مصر - مكافحة الإرهاب

كيف كشفت عملية سيناء مصادر التجنيد الجديدة للإرهاب؟

طباعة
كشفت عملية سيناء الشاملة 2018 لمكافحة الإرهاب في مصر، عن دلالة أساسية تتعلق باتجاه الإرهابيين لتجنيد الهاربين الجنائيين، حيث ألقت قوات إنفاذ القانون على عدد منهم ممن يساندون الإرهابيين أثناء العملية. ويثير ذلك تساؤلا حول الأنماط غير التقليدية التي تلجأ لها التنظيمات الإرهابية لتجنيد عناصر جديدة قد لا تكون مرئية بالنسبة لمكافحة التطرف، خاصة في ظل تراجع المعيار الفكري والتنظيمي كأحد محددات صناعة الإرهابي.
ويمثل التجنيد أهمية قصوى بالنسبة للتنظيمات الإرهابية، لأنه يضمن لها البقاء على قيد الحياة، لذا كانت غالبا ما تضع ضوابط صارمة على هذا التجنيد، حيث كان يشترط الالتزام الفكري والتنظيمي، حتى يمكن للفرد أن يصبح عضواً في التنظيم، وهو ما يعرف بـ"سياسية الانتقاء".
لكن في ظل رغبة هذه التنظيمات في ضم أكبر عدد من العناصر لصفوفها، في ظل الظروف والمتغيرات الضاغطة عليها، بدأت في التغاضي عن ذلك الشرط، ولجأت إلى ما يعرف بـ"سياسة التجميع"، والتي تقوم على ضرورة ضم أكبر عدد من العناصر للاستفادة منهم، بغض النظر عن العامل الفكري، الذي كان يعد الشرط الأساسي للانضمام، وهذا لا يعنى إن كل هذه العناصر الجديدة لا تعتنق الأفكار المتطرفة.
 
مصادر التجنيد الجديدة
يمكن تحديد أهم مصادر التجنيد الجديدة للإرهابيين على النحو الآتي:
(*) صغار السن: حيث توسعت التنظيمات الإرهابية، خلال الفترة الأخيرة، في تجنيد الأطفال الصغار، خاصة تنظيم "داعش" الذي أصبح يعتمد عليهم بشكل كبير، خاصة في مناطق نفوذه في العراق وسوريا، حيث كان يطلق عليهم أشبال الخلافة، وقام بإنشاء معسكرات يتم فيها تدريب الأطفال من سن السادسة حتى الثانية عشر، على أعمال القتل والعنف. ولم يكتف التنظيم بذلك فحسب، بل قام  بإنشاء ما يسمى بـ"مدارس الأشبال"، التي أعلن عنها في مايو 2017، وتهدف إلى خلق جيل داعشى جديد، حيث يتم انتقاء مجموعة من الأطفال يتم تلقينهم الفكر الداعشى بصورة مكثفة، ليضمن من خلالهم بقاء الفكر أطول فترة ممكنة من الوقت، لاسيما في حالة التعرض للانهيار التنظيمي.
أما بالنسبة لتنظيم القاعدة، فقد صارت بعض فروعه تتوسع بشكل ملحوظ في تجنيد الأطفال، خاصة حركة شباب المجاهدين الصومالية، التي أشارت تقارير عدة في مطلع العام الجاري 2018، إلى قيامها بحملة تجنيد إجباري للأطفال في مناطق سيطرتها، لاستخدامهم في إعمال القتال والعنف، وهو ما دفع العديد من الأطفال إلى الفرار من منازلهم، خوفاً من ذلك التجنيد، وينبع حرص التنظيمات الإرهابية على تجنيد الأطفال، لسهولة تجنيدهم. ومن ثم، استغلالهم في العديد من الأنشطة الإرهابية مثل، أعمال المراقبة والرصد والتهريب، فضلا عن الإعمال العسكرية والهجمات الانتحارية.
(*) الفتيات القاصرات: تعد جماعة "بوكو حرام" النيجيرية، أكثر التنظيمات الإرهابية تجنيداً للفتيات، لاسيما القاصرات منهن، خاصة بعد أن قامت بمبايعة تنظيم "داعش"، في مارس 2015، حيث يتم استخدامهم بشكل كبير في الهجمات الانتحارية، حتى أصبحت واحدة من أهم أسلحتها الدموية، ليس في نيجيريا فحسب، بل في الدول المجاورة.
 وقد بدأت الجماعة في استخدام الفتيات في تلك الهجمات منذ يونيو 2014، وظلت الجماعة تتوسع في استخدام الفتيات في تلك الهجمات حتى مطلع العام الجاري، على غرار الهجوم الذي نفذه ثلاث فتيات في سوق للسمك شمال شرق نيجيريا، وذلك في السابع عشر من شهر فبراير الجاري، مما أدى مصرع ثمانية عشر شخصا وإصابة أثنين وعشرين آخرين.
ومثل ذلك قلقاً كبيراً للحكومة النيجيرية، حتى أصبح مجرد اقتراب الفتيات من نقاط الجيش والشرطة يعد تهديدا مباشرا، وهو ما كان يدفع قوات الأمن إلى المبادرة بإطلاق النار، وهو ما أدى إلى تعرض العديد من الفتيات والنساء للقتل من قبل السلطات اعتقاداً بأنهن يحملن أحزمة ناسفة لتفجير أنفسهن.
 وتمثل النساء والفتيات القاصرات موردا بشريا غير مكلف بالنسبة للتنظيمات الإرهابية، نظراً لسهولة جذبهن وتجنيدهن للقيام بالعديد من المهام، مثل، تهريب الأسلحة، ونقل الأموال والرسائل والتكليفات، إلى جانب العمليات الإرهابية، وذلك في ظل قدرتهن على التحرك والتنقل دون قيود كبيرة، بسب القيود الاجتماعية التي تحظر بشكل كبير تفتيش النساء ومطاردتهن.
(*) العناصر الإجرامية: حرصت التنظيمات الإرهابية المختلفة مؤخراً، على ضم اكبر عدد ممكن من العناصر الإجرامية لصفوفها، من الذين كانوا يمارسون أعمال السرقة والقتل أو تجارة المخدرات، ويعد أبو مصعب الزرقاوى –الأب الروحي لداعش- أهم النماذج في ذلك الإطار، حيث كان يحمل سجلا جنائيا حافلا بالجرائم قبل انخراطه، في صفوف القاعدة، ومع مرور الوقت صارت التنظيمات الإرهابية تتوسع في تجنيد العناصر الإجرامية، خاصة تنظيم "داعش"، لما تتسم به تلك العناصر قسوة وعنف ومهارة تنظيمية.
وربما تعد الخلية التي شنت هجمات باريس في نوفمبر 2015، المثال الأبرز على ذلك، فـ"صلاح عبد السلام" أحد أبرز المتورطين في الهجمات والذي ألقى القبض عليه عام 2010، مع صديقه "عبد الحميد اباعود"-العقل المدبر للهجمات- كانا متهمين بالسرقة وتعاطي المخدرات الاتجار فيها، قبل انضمامهم لداعش، وحتى شقيقه الأكبر "إبراهيم عبد السلام" وهو أحد الانتحاريين الذين نفذوا الهجمات، كان قد سبق سجنه لمدة ثلاثة أشهر في بلجيكا عام2015، بتهمة السرقة. كما أن الانتحاري "عمر إسماعيل مصطفاوى" الذي قتل في الهجمات، وكان أول من أعلنت السلطات الفرنسية الكشف عن هويته، كان صاحب سجل جنائي حافل لدى الشرطة الفرنسية.
وتكمن أهمية العناصر الإجرامية بالنسبة للتنظيمات الإرهابية كونهم يملكون قدراً كبيراً من الجرأة على العنف وتنفيذ العمليات النوعية، مقارنة بغيرهم من العناصر التقليدية، نظراً لخبرتهم السابقة في العمل الإجرامي، لذا تجدهم غالباً ما يتصدون للقيام بالعمليات التي تحتاج إلى قدر كبير من التخطيط والمراقبة وسرعة التنفيذ.
(*)عناصر المرتزقة: سعت بعض التنظيمات الإرهابية مؤخراً خاصة في ليبيا، إلى جذب بعض العناصر من المرتزقة إلى صفوفها، خاصة من تشاد والنيجر ومالي إضافة إلى دارفور السودانية، للاستفادة من خبرتها القتالية والتنظيمية، وقدرتهم على التعايش مع الظروف الطبيعة والمناخية الصعبة القتال فيها، كما أنهم يتسمون بالقسوة والشراسة وتنفيذ العمليات الدموية، كما أن تلك العناصر دائماً ما يكون ولائها لمن يدفع أكثر، بغض النظر عن توجهاته وأفكاره وأهدافه، وهذا ما أدى إلى تسابق التنظيمات الإرهابية على تجنيد تلك العناصر، وهو ما أدى إلى انتشارها على نطاق واسع في ليبيا.
وربما هذا ما دفع رئيس المجلس الرئاسي الليبي، فائز السراج، إلى التصريح في العاشر من فبراير الجاري، بضرورة تطهير البلاد من تلك العناصر من أجل ضمان أمن واستقرار المنطقة وسلامة مواطنيها، محذرًا من أنه لن يسمح بتواجد تلك العناصر في البلاد. كما حذر مدير جهاز الأمن التشادي "أحمد كوقري"، في حوار صحفي له في السادس من أكتوبر 2017، يحذر فيه من خطورة وجود مجموعات سودانية وتشادية مرتزقة، تتمركز في الجنوب الليبي وتقاتل إلى جانب أطرافٍ ليبية حسب الطلب. 
(*) العناصر الطائفية: يدفع تخوف بعض المواطنين في المناطق التي تشهد صراعات طائفية، إلى الانخراط في صفوف التنظيمات الإرهابية أو على الأقل مساندتها، من أجل الاحتماء بها من ذلك العنف الطائفي كما في العراق وسوريا. إذ حرص تنظيم داعش على جذب تلك العناصر إلى صفوفه، نظراً لما ما قامت به مليشيات الحشد الشعبي من أعمال عنف طائفية في المناطق التي حررتها من قبضة التنظيم. بالتالي، فإن العامل الطائفي ساهم في إيجاد مورد بشرى جديد للتنظيمات الإرهابية.لاسيما وأن العديد من الصراعات  في المنطقة قد أتخذ بعداً طائفياً بامتياز.
إن توسع التنظيمات الإرهابية في تجنيد العناصر غير التقليدية الجديدة يعود بشكل أساسي إلى حاجتها إلى هذه العناصر في هذه المرحلة، سواء لتعويض النقص أعداد مقاتليها ورغبتها في عدم التضحية بمقاتليها الأساسيين، أو رغبتها في التغلب على بعض العقبات التي تواجه نشاطها الإرهابي.
لذا، يبدو أن التنظيمات الإرهابية ستستمر في تجنيد هذه العناصر، طالما ظلت تمارس نشاطها الإرهابي، الأمر الذي بات يفرض على دول المنطقة ضرورة وضع إستراتيجية واضحة لمواجهة مصادر التجنيد غير المرئية، التي باتت تمثل مورداً بشرياً هاماً للتنظيمات الإرهابية، قبل أن يستفحل خطرها ولا يمكن السيطرة عليه في المستقبل.
 
طباعة

    تعريف الكاتب

    علي بكر

    علي بكر

    نائب رئيس تحرير السياسة الدولية وخبير الحركات المتطرفة