حديث الرئيس السيسي
11-2-2016


*

كنت خارج البلاد عندما استمعت إلى المداخلة التى قام بها الرئيس عبدالفتاح السيسى فى برنامج الأستاذ عمرو أديب «القاهرة اليوم». وكما هى العادة لدى معظم المصريين، فإن حالة مغناطيسية فيها شجن كثير تنتابك عندما تجد نفسك فجأة على صلة بالوطن، ومع من تعرفهم وتقدرهم؛ وتصبح الحالة مضاعفة عندما تجد رئيس البلاد على الخط. لم يكن الحديث عاديا، وأظنه لا يكون عاديا أبدا مع الرؤساء، ومع بعض من التأمل نجد أن الرئيس ليس لديه خطاب واحد، بل خطابان: أولهما يصرح بالحالة الحقيقية لمصر والمصريين. فكم من مرة ردد الرئيس كلمات «لا يوجد مكان فيك يامصر وإلا...»، ولا يستكملها مبررا ذلك بأنه يترفق بالشعب المحمل بالهموم، فتعلم فورا أن تكملة الجملة ليس فيها ما يسعد، بل إنه يبعث على التعاسة. هناك إذن «عفريت» أو مشكلة كبرى موجودة فى كل مكان لدى المحروسة، أسبابه قديمة وتعود إلى خمسين عاما مضت، وبالتحديد إلى هزيمة ١٩٦٧. أظن أن المعضلة بدأت قبل ذلك، وكانت الهزيمة نتيجة وليست سببا، ولكنها ربما تكون المرة الأولى التى يصل فيها رئيس مصر إلى هذه الدرجة من الصراحة. ولكن الصراحة تستمر، فنحن لا نعرف كيف نتعامل مع الشباب، ولا نعرف كيف نحل معضلة الأمن وحقوق الإنسان، وهناك أمور كثيرة تواجهنا كل يوم بما لا نحب ولا نرضى.

وثانيهما أن بناء مصر وتقدمها ممكن، وهناك جهود تبذل، وخطط تجرى، وفى زمن ليس ببعيد سوف تتغير مصر إلى الأفضل، وما نحتاجه هو قدر أكبر من الصبر والتحمل والاستعداد للمشاركة بالأفكار والجهد. الرئيس لم يستطرد فى هذه النقطة، ولم يعرض للمشروعات الجارى تنفيذها، ربما لأنه يعلم كيف أن بلدا يعيش فيه ٩٠ مليون نسمة سوف يكون كل ما يجرى بالنسبة له مجرد علامة على أول الطريق. ومع ذلك فإن الرئيس مشغول بأمور آنية لاسعة، من مشجعى الكرة (الألتراس) إلى رسامى الكاريكاتير، إلى مشاكسات ومناكفات منهكة ومرهقة، ومع ذلك فإنها تخطف الأضواء. وفى بلد فيه هذا القدر من السكان، وبالتأكيد فيه عدد هائل من الفقراء، فإن ما يخطف الأضواء ليس بالضرورة ما يكون على قائمة الأولويات، وبالتأكيد فإنه ليس كل ما يلمع ذهبا. التفاصيل هذه تعود بالرئيس فورا إلى الخطاب الأول حيث القلوب مثقلة، والهم كبير.

ما نحتاجه فى مصر، ربما، أن نجد، ويجد الرئيس، صلة بين الخطابين؛ هو نوع جديد من العبور بين لحظة الهزيمة والألم فى ١٩٦٧، ولحظة الإنجاز فى ١٩٧٣. جيلنا يعرف من الناحية العملية كيف جرى ذلك عبورا بحرب الاستنزاف، وببساطة فإننا عرفنا حالة من التعبئة النفسية والعملية لم نعرفها لا من قبل، ولا من بعد. ونقطة البداية هنا هى أنه رغم أهوال الخطاب الأول، والعفاريت التى تمتلئ بها كل الأماكن فى مصر، فإن تحقيق ما قيل به فى الخطاب الثانى ممكن، فهو ليس أحلاما ولا أغانى ولا تمنيات طيبة، ولكن دول كثيرة فى العالم فعلتها، ورغم كل ما يقال عن تركيز الثروة فى العالم، وهو حقيقى، فإن الفقر يتراجع ويتقلص وخلال ربع القرن الماضى تراجع الفقر على مستوى العالم إلى أكثر من النصف، وتخرج أكثر من مليار فقير من دائرة الفقر إلى دائرة الستر (فى مصر تراجع الفقر حتى وصل إلى ١٧٪ عام ٢٠٠٠ ثم أخذ فى الارتفاع حتى بلغ ٢٠٪ عام ٢٠١٠، وبعد خمس سنوات من الثورة بلغ ٢٩٪ ). وخلال الأعوام الأخيرة، وبعد معجزات النمور والفهود الآسيوية وغيرها على مستوى الكون فإن العالم عرف معجزتين خلال السنوات الخمس الماضية: الأولى فيتنام والثانية كولومبيا. الأولى كانت ضحية الحرب الفيتنامية التى لم تترك فى البلد حجرا على حجر مع أكثر من ثلاثة ملايين ضحية، وما لا يعد من الجرحى؛ والثانية دمرت نفسها بأن صارت بلد المخدرات الأول فى العالم ومرتع عصابات المافيا التى هدمت كل ما هو مشروع فى الدولة. قصة البلدين منشورة فى كل مكان، والمعجزة التى حدثت فى كليهما كانت بجهد وتفكير وقيادة البشر.

مصر ليست مستثناة مما حدث فى العالم، ورغم الشائع لدى المصريين بأنها «مستهدفة» فإنها فى الحقيقة من أكثر دول العالم حصولا على المنح والمعونات والقروض السهلة وسباق القوى العظمى والكبرى على رضاها ونفوذها بسبب تاريخها وموقعها الجيوسياسى. ما لدى مصر من مزايا سوف نتركه لمناقشات وحوارات أخرى، ولكن العبور من الخطاب الثانى إلى الخطاب الأول سوف يحتاج معرفة لصيقة بما يجرى فى العالم. فى تقرير أخير لإحياء الشرق الأوسط بعد الكوارث التى ألمت به، ووضعه مجموعة من الخبراء، فإن الدرس الذى تم استخلاصه من التجربة العالمية هو أن الدول التى تعبر من التخلف إلى التقدم، ومن الفقر إلى الغنى، تكون لها صفتان: الأولى نظام تعليمى فعال يسير وفق المستويات العالمية ولجميع المواطنين. الدولة التى تريد التقدم لا تعرف الأمية، ولا تعرف الأمية بالمعنى الحديث للكلمة فى القرن الواحد والعشرين والتى يجرى التركيز فيها على التفكير النقدى والرياضيات والعلوم، والآن وليس غدا. والثانية التحرير الكامل، وليس الجزئى بأى معنى، للاقتصاد من القيود المفروضة عليه، ووفقا لما استقر عليه تقرير برنامج الأمم المتحدة للتنمية المعروف بأداء الأعمال. الوضع الحالى لنا هو أن ترتيبنا فى هذا التقرير سقط إلى ١١٣، بينما الإمارات فى المكانة ٢٣ والسعودية ٢٦ والبحرين ٤٦ وعمان ٤٧ وقطر ٤٨ وتونس والمغرب ٨٧.

التعليم الجدى والشامل إذن مع التحرير الكامل والشامل للاقتصاد هما مفتاحا الخروج من الخطاب الأول إلى الخطاب الثانى، ومن الهم والكرب إلى السعادة والتقدم. وفى الحالة المصرية هناك أمران إضافيان للتجربة العالمية: الأول أننا يجب أن نعرف أولوياتنا جيدا، ومن ثم لا ينبغى أن ننشغل إلا بالأمن القومى المباشر، وبالخروج من حالة التخلف التى تجعل كل مكان فى مصر ممتلئا بالعفاريت. ما نشاهده ونسمع عنه، وأحيانا لا يشاهده ولا يسمع إلا به العالم، فهو عشرات من القصص الصغيرة التى تكفى لفك وحدتنا فى الداخل، كما تكفى لتنفير العالم ومستثمريه منا، والأخطر أنها تشتت انتباهنا وتدفعنا بعيدا عن القضايا الكبرى. والثانى أن البيروقراطية لن تسمح لنا أبدا بالتقدم لأن مصالحها، وخيالها المريض، وجهلها أيضا بما يجرى فى العالم سوف يقف فى مواجهة كل خطوة نخطوها إلى الأمام. ابحث عن البيروقراطية وراء التراجع الذى جرى فى مشروع العاصمة الإدارية، وفى كل مشروع بدأنا فيه التفاوض وفجأة تقف كل السفن السائرة استعدادا لتفاوض آخر، وما جرى لفكرة «الشباك الواحد» الموجودة منذ عقود ونجحت البيروقراطية فى إحباطها فى عهد مبارك، والمشير طنطاوى، والرئيس مرسى، وهى الآن تجرب حظها مع الرئيس عبدالفتاح السيسى.

ما يحتاجه الرئيس نوعية جديدة من القيادات غير المرتعشة وذات الخيال والمعرفة العالمية، ولديها من السلطات ما يعينها على العمل، ليس وفق ما تعودنا عليه، وإنما وفق ما تعود عليه العالم والذى يظهره فى تقارير ومؤشرات واضحة تعرف منها الدنيا، والمصريون أيضا، إلى إين نسير، وإلى إى درجة بلغ بنا التقدم، وما تبقى فى أوصالنا من تخلف، وما نحتاجه من عمل وإصلاح فى كل المجالات، وكيف عبرت دول أخرى مشاكل ومعضلات، وكيف حلت ألغازا وأحاجى. فى النهاية هناك فى العالم نوعان من القيادات: نوع يعرف كيف يدير الفقر والتخلف؛ ونوع يعرف كيف يقود المسيرة إلى المستويات العليا من الأمم، وعلينا أن نبحث عن هؤلاء بين المصريين فى الداخل والخارج، وسوف نجد منهم كثرة.
----------------------
* نقلا عن المصري اليوم، 8-2-2016.


رابط دائم: