عاصمة جديدة.. أم مدن حديثة؟
16-8-2015

د. وحيد عبد المجيد
* مستشار مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام
أصبح وجود رؤية واضحة للأولويات ومعايير موضوعية لترتيبها أحد أهم عوامل نجاح أى عمل فى زمننا. ففى غياب ترتيب منطقى للأولويات، تُخلط الأوراق، وترتبك السياسات. وينطبق ذلك على عدد من المشاريع التى أُعلن عنها فى الشهور الأخيرة.
 
ومن هذه المشاريع إنشاء عاصمة جديدة لمصر يُقال أحياناً إنها إدارية، ويُروى فى أحيان أخرى أنها امتداد للقاهرة وليست بديلا منها. وأياً كان أمر هذا المشروع، فهو لا يمثل حلاً لجوهر مشكلة القاهرة وما يقترن بها من اختلالات، فالمعالجة الصحيحة لأى مشكله تبدأ بحُسن تشخيصها، وتحديد ما هو جوهرى فيها، والتمييز بين عواملها والنتائج المترتبة عليها.
 
والحال أن جوهر مشكلة القاهرة لا يكمن فقط فى ازدحامها وقبحها وعشوائيتها التى صارت أخطر من العشوائيات المتكاثرة داخلها وحولها، بل يعود قبل ذلك إلى أنها باتت تفتقد أهم مقومات المدينة فى العالم الذى نعيش فيه الآن، بخلاف ما كانت عليه عند إعادة تخطيطها فى النصف الثانى من القرن التاسع عشر.
 
فقد استقبلت فى العقود الأخيرة موجات هجرة متوالية ومتزايدة من الأرياف ضاعفت عدد سكانها عدة مرات، وجعلتها إحدى أكثر مدن العالم ازدحاماً وعشوائية. ولكن هذا لم يكن إلا نتيجة اختلالات هيكلية فى السياسات الاقتصادية والاجتماعية، سواء من حيث مركزيتها المفرطة، أو من زاوية تهميش الزراعة والاستهانة بالقطاعات الإنتاجية عموماً، فضلاً عن الآثار المترتبة على انحياز هذه السياسات منذ السبعينيات للفئات الاجتماعية الأكثر ثراء.
 
وكان إفقار الريف أحد أخطر ما ترتب على هذه السياسات، فلم يعد أمام عدد متزايد من شبابه سوى النزوح إلى القاهرة كل عام بحثاً عن أى عمل.
 
وبدون معالجة السياسات التى تؤدى إلى ذلك، يصبح التفكير فى إقامة عاصمة جديدة نوعاً من الهروب إلى الأمام بمنأى عن جوهر مشكلة القاهرة وأهم عواملها، وهو الهجرة المتزايدة من الريف إليها. فلا تقتصر تداعيات هذه الهجرة على الازدحام والعشوائية، بل تشمل ترييف الثقافة المجتمعية، أى نقل ثقافة ملائمة لبيئتها الأصلية إلى بيئة تحتاج إلى ثقافة أخرى مختلفة تماماً. فالثقافة الريفية بمكوناتها التقليدية هى ابنة بيئتها. وإذا نُقلت إلى مدينة وانتشرت فيها، تفقد هذه المدنية طابعها وتقل صلتها بالعصر الحديث، وتكف بالتالى عن أن تكون مدينة بالمعنى المعروف فى هذا العصر.
 
وليس وهن المجتمع المدنى فى مصر، بهذه المناسبة و إلا إحدى نتائج ترييف ثقافة المدن وفى مقدمتها القاهرة، فالمجتمع المدنى لا يتقدم وينتعش إلا فى ظل ثقافة مدنية، فإذا صارت هذه الثقافة هجيناً، وضعفت صلتها بالعصر الحديث وقيمه المدنية، لابد أن يضعف كل ما هو مدنى فيها.
 
ويعنى ذلك أن جوهر أزمة القاهرة هو أنها لم تعد مدينة بالمعنى الحديث وأن ما آلت إليه من تشوه سيمتد إلى العاصمة الجديدة إذا لم نراجع أولوياتنا ونعيد ترتيبها، فالأولوية ليست لإنشاء مدينة جديدة نجعلها عاصمة، بل لإنقاذ القاهرة وغيرها من المدن التى فقدت طابعها المدنى.
 
وما أتعسه حالنا حين يكون هذا هو مصير القاهرة والإسكندرية وغيرهما من «مدننا»، فى اللحظة التى يصبح العالم فيها مدينياً للمرة الأولى فى تاريخه، بمعنى أن عدد من يقطنون المدن أصبح أكبر من ساكنى الريف. ويتوقع إيفو دالدير الخبير العالمى فى قضايا السكان ورئيس «مجلس شيكاغو للشئون العالمية»، فى مقالة نشرها فى «فاينانشيال تايمز» فى آخر مايو الماضى، أنه بحلول عام 2050 سيكون أكثر من ثلثى البشر يعيشون فى المدن التى لا تشغل أكثر من 2 فى المائة من مساحة كوكبنا.
 
ورغم أن الكثير من مدن العالم تشبه القاهرة وغيرها من مدننا، فهذا ليس عزاء لنا، بل تعبيراً عن حجم الانتكاسات التى لحقت بنا وأعادتنا إلى الوراء بعد أن بددنا فرصاً ثمينة للتحرك إلى الأمام.
 
ومازالت هذه المعضلة وما يترتب عليها من أخطاء مستمرة. وما الهروب إلى عاصمة جديدة بدلاً من تصحيح السياسات التى خرَّبت القاهرة، إلا تكريس جديد لأخطاء لم نعد نملك ترف التلكؤ فى مواجهتها. ولا سبيل إلى هذه المواجهة بدون تنمية متوازنة تتعدد مراكزها وتتكاثر من مطروح إلى أسوان، ولا تتركز فى أية عاصمة.
 
ولتكن الأموال التى يُراد ضخها فى إنشاء عاصمة جديدة نقطة انطلاق لهذه التنمية فى إطار تحول جاد وسريع نحو اللامركزية التى تستحيل عملياً بدون ديمقراطية تتوزع فى ظلها السلطة والاختصاصات، ويتحقق عبرها تقسيم العمل الضرورى لتوسع الاستثمار وتحريره من سطوة السلطة التى تمنح وتمنع، وتسمح وتحظر.
 
وعندئذ فقط يمكن أن نحلم بأن تكون لدينا مدن، تُضم إحداها إلى المائة مدينة الأكثر تأثيراً فى العالم، وربما إلى المدن العشرين الأكبر التى توجد فيها مقرات نصف الشركات الكبرى فى العالم.
 
-------------------------------------
* نقلا عن المصري اليوم، 16-8-2015.

رابط دائم: