من المجلة - تقارير

جدلية المقاومة والتسوية:| ستون عاما من الصراع العربي – الإسرائيلي (أبريل 2008)

طباعة

من أرشيف السياسة الدولية العدد 172 أبريل 2008

فى صراع مصيرى، كالصراع العربى ـ الإسرائيلى، تكتسب الأسئلة حول الطرق المثلى لإدارته أهمية فائقة، إذ يترتب على الإجابات الصحيحة لهذه الأسئلة إمكان تحقيق طرف ما لأهدافه، أو على الأقل لجزء منها وبعد مرور  ستين عاما على نشأة دولة إسرائيل، التى تعد علامة فارقة فى تطور هذا الصراع، يزداد إلحاح الحاجة إلى البحث عن الإجابات الصحيحة، خاصة أن كلا من نهجى المقاومة والتسوية يبدو مأزوما، ولذلك فإن من شأن البحث أن  يساعد على إيضاح الأمور، ومن ثم اتخاذ قرارات رشيدة فى إدارة الصراع.

المقاومة أو التسوية. دروس الخبرة العملية:

يشتد الجدل فى الآونة الراهنة على الصعيد العربى عامة والفلسطينى خاصة حول نهجى التسوية والمقاومة، خاصة وقد انفرط عقد فصيلى المقاومة، الرئيسيين فى فلسطين، جغرافيا وسياسيا، بسيطرة حماس المتبنية خيار المقاومة  على قطاع غزة، وسيطرة فتح التى تتبنى قيادتها خيار التسوية على الضفة الغربية فهل يمكن أن تقدم القراءة المقارنة لخبرات التحرر الوطنى المعاصرة دروسا مفيدة فى هذا الصدد؟

كقانون عام، يكون التناقض بين المشروع الاستعمارى والوطنى واضحا منذ بدايته، فيؤدى إلى إرهاصات لمقاومة وطنية عفوية للاستعمار تأخذ عادة فى البداية الطابع العنيف، ربما لتصور جدواها فى دحض المشروع  الاستعمارى، نظرا لعدم الإلمام بأبعاده المتكاملة ومدى ضراوته ومع مرور الوقت،"تتعلم" الحركات الوطنية المزيد عن المشاريع الاستعمارية فتهدأ إلى حين، و"تتعلم" السلطات الاستعمارية المزيد عن حركات التحرر الوطنى  فتحسن أساليبها فى مواجهتها غير أن التناقض يأخذ فى التجذر مرحلة بعد مرحلة فتستمر هذه الحركات فى نضالها وتوسع نطاقه أفقيا على المستويين: الاجتماعى بضم طبقات جديدة للنضال والجغرافى بانتشار مكانى أوسع له،  وتطور أساليبه رأسيا على مستوى أشكال النضال وأدواته فاستمرار حركات التحرر الوطنى فى نضالها ليس إذن مجرد نبض روتينى يشير إلى بقاء الحياة، وإنما هو إرادة فعل متزايدة تتحرك بثبات بسرعة أحيانا، وببطء ـ فى  أغلب الأحيان ـ نحو تحقيق أهدافها ولا يعنى الاستمرار ـ كما تشير خبرات أغلب حركات التحرر الوطنى ـ النضال اليومى الذى لا يتوقف لحظة واحدة، فهناك التوقف الذى أعقب الهزائم والنكسات التى بقيت بالمنظور التاريخى  ظاهرة مؤقتة فى المسار العام لعملية التحرر الوطنى، وهناك التوقف الذى كان يعنى إعادة الحسابات والتخطيط للمواجهة.

ويؤدى هذا المسار المستمر تاريخيا والمتصاعد موضوعيا لحركات التحرر الوطنى إلى آلية أكيدة لتآكل المشروعات الاستعمارية نتيجة للضرر المتزايد الذى تلحقه هذه الحركات بمستعمريها وفى البداية، يصل الإخفاق فى إدراك  حقيقة الموقف وجوهر التاريخ من قبل المستعمرين إلى حد"العمى" الكامل، فيتصورون أن حركات التحرر الوطنى ما هى إلا ظواهر مؤقتة تطفح على جلد المشروعات الاستعمارية، فيعملون على استئصالها بإعمال القوانين والنظم  الاستعمارية من خلال استخدام مكثف لأدوات الإكراه ويرتبط ذلك عادة بمواقف سياسية بالغة التطرف ضد مطالب هذه الحركات، تكون هى فى حد ذاتها بعد ذلك خير دليل على بداية التآكل الحقيقى فى المشروع الاستعمارى، عندما  تبدأ هذه المواقف فى التغيير تحت وطأة الضغط المستمر والضربات المتزايدة لحركات التحرر وعند نقطة معينة، يكون من الواضح أن تكلفة المشروع الاستعمارى قد أصبحت تفوق العائد المترتب عليه، وعادة ما يستمر"العمى"  لدى نظام الحكم القائم فى الدولة الاستعمارية، فلا تحدث الاستجابة المطلوبة للمتغيرات الجديدة النابعة من بيئة حركات التحرر الوطنى وهنا، تصل آلية التآكل إلى قمتها بحدوث تغيرات سياسية فى معسكر المستعمر، قد تكون  جذرية فى بعض الأحيان، وتضطلع السلطة الجديدة فى الدول الاستعمارية بمهمة التكيف مع حركات التحرر الوطنى بضرورة التسليم بمطلبها فى الاستقلال السياسى.

ومن الأهمية بمكان أن نناقش، فى سياق تحليل ظاهرة المقاومة الوطنية لعمليات الاستعمار والاحتلال الأجنبيين، العلاقة الجدلية بين الكفاح المسلح والنضال السلمى فليس صحيحا أن كل مقاومة ينبغى أن تكون مسلحة، أو يستحسن  أن تكون ذات طابع سلمى إذ تظهر القراءة المتأنية لمسار حركات التحرر الوطنى من منظور أساليب النضال أن ثمة نموذجا يكاد يكون عاما، تتكشف أبعاده من خلال هذا المسار فتطبيق المشروعات الاستعمارية على أرض  الواقع، من خلال الغزو العسكرى بصفة خاصة، يولد إرادة المقاومة لدى الشعوب التى تستهدفها هذه المشروعات، تنعكس فى شكل مقاومة عنيفة لهذا الغزو غير أن الخلل العام فى ميزان القوى بين الاستعماريين والوطنيين يؤدى  بعد فترة تطول أو تقصر ـ وفقا للظروف الخاصة بكل حالة على حدة ـ إلى إخماد المقاومة العنيفة للوطنيين.

وتمر مرحلة من السكون، من الواضح أن المجتمع المقهور يتأمل خلالها فى كل ما جرى، ويعيد حسابات المواجهة، وذلك فى الوقت الذى تكون فيه أبعاد المشروع الاستعمارى قد بدأت تتكشف شيئا فشيئا عن أبشع صور الاستغلال  والقهر لجماهير الوطنيين وتبرز المقاومة من جديد، باعتبارها الطريق الوحيد والحتمى للخلاص، غير أنها تأخذ فى البداية الطابع السلمى السياسى، ربما للوعى بالخلل الهائل بين معسكر الاستعمار ومعسكر التحرر وتبرز طلائع  من الوطنيين لقيادة عملية المقاومة، ويتم بالتدريج جذب مزيد من القوى الاجتماعية فى عدد أكبر من المناطق إلى معسكر التحرر وفى لحظة معينة، يتأكد إفلاس الطابع السلمى السياسى وحده، وتبرز ضرورة إدخال الكفاح المسلح  فى المجرى العام للنضال، وتنطلق الشرارة الأولى فى اللحظة التى تثق فيها طلائع التحرر فى قدرتها على تحقيق النصر لكن تبنى الكفاح المسلح لا يعنى فى حد ذاته انتهاء المشكلات، فهناك بطبيعة الحال مشكلات مواجهة العنف  المضاد من الاستعماريين، وهناك مشكلة العلاقة بين النضال العسكرى والنضال السياسى، خاصة عندما يكون لكل من الأسلوبين رجاله، وهناك مشكلة الدعم الخارجى للكفاح المسلح، والذى يتوقف على ظروف لا تسيطر عليها هذه  الحركات بطبيعة الحال، وتؤدى هذه الظروف فى أحيان غير قليلة إلى تقلبات غير مواتية فى هذا الدعم.

وفى مواجهة هذه الإشكاليات، يلاحظ أن الكفاح المسلح فى بعض حركات التحرر الوطنى قد تصاعد ـ على الرغم من كافة الصعوبات الهائلة ـ وصولا إلى الاستقلال السياسى الكامل، بينما أصيب فى حركات أخرى بانتكاسات  واضحة أو ـ على الأقل ـ لم يفض إلى نتائج فعالة فى المواجهة مع المشروع الاستعمارى، الأمر الذى يفتح الباب للحديث عن ـ النضال السلمى ـ وهنا، يمكن الإشارة إلى الملاحظات الأربع التالية:

الملاحظة الأولى: إن الخيار بين النضال السلمى والكفاح المسلح ليس خيارا"مبدئيا" فى حركات التحرر الوطنى، وإنما هو خيار يتعلق بالتكتيك، ومن ثم فإن الانتقال من أسلوب إلى آخر أو المزاوجة بينهما ـ بحسب الظروف ـ لا  تمثل"تنازلا" أو"تشددا" أو"وسطية" فى حد ذاتها، ذلك أن الأمر يجب أن يقاس بالعائد الذى يترتب على أى أسلوب يتبع من منظور تحقيق حركة التحرر الوطنى لأهدافها وقد يقال فى هذا الصدد: وما الذى يستطيع النضال السلمى  أن يحققه من عائد؟ وهنا نسارع إلى القول إن الخيار المطروح ليس خيارا بين "اللاقوة" و"القوة"، فالقوة ليست بالضرورة مسلحة، والمقاطعة الاقتصادية مثلا أسلوب سلمى يمكن أن يرتب نتائج أكثر فعالية بكثير من الكفاح المسلح  فى ظروف معينة بالنسبة لعملية التآكل الاستعمارى وقد فشلت بريطانيا فى الهند، لأن الشعب الهندى بقيادة غاندى نجح فى تحويل ضعفه من المنظور المسلح إلى قوة سياسية، وذلك باستخدام وسائل غير مسلحة نجحت فى تقويض  الاحتلال وإرادته وثقته بنفسه.

والملاحظة الثانية: إن الخيار بين النضال السلمى والكفاح المسلح لا يبدو بأى حال خيارا نظريا، وذلك بمعنى أن أساليب النضال التى تأخذ بها حركات التحرر الوطنى تتبلور من خلال تطور عملية التحرر ذاتها ولا نقصد بذلك أن  نقاشا لا يحدث فى صفوف حركة التحرر الوطنى حول هذه المسألة، ولكننا نقصد معنيين محددين، أولهما: إن هذا الخيار لا يمكن أن يفرض من أعلى بتحليلات أكاديمية على سبيل المثال، أو من خارج الحركة التحررية ذاتها  وثانيهما: إن الانتقال الفعلى إلى أسلوب محدد من أساليب النضال يحدث على أرض الواقع، عندما يدرك المناضلون جدوى هذا الانتقال ومع ذلك، فثمة فائدة أكيدة دون شك فى دراسة الخبرات التحررية الأخرى واستخلاص  الدروس منها فى هذا الخصوص ووضعها أمام المناضلين لمجرد الاسترشاد بها.

الملاحظة الثالثة: إنه فى مجال المفاضلة بين النضال السلمى والكفاح المسلح، تبدو حجة التحسب لردود الفعل العنيفة من جانب السلطات الاستعمارية إزاء لجوء حركة التحرر الوطنى للكفاح المسلح حجة واهية، إذ تظهر خبرات  التحرر الوطنى أن هذه السلطات قد عاملت كلا من النضال السلمى والكفاح المسلح بنفس العنف وليست لدينا بطبيعة الحال أرقام محددة عن ضحايا النضال السلمى والنضال المسلح، كل على حدة، حتى نقول إن هذا الأسلوب أكثر  "أمانا" من ذاك ومن المؤكد أن الشعوب لا تسأل نفسها أصلا مثل هذه الأسئلة الترفية وهى تواجه الاستغلال والقهر الاستعماريين لكن الثابت على الأقل أنه لم يكن هناك تناسب على الإطلاق بين رد الفعل الاستعمارى والفعل  التحررى السلمى وتبرز المذابح الجماعية للوطنيين المسالمين فى الهند والجزائر وفلسطين وجنوب إفريقيا وغيرها شاهدا على ذلك بل إن عدم التناسب هذا كان فى حد ذاته هو العامل الذى حسم ضرورة الأخذ بالكفاح المسلح فى  عدد من الحالات.

والملاحظة الرابعة والأخيرة: إن الجدل النظرى حول الخيار بين النضال السلمى والكفاح المسلح يظهر المسألة ـ ربما لأنه نظرى ـ وكأنها "إما" "أو"، مع أن الخبرات العملية تشير إلى الحدوث الفعلى على أرض الواقع للمزاوجة  بين الخيارين.

ويشير النموذج العام لتطور حركات التحرر الوطنى إلى نجاحها فى تحقيق هدف الاستقلال السياسى من المستعمر غير أن هناك تمايزا واضحا فى صور الحصول على هذا الهدف، فهناك من هذه الحركات من نجح فى انتزاع  الاستقلال انتزاعا بقوة السلاح، بحيث إن الاتفاق الذى وقع مع المستعمر لم يكن سوى تسليم منه بالأمر الواقع الموجود فى الساحتين العسكرية والسياسية، ويكون الحصول على الاستقلال السياسى على هذا النحو حلا نهائيا للتناقض  السياسى بين الاستعمار وحركات التحرر الوطنى لصالح الأخيرة ويمكن أن نلحق الخبرات الفيتنامية والجزائرية واليمنية والأنجولية بصفة عامة بهذه الصورة من صور تحقيق الاستقلال السياسى غير أن هناك من حركات التحرر  الوطنى من حصل على الاستقلال السياسى من خلال تسوية تتضمن حلولا وسطا فى إطار التسليم بمطلب الاستقلال بطبيعة الحال، وذلك نتيجة لكون النضال التحررى لم يحسم المعركة لصالح حركات التحرر بالكامل ويمكن أن  نستشهد هنا بخبرات التسوية فى الجنوب الإفريقى (زيمبابوى وناميبيا وجنوب إفريقيا).

وتحدث التسوية عادة، لأن حسابات طرفى الصراع تشير بدرجة أو بأخرى إلى وجود مصلحة فى التسوية فعلى الجانب الاستعمارى، سبقت الإشارة إلى عملية التآكل التى يتعرض لها، والتى يأتى وقت لابد أن يشعر بآثارها  الحتمية، وفى هذه اللحظة، يصبح من الحكمة بالنسبة لمعسكر الاستعمار أن يبادر بإظهار المرونة والاستعداد للتسوية، لتحقيق أكثر من هدف، فهو ـ أولا ـ يأمل فى أن يحقق له هذا السلوك المرن فترة لالتقاط الأنفاس فى مواجهة  تصاعد النضال التحررى سلميا وعسكريا فى حالة نجاح بالونات المرونة التى يطلقها فى تخدير الحركة الوطنية وإشاعة الانقسام فى صفوفها وهو يأمل ـ ثانيا ـ فى أن يحصل من خلال المفاوضات على أفضل الشروط، خاصة إذا  نجح فى تحقيق الانقسام فى صفوف الوطنيين واستغلاله وهو يأمل ـ ثالثا ـ فى أن يفضى هذا كله إلى ضمان أن يجئ مجتمع ما بعد الاستقلال على النحو الذى يكفل لمصالحه الاستمرار.

وإذا كانت هذه هى الدوافع التى تحرك المعسكر الاستعمارى نحو التسوية، فما الذى يدفع حركات التحرر، التى يفترض فيها أن تكون مسلحة بوعى كامل بحتمية النصر، إلى قبول الحلول الوسط؟ يجب ألا ننسى ونحن نحاول  الإجابة على هذا السؤال أننا نتحدث عن نضال فعلى وليس عن مجادلات نظرية وهنا، فإن حركات التحرر الوطنى التى تتعرض بدورها لا للتآكل، فمسارها صاعد تدريجيا كما رأينا وإنما لخسائر مادية وبشرية رهيبة،  ولانقسامات شديدة ـ فى بعض الأحيان ـ فى صفوفها، ولتناقص أو توقف مصادر الدعم الخارجى فى ظروف معينة وهنا، يثور الجدل داخلها بقوة حول جدوى القبول بالتفاوض، وقد يؤدى هذا الجدل إلى مزيد من الانقسام كما يطمح  العدو، وقد يصل الأمر إلى حد انسلاخ الفصائل الأكثر اعتدالا، والتى تكون عادة الأقل أداء فى ميدان النضال ومسارعتها بالسير فى اتجاه العدو، مما يخلق ضغوطا إضافية على الفصائل الأكثر نضالية فى اتجاه قبول التسوية،  وعادة ما ينتهى الأمر بقبولها وبدء مرحلة من النضال السياسى ويكون من الأهمية بمكان هنا أن يأتى هذا القبول فى التوقيت السليم من وجهة نظر حركات التحرر والذى يفترض فيه أن يشير إلى توازن ـ ولو كان نسبيا ـ فى القوة  بينها وبين معسكر الاستعمار، وإلا فإن قبول التسوية لن يكون سوى بداية لقبول التنازلات.

وتتضمن هذه المرحلة عادة أعمالا تفاوضية مع العدو، سواء بطريق مباشر أو غير مباشر، وتواجه حركات التحرر الوطنى، هنا، فى سلوكها التفاوضى بمشكلة التنازلات التى يجب أن تقدمها وفى الواقع أنها ما دامت رضيت  بدخول المفاوضات فى الإطار السابق فلابد من توقع أنها ستقدم تنازلات، ويقدم بعضها بالفعل تنازلات واضحة، إما كتكتيك سليم أو كخطأ جسيم، وقد يترتب الخطأ أصلا على سوء توقيت قبول التسوية ومن هنا، فإن شروط التسوية  تكون مهمة للغاية فى العملية النهائية للحصول على الاستقلال، سواء هذه الخاصة بالمرحلة الانتقالية أو تلك المتعلقة بتنظيم مجتمع ما بعد الاستقلال، وقد تؤثر هذه الشروط على أمور بالغة الأهمية، مثل طبيعة القوى الحاكمة فى  هذا المجتمع وهذا يجعل الحديث عن الضمانات الموضوعية لمرحلة ما بعد الاستقلال يكتسب أهمية خاصة، وإن كان هذا موضوعا آخر.

موقع الصراع العربى ـ الإسرائيلى من جدلية المقاومة والتسوية:

فى محاولة الاستفادة من الدروس السابقة التى أمكن استخلاصها من الخبرات المعاصرة لحركات التحرر الوطنى، يمكن الإشارة إلى ثلاث ملاحظات رئيسية.

تكشف الملاحظة الأولى عن أن الصراع العربى ـ الإسرائيلى قد سار وفقا لنموذج حركات التحرر الوطنى الذى سبقت الإشارة إليه، وقد بدأ النضال التحررى الفلسطينى كرد فعل لتبلور المشروع الصهيونى على فلسطين منذ الربع  الأول من القرن الماضى، وما انتفاضة البراق فى العشرينيات وثورة 1936 فى الثلاثينات من ذلك القرن إلا علامتان بارزتان فى هذا الصدد وعقب إعلان دولة إسرائيل على معظم أراضى فلسطين فى 1948، استمرت المقاومة  الفلسطينية المسلحة وإن اتخذت فى البداية طابعا عفويا غير منظم، ثم بدأ الكفاح المسلح المنظم فى 1965 على أيدى حركة "فتح" وفى 1967 وبعد الهزيمة العربية فى مواجهة العدوان المسلح فى تلك السنة واحتلال أراض تابعة  لثلاث دول عربية هى مصر وسوريا والأردن، دخلت هذه الدول على خط استخدام الأداة العسكرية فى الصراع مع إسرائيل، بشكل أو بآخر، كما فى حرب الاستنزاف على الجبهة المصرية، اعتبارا من عام 1968 وحرب أكتوبر  1973 التى كانت عملا مشتركا بين مصر وسوريا.

وإذا كانت الظروف الذاتية والخارجية بالنسبة للنضال الفلسطينى المسلح قد أدت إلى محدودية نتائجه حتى نهاية الستينيات، فإن هذا النضال فى السبعينيات، وبصفة خاصة فى الثمانينيات، قد وصل إلى مستوى جماهيرى غير  مسبوق، بالغا ذروته فى انتفاضة الحجارة فى نهاية ذلك العقد، وتحديدا اعتبارا من ديسمبر 1987 وحتى تفجر أزمة الخليج الثانية باحتلال العراق للكويت فى أغسطس 1990 وبعد فترة من الهدوء الذى سببته ملابسات التسوية فى  العقد الأخير من القرن العشرين، تفجر النضال الفلسطينى المسلح فى شكل انتفاضة الأقصى اعتبارا من سبتمبر 2000 وحتى الآن وتضاف إلى سجل الكفاح العربى المسلح فى الصراع العربى ـ الإسرائيلى بطبيعة الحال المقاومة  اللبنانية التى بزغت اعتبارا من ثمانينيات القرن الماضى وتمحورت لاحقا حول حزب الله ويلاحظ أن كافة الإنجازات، التى حققها العرب حتى الآن على صعيد الصراع مع إسرائيل، قد تحققت بفضل المقاومة وحدها، فلم يكن ممكنا  أن تقبل إسرائيل الانسحاب من باقى شبه جزيرة سيناء، لو لم تكن القوات المصرية قد أثبتت بأدائها، قبل حرب أكتوبر 1973 وأثناءها وبعدها، أنها قادرة على إلحاق الهزيمة بالمحتل أو على الأقل رفع تكلفة بقائه فى شبه جزيرة  سيناء إلى درجة لا يحتملها ولم يكن ممكنا انسحاب القوات الإسرائيلية من لبنان بعد احتلالها فى 1982 بدون المقاومة اللبنانية والفلسطينية ضد الاحتلال ولم يكن ممكنا أن تهرب إسرائيل من الشريط الحدودى الجنوبى فى لبنان فى  2000 بدون مقاومة حزب الله ولم يكن ممكنا أن تفشل فى تحقيق أهدافها فى لبنان من خلال عدوانها عليه فى صيف 2006 بدون الأداء القتالى الرفيع لحزب الله وعلى الصعيد الفلسطينى، لم يكن ممكنا أن تقبل إسرائيل الاعتراف  بالشعب الفلسطينى ومنظمته ـ كما جاء فى اتفاقية أوسلو 1993 ـ بدون انتفاضة الحجارة ولم يكن ممكنا لشارون أن يتخلى عن قطاع غزة ويفكك مستوطناته الاستعمارية فى 2005 لو لم تتفجر انتفاضة الأقصى، وتفشل القوات  الإسرائيلية، المرة تلو المرة، فى القضاء عليها ومن منظور زمنى ممتد، فإن تحول السياسة الإسرائيلية من اعتبار الضفة والقطاع بالكامل أراضى إسرائيلية محررة إلى قبول فكرة إنشاء دولة فلسطين على جزء منها ـ مهما يكن  هذا الجزء ضئيلا ـ ليس إلا ثمرة من ثمار المقاومة.

تظهر الملاحظة الثانية أن الصراع العربى ـ الإسرائيلى قد دخل أيضا مسار التسوية، وفقا للنموذج السابق بيانه لحركات التحرر الوطنى المعاصرة غير أن المشكلة أن الطرف العربى قبل مبدأ التسوية فى لحظة انكسار (هزيمة  يونيو 1967)، ولذلك ظل نموذج التسوية مع إسرائيل متأثرا بهذه الحقيقة التى تشير إلى خلل بنيوى فى ميزان القوى العربى ـ الإسرائيلى ولذلك، فإن التسويات العربية ـ الإسرائيلية إما أنها لم تتم أصلا (المسار السورى)، وإما  أنها تمت وإن بشكل لا يحقق تطلعات الطرف العربى بالكامل، كما فى المسار المصرى، الذى تعيب التسوية فيه الشروط المتعلقة بتوزيع القوات المصرية فى شبه جزيرة سيناء وبصفة خاصة فيما يتعلق بالمنطقة الفاصلة بين مصر  وإسرائيل، وهو توزيع ثبت مؤخرا أنه غير قادر على التصدى لاجتياح جماهيرى فما بالنا بعدوان من دولة إقليمية كبرى؟ وإما أنها ـ أى التسويات العربية ـ الإسرائيلية ـ قد انتكست دوما وعادت إلى نقطة الصفر (اتفاقية كامب  ديفيد الثانية الخاصة بتسوية الصراع العربى ـ الإسرائيلى على المسارين الأردنى والفلسطينى فى ـ 1978 ـ اتفاقية أوسلو بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية فى 1993 ـ خريطة الطريق الأمريكية 2003). ويلاحظ أن ثمة  إنجازات لافتة قد تحققت دون تسويات أصلا، كما فى طرد القوات الإسرائيلية من لبنان بعد واقعة احتلاله فى 1982 ثم من الشريط الحدودى الجنوبى فى ذلك البلد فى 2000، ثم التصدى الناجح للعدوان الإسرائيلى فى 2006.

ويعنى ما سبق أن الخلل فى ميزان القوى العربى ـ الإسرائيلى ما زال قيدا على إمكان التوصل إلى تسوية شاملة ومتوازنة ـ ولا نقول عادلة ـ فى الصراع، وأن ثمة جهدا فائقا ينبغى بذله لتصحيح ذلك الخلل من خلال استمرار  مقاومة الاحتلال وتصعيدها غير أن المعضلة العربية عامة والفلسطينية خاصة تشير إلى أن هذه المقاومة تواجه فى الوقت الراهن ومنذ عدة سنوات صعوبات هائلة على النحو الذى يمثل قيدا واضحا على إنجازاتها، وهو ما ينقلنا  إلى الملاحظة التالية.

فى هذه الملاحظة الثالثة والأخيرة، نشير إلى أن المقاومة العربية فى الصراع مع إسرائيل تواجه صعوبات على كافة الأصعدة على النحو التالى:

فعلى الصعيد العالمى، نجحت إسرائيل فى أن تستغل توجهات إدارة الرئيس الأمريكى جورج بوش الابن، خاصة عقب أحداث الحادى عشر من سبتمبر 2001، فى أن تقنع هذه الإدارة بأن ثمة تطابقا بين حربها العالمية على  الإرهاب وبين حرب إسرائيل على المقاومة الفلسطينية، وبالتالى تبنت هذه الإدارة من المواقف ما عقد الأمور كثيرا بالنسبة للمقاومة، ووصل إلى ذورة جديدة فى الانحياز إلى إسرائيل ودعمها وهكذا، أصبحت الإدارة الأمريكية  ترى أن السلام فى الشرق الأوسط مرتهن بيد حفنة من الإرهابيين (خطاب الرئيس الأمريكى جورج بوش فى يونيو 2002)، وبالتالى فإنه يبدأ بالقضاء عليهم (وليس بتغيير سياسة الاحتلال الإسرائيلى أو حتى تعديلها)، وأصبح  الرئيس جورج بوش نفسه لا يرى أن عودة اللاجئين إلى وطنهم أمر عملى، وكذلك الحال بالنسبة لتفكيك الكتل الاستيطانية الكبرى فى الضفة الغربية (المؤتمر الصحفى مع رئيس الوزراء الإسرائيلى آرييل شارون فى أبريل  2004) كما أخذ يؤكد علينا، وبصفة خاصة فى سنتى 2007 و2008، دعمه لمبدأ يهودية الدولة الإسرائيلية بكل ما ينطوى عليه من تداعيات فادحة.

وعلى الصعيد الإقليمى، تراجع التأييد العربى للمقاومة الفلسطينية على نحو لافت ويبدو معقولا أن مرد هذا التراجع إلى عاملين، أحدهما ذاتى والآخر خارجى أما العامل الذاتى، فهو انفضاض عدد من الدول العربية من حول  المقاومة الفلسطينية عقب رهانها الخاسر على صدام حسين إبان احتلاله للكويت فى 1990 وأما العامل الخارجى، فهو تأثر الحسابات العربية بالموقف الأمريكى من المقاومة السابق الإشارة إليه.

وهكذا، تحول النظام العربى الرسمى من المبادرة بتأسيس المقاومة الفلسطينية وتبنيها (كما فى قمتى القاهرة والإسكندرية فى 1964) وحمايتها من مخاطر الصدام مع الدول التى تعمل على أراضيها (كما فى قمة القاهرة 1970)  إلى الاكتفاء بدعمها لفظيا واقتصاديا (كما فى القمم التى عقدت عقب انتفاضة الحجارة 1987 وانتفاضة الأقصى 2000) إلى المشاركة فى حصارها بل ولومها كما هو الحال منذ عام 2006 بعد فوز حماس بالانتخابات التشريعية  فى مطلع تلك السنة، وإبان العدوان الإسرائيلى على لبنان فى صيف 2006 ويلاحظ أن الدعم الإيرانى للمقاومة اللبنانية والفلسطينية قد تبلور فى إطار هذا الفراغ الذى نجم عن تخلى النظام العربى عن المقاومة.

وعلى الصعيد الفلسطينى، وقعت المقاومة فى الشرك الذى نصبته لها اتفاقيات أوسلو 1993 بقبولها ـ أى المقاومة ـ فكرة تأسيس سلطة فى ظل الاحتلال وعن طريق هذا القبول، تم تحييد أهم فصائل المقاومة الفلسطينية فى حينه،  وهى حركة فتح التى تحولت من قوة مقاومة ضد إسرائيل إلى شرطة محلية تقف بينها وبين الشعب الفلسطينى، ناهيك عن آثار انغماسها فى "الحكم" ومغانمه وفى البدء، نأت "حماس"- أهم فصيل مقاوم بعد فتح ـ بنفسها عن  المشاركة فى لعبة أوسلو، غير أنها غيرت توجهها الاستراتيجى، عندما قررت خوض الانتخابات التشريعية فى مطلع 2006 وبفوز حماس بهذه الانتخابات، انضمت إلى شقيقتها فتح فى ابتلاع طعم السلطة الذى يتناقض مع منطق  حركات التحرر الوطنى القائم على الكر والفر، فأصبح لحماس مقار رسمية يمكن تدميرها بصواريخ إسرائيلية وقيادات علنية يمكن اغتيالها وهكذا، تراجع الأداء المقاوم لحماس.

وزادت الأمور سوءا بالحصار الذى فرض على حماس من قبل فتح بقيادة رئيس السلطة الوطنية المنتمى إليها، وهو الأمر الذى أفضى إلى الصدام المسلح الكامل بين الحركتين فى يونيو 2007، والذى وصل بالمقاومة الفلسطينية  إلى أخطر مراحلها بانشغال فصيليها الرئيسيين بترسيخ وجود كل منهما على الأرض التى يقف عليها فى مواجهة شقيقه، مما يمكن تصور تأثيره الفادح على ـ فعل المقاومة ـ وإمكانات التسوية معا فالمقاومة تخسر، بداهة، ولو  جزءا من إمكاناتها بسبب هذا الصدام، وعملية التسوية مستحيلة فى ظل وجود رأس للسلطة الفلسطينية لا يسيطر على كافة أراضى ما يسمى بالحكم الذاتى الفلسطينى.

وعلى الصعيد الفكرى، تواجه المقاومة بأنصار ـ ثقافة الخنوع ـ الذين لا يفتئون يؤكدون أن طريقها مسدود، وأن جريمتها فى حق شعبها لا تغتفر، أو أنها بأعمالها غير الناضجة (كإطلاق الصواريخ على سبيل المثال) لا تتسبب إلا  فى مزيد من العنف الذى تمارسه إسرائيل ضد الشعب الفلسطينى وهذا المنطق مردود، أولا لأن النهج البديل (أى التسوية) عقيم، وسيبقى كذلك دون ممارسة فعل مقاوم حقيقى وثانيا، لأن تاريخ المشروع الصهيونى على أرض  فلسطين ـ كأى مشروع استعمارى ـ يشير إلى أن العنف المفرط سمة من سمات الاستعمار، بغض النظر عن أعمال المقاومة المضادة له وهل يمكن ـ على سبيل المثال ـ أن نقارن العنف الإسرائيلى الحالى الذى يرده أنصار ثقافة  الخنوع إلى إطلاق الصواريخ الفلسطينية بالعنف الذى مورس ضد الشعب الفلسطينى لحظة نشأة دولة إسرائيل وعقبها؟

ختام:

هكذا، تبدو معضلة المقاومة/ التسوية فى الوضع العربى فى سياق الصراع مع إسرائيل فالتسوية مستحيلة، لأن ثمة خللا بنيويا فى ميزان القوى العربى ـ الإسرائيلى يجعل دولة الاحتلال فى غير عجلة من أمرها لإنجاز تسوية،  والمقاومة تواجه صعوبات هائلة بسبب المتغيرات التى أشير إليها فى السابق ولكى يصل العرب والفلسطينيون إلى تسوية متوازنة، فإن ثمة جهدا خارقا يتعين عليهم بذله، يبدأ بإعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية، والتخلص من أوهام  أوسلو (السلطة الوطنية فى ظل الاحتلال)، والتفرغ بدلا من ذلك لمهمة إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية فى ظل المتغيرات الجديدة فليس معقولا أن تكون المنظمة ـ وفقا لقرار القمة العربية فى الرباط فى 1974 ـ هى الممثل  الشرعى والوحيد للشعب الفلسطينى، دون أن يكون فيها تمثيل لحماس فإذا نجح الفلسطينيون والعرب فى مهمة إعادة البناء هذه، أصبح بمقدورهم أن يديروا حوارا حول الاستراتيجية المثلى للنضال مع إسرائيل والتى يجب أن تتبنى  رؤية واضحة ومتماسكة لإدارة الصراع، وتحدد أدوات النضال لتحقيق هذه الرؤية، بدءا بالعمل الدبلوماسى والإعلامى، ومرورا بالمقاطعة الاقتصادية والعصيان المدنى، وانتهاء بالنضال المسلح وعلى الظهير العربى للمقاومة أن  يدرك أن نكوصه عن دعم هذه المهام المطلوبة لن يكون له من نتيجة سوى زيادة الاختراق الإيرانى والأمريكى للنظام العربى، ما دام يتوانى عن الوفاء بمهامه الأساسية.

طباعة

    تعريف الكاتب

    د.أحمد يوسف أحمد

    د.أحمد يوسف أحمد

    أستاذ العلوم السياسة - جامعة القاهرة