أوجاع إيران في الداخل: بلوشستان نموذجا (1)
27-8-2015

جمال الدين إسماعيل أبوحسين
* باحث بمؤسسة الأهرام، نائب مدير تحرير مجلة السياسة الدولية.

تاريخ النشر: 20-8-2015

رغم تعاظم دور إيران في الفترة الأخيرة في الشرق الأوسط، واستطاعتها قبل أشهر قليلة السيطرة على أربع عواصم لدول عربية، ونجاحها في التوصل إلى اتفاق يحافظ على برنامجها النووي، ويتيح رفع  الحظر الاقتصادي المفروض عليها، وتهافت بعض الدول الأوروبية على الاستثمار فيها، فإن هناك إرهاصات وظواهر داخل إيران وخارجها تدل على احتمال تحجيم دورها القادم إقليميا، مع أزمات داخلية متوقعة.

ففي الداخل الإيراني بؤر توتر، تقض مضجع السلطات الإيرانية، وتعوق انطلاقاتها التنموية داخليا إلى حد ما، فضلا عن بعض الإخفاقات لأذرعها الإقليمية، والتي تستنزف المال والرجال، فاجتمعت عليها الأوجاع من الداخل والخارج.

وسنتناول في هذا التقرير إحدى المشاكل الداخلية القابلة للانفجار، وهي مشكلة إقليم البلوشستان، على أن نتابع في تقارير أخرى مشكلتي الأحواز والأكراد، وكذلك المشاكل التي تواجه الأذرع الإيرانية في اليمن (الحوثيون) وفي سوريا، (نظام الأسد والجماعات الشيعية الداعمة له)، وفي لبنان (حزب الله).

موقع بلوشستان(1):


تقع إيران في موقع حيوي في غرب آسيا، يحدها من الشمال أرمينيا، وأذربيجان، وتركمانستان. وتطل إيران على بحر قزوين مع كل من كازاخستان وروسيا،  ويحدها من الشرق أفغانستان وباكستان، ومن الغرب العراق، ومن الشمال الغربي تركيا، ومن الجنوب الخليج العربي وخليج عمان.

والإسلام (على المذهب الشيعي الإثنى عشري) هو الدين الرسمي للجمهورية الإيرانية، والفارسية هي اللغة الرسمية للدولة.

غير أن إيران ذات تركيبة ديموغرافية متنوعة، وقوميات مختلفة. ورغم أن الإيرانيين الفرس يشكلون (51%)، أي أنهم القومية الرئيسية في البلاد، فإن الأقليات الأخرى لها ثقل سياسي واجتماعي لا يستهان به. سنذكر منها ثلاث أقليات تطالب كلها بالاستقلال عن الدولة الإيرانية، ويمكن أن تجعل من الداخل الإيراني متأزما في الفترة القادمة، هي بلوشستان، والأحواز، والأكراد.

ويقع إقليم بلوشستان في جنوب غرب آسيا، على الحدود بين باكستان، وأفغانستان، وإيران، ويوجد ثلثا مساحته في باكستان، والثلث الآخر في إيران ويسكنه نحو 11.5 مليون نسمة من قومية البلوش. وتغطي الجبال الجافة معظم بلوشستان، مع بعض الأشجار. وبلوشستان إيران عبارة عن إقليم جاف يقع في جنوب شرق إيران على حافة الهضبة الإيرانية، وسميت المنطقة بهذا الاسم بعد نزوح القبائل البلوشية منذ قديم الزمن، واللغة الشائعة في الإقليم هي اللغة البلوشية مع بعض اللغات الأخرى.

وتبلغ مساحة بلوشستان إيران (70 ألف ميل مربع)، وعدد سكان الإقليم يبلغ المليون نسمة، أي بنسبة نحو (2 إلى 3%) من عدد سكان إيران الكلي، حسب إحصائية 2009م(2)، أغلبهم على المذهب السني.

السياسة الإيرانية تجاه بلوشستان:

سعى البلوش منذ سنوات طويلة إلى تحقيق  أربعة أشياء من مطالبها الأساسية، وهي: التنمية الاقتصادية للإقليم المهمل من قبل الحكومات الإيرانية، والمساواة والعدل في توزيع الثروات والعائدات، مع إتاحة الفرصة لبناء مساجد سنية(3) ومدارس في بلادهم، وتوقف السلطات الإيرانية عن ملاحقة علماء البلوشستان السنة وقتلهم.

وقد عمدت السلطات الإيرانية إلى طمس هوية الشعب البلوشي عن طريق فرض اللغة الفارسية في الوظائف المهمة والمكاتبات الحكومية، وفرض الثقافة الفارسية في كل مناطق الإقليم. ولكن هذه المحاولات الإيرانية قوبلت بمعارضة البلوش وإصرارهم على المحافظة على لغتهم وعادتهم، وإن كان نتيجة هذا الصمود البلوشي الحرمان من المناصب المهمة في الدولة الإيرانية.
 

اندلاع الصراع بين السلطات الإيرانية وحركات المقاومة البلوشية:

ومع استمرار الرفض الإيراني لكل المطالب البلوشية، نشأ صراع بين المقاومة البلوشية المتمثلة في حركة المقاومة الشعبية(4) أو حركة "جند الله" وحكومة إيران في كل من سيستان وبلوشستان.

وكان من أهم عمليات حركة "جند الله" محاولة اغتيال الرئيس الإيراني في أثناء زيارته بلوشستان سنة ٢٠٠٥، وأدت هذه المحاولة إلى مصرع أحد حراسه، وجرح آخر.

كما نفذت تفجيرات في زاهدان ٢٠٠٥ و٢٠٠٩ و٢٠١٠، وفي پیشین سنة ٢٠٠٩.

ووقعت اشتباكات عدة بينها وبين الحرس  الثوري الإيراني، كما حدث في مارس ٢٠٠6، وأعدمت الحركة "شهاب منصوري"، ضابط المخابرات الإيراني الذي كانت قد أسرته مع تسعة آخرين عند حدود إيران مع باكستان في أوائل عام 2006م.

وفي أبريل 2006، أعلنت المجموعة نفسها عن قتل 12 من الحرس الإيراني عند طريق "كرمان ـ بام"

أفول حركة جند الله وظهور تنظيم جيش العدل:

ورغم كثرة عمليات حركة جند الله وتنوعها، فإن السلطات الإيرانية استطاعت القبض على قائدها عبد المالك ريجي في 2010، وأعدمته فحدث تراجع للتنظيم. ولم يطل الوقت حتى ظهر تنظيم جيش العدل، بعد ما يقرب من عامين، وعده البعض وليدا لحركة "جند الله"، واستدلوا على ذلك بأن المتحدث الإعلامي لجيش العدل هو عبد الرءوف ريجي، أحد قادة حركة جند الله. وبدوره، واصل جيش العدل ما بدأته حركة جند الله، وقام بعمليات متعددة بين التفجير، والقتل، وخطف أسرى ومبادلتهم مع السلطات الإيرانية.

وفي 23 أغسطس 2014، أصدر جيش العدل بيانا أمهل فيه الحكومة الإيرانية حتى نهاية السنة الإيرانية، (أي نحو ستة أشهر) للانسحاب من إقليم بلوشستان.
 

ورغم أن قدرات الحركات المقاومة في إقليم بلوشستان لا تزال محدودة، إلا أنها مستمرة، ما تخبو حركة حتى تظهر أخرى تكمل ما بدأته سابقتها، مما جعل قضيتها مصدر قلق مستمر للسلطات الإيرانية، إلى جانب قضيتي الأحواز والأكراد، اللتين سنتاولهما تباعًا.
 
الهوامش:

(1)  بعد سقوط مملكة بلوشستان واحتلالها من قبل إيران 1928م، تم إعدام ملك بلوشستان الغربية على يد القوات الفارسية في عهد الملك رضا بهلوي.
(2) مجلة جامعة تكريت للعلوم القانونية والسياسية، العدد 3، السنة الأولى.
(3) تسمح السلطات الإيرانية ببناء دور للعبادة لكل الطوائف الدينية المختلفة، ولا تسمح بذلك للشعوب التي تعتنق المذهب السني، فطهران العاصمة يوجد بها دور عبادة للمسيحيين واليهود والبوذيين وغيرهم من الأقليات، ولا يوجد بها مسجد سني واحد.
(4) جند الله أو حركة المقاومة الشعبية: هي حركة معارضة مسلحة بلوشية إسلامية سنية إيرانية، تنشط على الحدود بين إيران وباكستان، وتأسست عام 2002 على يد الشيخ عبد المالك ريجي، وهو أحد طلبة العلوم الدينية، وقد تم إلقاء القبض عليه وحكم عليه بالإعدام ونفذ الحكم،  وقد اتهمت الحركة باتهامات متناقضة منها الانتماء للقاعدة، وأخرى العمالة للولايات المتحدة الأمريكية، وقد صنفت وزارة الخارجية الأمريكية الحركة كمنظمة إرهابية في 3 نوفمبر 2010.


رابط دائم: