الوحدة العربية ولا غير الوحدة
23-8-2015

علي محمد فخرو
*

أما وإن القوى الخارجية، وفى المقدمة الصهيونية العالمية، بتعاون وتناغم مع بعض القوى العربية الداخلية، قد استطاعت عبر العقود الأربعة الماضية، وليس السنوات الأربع الماضية كما يظن البعض، استطاعت إضعاف جسد الواقع العربى من خلال اختراق منظم تراكمى للكثير من أنظمة الحكم والاقتصاد والأمن والمجتمعات المدنية والمؤسسات الإقليمية، فإنها الآن تهيئ لنقلة خبيثة نوعية تصيب الجسد المعنوى العربى، فكرا وثقافة وأحلاما كبرى.

وإلى حد ما هناك نجاحات محدودة لتلك المساعى الخبيثة. فى قلب تلك المساعى زرع الشكوك فى اليأس من فكر ومشاعر هوية العروبة، وبالتالى إضعاف الإيمان بضرورة الوحدة العربية والعمل من أجل تحقيقها.

ومن ثم إقناع شعوب الأمة العربية بأن كل من آمن ولايزال يؤمن بالفكر والنضال القومى العروبى الوحدوى، هم من الحالمين المراهقين فى الحياة السياسية العربية. وبالطبع فالمراهقون تنقصهم الرزانة والحكمة والموضوعية والواقعية.

لكن دعنا نتوجه إلى شعوب الأمة العربية جميعها، وبالأخص شبابها وشاباتها، لنرد على ذلك السخف الخبيث بطرح أسئلة بشأن الواقع المأساوى الذى تعيشه جميع أقطار الوطن العربى فى اللحظة الراهنة. دعنا نضع جانبا الردود الفكرية النظرية والدروس المستقاه من تجارب الأمم الأخرى، مع أن فيها الكثير مما يفنُد تلك المقولات التى يطرحها أعداء الوحدة فى الداخل والخارج، ولنركز الأنظار على الوقائع.

السؤال الأول: لو أن الوحدة المصرية السورية، ممثلة فى الجمهورية العربية المتحدة، بقيت صامدة حتى يومنا هذا، ولم تتساقط أمام رشاوى بعض المال العربى المتعاون مع قوى التآمر الخارجية، وأمام أخطاء الداخل وخطاياه، فهل كان باستطاعة أحد أن يستبيح القطر السورى ويمزق أوصاله ويجعله ألعوبة مفجعة فى يد الدول الكبرى كما نراه اليوم؟

السؤال الثانى: وحتى بعد فاجعة تهاوى تلك الوحدة، لو أن حزب البعث وحد القطر السورى مع القطر العراقى فى دولة واحدة، وذلك عندما حكم القطرين فى نفس الفترة حزب واحد، ولم يسمح للصراعات بين بعض قادته تعلوا فوق مصالح الأمة العربية الكبرى، فهل كان سيجرؤ الغرب، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وبمساعدة مع الأسف من بعض الجهات العربية، على أن يكتسح العراق ويمزق أوصاله ويشعل نيران الطائفية فيه ويدوس على شرف جيشه ويجعله لقمة سائغة لنفوذ إيران وتركيا ودول الغرب وللتواجد الصهيونى العلنى فى شماله؟ ومرة أخرى هل كان باستطاعة أحد أن يمس سوريا لو كانت جزءا من دولة وحدة عراقية – سورية؟

السؤال الثالث: لو أن مجلس التعاون الخليجى لم يسمح لنفسه بأن يقع فى إشكالية فقر اليمن ويعتبره تعارضا مع غنى دوله، وأن يتبنى الفكر القائل بعدم قدرة الأنظمة الملكية وأنظمة الإمارات فى دوله التعايش مع النظام الجمهورى فى اليمن، فهل كان بالإمكان تجنيب اليمن الشقيق الدخول فى المتاهات القبلية والطائفية والصراعات المناطقية والاستباحات الأمريكية التى دخل فيها والتى أوصلته إلى الحالة المأساوية التى يعيشها الآن؟

السؤال الرابع: لو أن دول المغرب العربى الخمس غلبت العقل ومنطق الأخوة والمستقبل الوحدوى الزاهر المشترك ونبذت الخلافات العبثية فيما بينها، من مثل موضوع النزاع المغربى – الجزائرى، بشأن مستقبل الصحراء المغربية، فهل كان سيجرؤ الغرب الاستعمارى، وبمباركة من الجامعة العربية مع الأسف والأسى، على استباحة القطر الليبى وإدخاله فى الجحيم الذى يعيشه الآن من صراعات قبلية وجهوية؟

وفى جميع أحوال تلك الأقطار العربية المنكوبة هل كان باستطاعة شتى الاستخبارات الدولية والصهيونية والإقليمة أن تجند شراذم الجهاديين التكفيريين ليفعلوا ما يفعلونه بساكنى وتراث ومستقبل هذا القطر أو ذاك؟

إذا كانت هذه الصورة المليئة بالبؤس والأخطار، والتى كان أحد أسبابها تجزُؤ هذه الأمة إلى وحدات قابلة للاستباحة، وإضاعة فرص قيام وحدات أكبر وأقوى، لا تقنعنا بأهمية الرجوع إلى محاولة بناء وحدات عربية أكبر من الحاضر، تمهيدا لنوع من الوحدة العربية الشاملة فى المستقبل، وذلك لدرء الأخطار المتعاظمة وإيقاف الضباع التى تنهش فى جثة هذه الأمة. إذا كان كل ذلك أيضا لا ينقل الجامعة العربية من كونها نظاما إقليميا ضعيفا مكتوف اليدين إلى أن تصبح نظاما عربيا قوميا متماسكا فى القريب العاجل... إذا كان كل ذلك لا يقنعنا بفشل الدولة العربية القطرية فى أن تحمى نفسها من تدخلات الخارج وانفجارات الداخل، فضلا عن فشلها فى التنمية والسباحة بجدارة فى نهر حضارة العصر الذى نعيش.. إذا كان كل ذلك لا يقود إلى الرجوع لبناء تيار قومى عروبى يضغط نحو الخروج من الجحيم الذى نعيش ومن الهوان الذى نشاهد ومن الدخول فى القبر الذى نجلس على حافته فإننا أمة لا تستحق الحديث عن تاريخ لها كان ملئ العين والسمع ولا تستحق أن تحلم بدخول العصر من أبوابه الواسعة.

لا نبالغ إن قلنا، إما الوحدة العربية أو خروج الأمة، قطرا بعد قطر، من قلب ساحات حضارة العصر، والاكتفاء بالعيش فى ذل التهميش والتبعية.

كل خطوة نحو توحيد هذه الأمة سيدقُ مسمارا فى نعش التدخلات الاستعمارية الخارجية، فى نعش التكفيريين، وفى نعش قوى المصالح الداخلية التى لا تستطيع العيش إلا فى أجواء التجزأة العفنة.

-------------------------
* نقلا عن الشروق المصرية، 20-8-2015.


رابط دائم: