أوباما.. والتدمير الثاني للعراق
7-6-2015

د. وحيد عبد المجيد
* مستشار مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام
ربما يكشف التاريخ مستقبلا أن الرئيس أوباما مصاب بهاجس الاتفاق مع إيران بأي ثمن، مثلما عانى سلفه بوش هاجس ضرب العراق بأية ذريعة.
 
وليست هناك علاقة بين الظروف المحيطة بكل من الهاجسين في الواقع الموضوعي، فلكل منهما سياقه المختلف، لكن الهواجس ترتبط بمنطقة معينة في عقل الإنسان تقع بين الإدراك والحس، أو بين الوعي والوهم أحياناً.
 
فقد كان بوش أسير شعور اجتاحه بأن عراق صدام حسين مصدر تهديد فائق في الوقت الذى خلق وصول الإرهاب إلى قلب الولايات المتحدة (11 سبتمبر 2001) ارتباكاً شديداً في سياستها، وارتبط ذلك الشعور بطريقة بوش في تقدير الأخطار، وتأثره بمدرسة «المحافظين الجدد» التي استقى منها تعبيره المشهور «من ليس معنا فهو ضدنا».
 
ويبدو أوباما اليوم سجين إحساس طاغ بأن إيران لم تعد مصدر تهديد، بل قد تكون عنصر استقرار، ويرتبط هذا الإحساس بنوع الوعي الذي نشأ عليه في أوساط حقوقية تميل للمصالحة أكثر مما تنزع للمواجهة.
 
ورغم اختلاف الحالتين، فثمة ما يدل على أن النتائج السلبية لإفراط إدارة بوش في استخدام القوة، والعواقب الوخيمة لغزو أفغانستان والعراق، ساهمت في تكريس هاجس التفاهم مع إيران لدى أوباما، في إطار سعيه لوضع حد لتورط الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وهنا، تحديداً، ربما تكمن الصلة بين الهاجسين، فقد تحول «هاجس بوش» إلى عقدة صار لها أثرها في دعم «هاجس أوباما»، وكانت تلك العقدة من القوة إلى الحد الذي أدى إلى تعطيل الأثر الذي أحدثته عقدة أخرى تأثرت بها السياسة الأميركية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وهي «عقدة تشمبرلين»، وتُنسب هذه العقدة إلى رئيس الوزراء البريطاني تشمبرلين الذي وقَّع اتفاقاً مع ألمانيا النازية بأمل احتوائها عقب غزوها تشيكوسلوفاكيا عام 1938، بدلا من الرد على اعتدائها، الأمر الذي اعتُبر تشجيعاً لها على التوسع الذي أنتج الحرب العالمية الثانية.
 
وقد تأثر بوش مثل معظم سابقيه منذ كيندي بـ«عقدة تشمبرلين» التي تدفع للرد بقوة مفرطة على أي تهديد لكي لا يتفاقم، لكن بوش بالغ كثيراً في استخدام سياسة القوة التي زادت عن حدها، فانقلبت إلى ضدها في سياسة أوباما الذي صار مستعداً للتصرف بطريقة معاكسة، لذلك يذكِّره معارضوه من وقت لآخر بأنه قد يصبح «تشمبرلين الجديد»، لأن سياسته تجاه إيران تشجعها على مزيد من التوسع ونشر الاضطراب في الشرق الأوسط.
 
غير أنه إذا كان أوباما يتبنى منهجاً مناقضاً لبوش بشأن كيفية التعاطي مع مصادر التهديد، فهو يحذو حذوه عبر تبنى سياسة تؤدي فعلياً إلى مواصلة ما بدأه سلفه في تدمير العراق، والمفارقة هنا أن هذه السياسة المخالفة لمنهج بوش، كونها تحاول تجنَّب تورط بري في العراق مجدداً، تحقق النتيجة نفسها التي أنتجها ذلك المنهج، فقد تغاضى أوباما عن جرائم ضد الإنسانية ارتكبتها ميليشيات «الحشد الشعبي» الموالية لإيران، وتدخل سياسة أوباما تجاه هذه الميليشيات مرحلة أكثر خطراً الآن عبر التواطؤ معها، ومباركة مشاركتها في معارك «تحرير الأنبار» بعد تقدم «داعش» في الرمادي، وألغت واشنطن رفضها السابق تقديم إسناد جوي لهذه الميليشيات، رغم كل الدلائل على استعدادها للانتقام من العراقيين السُنة وتدمير مناطقهم وليس مجرد مواجهة «داعش»، مثلما حدث في تكريت (مارس الماضي) وبقية المناطق التي دخلتها تلك الميليشيات وجعلتها أرضاً محروقة.
 
ولا يقيم أوباما وزناً لهذه الجرائم المروِّعة التي لا تقل عما ترتكبه «داعش»، وتزيد على ما فعله نظام صدام حسين، ولا يرمش له جفن حين يتابع أنباء قتل العراقيين السُنة في المناطق التي تدخلها الميليشيات الموالية لإيران، والتمثيل بجثث بعضهم وإحراق مساكنهم.
 
لم يقرأ أوباما تقارير مذهلة نشرتها منظمات حقوقية دولية، تتضمن صوراً مرعبة لمناطق مدمرة ومقابر جماعية، وهو لن يهتم بتقارير أخرى ستصدر لاحقاً، ولن يتحمل مسؤوليته تجاه ما ستنقله وكالات الأنباء ووسائل الإعلام من داخل الأنبار في الأسابيع القادمة، لسبب بسيط هو أن هاجس التفاهم مع إيران بأي ثمن يدفعه للمشاركة غير المباشرة في التدمير الثاني للعراق.
 
----------------------
* نقلا عن الاتحاد الإماراتية، الأربعاء، 3/6/2015.

رابط دائم: