مقالات رأى

انتقال سلس للسلطة في ظرف إقليمي دقيق

طباعة
رغم العارض الصحي الصعب الذي أصابه في الأسابيع الأخيرة من حياته، وعمره المتقدم، فإن رحيل الملك السعودي عبدالله بن عبدالعزيز قد أثار شعوراً بالصدمة في منطقة الخليج والعالمين العربي والإسلامي وكذلك في مختلف أرجاء العالم، نظراً لما تمتع به الراحل الكبير من مزايا قيادية ولما يتمتع به بلده الشقيق من مكانة كبيرة ووزن معتبر على مختلف الصعد وهي مكانة تعززت في عهده الذي اتسم بالاستقرار وتنامي النهضة الداخلية .
 
ويستذكر الخليجيون وأشقاؤهم العرب الجهود الهائلة التي بذلها الراحل من أجل إتمام المصالحة الخليجية والحفاظ على وحدة الصف الخليجي وتعزيز مؤسسة مجلس التعاون . كما يستذكرون التوجه الذي قاده الراحل الكبير من أجل إقامة اتحاد خليجي كهدف استراتيجي، وقد لقي هذا التوجه تجاوب غالبية الدول الأعضاء، بما يجعل منه هدفاً حيوياً برسم التحقق مستقبلاً متى نضجت الظروف لإقراره والسعي لإبرامه .
 
ولم يخفف من الشعور بالصدمة سوى الانتقال السلس للسلطة الذي تمّ خلال ساعة واحدة بين الإعلان الرسمي عن وفاة الملك عبدالله رحمه الله، وتسمية الأمير سلمان بن عبدالعزيز ملكاً سابعاً للبلاد، والأمير مقرن بن عبدالعزيز ولياً للعهد، والأمير محمد بن نايف ولياً لولي العهد وذلك في الساعات الأولى من فجر الخميس 23 يناير 2015 .
 
الحشد الكبير من قادة دول العالم الذين شاركوا في واجب العزاء بالراحل الكبير وبتهنئة الملك سلمان بن عبدالعزيز على حمل الأمانة، مثّل إقراراً بالمكانة الرفيعة التي ما فتئت تحتلها المملكة العربية السعودية لدى أشقائها وأصدقائها الكُثر كما بين مختلف دول العالم .
 
الأنظار الآن تتجه إلى المملكة في عهدها الجديد، بأن تواصل مسيرتها بعزم متجدد في ظل تحديات كبيرة تشهدها المنطقة الخليجية والعربية عموماً . ابتداء من الاضطراب لدى الجارة اليمن بعد أن استولى الانقلابيون فيها على السلطة من وراء ظهر الشعب، إلى موجة التطرف والتشدد التي تعصف بالمنطقة وفي مغرب العالم العربي كما في مشرقه، والتي أساءت كثيراً لصورة الإسلام والمسلمين، وألحقت الأذى والضرر بالمسلمين والمجتمعات الإسلامية بما يفوق الأذى الذي لحق بغير المسلمين، إلى التحدي الذي تمثله الطموحات التي لا يحدّها حد لطرف اقليمي يفاخر جهاراً بنفوذه الممتد من العراق إلى سوريا ولبنان وحتى اليمن، ويعتبر التدخل في شؤون الدول الأخرى حقاً مكتسباً له، إلى التحديات الاقتصادية مع انخفاض اسعار النفط لمستويات قياسية، ولكن بغير أن تهتز منظمة اوبك أو تجد منافسة ذات شأن لها في اسواق العالم، إلى التحدي الصهيوني التاريخي الذي لم يقع عليه تغير يذكر، وليس أدلّ على ذلك من مبادرة السلام العربية التي طرحها خادم الحرمين الراحل، ولم تلق آذاناً صاغية لدى المحتلين المتغطرسين .
 
وكما كان منتظراً، فقد أكّد الملك سلمان بن عبدالعزيز في كلمة متلفزة وجهها بعد ساعات من توليه الحكم على الاستمرار في النهج الثابت للملكة وملوكها و"لن نحيد عنه أبداً" . كما أكد إن "أمتنا العربية والاسلامية هي أحوج ما تكون اليوم إلى وحدتها وتضامنها" . 
 
والآن وبالنظر إلى مسيرة الملك الجديد والمواقع التي سبق أن تبوأها، وبالنظر أيضاً إلى طبيعة النظام السياسي السعودي، فإن غالبية التوقعات تذهب بالفعل إلى أن السياسة السعودية ستبقى على ثباتها وتماسكها ولن تشهد تبدلاً أو تحولاً، اللهم ربما سوى ببعض أساليب الأداء التي تميز البشر عن بعضهم بعضا لدى تقلدهم مواقع قيادية، وهو ما يعزز مسيرة الاستقرار في هذا البلد الكبير .
 
ومع هذه الارتسامات التي تلوح في أفق المملكة الشقيقة التي ما زال يلفّها الحزن على وفاة كبيرها، فإن الآمال تتطلع بأن يمضي هذا البلد العزيز على طريقه بعزيمة متجددة، وبإرادة وطنية على الجمع بين الثبات والتجديد الداخلي لمواجهة الاحتياجات المتنامية، والتنوع الذي يسم المجتمع السعودي، باطلاق الطاقات الشابة والحيوية في مختلف الميادين والحقول، من أجل اكتساب دينامية أكبر في تلبية الاحتياجات، والإفادة من القدرات الشابة ومن تنوع المشارب الثقافية، بما يكفل إضفاء المزيد من الحيوية على حركية المجتمع بمختلف شرائحه ومناطقه، وبما يحِدّ من نمو أية بيئة حاضنة للتطرف أو منتجة له تحت دعاوي مختلفة . وهو ما عانت منه المملكة طويلاً في أمنها على شكل موجات ارهابية، عبثت بالأمن في الداخل، أو ألحقت بعض الأذى بصورة المملكة في الخارج بفعل جموح أفراد عابثين مُغالين في تطرفهم .
 
إن أهل مكة هم أدرى حقاً بشعابها، وأشقاء المملكة يتمنون لها كل الخير والفلاح والمنعة، في فترة تشتد فيها التحديات الإقليمية، وليس أدلّ على ذلك من الاضطراب الكبير وغير المسبوق في اليمن المجاور، وفي حقبة تتغير فيها أولويات بعض المراكز الدولية بما فيها الدولة العظمى، بما يزكّي خيار الاعتماد على الذات بصورة أكبر، وبناء منظومة عربية إسلامية إقليمية أكثر تماسكاً واتساقاً وذات فاعلية ملموسة في سياساتها وأدائها، وهو ما افتقدته المنطقة منذ زمن غير يسير وبما سمح بهبوب الأعاصير السياسية، واستشراء موجة العنف وجماعاتها وميليشياتها ودعاويها المضللة، وبروز التدخلات الفظة في الإقليم بغير قناع يموهها أو حجاب يسترها . عهدٌ جديد، واستجابة ناجعة ومتجددة للتحديات بما يضمن أمن المملكة الشقيقة والمنطقة والإقليم ويحقق رفاه شعوبها، هذا جُلّ ما يصبو اليه أشقاء المملكة، وأصدقاؤها المخلصون .
 
---------------------------
* نقلا عن دار الخليج، الإثنين، 26/1/2015.
طباعة

تعريف الكاتب

محمود الريماوي