هل انهارت «الرأسمالية المتوحشة»؟
22-5-2016

سمير التنير
*
منذ صعود ظاهرة العولمة في تسعينيات القرن الماضي، حدث ارتفاع كبير في أعداد الأثرياء الذين تقدّر ثرواتهم بمليارات الدولارات، وقد امتلك هؤلاء شركات عملت في صناعات النفط والبناء، وكانت على علاقة حميمة مع حكومات بلادهم. وقد استمرّ ذلك لمدة عقدين من الزمن، ارتفعت فيه ثروات الأغنياء إلى ذرى خيالية.
 
لكن يبدو الآن أن عصر «الرأسمالية المتوحشة» في مأزق. فقد وضعت الحكومة الهندية، مثلاً، يدها على امبراطورية فياهي مالايا التي اقتربت من حافة الإفلاس. وفي البرازيل اعتقلت السلطات مالكي شركة «أوبدرخت»، وهي شركة المقاولات الأكبر في البلد، لاشتراكها في فضيحة شركة «بترو براس» النفطية المملوكة من الدولة. وقد شارك في تلك القضية عدد كبير من السياسيين من مختلف الأحزاب. وأدّت في آخر الأمر إلى إقصاء ديلما روسيف عن منصبها كرئيسة للجمهورية في البرازيل. وفي ماليزيا وضعت شركة IMDP تحت الحراسة لاتهامها بقضية احتيال دولي. وفي الفليبين رشح رودريغو وتريه وهو من حيتان المال الكبار، نفسه للانتخابات الرئاسية، وينوي تحويل النظام السياسي نظاماً إقطاعياً.
 
لم تكن الأجواء ملائمة للرأسمالية المتوحشة الراكضة نحو الأرباح الكبرى. حدث انخفاض في أسعار معظم السلع، ما أدى إلى انحدار قيم المناجم والفولاذ وآبار النفط. وشهدت الأسواق الناشئة انخفاضاً في ناتجها المحلي وقيمة عملاتها وتوقف صعود قطاع العقارات في القارة الآسيوية.
 
وكنتيجة لذلك انخفضت قيمة ثروات أصحاب المليارات إلى 1.75 تريليون دولار. أي 16 في المئة أقل مما كانت عليه في العام 2014. وبرغم التباطؤ، فمن المبكر القول إن الرأسمالية المتوحشة ذاهبة إلى الزوال. وفي أميركا يكاد الملياردير الكبير دونالد ترامب يحصل على ترشيح الحزب الجمهوري له للانتخابات الرئاسية. وهو يحوز على المرتبة 104 بين أثرياء العالم لامتلاكه مؤسسات ترفيه في مدينة «أتلانتيك» وعقارات في نيويورك.
 
تتراكض الشركات الصناعية الكبرى في العالم للحصول على «الريع الربحي». وهو تعبير يستعمله خبراء الاقتصاد عند الحديث عن الناتج المتأتي من الإنتاج والأرض والآلات والاستخراج. أي الحصول على العائد زائد الريع ويكون الربح الذي يحصلون عليه أكثر مما لو كانوا يعملون في سوق تنافسية. وهنا تتشكّل الاحتكارات والكارتيلات والشركات المندمجة. وكل هؤلاء على علاقة متينة بأجهزة الدولة. وفي الزمن، الحالي تحصل شركات الاتصالات والعقارات والمقاولات والبناء على أرباح كبرى لا تستحقها.
 
إن «الرأسمالية المتوحّشة» الراكضة وراء الريع والأرباح الكبرى تضرّ بثقة المواطنين بحكوماتهم، حيث تسود الرشوة والفساد. كما تختار تلك الشركات مواقع الإنتاج والبناء التي تخلو لها، وتمنع صغار المستثمرين من العمل. وعلى الحكومات أيضاً، وضع رقابة شديدة على البنوك التي تملكها. وقد أعطت بنوك حكومية في الهند والبرازيل والصين وغيرها من البلدان قروضاً هائلة، أصبحت بعد ذلك ديوناً هالكة. وعلى الحكومات أيضاً مراقبة رساميل الشركات وأرباحها التي تضعها في بلاد توصف بالجنات الضريبية (مثل بنما) للتهرب من دفع الضرائب المترتبة عليها.
 
-----------------------------------
* نقلا عن السفير اللبنانية، 21-5-2016.

رابط دائم: