«داعش» والغرب حرب سيّئة بين أسوأين
22-11-2015

حبيب فياض
*
هذه المرة، الإرهاب الداعشي يضرب في العمق الفرنسي. ليس ثمة ما يدفع إلى الاعتقاد بأن الغزوة الداعشية لباريس هي فلتة شوط. التوقعات كلها تشير إلى أن فرنسا باتت في مواجهة فعلية ومفتوحة مع الإرهاب. وليس ما يمنع من التوقع بأن ينتقل فعل الإرهاب «الإسلامي» من فرنسا إلى أماكن أخرى في أوروبا، تبعاً للقدرة المتاحة لدى الجماعات الارهابية. فالاستعداد لمواجهة الخطر التكفيري الزاحف الى الغرب، لا يندرج في سياق المبالغة أو التهويل، بل هو واقع ممكن، ترجحه تجربة الارهاب التكفيري المعولمة والعابرة للحدود والقارات.
 
قبل الآن، شكلت عملية «شارلي ايبدو» - التي قام بها تنظيم «القاعدة» ضد الصحيفة التي أساءت للنبي محمد - ردة فعل ثأرية انتهت بتحقيق أهدافها. بينما الغزوة الباريسية هذه المرة والمتبناة من قبل «داعش»، هي على الأرجح فاتحة عهد جديد من «الجهاد» ضد الغرب «الكافر»، في إطار رسالة واضحة من تنظيم «الدولة» بأنه هو من يتصدر مسيرة الجهاد العالمي، وبأن محاولات إضعافه شرقاً في سوريا والعراق لن تمنع من تمدده غربا في فرنسا وغيرها.
 
ليس من المبالغة ما قيل عن اعتبار غزوة باريس 11 أيلول آخر أصاب فرنسا على غرار ما أصاب أميركا من قبل. الفارق هو أن الحدث الأميركي قد حصل بشكل أشد ترويعاً ودموية ودفعة واحدة، في حين أنه يتوقع للحدث الفرنسي حصوله بالتقسيط وعلى دفعات، بحيث لا يعدو كون هذه الغزوة، برغم هولها، سوى خطوة أولى على طريق طويل من الغزوات المتتالية. غير أن أميركا استطاعت استيعاب الضربة عبر احتلال افغانستان والانتقال من الدفاع إلى الهجوم من خلال مواجهة الإرهاب في عقر داره، بينما لن يكون بوسع فرنسا سوى رفع مستوى الطوارئ لمطاردة الإرهاب في عقر دارها، والإكتفاء بغارات جوية لمواقع «داعش» في سوريا والعراق.
 
لا يمكن مواجهة الحراك الداعشي القائم والقادم، من دون استراتيجية موحدة يتم تبنيها من قبل الاطراف المتضررة منه، كما طالب الرئيس الروسي بوتين في قمة العشرين الأخيرة. لكن الحد من خطر الظاهرة الداعشية يقتضي عدم الاكتفاء في التعامل معها بما هي ظاهرة موجودة بذاتها، بل التعامل معها من حيث هي جماعة قائمة بغيرها، وبالتالي التوسع في معالجة مسبباتها وظروف نشأتها وامتداداتها. ذلك مطلوب كون «داعش» حالة متحركة وثابتة، مستقلة وتابعة، متموضعة ومتمددة، ظاهرة وخفية، وقادرة على التوالد والتعويض عن ما يلحق بها من نقصان في الإمكانات البشرية والمادية. فالداعشية ليست وليدة لحظة استثنائية من تاريخ المنطقة، بل هي نتاج طبيعي لتلاقح هجين بين تخلف المسلمين واستكبار الغرب.
 
على أن المشهد المأزوم بين المسلمين والغرب، يتخطى الإطار الأمني والسياسي إلى المسألة الحضارية بكل تعقيداتها وعناصرها. الغزوة الداعشية لباريس أعادت السؤال عن مستقبل العلاقات بين العالمين الإسلامي والغربي الى الواجهة مجدداً. فالعلاقات بين الجانبين مرشحة للدخول في مرحلة جديدة من الصدام على شكل حرب سيئة بين أسوأين: الإرهاب التكفيري الراهن بما هو نتاج مجتمعي لواقع المسلمين المتخلف، والاستعمار الغربي المتجدد بأشكاله المختلفة، وبوصفه استمراراً لمنطق الغلبة والهيمنة والإتباع.
تفتح المعضلة الداعشية الطريق أمام معادلة مختلفة، وهي أن بقاء النظام السوري بات واجبا لمواجهة الخطر الإرهابي، في حين أن تغييرات جوهرية في النظام السعودي باتت ضرورة للخلاص من هذا الخطر.
 
------------------
* نقلا عن السفير اللبنانية، 21 نوفمبر 2015.

رابط دائم: