البيت الداخلي السوري.. ووعود الإصلاح
7-7-2015

رامي كوسا
*
كبرت كرة ثلجِ «الربيع العربيّ» وراحت تنتقل من بلدٍ إلى بلد، محفّزة الشعوبَ على التظاهر وترديد هتافٍ موسيقيّ يطالب بإسقاط الأنظمة. وحين تلمّست القيادة السياسية في سوريا بوادر حراكٍ مماثل، سارع رئيس الجمهورية بشّار الأسد، ومن خلال مقابلةٍ أجرتها معه صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية (نُشرت بتاريخ 31 كانون الثاني 2011)، سارعَ إلى الحديث عن باقةِ إصلاحات جذرية وعاجلة تشمل إجراءَ انتخاباتٍ بلديّة ومنح المنظّمات غير الحكوميّة مزيداً من الصلاحيات وسنّ قانونٍ جديد للإعلام، لكنّ هذه الوعودَ لم تكن كافيةً لصدّ ريح الفوضى الّتي دخلت البلاد من خاصرة درعا وأدّت، عبرَ ضخّ إعلاميّ كثيفٍ وموجّه، إلى إرباكِ المعنيين باحتواءِ الموقف، فعقدت بثينة شعبان، المستشارة السياسية لرئيس الجمهورية، مؤتمراً صحافياً (24 آذار 2011) أعلنت من خلاله عن حزمة إصلاحاتٍ بانوراميّة شملت تشكيلَ لجنة قياديّة للتواصل مع أهل درعا والوقوف عند مطالبهم، فضلاً عن زيادة الرواتب والاشتغال على إيجادِ فرصِ عملٍ جديدة، وتحدّثت شعبان عن نيّاتٍ حقيقية لوقف العمل بقانون الطوارئ والبدء بصياغة مسودةٍ لقانونِ أحزابٍ عصريّ وأخرى لقانونِ إعلامٍ يلبّي متطلّبات المرحلة، واعترفت بضرورة تعزيز سلطة القضاء ومنع التوقيفات العشوائية الّتي كانت تطالُ كلّ من يغرّد خارج سربِ الطاعة العمياءِ الّتي لا «لا» فيها.
 
التذكير السابق ليس أكثر أو أقل من مراجعة تاريخية تفضي إلى نتيجة تؤكّد أنّ القيادة السورية كانت قد اعترفت بهشاشة بيتها الدّاخليّ. حتّى أنّ رئيس الجمهورية لم يوفّر فرصة للحديث عن الفساد الّذي ينهش بلاده وقال عنه، في اجتماعه الأوّل مع الحكومة المشكّلة برئاسة عادل سفر (16 نيسان 2011)، «إنّ الفساد يُشبه الجزء الفارغ من برميلٍ مثقوب كلّما ملأناه رأيناه فارغاً». هذا التشبيه فيه من الاعتراف بواقع الحال بقدرِ ما فيه من العجز عن التعامل مع مفردات هذا الواقع، فلو أردنا أن نجري مسحاً لعمومِ الإصلاحات الّتي نُفّذت في سوريا منذ بدء الأزمة في آذار 2011، لوجدنا أنفسنا أمام وعودٍ وتسويفاتٍ لم تجد طريقها إلى التطبيق تارةً، وأمام إصلاحاتٍ شكلانية تشبه ذرّ الرماد في عيونِ الحالمين تارةً أخرى.
 
سياسياً، ونظرياً، لم يشتمل الدستور الجديد للجمهورية العربية السورية على مادةٍ تُسمّي «البعث» قائداً في الدولة والمجتمع. لكنّ الواقع يُؤكّد أنّ صقور الحزب لم ولن يتصالحوا مع فكرة تحوّلهم إلى ممارسٍ سياسيّ غير سلطويّ مثل كلّ عضوٍ في كلّ حزبٍ آخر. فتراهم يحتلّون مساحاتٍ وازنة من نشراتِ أخبار الإعلام الرسميّ الّذي يتجاهل نشاطَ المكوّنات الحزبية الباقية، وكأنّها ليست أكثر من جوقةٍ رديفة «للبعث» الّذي ما زالت قيادته القطرية تقبض على مفاصل وازنةٍ في الدولة، وتُسيّر أغلب المؤسّسات الأمنية العاملة في كنفها. هذه المؤسّسات لم تنجح في تجاوز الشّكل القديم من علاقتها بالمواطن السّوريّ، الّذي لا يزال يعتبر عنصر الأمن خصماً له بدلاً من أن يعتبره شريكاً في المواطنة.
 
سياسياً أيضاً، لا مجال للحديث عن حراكٍ مُجْدٍ في هذه المرحلة من عمرِ البلاد، فالدّم السوري يعيد كتابة المتراجحة على شكل مفترقٍ يُخيّر السوريين بين الوقوف مع الجيش العربي السوري والقوى المناصرة له في مواجهة الوحش المشرقي الجديد المتمثّل بتنظيم «داعش»، وبين الالتفاف حولَ الإرهاب الّذي توسّع قوس جريمته حتّى بلغ عتبةً فنتازية، فصار القتل كلاسيكياً ما لم يتمّ بأساليبَ تُثير دهشة وذعر العالم. هكذا شاهدنا «داعش» يفجّر الرقاب ويعدمُ أفراداً بقذائف «آر بي جي» ويضع ضحاياه في قفصٍ ويغرقهم أحياءَ على طريقةِ الكنيسة الأوروبيّة الّتي لاحقت المنوّرين واقتصّت منهم بأبشع الطرائق. هذا السعار جعل هامش المناورة يضيق، فالحديث عن فسادٍ أمنيّ وعسكريّ لم يعد متاحاً اليوم وفق سلّم الأولويّات الّذي يقتضي إخماد الحرائق المستوردة قبل الالتفات إلى نار الداخل. وضمن السّياق نفسه، فإنّ القيادة السورية لم تعد تتعامل مع التغيير السياسي على أنّه ضرورةٌ وطنيّة ولازمٌ شعبيّ. فالتغيير ضمن محدّدات الصراع صار تنازلاً لن يُقدّم لأفرقاء المعارضة إلّا مقابل تنازلاتٍ مماثلة يقدّمها هؤلاء للفريق الحكوميّ، في ضوءِ لعبة الأمم الّتي يبدو أنّها دخلت مفترقاً جديداً بعيد اللقاء الروسيّ السوريّ في موسكو.
 
أمّا حريّة الإعلام، الّتي شكّلت هاجساً للمثقفين السوريين خلال العقد المنصرم، فقد بات الحديث عنها أشبه بطرفةٍ سمجةٍ لا تُضحك طفلاً. حتّى أنّ عدداً لا بأس به من المشتغلين في حقل الميديا يعبّرون عن امتعاضهم من خفضِ سقف الحريات والتعبير. فالنقد الّذي كان مُرحّباً به قبل آذار 2011، تحوّل اليوم إلى شكلٍ من أشكالِ الكفر بالانتماءِ، وهو كفيلٌ بجرّ صاحبه إلى اتهاماتٍ قد تطال الهويّة الوطنيّة. هذا كلّه كرّس الإعلام الرسميّ كإعلامٍ قاصرٍ بدائيّ الأدوات وخشبيّ اللغة ومفتقدٍ لألفباء المرونة القادرة على استقطابِ بعضٍ من سوريّي المقلبِ الآخر، الّذين ما زالوا ينشدون تلمّس فرقٍ بينَ مؤسّسة إعلاميّة حكوميّة يملكها الشعب وبين إعلامٍ رسميّ لا يتقن العزفَ إلّا على مقامِ السلطة.
 
لا يُنكر عاقلٌ أنّ الدولة السورية تقومُ بمجهودٍ مهول لردم ما أمكن من العجزِ الّذي أصابَ اقتصاد البلاد بسبب العقوبات الّتي فُرضت على الشعب السوريّ بحجّة محاصرة النظام، لكنّ واقع الحال يقول إنّ تجّار الحرب المحميين «حكومياً» ليسوا أقل وحشيّة من أعداءِ الخارج. فهؤلاء، والحديث هنا عن سماسرة الداخل، لم يجدوا من يردعهم وينتصر لمظلومية الشعب الّذي علق بين مطرقةِ الحرب وسندان التقصير الحكوميّ في محاسبة الفاسدين. هذا التقاعس يُعيدنا إلى سوريا التسويفات والوعود، ويعيدنا إلى كلامٍ معسولٍ تجاوزه الزّمن. صحيحٌ أنّ تنفيذ بعضَ الإصلاحات يحتاجُ إلى تراكم وإلى درجةِ استقرارٍ نفتقدها اليوم في سوريا، لكنّ محاسبة المفسدين ولجم حملةِ السلاح غير الشرعيين وضبط تجاوزات المؤسّسة الأمنية ورفع سقف التعبير في المنابر المحليّة والتوقّف عن تخوين خصومِ «البعث» داخل سوريا والكفّ عن اعتبارِ المطالبين بالتغيير طابوراً خامساً يستهدف حزام الممانعة في المنطقة، هي كلّها إجراءاتٌ يُمكن أن تتخذ ويصار إلى تطبيقها بصورةٍ فورية تنتصر لتضحيات وصمود المواطن السوري خلال عمر الحرب.
 
لم يعد التنكّر لنظريّة المؤامرة مجدياً، فالصمّ البكم صاروا على يقينٍ بأنّ أمم الأرض تكالبت على دمشق وأرادت لها الفناء، لكنّ العودةَ إلى أساس المُشكلة يدفعنا للتأكيد على أنّ ظهرنا كان محنيّاً فسهل امتطاؤه، وهذا الصدع يستوجب الترميم والمعالجة، حيث أنّ شتم المواطنِ الّذي تظاهر ضدّ حكومته مقابلَ ألفِ ليرةٍ دُسّت في جيبه لن يقدّم شيئاً لباقة الحلول المقترحة. وبدلاً من ذلك، فإنّه يتوجّب علينا أن نبحث عن سبلُ إشباع هذا المواطنِ حتّى لا يُشكّل خاصرة رخوةً يخترقها خصومُ سوريا متى أرادوا.
سوف تخرج سوريا منهكة من حربها، وسوف تُبسط سلطة الدولة مجدداً وفق محدّدات جديدة يتّفق عليها الساسة، لكنّ الأكيد أنّ عدم إعادة بناءِ سوريا على أساس أنّ المواطن السوريّ هو عزّتها وأصلها وحجر زاويتها، سوف يقودنا، مجدداً، إلى دورةِ حربٍ ثانيةٍ نفقد فيها ما لم نفقده في حربِ اليوم.
 
------------------------------
* نقلا عن السفير اللبنانية، الثلاثاء، 7/7/2015..

رابط دائم: