وترحب بها يختلف تماما عن الغزو المكتمل الأركان .. لذلك فإن الحل الوحيد لتنفيذ هذه العقوبات بشكلها الصارم هو عبور أي قوة عسكرية روسية خارج إطار حدود الجمهوريات الوليدة، ومن ثم اقتحام الأراضي الأوكرانية (وهذا في الأغلب لن يتم).

بالتالي، الحل الوحيد لقيام أمريكا بتوقيع العقوبات بشكلها الصارم هو اندلاع نزاع يضطر روسيا للعبور إلى الأراضي الأوكرانية خارج الجمهوريات الجديدة (الحل هنا بعد التوقف الروسي هو التحرك الأوكراني لغزو الجمهوريات الوليدة، مما قد يؤدي الي توسيع رقعة الصراع)، وسيكون المتسبب في هذا التصعيد المزعوم هو أوكرانيا نفسها!!

بغض النظر عن قناعات المجتمع الدولي باعتراف روسيا بلوهانسك ودونيتسك، فإن الولايات المتحدة مقتنعة أن روسيا ستقوم بغزو أوكرانيا، وتعتبر أن العاصمة الأوكرانية كييف سيتم استهدافها، ولكن لا يزال هناك أمل في الدبلوماسية .. ولكن لا أحد يعلم ما الفرص الدبلوماسية الآن، حيث إن مطالب روسيا التي تقدمت بها للولايات المتحدة وحلف الناتو كانت واضحة، وتتضمن (ضمان عدم انضمام أوكرانيا لحلف الناتو، وعدم زيادة قوة الحلف في شرق أوروبا، وأيضا الالتزام بما اتفق عليه الطرفان في عدم انضمام دول في شرق اوروبا للحلف في منتصف التسعينيات). وإذا نظرنا لكيفية حل هذه المطالب من ناحية الولايات المتحدة الأمريكية نجد أن كل التصريحات تضمنت التأكيد على (سياسة الباب المفتوح لدى حلف الناتو وحق الدول في الانضمام له) بما يؤكد أن الجزء الخاص بحلف الناتو لن تتراجع فيه الولايات المتحدة.

إذن، لا يبدو أن الإدارة السياسية الأمريكية تنوي الاتفاق السياسي أو الدبلوماسي وهذا يثير تساؤلات بخصوص النافذة الدبلوماسية التي يشير إليها جو بايدن، وهل تأتي من إدارة غربية أخرى؟

الموقف البريطاني:

مما لاشك فيه أن الموقف البريطاني حاد جدا تجاه هذه الأزمة، وعلى مستوى التصريحات والقرارات في بريطانيا، وبحسب تأكيدات رئيس حكومتها من حزب المحافظين بوريس جونسون أكد مرارا وتكرارا على دعم أوكرانيا، بل أكد على قرار بريطانيا بإرسال أسلحة دفاعية إلى أوكرانيا، مما يوحي بأن بوريس جونسون لديه صفر مشاكل سواء في تصعيد أوكراني أو روسي، ويوحي أيضا بتوجه بريطاني لدفع أوكرانيا إلى مستنقع أكبر.

كما أن وحدة الصف الداخلي في بريطانيا التي تأتي عبر تصريحات حزب العمال بأنه يقف بجانب الحكومة البريطانية أمام روسيا تدل على أن بريطانيا لا يوجد عندها مشاكل كبيرة في توجيه العقوبات على روسيا ، لكن ينبغي ألا ننسى أن بريطانيا بعد البريكست تكون قد فصلت مصير العقوبات عن مصيرها شأنها شأن الولايات المتحدة الأمريكية. لذلك، فإن دول الاتحاد الأوروبي هي فى واقع الأمر من تستحق وصف الغرب الأوسط (هم شركاء أمنيون عبر حلف الناتو ولكن ليسوا شركاء اقتصاديين).

الموقف الفرنسي:

من أدق وأخطر المواقف حاليا هو الموقف الفرنسي، حيث إن فرنسا هي الشريك الثالث للغرب .. وتعتبر أول دول الغرب الأوسط، فهي شريك لأمريكا وبريطانيا في حلف الناتو (شراكة أمنية)، وأحد أكبر دول الاتحاد الأوروبي بعد ألمانيا .. ولكن القيادة السياسية في فرنسا بزعامة الرئيس إيمانويل ماكرون تحاول ملء فراغ المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، وليس في هذا تقليل من شأن المستشار الجديد أولاف شولتز، ولكن فرصة ماكرون بحكم الظروف وضعته في هذا (المأزق أو الفرصة).

طباعة

    تعريف الكاتب

    إسلام القاضي

    إسلام القاضي

    باحث فى العلوم السياسية